Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
المعارج
Al-Ma'arij
The Ascending Stairways · Meccan · 44 ayahs
70:1Page 568
سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ ١
A supplicant asked for a punishment bound to happen1
(p-٢٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ المَعارِجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾
المَعْلُومُ أنَّ مادَّةَ سَألَ لا تَتَعَدّى بِالباءِ، كَتَعَدِّيها هُنا. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ يَتَعَدّى بِالباءِ وهو مُقَدَّرٌ: ما اسْتَعْجَلَ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣]، وذُكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ سَألَ بِمَعْنى دَعا.
واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ.
وَقُرِئَ (سالَ) بِدُونِ هَمْزَةٍ مِنَ السَّيْلِ، ذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقالُوا: هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقِيلَ: مُخَفَّفُ (سَألَ) اهـ.
وَلَعَلَّ مِمّا يُرَجِّحُ قَوْلَ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى مَثَلٍ آخَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٨] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَعْنى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وأحالَ عَلى سُورَةِ (سَألَ) وقالَ: وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ هُناكَ: أنَّ قَوْلَهم يَدُلُّ عَلى جَهالَتِهِمْ؛ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا الهِدايَةَ إلَيْهِ إنْ كانَ هو الحَقَّ.
وَحَيْثُ إنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أحالَ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ لِزِيادَةِ الإيضاحِ؛ فَإنَّ المُناسِبَ إنَّما هو هَذِهِ الآيَةُ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ بِمَعْنى: اسْتَعْجَلَ أوْ دَعا؛ لِوُجُودِ الِارْتِباطِ بَيْنَ آيَةِ (سَألَ) وآيَةِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ المَذْكُورَةِ. فَإنَّهُما مُرْتَبِطانِ بِسَبَبِ النُّزُولِ.
(p-٢٦٥)كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾، قالَ: دَعا داعٍ (بِعَذابٍ واقِعٍ) . قالَ: هو قَوْلُهم ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ. والقائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ.
والإيضاحُ المُنَوَّهُ عَنْهُ يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُهُ مِن هَذا الرَّبْطِ، ومِن قَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى جَهالَتِهِمْ، وبَيانِ ما إذا كانَ هَذا العَذابُ الواقِعُ هَلْ وُقُوعُهُ في الدُّنْيا أمْ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ .
والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ جَهالَةَ قُرَيْشٍ دَلَّ عَلَيْها العَقْلُ والنَّقْلُ؛ لِأنَّ العَقْلَ يَقْضِي بِطَلَبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ كَما قِيلَ:
لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ ساعِيًا.
وَأمّا النَّقْلُ؛ فَلِأنَّ مِمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا: أنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ وقَدْ جاءُوا مُتَحَدِّينَ غايَةَ التَّحَدِّي لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَكِنَّهم لَمّا عايَنُوا الحَقَّ، قالُوا: آمَنّا، وخَرُّوا سُجَّدًا ولَمْ يُكابِرُوا، كَما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن نَبَئِهِمْ في كِتابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ولَمّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ، وقالَ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِ كَلامِهِ، قالُوا وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ هُنا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا﴾ ولَمْ يُبالُوا بِوَعِيدِهِ ولا بِتَهْدِيدِهِ. وقالُوا في اسْتِخْفافٍ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ [طه: ٧٠ - ٧٢]، فَهم لَمّا عايَنُوا البَيِّناتِ خَرُّوا سُجَّدًا وأعْلَنُوا إيمانَهم، وهَؤُلاءِ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ مَقالَتَهم تِلْكَ.
أمّا وُقُوعُ العَذابِ المَسْئُولِ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى الحالِ؛ لِلتَّأْكِيدِ عَلى وُقُوعِهِ، وكَأنَّهُ مُشاهَدٌ، وقالَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ، وقالَ: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ دَلِيلٌ عَلى تَأْكِيدِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ لَهُ دافِعٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. أمّا مَتى يَكُونُ فَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ (الطُّورِ) نَظِيرُةُ هَذِهِ أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، ثُمَّ بَيَّنَ ظَرْفَ وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، وفي سِياقِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ (p-٢٦٦)السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ٨ - ١٨]؛ فَإنَّها كُلَّها مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى زَمَنِ وُقُوعِهِ. ولَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ رَدًّا عَلى أُولَئِكَ المُسْتَخِفِّينَ بِالعَذابِ المُسْتَعْجِلِينَ بِهِ؛ مُجازاةً لَهم بِالمِثْلِ، كَما دَعَوْا وطَلَبُوا لِأنْفُسِهِمُ العَذابَ اسْتِخْفافًا؛ فَهي تَدْعُوهم إلَيْها زَجْرًا وتَخْوِيفًا، مُقابَلَةَ دُعاءٍ بِدُعاءٍ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ في الدُّنْيا دَعَوْتُمْ بِالعَذابِ فَهَذا هو العَذابُ يَدْعُوكم إلَيْهِ ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ﴾ عَنْ سَماعِ الدَّعْوَةِ، وأعْرَضَ عَنْها وتَوَلّى، وهَذا الرَّدُّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَهُ مِن تَغْيِيرِ السَّماءِ كالمُهْلِ، وتَسْيِيرِ الجِبالِ كالعِهْنِ، وتَقَطُّعِ أواصِرِ القَرابَةِ مِنَ الفَزَعِ والهَوْلِ مِمّا يَخْلَعُ القُلُوبَ، كَما وقَعَ بِالفِعْلِ في الدُّنْيا، كَما ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ قِصَّةَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أسارى بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ١ - ٨]، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي فَأسْلَمْتُ؛ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ العَذابُ.
وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا عَنْ هِشامِ بْنِ حَسّانَ، قالَ: انْطَلَقْتُ أنا ومالِكُ بْنُ دِينارٍ إلى الحَسَنِ، وعِنْدَهُ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (والطُّورِ) حَتّى بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، فَبَكى الحَسَنُ وبَكى أصْحابُهُ، فَجَعَلَ مالِكٌ يَضْطَرِبُ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ كانَ يَعُسُّ بِالمَدِينَةِ ذاتَ لَيْلَةٍ، إذْ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ بِالطُّورِ؛ فَرَبا لَها أُعِيدَ مِنها عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَكانَ هَذا الوَصْفُ المُفْزِعُ رَدًّا عَلى ذاكَ الطَّلَبِ المُسْتَخِفِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ونَأْمُلُ أنْ نَكُونَ قَدْ وفَّيْنا الإيضاحَ الَّذِي أرادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .
No commentary for this ayah
70:4Page 568
تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤
The angels and the Spirit [i.e., Gabriel] will ascend to Him during a Day the extent of which is fifty thousand years.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِقْدارُ هَذا اليَوْمِ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وجاءَتْ آياتٌ أُخَرَ بِأنَّهُ ألْفُ سَنَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] (p-٢٦٧)فَكانَ بَيْنَهُما مُغايِرَةٌ في المِقْدارِ بِخَمْسِينَ مَرَّةً.
وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، وفي الأضْواءِ في سُورَةِ (الحَجِّ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٧] .
وَمِمّا يَنْبَغِي أنْ يُلاحَظَ أنَّ الأيّامَ مُخْتَلِفَةٌ: فَفي (سَألَ) هو يَوْمُ عُرُوجِ الرُّوحِ والمَلائِكَةِ، وفي سُورَةِ (السَّجْدَةِ) هو يَوْمُ عُرُوجِ الأمْرِ؛ فَلا مُنافاةَ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٢٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ سَألَ سائِلٌ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ .
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، في سُورَةِ ”الحَجِّ“ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ ”النِّساءِ“ .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾
المَهْلُ: دَرِيدِيُّ الزَّيْتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾
العِهْنُ: الصُّوفُ، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى وصْفُ العِهْنِ بِالمَنفُوشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥]، وجاءَتْ لَها عِدَّةُ حالاتٍ أُخْرى: كالكَثِيبِ المَهِيلِ، وكالسَّحابِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ كُلِّ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] في سُورَةِ (الكَهْفِ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
الحَمِيمُ: القَرِيبُ والصَّدِيقُ والوَلِيُّ المُوالِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، مَعَ أنَّهم يُبَصَّرُونَهم بِأبْصارِهِمْ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مُوجِبَ ذَلِكَ وهو اشْتِغالُ كُلِّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٦٨)﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وكُلٌّ يَفِرُّ مِنَ الآخَرِ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] .
وَقَدْ جاءَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ؛ كُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ولَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن فَزَعٍ إلّا المُؤْمِنُونَ: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم. آمِينَ.
70:11Page 569
يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١
They will be shown each other. The criminal will wish that he could be ransomed from the punishment of that Day by his children
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
70:14Page 569
وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤
And whoever is on earth entirely [so] then it could save him.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
70:17Page 569
تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ١٧
It invites he who turned his back [on truth] and went away [from obedience]
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾
الهَلُوعُ: فَعُولٌ مِنَ الهَلَعِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، والهَلَعُ، قالَ في الكَشّافِ: شِدَّةُ سُرْعَةِ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، وقَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] .
وَلَفْظُ: (الإنْسانِ) هُنا مُفْرَدٌ، ولَكِنْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، أيْ: جِنْسُ الإنْسانِ في الجُمْلَةِ؛ بِدَلِيلِ اسْتِثْناءِ المُصَلِّينَ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣] ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الوَصْفَ بِالهَلَعِ في الكُفّارِ، ويَدُلُّ لِما قالَهُ أمْرانِ:
الأوَّلُ: تَفْسِيرُهُ في الآيَةِ واسْتِثْناءُ المُصَلِّينَ وما بَعْدَهُ مِنهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ كُلَّها مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ، ولِذا عَقَّبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
والثّانِي: الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ ! شَأْنُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ: إنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الوَصْفُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: أنَّهُ هَلُوعٌ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾
وَصَفَ اللَّهُ تَعالى مَنِ اسْتَثْناهم مِنَ الإنْسانِ الهَلُوعِ بِتِسْعِ صِفاتٍ:
(p-٢٦٩)اثْنَتانِ مِنها تَخْتَصُّ بِالصَّلاةِ، وهُما الأُولى والأخِيرَةُ؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهَمِّيَّةِ الصَّلاةِ، ووُجُوبِ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِها. وهَذا مِنَ المُسَلَّماتِ في الدِّينِ؛ لِمَكانَتِها مِنَ الإسْلامِ، وفي وصْفِهِمْ هُنا بِأنَّهم: (عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ)، وفي الأخِيرِ: (عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) [المعارج: ٣٤] .
قالَ في الكَشّافِ: الدَّوامُ عَلَيْها المُواظَبَةُ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها، ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: ”أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أدْوَمُها ولَوْ قَلَّ“ .
وَيَشْهَدُ لِهَذا الَّذِي قالَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] .
قالَ: والمُحافَظَةُ عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتَها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وآدابِها، وهَذا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] .
وَحَدِيثُ المُسِيءِ صَلاتِهِ، حَيْثُ قالَ لَهُ ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَنَفى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى مَعَ إيقاعِهِ الصَّلاةَ أمامَهُ؛ وذَلِكَ لِعَدَمِ الحِفاظِ عَلَيْها بِتَوْفِيَتِها حَقَّها.
وَقَدْ بَدَأ اللَّهُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنَيْنَ وخَتَمَهم بِالصَّلاةِ، مِمّا يُفِيدُ أنَّ الصَّلاةَ أصْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، ومَبْدَأٌ لِهَذا المَذْكُورِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَهي عَوْنٌ عَلى كُلِّ خَيْرٍ.
وَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فَهي سِياجٌ مِن كُلِّ مُنْكَرٍ، فَجَمَعَتْ طَرَفَيِ المَقْصِدِ شَرْعًا، وهُما العَوْنُ عَلى الخَيْرِ والحِفاظُ مِنَ الشَّرِّ، أيْ: جَلْبُ المَصالِحِ ودَرْءُ المَفاسِدِ؛ ولِذا فَقَدْ عُنِيَ بِها النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ عِنايَتِها، كَما هو مَعْلُومٌ، إلى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَها الفارِقَ والفَيْصَلَ بَيْنَ الإسْلامِ والكُفْرِ في قَوْلِهِ ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا (p-٢٧٠)وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ» .
واتَّفَقَ الأئِمَّةُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلى قَتْلِ تارِكِها. وكَلامُ العُلَماءِ عَلى أثَرِ الصَّلاةِ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ ورُوحِهِ وشُعُورِهِ، وما تُكْسِبُهُ مِن طُمَأْنِينَةٍ وارْتِياحٍ، كَلامٌ كَثِيرٌ جِدًّا تُوحِي بِهِ كُلِّهِ مَعانِي سُورَةِ (الفاتِحَةِ) .
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences