Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:141

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:141, continued

أمّا أبُو حَنِيفَةَ: فَقَدِ احْتَجَّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ فِيها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] الآيَةَ، وبِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٧]، وبِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ»، الحَدِيثَ، ولَمْ يَقْبَلْ تَخْصِيصَهُ بِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؛ لِأنَّ القاعِدَةَ المُقَرَّرَةَ في أُصُولِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ العامَ قَطْعِيُّ الشُّمُولِ، والتَّناوُلُ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ كَما أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَهُوَ عَلى فَرْدٍ يَدُلُّ حَتْما وفَهْمُ الِاسْتِغْراقِ لَيْسَ جَزْما

؎بَلْ هو عِنْدَ الجِلِّ بِالرُّجْحانِ ∗∗∗ والقَطْعُ فِيهِ مَذْهَبُ النُّعْمانِ

فَما كانَ أقَلُّ مِن خَمْسَةِ أوْسُقٍ يَدْخُلُ عِنْدَهُ دُخُولًا مَجْزُومًا بِهِ في عُمُومِ الآياتِ المَذْكُورَةِ والحَدِيثِ، فَلا يَلْزَمُ عِنْدَهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالخاصِّ، بَلْ يَتَعارَضانِ، وتَقْدِيمُ ما دَلَّ عَلى الوُجُوبِ أوْلى مِن تَقْدِيمِ ما دَلَّ عَلى غَيْرِهِ لِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ.

وَأمّا مالِكٌ والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - فَحَجَّتُهُما في قَوْلِهِما: إنَّهُ لا زَكاةَ غَيْرُ النَّخْلِ والعِنَبِ مِنَ الأشْجارِ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الحُبُوبِ إلّا فِيما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ، ولا زَكاةَ في الفَواكِهِ ولا الخُضْراواتِ؛ لِأنَّ النَّصَّ والإجْماعَ دَلّا عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها مُقْتاتٌ مُدَّخَرٌ، فَألْحَقُوا بِها كُلَّ ما كانَ في مَعْناها لِكَوْنِهِ مُقْتاتًا ومُدَّخَرًا، ولَمْ يَرَيا أنَّ في الأشْجارِ مُقْتاتًا ولا مُدَّخَرًا غَيْرَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ؛ فَلَمْ يُشارِكْهُما في العِلَّةِ غَيْرُهُما مِنَ الثِّمارِ، ولِذا قالَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ مالِكٍ بِوُجُوبِها في التِّينِ (p-٥٠٥)عَلى أُصُولِ مَذْهَبِ مالِكٍ؛ لِأنَّهُ كالزَّبِيبِ في الِاقْتِياتِ والِادِّخارِ.

وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: الظّاهِرُ أنَّ مالِكًا ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ التِّينَ كَذَلِكَ، وأمّا الحُبُوبُ فَيُوجَدُ فِيها الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ، فَألْحَقا بِالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ كُلَّ ما كانَ مُقْتاتًا مُدَّخَرًا، كالأرُزِّ، والذُّرةِ، والدُّخْنِ، والقَطانِيِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو إلْحاقٌ مِنهُما - رَحِمَهُما اللَّهُ - لِلْمَسْكُوتِ بِالمَنطُوقِ؛ بِجامِعِ العِلَّةِ الَّتِي هي عِنْدَهُما الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مُقْتاتًا مُدَّخَرًا مُناسِبٌ لِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ؛ لِاحْتِياجِ المَساكِينِ إلى قُوتٍ يَأْكُلُونَ مِنهُ ويَدَّخِرُونَ.

وَأمّا أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَحُجَّتُهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ فِيما يَبْقى ويَيْبَسُ ويُكالُ، أمّا ما لا يَيْبَسُ ولا يَبْقى، كالفَواكِهِ، والخُضْراواتِ، لَمْ تَكُنْ تُؤْخَذُ مِنهُ الزَّكاةُ في زَمَنِهِ ﷺ ولا زَمَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ.

وَدَلِيلُهُ في اشْتِراطِهِ الكَيْلَ قَوْلُهُ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، قالَ: فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ مَحَلَّ الواجِبِ في الوَسْقِ، وهو خاصٌّ بِالمَكِيلِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

أمّا دَلِيلُ الجُمْهُورِ مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلى أنَّ الفَواكِهَ والخُضْراواتِ لا زَكاةَ فِيها فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ الخُضْراواتِ كانَتْ كَثِيرَةً بِالمَدِينَةِ جِدًّا، والفَواكِهَ كانَتْ كَثِيرَةً بِالطّائِفِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ أخَذَ الزَّكاةَ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ كانَ بِالطّائِفِ الرُّمّانُ، والفِرْسِكُ، والأُتْرُجُّ، فَما اعْتَرَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا ذَكَرَهُ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِهِ، قُلْتُ: وهَذا وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في الأحْكامِ هو الصَّحِيحُ في المَسْألَةِ، وأنَّ الخُضْراواتِ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيها: هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ، أوْ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ ؟ ولا قاطِعَ يُبَيِّنُ أحَدَ مَحامِلِها، بَلِ القاطِعُ المَعْلُومُ ما ذَكَرَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ في أحْكامِهِ: أنَّ الكُوفَةَ افْتُتِحَتْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْدَ اسْتِقْرارِ الأحْكامِ بِالمَدِينَةِ، أفَيَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ، أوْ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ أنْ تَكُونَ شَرِيعَةٌ مِثْلُ هَذِهِ عُطِّلَتْ فَلَمْ يُعْمَلْ بِها في دارِ الهِجْرَةِ ومُسْتَقِرِّ الوَحْيِ، ولا خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ حَتّى عَمِلَ بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ ؟ إنَّ هَذِهِ لَمُصِيبَةٌ فِيمَن ظَنَّ هَذا، أوْ قالَ بِهِ.

قُلْتُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا مِن مَعْنى التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، أتُراهُ يَكْتُمُ شَيْئًا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ (p-٥٠٦)أوْ بَيانِهِ ؟ حاشاهُ مِن ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ومِن كَمالِ الدِّينِ كَوْنُهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الخُضْراواتِ شَيْئًا، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فِيما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّ المَقاثِئَ كانَتْ تَكُونُ عِنْدَنا تَخْرُجُ عَشَرَةَ آلافٍ فَلا يَكُونُ فِيها شَيْءٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: تُزَكّى أثْمانُ الخُضَرِ إذا أيْنَعَتْ وبَلَغَ الثَّمَنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وقالَهُ الأوْزاعِيُّ في ثَمَنِ الفَواكِهِ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِما لِما ذَكَرْنا.

وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ مُعاذٍ: أنَّهُ كَتَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَسْألُهُ عَنِ الخُضْراواتِ، وهي البُقُولُ، فَقالَ: ”لَيْسَ فِيها شَيْءٌ“»، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ جابِرٍ، وأنَسٍ، وعَلِيٍّ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وأبِي مُوسى، وعائِشَةَ، ذَكَرَ أحادِيثَهُمُ الدّارَقُطْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ يَصِحُّ في هَذا البابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ، واحْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ صالِحِ بْنِ مُوسى عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «فِيما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ زَكاةٌ»، قالَ أبُو عُمَرَ: وهَذا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ مِن ثِقاتِ أصْحابِ مَنصُورٍ أحَدٌ هَكَذا، وإنَّما هو مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ.

قُلْتُ وإذا سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ لِضَعْفِ أسانِيدِها، لَمْ يَبْقَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِن تَخْصِيصِ عُمُومِ الآيَةِ، وعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ»، بِما ذَكَرْنا. اهـ. كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

وَحُجَّةُ مَن قالَ: بِأنَّهُ لا زَكاةَ في غَيْرِ الأرْبَعَةِ المُجْمَعِ عَلَيْها الَّتِي هي: الحِنْطَةُ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، والزَّبِيبُ، هي الأحادِيثُ الَّتِي قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ، وفِيها حَدِيثُ مُعاذٍ وأبِي مُوسى الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الخُضَرِ زَكاةٌ إلّا ما كانَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ باقِيَةٌ، سِوى الزَّعْفَرانِ ونَحْوِهِ مِمّا يُوزَنُ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وكانَ مُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ في العُصْفُرِ، والكَتّانِ، والبِزْرِ، فَإذا بَلَغَ بِزْرُهُما مِنَ القُرْطُمِ والكَتّانِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ؛ كانَ العُصْفُرُ والكَتّانُ تَبَعًا لِلْبِزْرِ، وأُخِذَ مِنهُ العُشْرُ أوْ نِصْفُ العُشْرِ، وأمّا القُطْنُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أحْمالٍ شَيْءٌ، والحِمْلُ ثَلاثُمِائَةِ مِن بِالعِراقِيِّ، والوَرْسُ والزَّعْفَرانُ لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أمْنانٍ مِنهُما شَيْءٌ، فَإذا بَلَغَ أحَدُهُما خَمْسَةَ أمْنانٍ كانَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: وكَذَلِكَ قَصَبُ السُّكَّرِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ السُّكَّرُ، ويَكُونُ في أرْضِ العُشْرِ دُونَ أرْضِ الخَراجِ فِيهِ ما في الزَّعْفَرانِ، وأوْجَبَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ الزَّكاةَ في أُصُولِ الثِّمارِ دُونَ البُقُولِ، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ أهْلُ مَذْهَبِهِ مالِكٌ وأصْحابُهُ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ.

* *

(p-٥٠٧)تَنْبِيهٌ

مَن قالَ: لا زَكاةَ في الرُّمّانِ، وهم جُمْهُورُ العُلَماءِ، ومَن قالَ: لا زَكاةَ في الزَّيْتُونِ، يَلْزَمُ عَلى قَوْلِ كُلٍّ مِنهم أنْ تَكُونَ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، مَنسُوخَةً أوْ مُرادًا بِها غَيْرُ الزَّكاةِ؛ لِأنَّها عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّها في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، لا يُمْكِنُ مَعَها القَوْلُ بِعَدَمِ زَكاةِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ؛ لِأنَّها عَلى ذَلِكَ صَرِيحَةٌ فِيها؛ لِأنَّ المَذْكُوراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، يَرْجِعُ إلى كُلِّها الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، كَما هو واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّيْتُونُ والرُّمّانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لا شَكَّ فِيهِ، فَقَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ بِعَدَمِ الزَّكاةِ في الرُّمّانِ يُقَوِّي القَوْلَ بِنَسْخِ الآيَةِ، أوْ أنَّها في غَيْرِ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وعَنْأبِي يُوسُفَ: أنَّهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ في الحِنّاءِ، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظّاهِرِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوِيٌّ جِدًّا مِن جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ ضَرْبانِ: مُوسَقٌ، وغَيْرُ مُوسَقٍ، فَما كانَ مُوسَقًا وجَبَتِ الزَّكاةُ فِيما بَلَغَ مِنهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ ولا زَكاةَ فِيما دُونَها مِنهُ»، وما كانَ غَيْرَ مُوسَقٍ فَفي قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ الزَّكاةُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: ”فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ“، ولا يُخَصَّصُ بِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوسَقٍ أصْلًا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو أسْعَدُ الأقْوالِ بِظاهِرِ النُّصُوصِ وفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَها، إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخُضْراواتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدِينَةِ، ولا الفَواكِهِ مَعَ كَثْرَتِها بِالطّائِفِ، ولَوْ كانَ العُمُومُ شامِلًا لِذَلِكَ لَبَيَّنَهُ ﷺ وإذا عَرَفْتَ كَلامَ العُلَماءِ في تَعْيِينِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وأدِلَّةَ أقْوالِهِمْ مِمّا ذَكَرْنا.

فاعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ قالُوا: لا تَجِبُ الزَّكاةُ إلّا في خَمْسَةِ أوْسُقٍ فَصاعِدًا؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» الحَدِيثَ. أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وأصْحابُهم، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وأبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، والحَكَمِ، والنَّخَعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ، وابْنِ أبِي (p-٥٠٨)لَيْلى، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وسائِرِ أهْلِ العِلْمِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ وغَيْرُهُ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فِيهِ إلّا أبا حَنِيفَةَ، ومَن تابَعَهُ، ومُجاهِدًا، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الوَسْقَ سِتُّونَ صاعًا، وهو بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها والفَتْحُ أشْهَرُ وأفْصَحُ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ اسْمٌ وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى أوْسُقٍ في القِلَّةِ وأوْساقٍ، وعَلى وُسُوقٍ في الكَثْرَةِ. واعْلَمْ أنَّ الصّاعَ أرْبَعَةُ أمْدادٍ بِمُدِّهِ ﷺ والمُدُّ بِالتَّقْرِيبِ: مِلْءُ اليَدَيْنِ المُتَوَسِّطَتَيْنِ، لا مَقْبُوضَتَيْنِ ولا مَبْسُوطَتَيْنِ، وتَحْدِيدُهُ بِالضَّبْطِ وزْنُ رِطْلٍ وثُلُثٍ بِالبَغْدادِيِّ، فَمَبْلَغُ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ مِنَ الأمْدادِ ألْفُ مُدٍّ ومِائَتا مُدٍّ، ومِنَ الصِّيعانِ ثَلاثُمِائَةٍ، وهي بِالوَزْنِ ألْفُ رِطْلٍ وسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ، والرِّطْلُ: وزْنُ مِائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا مَكِّيًّا، وزادَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أرْبَعَةَ أسْباعِ دِرْهَمٍ، كُلُّ دِرْهَمٍ وزْنُ خَمْسِينَ وخُمُسَيْ حَبَّةٍ مِن مُطْلَقِ الشَّعِيرِ، كَما حَرَّرَهُ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ، ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أدْرى النّاسِ بِحَقِيقَةِ المُدِّ والصّاعِ كَما هو مَعْلُومٌ، وقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.

وَأمّا الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ هَذِهِ المَسْألَةِ الثّالِثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ، وهو تَعْيِينُ القَدْرِ الواجِبِ إخْراجُهُ، فَلا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ وهو العُشْرُ فِيما لَيْسَ في سَقْيِهِ مَشَقَّةٌ، كالَّذِي يَسْقِيهِ المَطَرُ، أوِ النَّهَرُ، أوْ عُرُوقُهُ في الأرْضِ، وأمّا ما يُسْقى بِالآلَةِ كالَّذِي يُسْقى بِالنَّواضِحِ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ، وهَذا ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ، فَإنْ سَقى تارَةً بِمَطَرِ السَّماءِ مَثَلًا، وتارَةً بِالسّانِيَةِ فَإنِ اسْتَوَيا فَثَلاثَةُ أرْباعِ العُشْرٍ، بِلا خِلافٍ بَيْنَ العُلَماءِ، وإنْ كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أغْلَبَ فَقِيلَ: يُغَلَّبُ الأكْثَرُ ويَكُونُ الأقَلُّ تَبَعًا لَهُ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وعَطاءٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: يُؤْخَذُ بِالتَّقْسِيطِ، وهَذانِ القَوْلانِ كُلٌّ مِنهُما شَهَرَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، وحَكى بَعْضُهم رِوايَةً عَنْ مالِكٍ: أنَّ المُعْتَبَرَ ما حَيِيَ بِهِ الزَّرْعُ وتَمَّ، ومِمَّنْ قالَ بِالتَّقْسِيطِ مِنَ الحَنابِلَةِ: ابْنُ حامِدٍ، فَإنْ جَهِلَ المِقْدارَ وجَبَ العُشْرُ احْتِياطًا، كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“؛ وعَلَّلَهُ بِأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِتَحَقُّقِ الكُلْفَةِ، وإذا لَمْ يَتَحَقَّقِ المُسْقِطِ وجَبَ البَقاءُ عَلى الأصْلِ وهو ظاهِرٌ جِدًّا. وإنِ اخْتَلَفَ السّاعِي ورَبُّ المالِ في أيِّهِما سَقى بِهِ أكْثَرُ ؟ فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا يُسْتَحْلَفُونَ عَلى صَدَقاتِهِمْ، ولا وقْصَ في الحُبُوبِ والثِّمارِ، بَلْ كُلُّ ما زادَ عَلى النِّصابِ أُخْرِجَ مِنهُ بِحَسَبِهِ.

* *

(p-٥٠٩)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ قَدَّمْنا إجْماعَ العُلَماءِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في التَّمْرِ والزَّبِيبِ، وجُمْهُورِهِمْ عَلى أنَّهُما يُخْرَصانِ إذا بَدا صَلاحُهُما؛ لِأنَّ المالِكِينَ يَحْتاجُونَ إلى أكْلِ الرُّطَبِ والعِنَبِ؛ فَبِسَبَبِ ذَلِكَ شُرِعَ خَرْصُ التَّمْرِ والعِنَبِ، ويُخْرَصُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَجَرَةً شَجَرَةً، حَتّى يُعْلَمَ قَدْرُ ما في الجَمِيعِ الآنَ مِنَ الأوْساقِ، ثُمَّ يَسْقُطُ مِنهُ قَدْرُ ما يَنْقُصُهُ الجَفافُ، فَلَوْ كانَ فِيهِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ مِنَ العِنَبِ أوِ الرُّطَبِ، وإذا جَفَّ كانَتْ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ مَثَلًا، فَلا زَكاةَ فِيهِ؛ لِأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، لا مِنَ الرُّطَبِ والعِنَبِ، وإذا خَرَصَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا خَلّى بَيْنَ مالِكِيهِ وبَيْنَهُ، وبَعْدَ الجِذاذِ يَأْتُونَ بِقَدْرِ الزَّكاةِ عَلى الخَرْصِ المَذْكُورِ تَمْرًا أوْ زَبِيبًا، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الِاحْتِياطِ لِلْفُقَراءِ، والرِّفْقِ بِأرْبابِ الثِّمارِ، فَإنْ أصابَتْهُ بَعْدَ الخَرْصِ جائِحَةٌ، اعْتُبِرَتْ، وسَقَطَتْ زَكاةُ ما اجْتاحَتْهُ الجائِحَةُ، فَإنْ بَقِيَ بَعْدَها خَمْسَةُ أوْسُقٍ فَصاعِدًا أخْرَجَ الزَّكاةَ، وإلّا فَلا. ولا خِلافَ في اعْتِبارِ الجائِحَةِ بَعْدَ الخَرْصِ بَيْنَ العُلَماءِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِخَرْصِ النَّخِيلِ والأعْنابِ: الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى - وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وسَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ، ومَرْوانُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وعَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي المُخارِقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ، ومَنَعَهُ الثَّوْرِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ لا يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ، وإنَّما كانَ الخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلْقائِمِينَ عَلى الثِّمارِ؛ لِئَلّا يَخُونُوا، فَأمّا أنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ فَلا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ تُبْطِلُهُ نُصُوصُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ ”تَبُوكَ“ فَأتَيْنا وادِيَ القُرى عَلى حَدِيقَةٍ لِامْرَأةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”اخْرِصُوها“، فَخَرَصْناها، وخَرَصَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَةَ أوْسُقٍ، وقالَ: ”أحْصِيها حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ“، وانْطَلَقْنا حَتّى قَدِمْنا تَبُوكَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

قالَ: ”ثُمَّ أقْبَلْنا حَتّى قَدِمْنا وادِيَ القُرى، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَرْأةَ عَنْ حَدِيقَتِها (p-٥١٠)كَمْ بَلَغَ ثَمَرُها ؟ قالَتْ: بَلَغَ عَشْرَةَ أوْسُقٍ“»، فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الخَرْصِ، كَما تَرى.

وَعَنْ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَبْعَثُ عَلى النّاسِ مَن يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهم وثِمارَهم» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ.

وَعَنْ عَتّابٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ، كَما يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَتُؤْخَذُ زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ.

والتَّحْقِيقُ في حَدِيثِ عَتّابٍ هَذا: أنَّهُ مِن مَراسِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عَتّابًا؛ لِأنَّ مَوْلِدَ سَعِيدٍ في خِلافَةِ عُمَرَ، وعَتّابٌ ماتَ يَوْمَ ماتَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقَدْ أثْبَتَ الحُجَّةَ بِمَراسِيلِ سَعِيدٍ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِالمُرْسَلِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إنَّ مِن أصْحابِنا: مَن قالَ يُحْتَجُّ بِمَراسِيلِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُطْلَقًا، والأصَحُّ أنَّهُ إنَّما يُحْتَجُّ بِمَراسِيلِهِ إذا اعْتَضَدَتْ بِأحَدِ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يُسْنِدَ، أوْ يُرْسِلَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، أوْ يَقُولَ بِهِ بَعْضُ الصَّحابَةِ، أوْ أكْثَرُ العُلَماءِ، وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ هُنا؛ فَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينِ، ومَن بَعْدَهم عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في التَّمْرِ، والزَّبِيبِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وبِما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ تَعْلَمُ اتِّفاقَ الشّافِعِيَّةِ عَلى الِاحْتِجاجِ بِهَذا المُرْسَلِ، والأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ يَحْتَجُّونَ بِالمُرْسَلِ مُطْلَقًا، فَظَهَرَ إجْماعُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ عَلى الِاحْتِجاجِ بِمِثْلِ هَذا المُرْسَلِ، ورَوى هَذا الحَدِيثَ الدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدِيُّ مُتَّصِلًا، فَقالَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ.

وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ مِنهُ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الخَرْصِ، أوْ يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ الخَرْصِ؛ لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكاةَ قَبْلَ أنْ تُؤَكِّلَ الثِّمارُ وتُفَرِّقَ»، أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وقَدْ أُعِلَّ بِأنَّ فِيهِ واسِطَةً بَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ والزُّهْرِيِّ، ولَمْ يُعْرَفْ، وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والدّارَقُطْنِيُّ بِدُونِ الواسِطَةِ المَذْكُورَةِ، وابْنُ جُرَيْجٍ مُدَلِّسٌ؛ فَلَعَلَّهُ تَرَكَها تَدْلِيسًا، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وقالَ ذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلافَ فِيهِ قالَ: فَرَواهُ صالِحُ بْنُ أبِي الأخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأرْسَلَهُ مَعْمَرٌ، ومالِكٌ، وعَقِيلٌ: فَلَمْ يَذْكُرُوا أبا (p-٥١١)هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ جابِرًا يَقُولُ: خَرَصَها ابْنُ رَواحَةَ أرْبَعِينَ ألْفَ وسَقٍ.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: رَوى أحْمَدُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ إلى خَيْبَرَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ»، الحَدِيثَ.

وَرَوى أبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ: «لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ خَيْبَرَ أقَرَّهم، وجَعَلَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ فَخَرَصَها عَلَيْهِمْ»، الحَدِيثَ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَرَوى الدّارَقُطْنِيُّ «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أباهُ خارِصًا، فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبا حَثْمَةَ قَدْ زادَ عَلَيَّ»“ الحَدِيثَ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ حَدِيثَ عَتّابٍ، وحَدِيثَ عائِشَةَ اللَّذَيْنِ قَدَّمْناهُما، ثُمَّ قالَ وفي الصَّحابَةِ، لِأبِي نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الصَّلْتِ بْنِ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلى الخَرْصِ، فَقالَ: ”أثْبِتْ لَنا النِّصْفَ، وأبْقِ لَهُمُ النِّصْفَ، فَإنَّهم يَسْرِقُونَ، ولا نَصِلُ إلَيْهِمْ“» .

فَبِهَذا الَّذِي ذَكَرْنا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ الخَرْصَ حَكَمٌ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا ظَنٌّ وتَخْمِينٌ باطِلٌ، بَلْ هو اجْتِهادٌ ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ، وإدْراكُهُ بِالخَرْصِ الَّذِي هو نَوْعٌ مِنَ المَقادِيرِ والمَعايِيرِ، فَهو كَتَقْوِيمِ المَتْلَفاتِ، ووَقْتُ الخَرْصِ حِينَ يَبْدُوَ صَلاحُ الثَّمَرِ، كَما قَدَّمْنا لِما قَدَّمْنا مِنَ الرِّوايَةِ: «بِأنَّهُ ﷺ كانَ يَبْعَثُ الخارِصَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ»، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ.

والجُمْهُورُ القائِلُونَ بِالخَرْصِ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ، فَقِيلَ: هو سُنَّةٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَأْمُرُ بِهِ، وقِيلَ: واجِبٌ؛ لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَتّابٍ مِن قَوْلِهِ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ»، الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، قالُوا: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ولِأنَّهُ إنْ تَرَكَ الخَرْصَ قَدْ يَضِيعُ شَيْءٌ مِن حَقِّ الفُقَراءِ، والأظْهَرُ عَدَمُ الوُجُوبِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ واجِبٌ يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ العِقابَ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ ظاهِرٍ قَوِيٍّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ القائِلُونَ بِالخَرْصِ، هَلْ عَلى الخارِصِ أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا ؟، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلَيْهِ أنْ يَتْرُكَ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ، لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ، وابْنَ حِبّانَ، والحاكِمَ، وصَحَّحاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ (p-٥١٢)رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، ودَعُوا الثُّلُثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ»، فَإنْ قِيلَ في إسْنادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ نِيارٍ الرّاوِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ، وقَدْ قالَ البَزّارُ: إنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وقالَ ابْنُ القَطّانِ: لا يُعْرَفُ حالُهُ، فالجَوابُ: أنَّ لَهُ شاهِدًا بِإسْنادٍ مُتَّفَقٍ عَلى صِحَّتِهِ: " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أمَرَ بِهِ، قالَهُ الحاكِمُ، ومِن شَواهِدِهِ: ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا: «خَفِّفُوا في الخَرْصِ»، الحَدِيثَ، وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ الإمامُ أحْمَدُ، وإسْحاقُ، واللَّيْثُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، والصَّحِيحُ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ: أنَّ الخارِصَ لا يَتْرُكُ شَيْئًا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والقَوْلُ بِأنَّهُ يَتْرُكُ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ هو الصَّوابُ؛ لِثُبُوتِ الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَثْبُتْ ما يُعارِضُهُ؛ ولِأنَّ النّاسَ يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَأْكُلُوا ويُطْعِمُوا جِيرانَهم، وضُيُوفَهم، وأصْدِقاءَهم، وسُؤّالَهم؛ ولِأنَّ بَعْضَ الثَّمَرِ يَتَساقَطُ، وتَنْتابُهُ الطَّيْرُ، وتَأْكُلُ مِنهُ المارَّةُ، فَإنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهُمُ الخارِصُ شَيْئًا، فالظّاهِرُ أنَّ لَهُمُ الأكْلَ بِقَدْرِ ما كانَ يَلْزَمُ إسْقاطُهُ، ولا يَحْسَبُ عَلَيْهِمْ.

وَهَذا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو مُقْتَضى ما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فَإنْ زادَ الثَّمَرُ أوْ نَقَصَ عَمّا خَرَصَهُ بِهِ الخارِصُ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا زَكاةَ عَلَيْهِ فِيما زادَ، وتَلْزَمُهُ فِيما نَقَصَ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ مَضى.

وَقالَ بَعْضُهم: يُنْدَبُ الإخْراجُ في الزّائِدِ، ولا تَسْقُطُ عَنْهُ زَكاةُ ما نَقَصَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ، أمّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، فَلا شَكَّ أنَّهُ لا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكاةُ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ، وأمّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، فَإنَّها قَدْ تَجِبُ عَلَيْهِ، قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: وإنْ زادَتْ عَلى تَخْرِيصِ عارِفٍ فالأحَبُّ الإخْراجُ، وهَلْ عَلى ظاهِرِهِ أوِ الوُجُوبِ ؟ تَأْوِيلانِ.

قالَ شارِحُهُ المَوّاقُ مِنَ المُدَوِّنَةِ: قالَ مالِكٌ: مَن خَرَصَ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ فَرَفَعَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أحْبَبْتُ لَهُ أنْ يُزَكِّيَ ابْنُ يُونُسَ، قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: لَفْظَةُ أحْبَبْتُ ها هُنا عَلى الإيجابِ، وهو صَوابٌ كالحاكِمِ يَحْكُمُ بِحُكْمٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ صُراحٌ. ابْنُ عَرَفَةَ، عَلى هَذا حَمَلَها الأكْثَرُ، وحَمَلَها ابْنُ رَشِيدٍ، وعِياضٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ووُجُوبُ الزَّكاةِ في الزّائِدِ هو الأظْهَرُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ، وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وأمّا النَّقْصُ: فَإذا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أنَّها نَقَصَتْ عَمّا خُرِصَتْ بِهِ، (p-٥١٣)فالظّاهِرُ أنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ زَكاةُ ما نَقَصَتْ بِهِ، وإنِ ادَّعى غَلَطَ الخارِصِ.

فَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمْ تُقْبَلْ دَعْواهُ لِأنَّ الخارِصَ أمِينٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تُقْبَلُ دَعْواهُ غَلَطَ الخارِصِ، إذا كانَتْ مُشَبَّهَةً، أمّا إذا كانَتْ بَعِيدَةً، كَدَعْواهُ زِيادَةَ النِّصْفِ أوِ الثُّلُثَيْنِ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في الجَمِيعِ، وهَذا التَّفْصِيلُ هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، إلّا أنَّ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ قالَ: يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الكَثِيرِ الَّذِي ادَّعى قَدْرَ النَّقْصِ الَّذِي تُقْبَلُ دَعْواهُ فِيهِ، وأمّا إنِ ادَّعى أنَّ الخارِصَ جارَ عَلَيْهِ عَمْدًا، فَلا تُقْبَلُ دَعْواهُ عَلَيْهِ بِلا خِلافٍ، كَما لَوِ ادَّعى جَوْرَ الحاكِمِ، أوْ كَذِبَ الشّاهِدِ، وكَذا إذا ادَّعى أنَّهُ غَلِطَ في الخَرْصِ، ولَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ ما زادَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، نَصَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الشّافِعِيَّةِ، وإنِ ادَّعى رَبُّ الثَّمَرِ: أنَّهُ أصابَتْهُ جائِحَةٌ أذْهَبَتْ بَعْضَهُ، فالظّاهِرُ تَصْدِيقُهُ فِيما يُشْبِهُ قَوْلُهُ، كَما لَوِ ادَّعى أنَّ بَعْضَهُ سُرِقَ بِاللَّيْلِ مَثَلًا قِيلَ بِيَمِينٍ.

وَقِيلَ: لا، وإنْ أضافَ هَلاكَ الثَّمَرَةِ إلى سَبَبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ، كَأنْ يَقُولَ: هَلَكَتْ بِحَرِيقٍ، وقَعَ في الجَرِينِ في وقْتِ كَذا، وعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْتَرِقْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى كَلامِهِ، فَإنْ عُلِمَ وُقُوعُ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ، وعُمُومُ أثَرِهِ صُدِّقَ بِلا يَمِينٍ، وإنِ اتُّهِمَ حَلَفَ، قِيلَ: وُجُوبًا، وقِيلَ: اسْتِحْبابًا، وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَمُ السَّبَبِ المَذْكُورِ ولا وُجُودُهُ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ يُكَلَّفُ بِالبَيِّنَةِ عَلى وُجُودِ أصْلِ السَّبَبِ، ثُمَّ القَوْلُ قَوْلُهُ في الهَلاكِ بِهِ، وهَذا التَّفْصِيلُ الأخِيرُ لِلشّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يُخْرَصُ غَيْرُ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، فَلا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، والزَّرْعُ، ولا غَيْرُهُما، وأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ في الزَّيْتُونِ، وأجازَهُ بَعْضُهم في سائِرِ الحُبُوبِ.

والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في التَّمْرِ، والعِنَبِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى الخَرْصِ لَمْ يَرِدْ إلّا فِيهِما كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، وغَيْرِهِ مِنَ الأحادِيثِ.

الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُما لَيْسَ في مَعْناهُما؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو غالِبًا إلى أكْلِ الرُّطَبِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ تَمْرًا، والعِنَبِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ زَبِيبًا، ولَيْسَ غَيْرُهُما كَذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском