Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:141
6:141Page 146
۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهَذا الحَقِّ المَذْكُورِ هُنا، وهَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ لا ؟ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا الحَقُّ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومالِكٌ، ونَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدٍ، وغَيْرِهِما، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٌ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
وَقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ الزَّكاةَ، وإنَّما المُرادُ بِهِ أنَّهُ يُعْطِي مَن حَضَرَ مِنَ المَساكِينِ يَوْمَ الحَصادِ القَبْضَةَ، والضِّغْثَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الوُجُوبِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النَّدْبِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: هو حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ، أمَرَ اللَّهُ بِهِ نَدْبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْهُ ﷺ قالَ مُجاهِدٌ: إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ، وإذا جَذَذْتَ فَألْقِ لَهم مِنَ الشَّمارِيخِ، وإذا دَرَسْتَهُ وذَرَيْتَهُ فاطْرَحْ لَهم مِنهُ، وإذا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فَأخْرِجْ مِنهُ زَكاتَهُ.
وَقالَ قَوْمٌ: هو حَقٌّ واجِبٌ غَيْرُ الزَّكاةِ، وهو غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ عَطاءٌ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ قَوْمٌ: هي مَنسُوخَةٌ بِالزَّكاةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَزاهُ الشَّوْكانِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ لِجُمْهُورِ العُلَماءِ، وأيَّدَهُ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وآيَةُ الزَّكاةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في القَوْلِ بِالنَّسْخِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ شَيْئًا واجِبًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ فَصَّلَ بَيانَهُ، وبَيَّنَ مِقْدارَ المُخْرَجِ وكَمِّيَّتَهُ، قالُوا: وكانَ هَذا في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَمُرادُهُ أنَّ شَرْعَ الزَّكاةِ بَيانٌ لِهَذا الحَقِّ لا نَسْخٌ لَهُ، ومِمَّنْ رَوى عَنْهُ القَوْلَ بِالنُّسَخِ ابْنُ (p-٤٩٥)عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وطاوُسٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكانِيُّ، والقُرْطُبِيُّ أيْضًا ونَقَلَهُ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعَطِيَّةَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ لِلنَّسْخِ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ زَكاةَ الحَرْثِ لا تُؤْخَذُ إلّا بَعْدَ التَّذْرِيَةِ والتَّنْقِيَةِ، وزَكاةَ التَّمْرِ لا تُؤْخَذُ إلّا بَعْدَ الجِذاذِ، فَدَلَّ عَلى عَدَمِ الأخْذِ يَوْمَ الحَصادِ، فَعُلِمَ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، أوْ أنَّها عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ، فالأمْرُ واضِحٌ.
وَعَلى أنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ، فَقَدْ أُشِيرَ إلى أنَّ هَذا الحَقَّ المَذْكُورَ هو جُزْءُ المالِ الواجِبُ في النِّصابِ في آياتِ الزَّكاةِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٧]، وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ يُحْتاجُ هُنا إلى بَيانِ ثَلاثَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: تَعْيِينُ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ.
الثّانِي: تَعْيِينُ القَدْرِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِنهُ.
الثّالِثُ: تَعْيِينُ القَدْرِ الواجِبِ فِيهِ وسَنُبَيِّنُها إنْ شاءَ اللَّهُ مُفَصَّلَةً.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في وُجُوبِ الزَّكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
واخْتُلِفَ فِيما سِواها مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ، فَقالَ قَوْمٌ: لا زَكاةَ في غَيْرِها مِن جَمِيعِ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِالحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ.
وَقالَ بِهِ مِنَ الكُوفِيِّينَ ابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وابْنُ المُبارَكِ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو مَذْهَبُ أبِي مُوسى، فَإنَّهُ كانَ لا يَأْخُذُ الزَّكاةَ إلّا مِنَ الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ذَكَرَهُ وكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ.
واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّهُ قالَ: إنَّما سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكاةَ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «والعُشْرُ في التَّمْرِ (p-٤٩٦)والزَّبِيبِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ»، وعَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكاةَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ: الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ» .
وَعَنْ أبِي بُرْدَةَ، «عَنْ أبِي مُوسى، ومُعاذٍ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمانِ النّاسَ أمْرَ دِينِهِمْ، فَأمَرَهم ألّا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلّا مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ، الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ“»، رَواها كُلَّها الدّارَقُطْنِيُّ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مِن أنَّهُ ﷺ إنَّما سَنَّ الزَّكاةَ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَإسْنادُهُ واهٍ؛ لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَزْرَمِيِّ، وهو مَتْرُوكٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، وما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ﷺ إنَّما سَنَّ الزَّكاةَ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، قالَ فِيهِ أبُو زُرْعَةَ: مُوسى عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا، وما عَزاهُ لِلدّارَقُطْنِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي مُوسى، ومُعاذٍ، رَواهُ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْهُما.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: رُواتُهُ ثِقاتٌ، وهو مُتَّصِلٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا، وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: تَجِبُ الزَّكاةُ في كُلِّ مُقْتاتٍ مُدَّخَرٍ، وذَلِكَ عِنْدَهُ في ثِمارِ الأشْجارِ، إنَّما هو التَّمْرُ والزَّبِيبُ فَقَطْ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِهِ وُجُوبُ الزَّكاةِ في الزَّيْتُونِ، إذا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ولَكِنَّها تُخْرَجُ مِن زَيْتِهِ بَعْدَ العَصْرِ، فَيُخْرَجُ عُشْرُهُ أوْ نِصْفُ عُشْرِهِ عَلى ما سَيَأْتِي، فَإنْ لَمْ يَبْلُغْ حَبُّهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، فَلا زَكاةَ عِنْدَهُ في زَيْتِهِ، وحُكْمُ السِّمْسِمِ، وبَزْرِ الفُجْلِ الأحْمَرِ، والقُرْطُمِ حُكْمُ الزَّيْتُونِ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، يُخْرَجُ مِن زَيْتِها إنْ بَلَغَ حَبُّها النِّصابَ.
وَقالَ اللَّخْمِيُّ: لا يُضَمُّ زَيْتُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ لِاخْتِلافِ أجْناسِها، ومَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَدَمُ وُجُوبِها في التِّينِ، وأوْجَبَها فِيهِ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ بِمُقْتَضى أُصُولِهِ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أظُنُّ مالِكًا ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ التِّينَ يَيْبَسُ، ويُقْتاتُ، ويُدَّخَرُ، ولَوْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَجَعَلَهُ كالزَّبِيبِ، ولَما عَدَّهُ مَعَ الفَواكِهِ الَّتِي لا تَيْبَسُ، ولا تُدَّخَرُ كالرُّمّانِ، والفِرْسِكِ، والَّذِي تَجِبُ فِيهِ مِنَ الحُبُوبِ عِنْدَهُ هو ما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ، وذَلِكَ الحِنْطَةُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ والعَلَسُ، والدُّخْنُ، والذُّرَةُ، والأرُزُّ، والعَدَسُ، والجُلُبّانُ، واللُّوبِيا، والجُلْجُلانِ، والتُّرْمُسُ، والفُولُ، والحِمَّصُ، والبَسِيلَةُ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ أنَّ الكِرْسِنَّةَ لا زَكاةَ فِيها؛ لِأنَّها عَلَفٌ، وعَنْ أشْهَبَ وُجُوبُ الزَّكاةِ فِيها، وهي مِنَ القَطانِيِّ عَلى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ في بابِ الرِّبا، دُونَ بابِ الزَّكاةِ.
(p-٤٩٧)وَقِيلَ هي البَسِيلَةُ، وجَمِيعُ أنْواعِ القَطانِيِّ عِنْدَ مالِكٍ جِنْسٌ واحِدٌ في الزَّكاةِ، فَلَوْ حَصَدَ وسْقًا مِن فُولٍ، ووَسْقًا مِن حِمَّصٍ، وآخَرَ مِن عَدَسٍ، وآخَرَ مِن جُلُبّانٍ، وآخَرَ مَن لُوبِيا، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَضُمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ويُخْرِجَ الزَّكاةَ مِنها كُلُّ واحِدٍ بِحَسَبِهِ، وكَذَلِكَ يُضَمُّ عِنْدَهُ القَمْحُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كالصِّنْفِ الواحِدِ، وتُخْرَجُ الزَّكاةُ مِنها كُلٌّ بِحَسَبِهِ، ولا يُضَمُّ عِنْدَهُ تَمْرٌ إلى زَبِيبٍ، ولا حِنْطَةٌ إلى قُطْنِيَّةٍ، ولا تَمْرٍ إلى حِنْطَةٍ، ولا أيُّ جِنْسٍ إلى جِنْسٍ آخَرَ، غَيْرَ ما ذَكَرْنا عَنْهُ ضَمَّهُ لِتَقارُبِ المَنفَعَةِ فِيهِ عِنْدَهُ، والنَّوْعُ الواحِدُ، كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ يُضَمُّ بَعْضُ أنْواعِهِ إلى بَعْضٍ كَصَيْحانِيٍّ، وبَرْنِيٍّ، وسَمْراءَ، ومَحْمُولَةٍ، وزَبِيبٍ أسْوَدَ، وزَبِيبٍ أحْمَرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا زَكاةَ عِنْدَ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ غَيْرَ ما ذَكَرْنا، كالرُّمّانِ - والتُّفّاحِ - والخَوْخِ والإجّاصِ، والكُمَّثْرى، واللَّوْزِ، والجَوْزِ، والجِلَّوْزِ، ونَحْوِ ذَلِكَ كَما لا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الخُضْراواتِ، قالَ في ”المُوَطَّإ“: السُّنَّةُ الَّتِي لا اخْتِلافَ فِيها عِنْدَنا، والَّذِي سَمِعْتُ مِن أهْلِ العِلْمِ: أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ كُلِّها صَدَقَةٌ، الرُّمّانُ، والفِرْسِكُ، والتِّينُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وما لَمْ يُشْبِهْهُ إذا كانَ مِنَ الفَواكِهِ.
قالَ: ولا في القَضْبِ، ولا في البُقُولِ كُلِّها صَدَقَةٌ، ولا في أثْمانِها إذا بِيعَتْ صَدَقَةٌ، حَتّى يَحُولَ عَلى أثْمانِها الحَوْلُ مِن يَوْمِ بَيْعِها، ويَقْبِضُ صاحِبُها ثَمَنَها وهو نِصابٌ. اهـ.
والفِرْسِكُ: بِكَسْرِ الفاءِ والسِّينِ بَيْنَها راءٌ ساكِنَةٌ آخِرُهُ كافٌ - الخَوْخُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، وقِيلَ: نَوْعٌ مِثْلُهُ في القَدْرِ، وهو أجْرَدُ أمْلَسُ أحْمَرُ وأصْفَرُ جَيِّدٌ، وقِيلَ: ما لَيْسَ يَنْفَلِقُ عَنْ نَواةٍ مِنَ الخَوْخِ. وإذا كانَ الزَّرْعُ أوِ الثَّمَرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ، فَقَدْ قالَ فِيهِ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“: في النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذّانِ مِنهُ ثَمانِيَةَ أوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ أنَّهُ لا صَدَقَةَ عَلَيْهِما فِيها، وأنَّهُ إنْ كانَ لِأحَدِهِما مِنها ما يَجُذُّ مِنهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ولِلْآخَرِ ما يَجُذُّ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ، أوْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ في أرْضٍ واحِدَةٍ، كانَتِ الصَّدَقَةُ عَلى صاحِبِ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ، ولَيْسَ عَلى الَّذِي جَذَّ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ أوْ أقَلَّ مِنها صَدَقَةٌ، وكَذَلِكَ العَمَلُ في الشُّرَكاءِ كُلِّهِمْ في كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الحُبُوبِ كُلِّها يُحْصَدُ، أوِ النَّخْلِ يُجَذُّ، أوِ الكَرْمِ يُقْطَفُ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم يَجُذُّ مِنَ التَّمْرِ، أوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، أوْ يَحْصُدُ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكاةُ، ومَن كانَ حَقُّهُ أقَلَّ مِن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فَلا صَدَقَةَ عَلَيْهِ.
وَإنَّما تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلى مَن بَلَغَ جِذاذَهُ، أوْ قِطافَهُ، أوْ حَصادَهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، انْتَهى مِن (p-٤٩٨)”مُوَطَّإ“ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَإذا أمْسَكَ ذَلِكَ الحَبَّ أوِ التَّمْرَ الَّذِي أخْرَجَ زَكاتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ باعَهُ - فَحُكْمُهُ عِنْدَ مالِكٍ ما ذَكَرَهُ في ”مُوَطَّئِهِ“ حَيْثُ قالَ: السُّنَّةُ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ مِن هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها الحِنْطَةِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والحُبُوبِ كُلِّها، ثُمَّ أمْسَكَهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ أدّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ باعَهُ، أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ في ثَمَنِهِ زَكاةٌ، حَتّى يَحُولَ عَلى ثَمَنِهِ الحَوْلُ مِن يَوْمِ باعَهُ، إذا كانَ أصْلُ تِلْكَ الأصْنافِ مِن فائِدَةٍ أوْ غَيْرِها، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجارَةِ.
وَإنَّما ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الطَّعامِ، والحُبُوبِ، والعُرُوضِ يُفِيدُها الرَّجُلُ، ثُمَّ يُمْسِكُها سِنِينَ، ثُمَّ يَبِيعُها بِذَهَبٍ أوْ ورِقٍ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ في ثَمَنِها زَكاةٌ حَتّى يَحُولَ عَلَيْها الحَوْلُ مِن يَوْمِ باعَها، فَإنْ كانَ أصْلُ تِلْكَ العُرُوضِ لِلتِّجارَةِ؛ فَعَلى صاحِبِها فِيها الزَّكاةُ حِينَ يَبِيعُها، إذا كانَ حَبَسَها سَنَةً مِن يَوْمِ زَكّى المالَ الَّذِي ابْتاعَها بِهِ، انْتَهى في ”المُوَطَّإ“، وهَذا في المُحْتَكِرِ، أمّا المُدِيرُ فَإنَّهُ يُقَوِّمُها بَعْدَ حَوْلٍ مِن زَكاتِهِ، كَما في ”المُدَوَّنَةِ“ عَنِ ابْنِ القاسِمِ.
هَذا هو حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لا تَجِبُ الزَّكاةُ في شَيْءٍ مِن ثِمارِ الأشْجارِ أيْضًا، إلّا فِيما كانَ قُوتًا يُدَّخَرُ، وذَلِكَ عِنْدَهُ التَّمْرُ والزَّبِيبُ فَقَطْ، كَما تَقَدَّمَ عَنْ مالِكٍ، ولا تَجِبُ عِنْدَهُ في سِواهُما مِنَ الثِّمارِ كالتِّينِ، والتُّفّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، والرُّمّانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأقْواتِ ولا مِنَ الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ، ولا تَجِبُ عِنْدَهُ في طَلْعِ الفُحّالِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الثِّمارُ.
واخْتَلَفَ قَوْلُهُ في الزَّيْتُونِ، فَقالَ في القَدِيمِ، تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ؛ لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ جَعَلَ في الزَّيْتِ العُشْرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: في الزَّيْتُونِ الزَّكاةُ، وقالَ في الجَدِيدِ: لا زَكاةَ في الزَّيْتُونِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ فَهو كالخُضْراواتِ.
* *
واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أيْضًا في الوَرْسِ، فَقالَ في القَدِيمِ: تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، لِما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلى بَنِي خُفّاشٍ، أنْ أدُّوا زَكاةَ الذُّرَةِ والوَرْسِ، وقالَ في الجَدِيدِ: لا زَكاةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ نَبْتٌ لا يُقْتاتُ، فَأشْبَهَ الخُضْراواتِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَن قالَ: لا عُشْرَ في الوَرْسِ لَمْ يُوجِبْ في الزَّعْفَرانِ، ومَن قالَ: يَجِبُ في الوَرْسِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُوجِبَ في الزَّعْفَرانِ؛ لِأنَّهُما (p-٤٩٩)طَيِّبانِ، ويُحْتَمَلُ ألّا يُوجِبَ في الزَّعْفَرانِ، ويُفَرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الوَرْسَ شَجَرٌ لَهُ ساقٌ، والزَّعْفَرانَ نَباتٌ، واخْتَلَفَ قَوْلُهُ أيْضًا في العَسَلِ فَقالَ في القَدِيمِ: يَحْتَمِلُ أنْ تَجِبَ فِيهِ، ووَجْهُهُ ما رُوِيَ أنَّ بَنِي شَبابَةَ ”بَطْنٌ مِن فَهْمٍ“ كانُوا يُؤَدُّونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن نَحْلٍ كانَ عِنْدَهُمُ العُشْرَ، مِن عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً، وقالَ في الجَدِيدِ: لا تَجِبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ فَلا يَجُبْ فِيهِ العُشْرُ كالبَيْضِ.
واخْتَلَفَ قَوْلُهُ أيْضًا في القُرْطُمِ، وهو حَبُّ العُصْفُرِ، فَقالَ في القَدِيمِ: تَجِبُ إنْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ في الجَدِيدِ: لا تَجِبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ، فَأشْبَهَ الخُضْراواتِ، قالَهُ كُلَّهُ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ: ”أنَّهُ جَعَلَ في الزَّيْتِ العُشْرَ“، ضَعِيفٌ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ: إسْنادُهُ مُنْقَطِعٌ، وراوِيهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، قالَ: وأصَحُّ ما رُوِيَ في الزَّيْتُونِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في زَكاةِ الزَّيْتُونِ، أنْ يُؤْخَذَ مِمَّنْ عَصَرَ زَيْتُونَهُ حِينَ يَعْصِرُهُ، فِيما سَقَتِ السَّماءُ أوْ كانَ بَعْلًا العُشْرُ، وفِيما سُقِيَ بِرَشِّ النّاضِحِ نِصْفُ العُشْرِ، وهَذا مَوْقُوفٌ لا يُعْلَمُ اشْتِهارُهُ، ولا يُحْتَجُّ بِهِ عَلى الصَّحِيحِ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: وحَدِيثُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أعْلى، وأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَعْنِي رِوايَتَهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُما، لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: «لا تَأْخُذا في الصَّدَقَةِ إلّا مِن هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ» .
وَأمّا الأثَرُ المَذْكُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَضَعِيفٌ أيْضًا، والأثَرُ المَذْكُورُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَعِيفٌ أيْضًا، ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ وضَعَّفَهُ هو وغَيْرُهُ، واتَّفَقَ الحُفّاظُ عَلى ضَعْفِهِ، واتَّفَقَ أصْحابُنا في كُتُبِ المَذْهَبِ عَلى ضَعْفِهِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: ولَمْ يَثْبُتْ في هَذا إسْنادٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، قالَ: والأصْلُ عَدَمُ الوُجُوبِ فَلا زَكاةَ فِيما لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أوْ كانَ في مَعْنى ما ورَدَ بِهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وأمّا حَدِيثُ بَنِي شَبابَةَ في العَسَلِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُما مِن رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ: لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا كَبِيرُ شَيْءٍ، قالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ ”العِلَلِ“: قالَ البُخارِيُّ: لَيْسَ في زَكاةِ العَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ.
فالحاصِلُ أنَّ جَمِيعَ الآثارِ، والأحادِيثِ الَّتِي في هَذا الفَصْلِ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى كَلامُ (p-٥٠٠)النَّوَوِيِّ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في أثَرِ عُمَرَ المَذْكُورِ في الزَّيْتُونِ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ مُنْقَطِعٍ، والرّاوِي لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ ضَعِيفٌ، قالَ: وأصَحُّ ما في البابِ قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ: ”مَضَتِ السُّنَّةُ في زَكاةِ الزَّيْتُونِ“ إلَخْ.
وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا، في أثَرِ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورِ في الزَّيْتُونِ: ذَكَرَهُ ”صاحِبُ المُهَذَّبِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وفي إسْنادِهِ لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا: رَوى الحاكِمُ في تارِيخِ ”نَيْسابُورَ“ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «الزَّكاةُ في خَمْسٍ: في البُرِّ، والشَّعِيرِ، والأعْنابِ، والنَّخِيلِ، والزَّيْتُونِ»، وفي إسْنادِهِ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وهو الوَقّاصِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الأثَرِ المَذْكُورِ عَنْ أبِي بَكْرٍ: أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ الزَّكاةَ مِن حَبِّ العُصْفُرِ، وهو القُرْطُمُ، لَمْ أجِدْ لَهُ أصْلًا، وقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا في خَبَرِ أخْذِهِ ﷺ زَكاةَ العَسَلِ: أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «في العَسَلِ في كُلِّ عَشْرَةِ أزْقاقٍ زِقٌّ»، وقالَ في إسْنادِهِ مَقالٌ، ولا يَصِحُّ، وفي إسْنادِهِ صَدَقَةُ السَّمِينُ، وهو ضَعِيفُ الحِفْظِ.
وَقَدْ خُولِفَ، وقالَ النَّسائِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ صَدَقَةُ، وهو ضَعِيفٌ، وقَدْ تابَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُوسى بْنِ يَسارٍ، ذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ تَضْعِيفُهُ، وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أنَّهُ سَألَ البُخارِيَّ عَنْهُ، فَقالَ: هو عَنْ نافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ، ونَقَلَ الحاكِمُ في تارِيخِ ”نَيْسابُورَ“، عَنْ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى الذُّهْلِيُّ بِحَدِيثٍ كادَ أنْ يَهْلِكَ، حَدَّثَ عَنْ عارِمٍ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أُخِذَ مِنَ العَسَلِ العُشْرُ» .
قالَ أبُو حاتِمٍ: وإنَّما هو عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ كَذَلِكَ: حَدَّثَناهُ عارِمٌ، وغَيْرُهُ قالَ: ولَعَلَّهُ سَقَطَ مِن كِتابِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، فَدَخَلَهُ هَذا الوَهْمُ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفي البابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قُلْتُ: رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن (p-٥٠١)رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ المِصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «”جاءَ هِلالٌ“ أحَدُ بَنِي مُتْعانَ ”إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وسَألَهُ أنْ يَحْمِيَ وادِيًا لَهُ يُقالُ لَهُ“ سَلَبَةُ " فَحَماهُ لَهُ، فَلَمّا ولّى عُمَرُ كَتَبَ إلى سُفْيانَ بْنِ وهْبٍ، إنْ أدّى إلَيْكَ ما كانَ يُؤَدِّي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عُشُورِ نَحْلِهِ فاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وإلّا فَإنَّما هو ذُبابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَن يَشاءُ» .
قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: يُرْوى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ، وابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُسْنَدًا، ورَواهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُرْسَلًا، عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا، قُلْتُ: فَهَذِهِ عِلَّتُهُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسا مِن أهْلِ الإتْقانِ، ولَكِنْ تابَعَهُما عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أحَدُ الثِّقاتِ، وتابَعَهُما أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، وغَيْرِهِ كَما مَضى.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفِيهِ عَنْ أبِي سَيّارَةَ، قُلْتُ: هو المُتَعِيُّ، قالَ: «”قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي نَحْلًا، قالَ:“ أدِّ العُشُورَ "، قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِ لِي جَبَلَها»، رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ مِن رِوايَةِ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، عَنْ أبِي سَيّارَةَ، وهو مُنْقَطِعٌ.
قالَ البُخارِيُّ: لَمْ يُدْرِكْ سُلَيْمانُ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ، ولَيْسَ في زَكاةِ العَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ، وقالَ أبُو عُمَرَ: لا تَقُومُ بِهَذا حُجَّةٌ، قالَ: وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وفي إسْنادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وهو مَتْرُوكٌ، ورَواهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي ذُبابٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلى قَوْمِهِ، وأنَّهُ قالَ لَهم: ”أدُّوا العُشْرَ في العَسَلِ»، وأتى بِهِ عُمَرُ، فَقَبَضَهُ، فَباعَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ في صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ“، وفي إسْنادِهِ مُنِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ، والأزْدِيُّ، وغَيْرُهُما.
قالَ الشّافِعِيُّ: وسَعْدُ بْنُ أبِي ذُبابٍ، يَحْكِي ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وأنَّهُ شَيْءٌ رَآهُ هو فَتَطَوَّعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، وقالَ الزَّعْفَرانِيُّ، عَنِ الشّافِعِيِّ: الحَدِيثُ في أنَّ في العَسَلِ العُشْرَ ضَعِيفٌ، واخْتِيارِي أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِنهُ، وقالَ البُخارِيُّ: لا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.
وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثابِتٌ، وفي ”المُوَطَّأِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قالَ: ”جاءَ كِتابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إلى أبِي، وهو بِمِنًى: ألّا تَأْخُذْ مِنَ الخَيْلِ، ولا مِنَ العَسَلِ صَدَقَةً“، انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
(p-٥٠٢)وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: إنَّ حَدِيثَ مُعاذٍ: أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ زَكاةَ العَسَلِ، وأنَّهُ قالَ: ”لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ“، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ”المَراسِيلِ“، والحُمَيْدِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنْهُ، وفِيهِ انْقِطاعٌ بَيْنَ طاوُسٍ ومُعاذٍ، لَكِنْ قالَ البَيْهَقِيُّ: هو قَوِيٌّ؛ لِأنَّ طاوُسًا كانَ عارِفًا بِقَضايا مُعاذٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ زَكاتِهِ أحْوَطُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ونَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ عَنْ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ.
وَحُجَّتُهُمُ الأحادِيثُ الَّتِي رَأيْتَ، ولا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في الجَدِيدِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وغَيْرِهِمْ.
وَحُجَّتُهم عَدَمُ صِحَّةِ ما ورَدَ فِيهِ، وأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وأنَّهُ مائِعٌ خارِجٌ مِن حَيَوانٍ فَأشْبَهَ اللَّبَنَ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ في أرْضٍ لِلْعُشْرِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وإلّا فَلا زَكاةَ فِيهِ، ونِصابُ العَسَلِ، قِيلَ: خَمْسَةُ أفْراقٍ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ: خَمْسَةُ أوْسُقٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالعِراقِيِّ، وقِيلَ: سِتُّونَ رِطْلًا، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ رِطْلًا، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آصُعٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. قالَهُ في ”المُغْنِي“ .
وَأمّا الحُبُوبُ: فَلا تَجِبُ الزَّكاةُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ إلّا فِيما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ مِنها، ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ الَّتِي لا تُقْتاتُ ولا تُدَّخَرُ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الخُضْراواتِ، فَمَذْهَبُهُ يُوافِقُ مَذْهَبَ مالِكٍ، كَما قَدَّمْنا، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ لا يَضُمُّ بَعْضَ الأنْواعِ إلى بَعْضٍ، ومالِكٌ يَضُمُّ القَطانِيَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ في الزَّكاةِ، وكَذَلِكَ القَمْحُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ، كَما تَقَدَّمَ.
* *
وَأمّا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَهو وُجُوبُ الزَّكاةِ فِيما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، مِمّا يَيْبَسُ، ويَبْقى، مِمّا يُكالُ. فَأوْصافُ المُزَكِّي عِنْدَهُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ ثَلاثَةٌ: وهي الكَيْلُ، والبَقاءُ، واليُبْسُ، فَما كانَ كَذَلِكَ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ وجَبَتْ فِيهِ عِنْدَهُ، سَواءٌ كانَ قُوتًا أمْ لا، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ؛ فَتَجِبُ عِنْدَهُ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ، (p-٥٠٣)والأرُزِّ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والقَطانِيِّ كالباقِلّا، والعَدَسِ، والحِمَّصِ، والأبازِيرِ كالكَمُّونِ، والكَراوْيا، والبَزْرِ كَبَزْرِ الكَتّانِ، والقِثّاءِ، والخِيارِ، وحَبِّ البُقُولِ كالرَّشادِ، وحَبِّ الفُجْلِ، والقُرْطُمِ، والسِّمْسِمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الحُبُوبِ، كَما تَجِبُ عِنْدَهُ أيْضًا فِيما جَمَعَ الأوْصافَ المَذْكُورَةَ مِنَ الثِّمارِ، كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ. ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ: كالخَوْخِ، والإجّاصِ، والكُمَّثْرى، والتُّفّاحِ، والتِّينِ، والجَوْزِ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الخُضَرِ: كالقِثّاءِ، والخِيارِ، والباذِنْجانِ، واللِّفْتِ، والجَزَرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُرْوى نَحْوُ ما ذَكَرْنا عَنْ أحْمَدَ في الحُبُوبِ، عَنْ عَطاءٍ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ: لا شَيْءَ في الأبازِيرِ، ولا البَزْرِ، ولا حَبِّ البُقُولِ.
قالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: ولَعَلَّهُ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ إلّا فِيما كانَ قُوتًا، أوْ أدَمًا؛ لِأنَّ ما عَداهُ لا نَصَّ فِيهِ، ولا هو في مَعْنى المَنصُوصِ؛ فَيَبْقى عَلى النَّفْيِ الأصْلِيِّ. ولا زَكاةَ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما يَنْبُتُ مِنَ المُباحِ الَّذِي لا يُمْلَكُ، إلّا بِأخْذِهِ: كالبُطْمِ، وشَعِيرِ الجَبَلِ، وبِزْرِ قُطُونا، وبِزْرِ البَقْلَةِ، وحَبِّ النَّمامِ، وبِزْرِ الأُشْنانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعَنِ القاضِي: أنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، إذا نَبَتَ بِأرْضِهِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنْ تَساقَطَ في أرْضِهِ حَبٌّ كَحِنْطَةٍ مَثَلًا فَنَبَتَ، فَفِيهِ الزَّكاةُ؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُهُ. ولا تَجِبُ الزَّكاةُ فِيما لَيْسَ بِحَبٍّ، ولا ثَمَرٍ، سَواءٌ وُجِدَ فِيهِ الكَيْلُ والِادِّخارُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلا تَجِبُ في ورَقٍ مِثْلِ ورَقِ السِّدْرِ، والخِطْمِيِّ، والأُشْنانِ، والصَّعْتَرِ، والآسِ، ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ، ولا في مَعْنى المَنصُوصِ، ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في الأزْهارِ: كالزَّعْفَرانِ، والعُصْفُرِ، والقُطْنِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِحَبٍّ، ولا ثَمَرٍ، ولا هي بِمَكِيلٍ؛ فَلَمْ تَجِبْ فِيها زَكاةٌ كالخُضْراواتِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ في القُطْنِ شَيْءٌ، وقالَ: لَيْسَ في الزَّعْفَرانِ زَكاةٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
واخْتَلَفَتْ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ: فَرَوى عَنْهُ ابْنُهُ صالِحٌ: أنَّ فِيهِ الزَّكاةَ، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِيهِ، قالَهُ أيْضًا صاحِبُ المُغْنِي، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ قائِلٌ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، طَعامًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ عَنْهُ: إلّا الحَطَبُ، والحَشِيشُ، والقَصَبُ، والتِّبْنُ، والسَّعَفُ، وقَصَبُ الذَّرِيرَةِ، وقَصَبُ السُّكَّرِ. اهـ. والذَّرِيرَةُ: قَصَبٌ (p-٥٠٤)يُجاءُ بِهِ مِنَ الهِنْدِ، كَقَصَبِ النِّشابِ، أحْمَرُ يُتَداوى بِهِ، ومِمَّنْ قالَ مِثْلَ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ النَّخَعِيُّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وهو قَوْلُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ شَيْخِ أبِي حَنِيفَةَ، ونَصَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ في أحْكامِهِ، قالَ: وأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الآيَةَ مِرْآتَهُ فَأبْصَرَ الحَقَّ. هَذا هو حاصِلُ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في تَعْيِينِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ، وسَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ إلى دَلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences