Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:141–144

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:141–144, continued

الثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ ظاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ في عُذُوقِها، والعِنَبُ ظاهِرٌ أيْضًا مُجْتَمِعٌ في عَناقِيدِهِ، فَحَرْزُهُما مُمْكِنٌ، بِخِلافِ غَيْرِهِما مِنَ الحُبُوبِ، فَإنَّهُ مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِهِ، والزَّرْعُ مُسْتَتِرٌ في سُنْبُلِهِ.

(p-٥١٤)والظّاهِرُ أنَّ ما جَرَتِ العادَةُ بِالحاجَةِ إلى أكْلِهِ لا يُحْسَبُ؛ لِما قَدَّمْنا، وقالَ المالِكِيَّةُ: يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ كُلَّما أكَلُوهُ مِنَ الحَبِّ، ولا يُحْسَبُ ما تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ في دَرْسِها.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَجُوزُ إخْراجُ زَكاةِ الثِّمارِ إلّا مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ والزَّبِيبِ اليابِسِ، وكَذَلِكَ زَكاةُ الحُبُوبِ لا يَجُوزُ إخْراجُها إلّا مِنَ الحَبِّ اليابِسِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، وأُجْرَةُ القِيامِ عَلى الثِّمارِ والحُبُوبِ حَتّى تَيْبَسَ وتُصَفّى مِن خالِصِ مالِ رَبِّ الثَّمَرَةِ والزَّرْعِ، فَإنْ دَفَعَ زَكاةَ التَّمْرِ بُسْرًا أوْ رَطْبًا، أوْ دَفَعَ زَكاةَ الزَّبِيبِ عِنَبًا، لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ دَفَعَ غَيْرَ الواجِبِ؛ لِأنَّ الواجِبَ تَمْرٌ وزَبِيبٌ يابِسانِ إجْماعًا.

وَقَدْ قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: فَإنْ كانَ المُخْرِجُ لِلرَّطْبِ رَبَّ المالِ لَمْ يُجْزِهِ، ولَزِمَهُ إخْراجُ الفَضْلِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَ غَيْرَ الفَرْضِ فَلَمْ يُجْزِهِ، كَما لَوْ أخْرَجَ الصَّغِيرَ عَنِ الماشِيَةِ الكِبارِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ مِنهُ في أنَّ الرُّطَبَ غَيْرُ الواجِبِ، وأنَّ مَنزِلَتَهُ مِنَ التَّمْرِ الَّذِي هو الواجِبُ كَمَنزِلَةِ صِغارِ الماشِيَةِ مِنَ الكِبارِ الَّتِي هي الواجِبَةُ في زَكاةِ الماشِيَةِ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: فَلَوْ أخْرَجَ الرُّطَبَ والعِنَبَ في الحالِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلا خِلافٍ، ولَوْ أخَذَهُ السّاعِي غَرِمَهُ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وكَيْفَ يَغْرَمُهُ فِيهِ وجْهانِ مَشْهُورانِ ذَكَرَهُما المُصَنِّفُ في آخِرِ البابِ.

الصَّحِيحُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.

والثّانِي: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ وهُما مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ مِثْلِيّانِ أمْ لا، والصَّحِيحُ المَشْهُورُ أنَّهُما لَيْسا مِثْلِيَّيْنِ، ولَوْ جَفَّ عِنْدَ السّاعِي، فَإنْ كانَ قَدْرَ الزَّكاةِ أجْزَأ، وإلّا رَدَّ التَّفاوُتَ، أوْ أخَذَهُ، كَذا قالَهُ العِراقِيُّونَ وغَيْرُهم، وحَكى ابْنُ كَجٍّ وجْها أنَّهُ لا يُجْزِئُ بِحالٍ لِفَسادِ القَبْضِ، قالَ الرّافِعِيُّ: وهَذا الوَجْهُ أوْلى والمُخْتارُ ما سَبَقَ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيِّ بِلَفْظِهِ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ إجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ بِلا خِلافٍ عِنْدِ الشّافِعِيَّةِ.

وَقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: فَإنْ أخَذَ الرُّطَبَ وجَبَ رَدُّهُ، وإنْ فاتَ وجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ، ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ، والمَذْهَبُ الأوَّلُ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَتَفاوَتُ، ولِهَذا لا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ إجْزاءِ (p-٥١٥)الرُّطَبِ في زَكاةِ التَّمْرِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا عَنْ عامَّةِ العُلَماءِ مِن أنَّ الزَّكاةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، هو مَذْهَبُ مالِكٍ وعامَّةِ أصْحابِهِ وفي المُوَطَّإ ما نَصُّهُ:

قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّ النَّخْلَ تُخْرَصُ عَلى أهْلِها وثَمَرُها في رُؤُوسِها إذا طابَ وحَلَّ بَيْعُهُ، ويُؤْخَذُ مِنهُ صَدَقَتُهُ تَمْرًا عِنْدَ الجِذاذِ، إلى أنْ قالَ: وكَذَلِكَ العَمَلُ في الكَرْمِ. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفِيهِ تَصْرِيحُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأنَّ الأمْرَ المُجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِن عُلَماءِ زَمَنِهِ، أنَّ الزَّكاةَ تُخْرَجُ تَمْرًا، وهو يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى جَوازَ إخْراجِها مِنَ الرُّطَبِ أوِ البُسْرِ، فَدَعَواهُ مُخالِفَةٌ لِلْأمْرِ المُجْتَمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَ مالِكٍ وعُلَماءِ زَمَنِهِ.

وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ: أنَّ البَلَحَ الَّذِي لا يَتَتَمَّرُ والعِنَبَ الَّذِي لا يَتَزَبَّبُ كَبَلَحِ مِصْرَ وعِنَبِها، لا يَجُوزُ الإخْراجُ مِنهُ مَعَ تَعَذُّرِ الواجِبِ الَّذِي هو التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ، بَلْ تُدْفَعُ الزَّكاةُ مِن ثَمَنِهِ أوْ قِيمَتِهِ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، فَلَمْ يَجْعَلُوا العِنَبَ والرُّطَبَ أصْلًا، ولَمْ يَقْبَلُوهُما بَدَلًا عَنِ الأصْلِ، وقالُوا: بِوُجُوبِ الثَّمَنِ إنْ بِيعَ، والقِيمَةِ إنْ أُكِلَ.

قالَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ: وثَمَنُ غَيْرِ ذِي الزَّيْتِ وما لا يَجِفُّ، ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: وما لا يَجِفُّ، أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ اللَّذَيْنِ لا يَيْبَسانِ يَجِبُ الإخْراجُ مِن ثَمَنِهِما لا مِن نَفْسِ الرُّطَبِ والعِنَبِ، وفي المَوّاقِ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ، وإنْ لَمْ يَجِفَّ ما نَصُّهُ:

قالَ مالِكٌ: إنَّ كانَ رُطَبُ هَذا النَّخْلِ لا يَكُونُ تَمْرًا، ولا هَذا العِنَبُ زَبِيبًا، فَلْيُخْرَصْ أنْ لَوْ كانَ ذَلِكَ فِيهِ مُمْكِنًا، فَإنْ صَحَّ في التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ أُخِذَ مِن ثَمَنِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَرى إخْراجَ الرُّطَبِ، والعِنَبِ في الزَّكاةِ؛ لِعُدُولِهِ عَنْهُما إلى الثَّمَنِ في حالِ تَعَذُّرِ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، فَكَيْفَ بِالحالَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَذَّرا فِيها.

والحاصِلُ أنَّ إخْراجَ الرُّطَبِ والعِنَبِ عَمّا يَبِسَ مِن رُطَبٍ وعِنَبٍ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ، ولا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا قِياسٍ، وأمّا الَّذِي لا يَيْبَسُ كَبَلَحِ مِصْرَ وعِنَبِها، فَفِيهِ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِإجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ، ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ، وسَتَرى - إنْ شاءَ اللَّهُ - في آخِرِ هَذا المَبْحَثِ كَلامَ الشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزِئُ إلّا التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ دُونَ الرُّطَبِ والعِنَبِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِدَّةُ أدِلَّةٍ:

(p-٥١٦)الأوَّلُ: هو ما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَما يُخْرَصُ النَّخْلُ؛ فَتُؤْخَذُ زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا الحَدِيثَ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ مِن مَراسِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّ الِاحْتِجاجَ بِمِثْلِ هَذا المُرْسَلِ مِن مَراسِيلِ سَعِيدٍ صَحِيحٌ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، فَإذا عَلِمْتَ صِحَّةَ الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ في: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِخَرْصِ العِنَبِ والنَّخْلِ، وأنْ تُؤْخَذَ زَكاةُ العِنَبِ زَبِيبًا، وصَدَقَةُ النَّخِيلِ تَمْرًا»، فَمَنِ ادَّعى جَوازَ أخْذِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا أوْ بُسْرًا، فَدَعْواهُ مُخالِفَةٌ لِما أمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِأخْذِها في حالِ كَوْنِها تَمْرًا في النَّخْلِ وزَبِيبًا في العِنَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحالَ وصْفٌ لِصاحِبِها، قَيْدٌ لِعامِلِها، فَكَوْنُ زَكاةِ النَّخْلِ تَمْرًا وصْفٌ لَها أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإخْراجِها في حالِ كَوْنِها مُتَّصِفَةً بِهِ، وكَذَلِكَ كَوْنُها تَمْرًا قَيْدٌ لِأخْذِها، فَهو تَقْيِيدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأخْذِها بِأنْ يَكُونَ في حالِ كَوْنِها تَمْرًا، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّها لا تُؤْخَذُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ، كَكَوْنِها رُطَبًا مَثَلًا، وإذا اتَّضَحَ لَكَ أنَّ أخْذَها رُطَبًا - مَثَلًا - مُخالِفٌ لِما أمَرَ بِهِ ﷺ فاعْلَمْ أنَّهُ قالَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ، فَهو رَدٌّ»، وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»، وفي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ الآيَةَ [النور: ٦٣] .

وَمِمّا يُوَضِّحُ لَكَ أنَّ إخْراجَ الرُّطَبِ مَثَلًا في الزَّكاةِ مُخالِفٌ لِما سَنَّهُ وشَرَعَهُ ﷺ مِن أخْذِها تَمْرًا، وزَبِيبًا يابِسَيْنِ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”كَيْفَ تُؤْخَذُ زَكاةُ النَّخْلِ والعِنَبِ“، فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ أبِي المَعْرُوفِ الفَقِيهُ المِهْرَجانِيُّ، أنْبَأ بِشْرُ بْنُ أحْمَدَ، أنْبَأ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ الحَذّاءُ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحاقَ، أخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ: «أمَرَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ أنْ يَخْرُصَ العِنَبَ كَما يَخْرُصُ النَّخْلَ، ثُمَّ تُؤَدّى زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤَدّى زَكاةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، قالَ: فَتِلْكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النَّخْلِ والعِنَبِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ: إخْراجَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ هو سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمُخْرِجُ الرُّطَبِ والعِنَبِ مُخالِفٌ لِسُنَّتِهِ ﷺ كَما تَرى.

الدَّلِيلُ الثّانِي: إجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ زَكاةَ الثِّمارِ والحُبُوبِ مِن نَوْعِ ما تَجِبُ الزَّكاةُ في عَيْنِهِ، والعَيْنُ الواجِبَةُ فِيها الزَّكاةُ هي: التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ، لا الرُّطَبُ (p-٥١٧)والعِنَبُ بِدَلِيلِ إجْماعِ القائِلِينَ بِالنِّصابِ في الثِّمارِ، عَلى أنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ الَّتِي هي النِّصابُ لا تُعْتَبَرُ مِنَ الرُّطَبِ، ولا مِنَ العِنَبِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أوْسُقٍ مِنَ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ، ولَكِنَّها إذا جَفَّتْ نَقَصَتْ عَنْ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، فَلَوْ أخْرَجَ الزَّكاةَ مِنَ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ لَكانَ مُخْرِجًا مِن غَيْرِ ما تَجِبُ في عَيْنِهِ الزَّكاةُ كَما تَرى، ويَدُلُّ لَهُ ما ذَكَرَهُ الزُّرْقانِيُّ في ”شَرْحِ المُوَطَّإ“، فَإنَّهُ قالَ فِيهِ في شَرْحِ قَوْلِ مالِكٍ: ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكاةَ عَلى ما خَرَصَ عَلَيْهِمْ، ما نَصُّهُ: ومَبْنى التَّخْرِيصِ أنْ يَحْزِرَ ما في النَّخْلِ، أوِ العِنَبِ مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ إذا جَذَّ، عَلى حَسَبِ جِنْسِهِ، وما عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ الإتْمارِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِنهُ تَمْرًا. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ أنَّ لَفْظَةَ إنَّما لِلْحَصْرِ وهو الحَقُّ، فَقَوْلُ الزُّرْقانِيِّ: لِأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِنهُ تَمْرًا، مَعْناهُ: حَصْرُ أخْذِ زَكاةِ النَّخْلِ في خُصُوصِ التَّمْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِن رُطَبٍ ونَحْوِهِ؛ مُعَلِّلًا بِذَلِكَ اعْتِبارَ النِّصابِ مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ؛ لِأنَّ الإخْراجَ مِمّا تَجِبُ في عَيْنِهِ الزَّكاةُ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ وهو واضِحٌ، ولا يَرُدُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ وقْتَ وُجُوبِ الزَّكاةِ هو وقْتُ طِيبِ الثَّمَرِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ يابِسًا؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ إخْراجُها بِالفِعْلِ إلّا بَعْدَ أنْ يَصِيرَ تَمْرًا يابِسًا؛ ولِإجْماعِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ إنْ أصابَتْهُ جائِحَةٌ اعْتُبِرَتْ، فَتَسْقُطُ زَكاةُ ما أُجِيحَ، كَما تَسْقُطُ زَكاةُ الكُلِّ إنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ نِصابٌ، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ.

الدَّلِيلُ الثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَأْخُذُها تَمْرًا بَعْدَ الجِذاذِ»، لا بَلَحًا، ولا رُطَبًا، واللَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢١]، ويَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]، ويَقُولُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٠]، ويَقُولُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

قالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“، بابُ ”أخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ“: وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ الصَّدَقَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ، حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذا بِتَمْرِهِ، وهَذا مِن تَمْرِهِ، حَتّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِن تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يَلْعَبانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأخَذَ أحَدُهُما تَمْرَةً فَجَعَلَها في فِيهِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْرَجَها مِن فِيهِ، فَقالَ: " أما (p-٥١٨)عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ» . اهـ.

فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ كانَ يَأْخُذُ صَدَقَةَ النَّخْلِ تَمْرًا بَعْدَ الجِذاذِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ بَعْدَ لَفْظَةِ كانَ في نَحْوِ: كانَ يَفْعَلُ كَذا، تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ التَّكْرارِ والمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذا الحَدِيثِ المَرْفُوعِ الصَّحِيحِ: «كانَ ﷺ ”يُؤْتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ»“ .

الحَدِيثُ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ إخْراجَ التَّمْرِ عِنْدَ الجِذاذِ هو الَّذِي كانَ يَفْعَلُ دائِمًا في زَمَنِهِ ﷺ وهو الَّذِي يَأْخُذُ في الزَّكاةِ ذَلِكَ التَّمْرَ اليابِسَ، فَمَنِ ادَّعى جَوازَ إخْراجِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا أوْ بَلَحًا، فَهو مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا ما نَصُّهُ: ”قالَ الإسْماعِيلِيُّ: قَوْلُهُ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ، أيْ: بَعْدَ أنْ يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأنَّ النَّخْلَ قَدْ يُصْرَمُ وهو رُطَبٌ، فَيُتْمَرُ في المِرْبَدِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَتَطاوَلُ، فَحَسُنَ أنْ يُنْسَبَ إلى الصِّرامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، فَإنَّ المُرادَ بَعْدَ أنْ يُداسَ ويُنَقّى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ“، اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ وهو واضِحٌ فِيما ذَكَرْنا.

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما يَدَّعِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مِن جَوازِ إخْراجِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا وبُسْرًا غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا وجْهَ لَهُ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ كانَ التَّمْرُ لا يَيْبَسُ، كَبَلَحِ مِصْرَ، وعِنَبِها، فَقَدْ قَدَّمْنا عَنْ مالِكٍ وأصْحابِهِ: أنَّ الزَّكاةَ تُخْرَجُ مِن ثَمَنِهِ إنْ بِيعَ، أوْ قِيمَتِهِ إنْ أُكِلَ، لا مِن نَفْسِ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلًا مَرْجُوحًا بِإجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ في خُصُوصِ ما لا يَيْبَسُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في زَكاةِ ما لا يَيْبَسُ: أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِسْمَةَ تَمْيِيزُ حَقٍّ لا بَيْعٌ، فَيَجُوزُ القَسْمُ، ويُجْعَلُ العُشْرُ أوْ نِصْفُهُ مُتَمَيِّزًا في نَخْلاتٍ، ثُمَّ يَنْظُرُ المُصَّدِّقُ، فَإنْ رَأى أنْ يُفَرِّقَ عَلَيْهِمْ فَعَلَ، وإنْ رَأى البَيْعَ وقِسْمَةَ الثَّمَنِ فَعَلَ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ فَلا تَجُوزُ في الرُّطَبِ والعِنَبِ، ويَقْبِضُ المُصَّدِّقُ عُشْرَها مَشاعًا بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، ويَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مِلْكُ المَساكِينِ، ثُمَّ يَبِيعُهُ ويَأْخُذُ ثَمَنَهُ ويُفَرِّقُهُ عَلَيْهِمْ، وهَكَذا الحُكْمُ عِنْدَهُ فِيما إذا احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ رُطَبًا، خَوْفًا عَلَيْها مِنَ العَطَشِ ونَحْوِهِ.

وَحُكْمُ هَذِهِ المَسْألَةِ في المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَيِّرُ السّاعِي بَيْنَ أنْ يُقاسِمَ رَبَّ المالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الجِذاذِ بِالخَرْصِ، (p-٥١٩)وَيَأْخُذَ نَصِيبَهم نَخْلَةً مُفْرِدَةً، ويَأْخُذَ ثَمَرَتَها، وبَيْنَ أنْ يَجُذَّها ويُقاسِمَهُ إيّاها بِالكَيْلِ، ويَقْسِمَ الثَّمَرَةَ في الفُقَراءِ، وبَيْنَ أنْ يَبِيعَها مِن رَبِّ المالِ أوْ غَيْرِهِ، قَبْلَ الجِذاذِ أوْ بَعْدَهُ، ويَقْسِمَ ثَمَنَها في الفُقَراءِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ الزَّكاةَ مِن تَمْرٍ وزَبِيبٍ يابِسَيْنِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَ أنَّ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، قالَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو حاصِلُ مَذْهَبِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المَسْألَتَيْنِ، أعْنِي الثَّمَرَ الَّذِي لا يَيْبَسُ، والَّذِي احْتِيجَ لِقَطْعِهِ قَبْلَ اليُبْسِ.

6:142Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

No commentary for this ayah

6:143Page 147

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

No commentary for this ayah

6:144Page 147

وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском