Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:145–156

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:145–156, continued

وَلا بَأْسَ بِأكْلِ الهُدْهُدِ، والخُطّافِ، ورُوِيَ عَلى كَراهَةِ أكْلِ الخُطّافِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِقِلَّةِ لَحْمِها مَعَ تَحَرُّمِها بِمَن عَشَّشَتْ عِنْدَهُ، انْتَهى مِن ”المَوّاقِ“ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ في ”مُخْتَصَرِهِ“ وطَيْرٌ، ولَوْ جَلّالَةٌ.

وَمِن ذَلِكَ الحِدَأةُ، والغُرابُ الأبْقَعُ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُما مِنَ الفَواسِقِ الَّتِي يَحِلُّ قَتْلُها في الحِلِّ والحَرَمِ؛ وإباحَةُ قَتْلِها دَلِيلٌ عَلى مَنعِ أكْلِها، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ خِلافًا لِمالِكٍ، ومَن وافَقَهُ، كَما ذَكَرْنا آنِفًا.

وَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «إنِّي لَأعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُ الغُرابَ، وقَدْ أذِنَ ﷺ في قَتْلِهِ»، وقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَحْرِيمَ أكْلِ الغُرابِ الأبْقَعِ: ويَحْرُمُ الغُرابُ الأسْوَدُ الكَبِيرُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ يَأْكُلُ الجِيَفَ فَهو كالأبْقَعِ.

وَفِي الغُدافِ، وغُرابِ الزَّرْعِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَحِلُّ؛ لِلْخَبَرِ.

والثّانِي: يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ مُسْتَطابٌ يَلْقُطُ الحَبَّ، فَهو كالحَمامِ، والدَّجاجِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ ويَحْرُمُ مِنها ما يَأْكُلُ الجِيَفَ، كالنُّسُورِ، والرَّخَمِ، وغُرابِ البَيْنِ وهو أكْبَرُ الغِرْبانِ، والأبْقَعِ. قالَ عُرْوَةُ: «وَمَن يَأْكُلُ الغُرابَ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فاسِقًا ؟ واللَّهِ ما هو مِنَ الطَّيِّباتِ» . اهـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَتْلِهِ بِغَيْرِ الذَّكاةِ الشَّرْعِيَّةِ أنَّهُ مُحَرَّمُ الأكْلِ؛ إذْ لَوْ كانَ الِانْتِفاعُ بِأكْلِهِ جائِزًا لَما أذِنَ ﷺ في إتْلافِهِ كَما هو واضِحٌ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ: الغُرابُ الأبْقَعُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ؛ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والأسْوَدُ الكَبِيرُ فِيهِ طَرِيقانِ:

(p-٥٤١)إحْداهُما: أنَّهُ حَرامٌ.

والأُخْرى: أنَّ فِيهِ وجْهَيْنِ، أصَحُّهُما التَّحْرِيمُ.

وَغُرابُ الزَّرْعِ: فِيهِ وجْهانِ مَشْهُورانِ: أصَحُّهُما أنَّهُ حَلالٌ، وهو الزّاغُ، وهو أسْوَدُ صَغِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ المِنقارِ والرِّجْلَيْنِ. اهـ، مِنهُ بِالمَعْنى في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ .

وَمِن ذَلِكَ الصَّرَدُ، والهُدْهُدُ، والخُطّافُ، والخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ: تَحْرِيمُ أكْلِ الهُدْهُدِ والخُطّافِ.

قالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“: ويَحْرُمُ أكْلُ الهُدْهُدِ والخُطّافِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ قَتْلِهِما، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ: أمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الهُدْهُدِ، فَرَواهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ قَتْلِ أرْبَعٍ مِنَ الدَّوابِّ:“ النَّمْلَةِ، والنَّحْلَةِ، والهُدْهُدِ، والصَّرَدِ» "، رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ ذَكَرَهُ في آخِرِ كِتابِهِ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ في كِتابِ الصَّيْدِ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، وأمّا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الخُطّافِ فَهو ضَعِيفٌ ومُرْسَلٌ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ، وهو مِن تابِعِيِّ التّابِعِينَ، أوْ مِنَ التّابِعِينَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنْ قَتْلِ الخَطاطِيفِ»، ثُمَّ قالَ: قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ، قالَ: ورَوى حَمْزَةُ النَّصِيبِيُّ فِيهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلّا أنَّهُ كانَ يُرْمى بِالوَضْعِ. اهـ

وَمِمّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ: تَعْلَمُ أنَّ الصَّرَدَ، والهُدْهُدَ لا يَجُوزُ أكْلُهُما في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِما، وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا: وصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، أنَّهُ قالَ: " لا تَقْتُلُوا الضَّفادِعَ؛ فَإنَّ نَقِيقَها تَسْبِيحٌ، ولا تَقْتُلُوا الخُفّاشَ؛ فَإنَّهُ لَمّا خُرِّبَ بَيْتُ المَقْدِسِ قالَ: يا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلى البَحْرِ حَتّى أُغْرِقَهم، قالَ البَيْهَقِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ في مِثْلِ هَذا الَّذِي صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الخُفّاشِ، والضُّفْدَعِ أنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ؛ لِأنَّهُ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ لِأنَّ عِلْمَ تَسْبِيحِ الضُّفْدَعِ، وما قالَهُ الخُفّاشُ لا يَكُونُ بِالرَّأْيِ، وعَلَيْهِ فَهو يَدُلُّ عَلى مَنعِ أكْلِ الخُفّاشِ والضُّفْدَعِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ويَحْرُمُ الخُطّافُ، والخُشّافُ، أوِ الخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ، وقالَ الشّاعِرُ: [ الكامِلُ ](p-٥٤٢)

؎مِثْلُ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرْي نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ

قالَ أحْمَدُ: ومَن يَأْكُلُ الخُشّافَ ؟، وسُئِلَ عَنِ الخُطّافِ، فَقالَ: لا أدْرِي، وقالَ النَّخَعِيُّ: أكْلُ الطَّيْرِ حَلالٌ إلّا الخُفّاشَ، وإنَّما حُرِّمَتْ هَذِهِ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ لا تَأْكُلُها العَرَبُ. اهـ، مِن ”المُغْنِي“ . والخُشّافُ هو الخُفّاشُ، وقَدْ قَدَّمْنا عَنْ مالِكٍ وأصْحابِهِ جَوازَ أكْلِ جَمِيعِ أنْواعِ الطَّيْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم مِن ذَلِكَ الوَطْواطَ.

وَفِي البَبَّغا، والطّاوُسِ وجْهانِ لِلشّافِعِيَّةِ: قالَ البَغَوِيِّ وغَيْرُهُ: وأصَحُّهُما التَّحْرِيمُ.

وَفِي العَنْدَلِيبِ، والحُمْرَةِ لَهم أيْضًا وجْهانِ: والصَّحِيحُ إباحَتُهُما، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَبّادِيُّ: يَحْرُمُ مُلاعِبُ ظِلِّهِ، وهو طائِرٌ يَسْبَحُ في الجَوِّ مِرارًا كَأنَّهُ يَنْصَبُّ عَلى طائِرٍ، وقالَ أبُو عاصِمٍ أيْضًا: والبُومُ حَرامٌ كالرَّخَمِ، قالَ: والضُّوَعُ، بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الواوِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، حَرامٌ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، قالَ الرّافِعِيُّ: هَذا يَقْتَضِي أنَّ الضُّوَعَ غَيْرُ البُومِ، قالَ: لَكِنْ في ”صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ“ أنَّ الضُّوَعَ طائِرٌ مِن طَيْرِ اللَّيْلِ مِن جِنْسِ الهامِّ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو ذَكَرُ البُومِ، قالَ الرّافِعِيُّ: فَعَلى هَذا إنْ كانَ في الضُّوَعِ قَوْلٌ لَزِمَ إجْراؤُهُ في البُومِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الجِنْسِ الواحِدِ لا يَفْتَرِقانِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ: ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: الأشْهَرُ أنَّ الضُّوَعَ مِن جِنْسِ الهامِّ؛ فَلا يَلْزَمُ اشْتِراكُهُما في الحُكْمِ.

وَأمّا حَشَراتُ الطَّيْرِ، كالنَّحْلِ، والزَّنابِيرِ، والذُّبابِ، والبَعُوضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ: فَأكْلُها حَرامٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأكْثَرِ العُلَماءِ؛ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ طَبْعًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .

وَمِن ذَلِكَ الجَلّالَةُ: وهي الَّتِي تَأْكُلُ النَّجِسَ، وأصْلُها الَّتِي تَلْتَقِطُ الجِلَّةَ بِتَثْلِيثِ الجِيمِ: وهي البَعْرُ، والمُرادُ بِها عِنْدَ العُلَماءِ: الَّتِي تَأْكُلُ النَّجاساتِ مِنَ الطَّيْرِ والدَّوابِّ.

وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الإمامِ مالِكٍ: جَوازُ أكْلِ لَحْمِ الجَلّالَةِ مُطْلَقًا، أمّا لَبَنُها وبَوْلُها فَنَجِسانِ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، ما دامَ النَّجِسُ باقِيًا في جَوْفِها، ويَطْهُرُ لَبَنُها وبَوْلُها عِنْدَهُ إنْ أمْسَكَتْ عَنْ أكْلِ النَّجِسِ، وعُلِفَتْ عَلَفًا طاهِرًا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ فِيها عَدَمُ بَقاءِ شَيْءٍ في جَوْفِها مِنَ الفَضَلاتِ النَّجِسَةِ، وكَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ لَحْمَ الجَلّالَةِ ولَبَنَها، وحُجَّتُهم حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ ألْبانِ الجَلّالَةِ»، قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ صَحِيحٌ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ.

(p-٥٤٣)وَقالَ النَّوَوِيُّ في حَدِّ الجَلّالَةِ: والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالكَثْرَةِ، وإنَّما الِاعْتِبارُ بِالرّائِحَةِ والنَّتْنِ، فَإنْ وُجِدَ في عَرَقِها وغَيْرِهِ رِيحُ النَّجاسَةِ فَجَلّالَةٌ، وإلّا فَلا. وأكْلُ لَحْمِ الجَلّالَةِ وشُرْبُ لَبَنِها مَكْرُوهٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، والصَّحِيحُ عِنْدَهم أنَّها كَراهَةُ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كَراهَةُ تَحْرِيمٍ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: قالَ أحْمَدُ: أكْرَهُ لُحُومَ الجَلّالَةِ وألْبانَها، قالَ القاضِي في المُجَرَّدِ: هي الَّتِي تَأْكُلُ القَذَرَ، فَإذا كانَ أكْثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ حُرِّمَ لَحْمُها ولَبَنُها.

وَفِي بَيْضِها رِوايَتانِ: وإنْ كانَ أكْثَرُ عَلَفِها الطّاهِرَ لَمْ يَحْرُمْ أكْلُها ولا لَبَنُها، وتَحْدِيدُ الجَلّالَةِ يَكُونُ أكْثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ لَمْ نَسْمَعْهُ عَنْ أحْمَدَ، ولا هو ظاهِرُ كَلامِهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِما يَكُونُ كَثِيرًا في مَأْكُولِها ويُعْفى عَنِ اليَسِيرِ، وقالَ اللَّيْثُ: إنَّما كانُوا يَكْرَهُونَ الجَلّالَةَ الَّتِي لا طَعامَ لَها إلّا الرَّجِيعَ وما أشْبَهَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي مُوسى في الجَلّالَةِ رِوايَتانِ:

إحْداهُما: أنَّها مُحَرَّمَةٌ.

والثّانِيَةُ: أنَّها مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ لُحُومَها، والعَمَلُ عَلَيْها حَتّى تُحْبَسَ، ورَخَّصَ الحَسَنُ في لُحُومِها وألْبانِها؛ لِأنَّ الحَيَواناتِ لا تَتَنَجَّسُ بِأكْلِ النَّجاساتِ؛ بِدَلِيلِ أنَّ شارِبَ الخَمْرِ لا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أعْضائِهِ، والكافِرُ الَّذِي يَأْكُلُ الخِنْزِيرَ والمُحَرَّماتِ لا يَكُونُ ظاهِرُهُ نَجِسًا، ولَوْ نَجِسَ لَما طَهُرَ بِالإسْلامِ، ولا الِاغْتِسالِ، ولَوْ نَجِسَتِ الجَلّالَةُ لَما طَهُرَتْ بِالحَبْسِ. اهـ.

والظّاهِرُ كَراهَةُ رُكُوبِ الجَلّالَةِ، وهو مَكْرُوهٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وعُمَرَ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كَراهَةُ رُكُوبِ الجَلّالَةِ، أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.

والسَّخْلَةُ المُرَبّاةُ بِلَبَنِ الكَلْبَةِ حُكْمُها حُكْمُ الجَلّالَةِ فِيما يَظْهَرُ، فَيَجْرِي فِيها ما جَرى فِيها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَمِن ذَلِكَ الزُّرُوعُ والثِّمارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجاساتِ، أوْ سُمِّدَتْ بِها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها طاهِرَةٌ، وأنَّ ذَلِكَ لا يُنَجِّسُها، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، خِلافًا لِلْإمامِ أحْمَدَ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وتَحْرُمُ الزُّرُوعُ والثِّمارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجاساتِ، أوْ سُمِّدَتْ بِها، وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ ولا يَحْرُمَ، ولا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِها؛ لِأنَّ النَّجاسَةَ تَسْتَحِيلُ في باطِنِها فَتَطْهُرُ بِالِاسْتِحالَةِ، كالدَّمِ يَسْتَحِيلُ في أعْضاءِ (p-٥٤٤)الحَيَوانِ لَحْمًا، ويَصِيرُ لَبَنًا، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، مِنهم أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ يَدْمُلُ أرْضَهُ بِالعَرَّةِ ويَقُولُ: مِكْتَلُ عَرَّةٍ مِكْتَلُ بُرٍّ، والعَرَّةُ: عَذِرَةُ النّاسِ، ولَنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنّا نُكْرِي أراضِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ ألّا يَدْمُلُوها بِعَذِرَةِ النّاسِ، ولِأنَّها تَتَغَذّى بِالنَّجاساتِ، وتَتَرَقّى فِيها أجْزاؤُها، والِاسْتِحالَةُ لا تُطَهِّرُ، فَعَلى هَذا تُطَهَّرُ إذا سُقِيَتِ الطّاهِراتِ، كالجَلّالَةِ إذا حُبِسَتْ وأُطْعِمَتِ الطّاهِراتِ. اهـ، مِنَ المُغْنِي بِلَفْظِهِ.

6:146Page 147

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.

No commentary for this ayah

6:147Page 148

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧

So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

No commentary for this ayah

6:148Page 148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨

Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا، وذَكَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ في النَّحْلِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ﴾ الآيَةَ [ \ ٣٥ ] وقَوْلِهِ في الزُّخْرُفِ: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ الآيَةَ [ \ ٢٠ ] .

وَمُرادُهم: أنَّ اللَّهَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِمْ مِنَ الإشْراكِ، ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ، أنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِشِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ كَذَّبَهم هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وكَذَّبَهم في الزُّخْرُفِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [ \ ٢٠ ]، وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ الآيَةَ [ \ ٧ ] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.

هَذا الكَلامُ الَّذِي قالُوهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ كَلامُ صِدْقٍ لا شَكَّ فِيهِ لِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ولَمْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِمّا لَمْ يُحَرِّمْهُ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ.

وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وإذا كانَ هَذا الكَلامُ الَّذِي قالَهُ الكُفّارُ حَقًّا فَما وجْهُ تَكْذِيبِهِ تَعالى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ونَظِيرُ هَذا الإشْكالِ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] .

والجَوابُ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي قالَهُ الكُفّارُ كَلامُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ فَتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم واقِعٌ عَلى باطِلِهِمُ الَّذِي قَصَدُوهُ بِهَذا الكَلامِ الحَقِّ وإيضاحُهُ: أنَّ مُرادَهم أنَّهم لَمّا كانَ كُفْرُهم وعِصْيانُهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَهم مِن ذَلِكَ فَعَدَمُ مَنعِهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِفِعْلِهِمْ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَرْضى بِكُفْرِهِمْ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ (p-٢٨٦)[الزمر: ٧]، فالكُفّارُ زَعَمُوا أنَّ الإرادَةَ الكَوْنِيَّةَ يَلْزَمُها الرِّضا، وهو زَعْمٌ باطِلٌ بَلِ اللَّهُ يُرِيدُ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ ما لا يَرْضاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ والَّذِي يُلازِمُ الرِّضى حَقًّا إنَّما هو الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

6:149Page 148

قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩

Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."

No commentary for this ayah

6:150Page 148

قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠

Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

No commentary for this ayah

6:151Page 148

۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

الآيَةَ، الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما وصّاكم بِهِ فِعْلًا، أوْ تَرْكًا؛ لِأنَّ كُلًّا مِن تَرْكِ الواجِبِ، وفِعْلِ الحَرامِ حَرامٌ، فالمَعْنى وصّاكم ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾، وأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٨٥] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ الآيَةَ، نَهى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ مِن أجْلِ الفَقْرِ الواقِعِ بِالفِعْلِ؛ ونَهى في سُورَةِ الإسْراءِ عَنْ قَتْلِهِمْ خَشْيَةَ الفَقْرِ المُتَرَقَّبِ المَخُوفِ مِنهُ، مَعَ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في الحالِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقَدْ أوْضَحَ ﷺ مَعْناهُ حِينَ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”«أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ:“ أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ ”قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ:“ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ”قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ:“ أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ " ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾» الآيَةَ [الفرقان: ٦٨] .

(p-٥٤٥)وَأخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعَ العَزْلِ؛ لِأنَّهُ وأْدٌ خَفِيٌّ، وحَدِيثُ جابِرٍ: «كُنّا نَعْزِلُ والوَحْيُ يَنْزِلُ» يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، لَكِنْ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها، ويَجُوزُ عَنِ الأمَةِ بِغَيْرِ إذْنِها. والإمْلاقُ: الفَقْرُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الإمْلاقُ الجُوعُ.

وَحَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ، وقِيلَ: الإمْلاقُ الإنْفاقُ، يُقالُ: أمْلَقَ مالَهُ بِمَعْنى أنْفَقَهُ، وذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا قالَ لِامْرَأتِهِ: أمْلِقِي ما شِئْتِ مِن مالِكِ.

وَحُكِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وغَيْرُهُ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ حَرَّمَهُ رَبُّهم عَلَيْهِمْ، فَيُوهِمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، أنَّ الإحْسانَ بِالوالِدَيْنِ وعَدَمَ الشِّرْكِ حَرامٌ، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ، كَما هو ضَرُورِيٌّ.

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ كَثِيرٌ لِلْعُلَماءِ، وبُحُوثٌ ومُناقَشاتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَّسِعُ هَذِهِ العُجالَةُ لِاسْتِيعابِها، مِنها أنَّها صِلَةٌ كَما يَأْتِي، ومِنها أنَّها بِمَعْنى أُبَيِّنُهُ لَكم لِئَلّا تُشْرِكُوا.

وَمَن أطاعَ الشَّيْطانَ مُسْتَحِلًّا فَهو مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

وَمِنها أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾: اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْمُولَهُ مِنها غَيْرُ ذَلِكَ، وأقْرَبُ تِلْكَ الوُجُوهِ عِنْدَنا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾، مُضَمَّنٌ مَعْنى ما وصّاكم رَبُّكم بِهِ تَرْكًا وفِعْلًا، وإنَّما قُلْنا إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى هَذا لِأنَّ اللَّهَ رَفَعَ هَذا الإشْكالَ وبَيَّنَ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فَيَكُونُ المَعْنى: وصّاكم ألّا تُشْرِكُوا، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎حَجَّ وأوْصى بِسُلَيْمى عَبْدًا أنْ لا تَرى ولا تُكَلِّمُ أحَدًا

وَمِن أقْرَبِ الوُجُوهِ بَعْدَ هَذا وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: يُبَيِّنُهُ لَكم لِئَلّا تُشْرِكُوا.

والثّانِي: أنَّ ”أنْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّحْرِيمِ، والقَدْحُ فِيهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وعَطْفُهُ عَلَيْهِ يُنافِي (p-٢٨٧)التَّفْسِيرَ مَدْفُوعٌ بِعَدَمِ تَعْيِينِ العَطْفِ لِاحْتِمالِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ فَيَكُونُ المَعْنى: ولِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، ولَكِنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.

6:152Page 149

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

And do not approach the orphan's property except in a way that is best [i.e., intending improvement] until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you speak [i.e., testify], be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allāh fulfill. This has He instructed you that you may remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ الآيَةَ، قَدْ يَتَوَهَّمُ غَيْرُ العارِفِ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أعْنِي مَفْهُومَ الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أنَّهُ إذا بَلَغَ أشُدَّهُ، فَلا مانِعَ مِن قُرْبانِ مالِهِ بِغَيْرِ الَّتِي هي أحْسَنُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُرادًا بِالآيَةِ، بَلِ الغايَةُ بِبُلُوغِ الأشَدِّ يُرادُ بِها: أنَّهُ إنْ بَلَغَ أشُدَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، إنْ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦] .

والتَّحْقِيقُ أنَّ المُرادَ بِالأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ البُلُوغُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ الآيَةَ.

والبُلُوغُ يَكُونُ بِعَلاماتٍ كَثِيرَةٍ، كالإنْباتِ، واحْتِلامِ الغُلامِ، وحَيْضِ الجارِيَةِ، وحَمْلِها، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ سِنَّ البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إذا بَلَغَتْ قامَتُهُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ بَلَغَ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وبِهِ أخَذَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ يَرْثِي يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ: [ الكامِلُ ]

؎ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ فَسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ ∗∗∗ يُدْنِي خَوافِقَ مِن خَوافِقَ تَلْتَقِي ∗∗∗ في ظِلِّ مُعْتَبَطِ الغُبارِ مُثارِ

والأشُدُّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ كالآنُكِ، وهو الرَّصاصُ، وقِيلَ: واحِدُهُ شَدٌّ، كَفَلْسٍ وأفْلُسٍ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَمْعُ شِدَّةٍ، ومَعْناهُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بَلَغَ الغُلامُ شِدَّتَهُ، إلّا أنَّ جَمْعَ الفِعْلَةِ فِيهِ عَلى أفْعُلَ غَيْرُ مَعْهُودٍ، (p-٥٤٦)كَما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأمّا أنْعُمُ، فَلَيْسَ جَمْعَ نِعْمَةٍ، وإنَّما هو جَمْعُ نِعْمَ مِن قَوْلِهِمْ بِئْسَ ونِعْمَ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وقالَ أيْضًا: وأصْلُ الأشُدِّ مِن شَدِّ النَّهارِ إذا ارْتَفَعَ، يُقالُ: أتَيْتُهُ شَدَّ النَّهارِ، وكانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [ الكامِلُ ]

؎عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خَضَبَ اللَّبانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ

وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]

؎تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهارِ ظَعِينَةٌ ∗∗∗ طَوِيلَةُ أنْقاءُ اليَدَيْنِ سَحُوقُ

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: [ البَسِيطُ ]

؎شَدَّ النَّهارِ ذِراعا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ∗∗∗ قامَتْ فَجاوَبَها نُكْدٌ مَثاكِيلُ

فَقَوْلُهُ: ”شَدَّ النَّهارِ“ يَعْنِي وقْتَ ارْتِفاعِهِ، وهو بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ، في قَوْلِهِ قَبْلَهُ:

؎يَوْمًا يَظَلُّ بِهِ الحَرْباءَ مُصْطَخِدًا ∗∗∗ كَأنَّ ضاحِيَهُ بِالشَّمْسِ مَحْلُولُ

فَشَدُّ النَّهارِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ يَوْمًا، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ”يَوْمًا“ بَدَلٌ مِن إذا في قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: [ البَسِيطُ ]

؎كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ وقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَساقِيلُ

لِأنَّ الزَّمَنَ المُعَبَّرَ عَنْهُ ”بِإذا“ هو بِعَيْنِهِ اليَوْمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمًا يَظَلُّ“ البَيْتَ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ [النازعات: ٣٤، ٣٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٣، ٣٤]، وإعْرابُ أبْياتِ كَعْبٍ هَذِهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَداخُلِ البَدَلِ، وقَوْلُهُ: ”ذِراعًا عَيْطَلٍ“ خَبَرُ كَأنَّ في قَوْلِهِ: ”كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها“ البَيْتَ.

وَقالَ السُّدِّيُّ: الأشُدُّ ثَلاثُونَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ بَعِيدَةٌ عَنِ المُرادِ بِالآيَةِ كَما بَيَّنّا، وإنْ جازَتْ لُغَةً، كَما قالَ سُحَيْمُ بْنُ وثِيلٍ: [ الوافِرُ ]

؎أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ

* *

(p-٥٤٧)تَنْبِيهٌ

قالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: إنَّ الرُّشْدَ الَّذِي يُدْفَعُ بِهِ المالُ إلى مَن بَلَغَ النِّكاحَ، هو حِفْظُ المالِ، وحُسْنُ النَّظَرِ في التَّصَرُّفِ فِيهِ، وإنْ كانَ فاسِقًا شَرِّيبًا، كَما أنَّ الصّالِحَ التَّقِيَّ إذا كانَ لا يُحْسِنُ النَّظَرَ في المالِ لا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، قالَ ابْنُ عاصِمٍ المالِكِيُّ في ”تُحْفَتِهِ“: [ الرَّجَزُ ]

؎وَشارِبُ الخَمْرِ إذا ما ثَمَرا لِما يَلِي مِن مالِهِ لَنْ يَحْجُرا ∗∗∗ وَصالِحٌ لَيْسَ يُجِيدُ النَّظَرا في المالِ ∗∗∗ إنْ خِيفَ الضَّياعُ حُجِرا

وَقالَ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ: لا يَكُونُ الفاسِقُ العاصِي رَشِيدًا؛ لِأنَّهُ لا سَفَهَ أعْظَمُ مِن تَعْرِيضِهِ نَفْسَهُ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ بِارْتِكابِ المَعاصِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ، وذَكَرَ أنَّ مَن أخَلَّ بِإيفائِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ لِذَلِكَ، لا حَرَجَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا عِقابًا لِمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ، ولَكِنْ تَوَعَّدَهُ بِالوَيْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ووَبَّخَهُ بِأنَّهُ لا يَظُنُّ البَعْثَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] .

وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والمِيزانِ خَيْرٌ لِفاعِلِهِ، وأحْسَنُ عاقِبَةً، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالعَدْلِ في القَوْلِ، ولَوْ كانَ عَلى ذِي قَرابَةٍ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالأمْرِ بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ عَلى نَفْسِهِ أوْ والِدَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٥] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ الآيَةَ، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالإيفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ عَهْدَ اللَّهِ سَيُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بِقَوْلِهِ: (p-٥٤٨)﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، أيْ: عَنْهُ.

6:153Page 149

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

No commentary for this ayah

6:154Page 149

ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤

Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.

No commentary for this ayah

6:155Page 149

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥

And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.

No commentary for this ayah

6:156Page 149

أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском