Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'arij 70:24
70:24Page 569
وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤
And those within whose wealth is a known right1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾
هَذا هو الوَصْفُ الثّانِي، ويُساوِي إيتاءَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ لا يَكُونُ إلّا في المَفْرُوضِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. ولا يَمْنَعُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ فَقَدْ يَكُونُ أصْلُ المَشْرُوعِيَّةِ بِمَكَّةَ، ويَأْتِي التَّفْصِيلُ بِالمَدِينَةِ، وهو في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهُنا إجْمالٌ في هَذِهِ الآيَةِ.
الأوَّلُ: في الأمْوالِ.
والثّانِي: في الحَقِّ المَعْلُومِ. أيِ: القَدْرِ المُخْرَجِ، ولَمْ تَأْتِ آيَةٌ تُفَصِّلُ هَذا الإجْمالَ إلّا آيَةُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ هَذا الإجْمالَ.
أمّا الأمْوالُ، فَهي لِإضافَتِها تَعُمُّ كُلَّ أمْوالِهِمْ، ولَيْسَ لِلْأمْرِ كَذَلِكَ، فالأمْوالُ الزَّكَوِيَّةُ بَعْضٌ مِنَ الجَمِيعِ، وأُصُولُها عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ هي:
أوَّلًا: النَّقْدانِ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ.
ثانِيًا: ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِن حُبُوبٍ وثِمارٍ.
ثالِثًا: عُرُوضُ التِّجارَةِ.
رابِعًا: الحَيَوانُ، ولَها شُرُوطٌ وأنْصِباءُ. وفي كُلٍّ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ تَفْصِيلٌ، وفي الثَّلاثَةِ الأُولى بَعْضُ الخِلافِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِها جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عِنْدَ آيَتَيْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [المنافقون: ١٤١]، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِزَكاةِ الحَيَوانِ (p-٢٧١)وَلا زَكاةِ الفِطْرِ، وعَلَيْهِ نَسُوقُ طَرَفًا مِن ذَلِكَ لِتَفْصِيلِ النِّصابِ في كُلٍّ مِنها، وما يَجِبُ في النِّصابِ، وما تَدْعُو الحاجَةُ لِذِكْرِهِ مِن مَباحِثَ في ذَلِكَ كالخُلْطَةِ مَثَلًا، والصِّفاتِ في المُزَكّى، والرّاجِحِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ بِمُقارَنَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الأنْصِباءِ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ وأنْصِباءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لِبَيانِ قُوَّةِ التَّرابُطِ بَيْنَ الجَمِيعِ، ودِقَّةِ الشّارِعِ في التَّقْدِيرِ.
أوَّلًا: بَيانُ النَّوْعِ الزَّكَوِيِّ مِنَ الحَيَوانِ.
اعْلَمْ - رَحِمَنا اللَّهُ وإيّاكَ -: أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا زَكاةَ في الحَيَوانِ إلّا في بَهِيمَةِ الأنْعامِ الثَّلاثَةِ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، الضَّأْنُ والمَعِزُ سَواءٌ. وأُلْحِقَ بِالبَقَرِ الجَوامِيسُ، والإبِلُ تَشْمَلُ العِرابَ والبَخاتِيَّ، والخِلافُ في الخَيْلِ.
وَلِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - دَلِيلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَدَلَّ لِوُجُوبِ الزَّكاةِ في الخَيْلِ بِالقِياسِ في حَمْلِها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى، إذا كانَتْ لِلنَّسْلِ أيْ: كانَتْ ذُكُورًا وإناثًا، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ كُلُّها ذُكُورًا بِجامِعِ التَّناسُلِ في كُلٍّ واشْتَرَطَ لَها السَّوْمَ أيْضًا.
وَبِحَدِيثِ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ، فَتُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنْبُهُ وظَهْرُهُ» الحَدِيثَ. وفِيهِ ذِكْرُ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ كُلِّها، والإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ. فَقالُوا: «والخَيْلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ ”الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هي لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولِرَجُلٍ سَتْرٌ، ولِرَجُلٍ وِزْرٌ. أمّا الَّتِي لِرَجُلٍ أجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأطالَ لَها في مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ»“ إلى آخِرِ ما جاءَ في هَذا القِسْمِ. «وَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها ولا ظُهُورِها فَهي لِذَلِكَ سَتْرٌ. ورَجُلٌ رَبَطَها رِياءً وفَواءً لِأهْلِ الإسْلامِ؛ فَهي عَلى ذَلِكَ وِزْرٌ» .
فَقالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها وظُهُورِها هو الزَّكاةُ. وقَدْ خالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ووافَقَهُ زُفَرُ، وبِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ فَرَسٍ سائِمَةٍ دِينارٌ أوْ عَشَرَةُ دَراهِمَ» .
أدِلَّةُ الجُمْهُورِ عَلى عَدَمِ (p-٢٧٢)وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيها والرَّدُّ عَلى أدِلَّةِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ ولا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» .
والفَرَسُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ، وبِعَدَمِ ذِكْرِها مَعَ بَقِيَّةِ الأجْناسِ الأُخْرى حَتّى سُئِلَ عَنْها ﷺ، فَلَوْ كانَتْ مِثْلَها في الحُكْمِ لَما تَرَكَها في الذِّكْرِ.
وَحَدِيثُ «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ؛ فَهاتُوا زَكاةَ الرِّقَّةِ» . رَواهُ أبُو داوُدَ.
وَأجابُوا عَلى اسْتِدْلالِ أبِي حَنِيفَةَ، بِأنَّ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها، وظُهُورِها إعارَتُها، وطَرْقُها إذا طُلِبَ ذَلِكَ مِنهُ.
كَما أجابُوا عَلى حَدِيثِ جابِرٍ بِما نَقَلَهُ الشَّوْكانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ مِن أنَّهُ: لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
وَرَدَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى دَلِيلِ الجُمْهُورِ: بِأنَّ فَرَسَهُ مُجْمَلٌ، وهو يَقُولُ بِالحَدِيثِ إذا كانَ الفَرَسُ لِلْخِدْمَةِ. أمّا إذا كانَتِ الخَيْلُ لِلتَّناسُلِ، فَقَدْ خَصَّها القِياسُ، وعَلى حَدِيثِ («عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ») بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وهَذِهِ دَعْوى تَحْتاجُ إلى إثْباتٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ أنَّهُ حَسَنٌ.
وَلَعَلَّ مِمّا يَرُدُّ اسْتِدْلالَ أبِي حَنِيفَةَ نَفْسُ الحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مِن قَرِينَةِ التَّقْسِيمِ، إذا أناطَ الأجْرَ فِيها بِالجِهادِ عَلَيْها، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّكاةَ، مَعَ أنَّ الزَّكاةَ قَدْ تَكُونُ ألْزَمَ مِنَ الأجْرِ أوْ أعَمَّ مِنَ الجِهادِ؛ لِأنَّها تَكُونُ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ: كالمَرْأةِ مَثَلًا فَتُزَكِّي؛ فَلَوْ كانَتْ فِيها الزَّكاةُ لَما خَرَجَتْ عَنْ قِسْمِ الأجْرِ.
ثانِيًا: لَوْ كانَ حَقُّ اللَّهِ في المَذْكُورِ هو الزَّكاةَ لَما تُرِكَ لِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِها وخِيفَ تَعَرُّضٌ لِلنِّسْيانِ؛ لِأنَّ زَكاةَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى لَمْ تُتْرَكْ لِذَلِكَ بَلْ يُطالَبُ بِها صاحِبُها، ويَأْتِي العامِلُ فَيَأْخُذُها، وإنِ امْتَنَعَ صاحِبُها أُخِذَتْ جَبْرًا عَلَيْهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ رُجْحانُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في عَدَمِ الوُجُوبِ.
وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، فَقَدِ اخْتَلَفَ القَوْلُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما تُعامَلُ بِهِ، وفِيما يُخْرَجُ في زَكاتِها، فَقِيلَ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينارًا أوْ عَشَرَةَ دَراهِمَ، وبَيْنَ أنْ يُقَوِّمَها ويَدْفَعَ عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَراهِمَ.
وَقَدْ جَعَلَ الأحْنافُ زَكاتَها لِصاحِبِها، ولا دَخْلَ لِلْعامِلِ فِيها، ولا يُجْبِرُ الإمامُ عَلَيْها، (p-٢٧٣)وَقَدْ أطالَ في الهِدايَةِ الكَلامَ عَلَيْها، ولَعَلَّ أحْسَنَ ما يُقالُ في ذَلِكَ ما جاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في سُنَنِ الدّارَقُطْنِيِّ، قالَ: جاءَ ناسٌ مِن أهْلِ الشّامِ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقالُوا: إنّا قَدْ أصَبْنا أمْوالًا وخَيْلًا ورَقِيقًا، وإنّا نُحِبُّ أنْ نُزَكِّيَهُ، فَقالَ: ما فَعَلَهُ صاحِبايَ قَبْلِي فَأفْعَلُهُ أنا، ثُمَّ اسْتَشارَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: حَسَنٌ، وسَكَتَ عَلِيٌّ، فَسَألَهُ، فَقالَ: هو حَسَنٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً راتِبَةً يُؤْخَذُونَ بِها بَعْدَكَ. فَأخَذَ مِنَ الفَرَسِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، وفِيهِ: فَوَضَعَ عَلى الفَرَسِ دِينارًا.
وَفِي المُنْتَقى عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهم قالُوا: نُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَنا فِيها زَكاةٌ وطَهُورٌ، فَهي إذًا دائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبابِ والتَّرْكِ.
وَقَدْ جاءَ في نَفْسِ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ أنَّهم قالُوا: «والحُمُرُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ " ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾» [الزلزلة: ٧] رَواهُ السِّتَّةُ إلّا التِّرْمِذِيُّ.
وَعَلَيْهِ؛ فَإنَّ الأحادِيثَ الَّتِي هي نَصٌّ في الوُجُوبِ أوْ لِلتَّرْكِ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاحْتِجاجِ، والحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الِاحْتِمالُ في مَعْنى حَقِّ اللَّهِ في ظُهُورِها ورِقابِها، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ مُجْمَلٌ، فَلَمْ يَكُنْ في النُّصُوصِ المَرْفُوعَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلْأحْنافِ في قَوْلِهِمْ: بِوُجُوبِ زَكاةِ الخَيْلِ، وبَقِيَ مَفْهُومُ الحَدِيثِ، وقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
أمّا مَفْهُومُ الحَدِيثِ؛ فَقَدْ أشَرْنا إلى القَرائِنِ الَّتِي فِيهِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ.
وَأمّا فِعْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَفِيهِ قَرائِنُ أيْضًا، بَلْ أدِلَّةٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وهي:
أوَّلًا: لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُزَكِّيَها ويُطَهِّرَها بِالزَّكاةِ، وإيجابُ الزَّكاةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى رَغْبَةِ المالِكِ.
ثانِيًا: تَوَقُّفُ عُمَرَ وعَدَمُ أخْذِها مِنهم لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولَوْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ مُزَكّاةً لَما خَفِيَتْ عَلَيْهِ ولَما تَوَقَّفَ.
ثالِثًا: تَصْرِيحُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ صاحِباهُ مِن قَبْلِهِ، فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ هو ؟ ! .
رابِعًا: قَوْلُ عَلِيٍّ: ما لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً مِن بَعْدِكَ. أيْ: إنْ أخَذَها عُمَرُ اسْتِجابَةً لِرَغْبَةِ أُولَئِكَ فَلا بَأْسَ لِتَبَرُّعِهِمْ بِها، ما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَعْلِها لازِمَةً عَلى غَيْرِهِمْ فَتَكُونَ كالجِزْيَةِ عَلى المُسْلِمِينَ.
وَمِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ حَدِيثُ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ فَأدُّوا زَكاةَ (p-٢٧٤)أمْوالِكم» . رَواهُ أبُو داوُدَ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ: وهَذا ما يَتَّفِقُ مَعَ حَدِيثِ: «لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ ولا في عَبْدِهِ» رَواهُ الجَماعَةُ.
وَقَدْ أجابَ الأحْنافُ عَلى تَرَدُّدِ عُمَرَ: بِأنَّ الخَيْلَ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ سائِمَةً لِلنَّسْلِ عِنْدَ العَرَبِ، ولَكِنَّها ظَهَرَتْ بَعْدَ الفُتُوحاتِ في عَهْدِ عُمَرَ. وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ. وعَلَيْهِ فَلا دَلِيلَ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في الخَيْلِ فَتَبْقى عَلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ولِهَذا لَمْ يَأْتِ لِلْخَيْلِ ذِكْرٌ في كِتابِ أنْصِباءِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ البَقَرَ لَمْ يَأْتِ ذِكْرُها أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ زَكاةَ البَقَرِ جاءَتْ فِيها نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأصْحابِ السُّنَنِ.
وَلِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ بَيانُ أنْصِباءِ الزَّكاةِ وما يُؤْخَذُ فِيها: مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ يُفَصِّلُ ذَلِكَ، ولَكِنْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ بَيانَ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وهو نَوْعٌ مِن بَيانِ القُرْآنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] .
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أرْكانَ الإسْلامِ: كَعَدَدِ الرَّكَعاتِ وأوْقاتِ الصَّلَواتِ مُفَصَّلَةً ومَناسِكِ الحَجِّ.
فَكَذَلِكَ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ مُجْمَلَ هَذا الحَقِّ، وفي أيِّ أنْواعِ الأمْوالِ، وإنَّ أجْمَعَ نَصٍّ في ذَلِكَ هو كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ وقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، وقَدْ عَمِلَ بِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومَضى عَلَيْهِ العَمَلُ فِيما بَعْدُ.
وَقَدْ رَواهُ الجَماعَةُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «قالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ كِتابًا، وكانَ نَقْشُ الخاتَمِ عَلَيْهِ: ”مُحَمَّدٌ“ سَطْرٌ، و ”رَسُولُ“ سَطْرٌ، و ”اللَّهِ“ سَطْرٌ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُسْلِمِينَ، والَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ، فَمَن سُئِلَها مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهِها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فَوْقَها فَلا يُعْطِهِ: في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَما دُونَها مِنَ الغَنَمِ في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فَإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وثَلاثِينَ فَفِيها بِنْتُ مَخاضٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخاضٍ فابْنُ لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلاثِينَ إلى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ فَفِيها بِنْتُ لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وأرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ فَفِيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، فَإذا بَلَغَتْ واحِدَةً وسِتِّينَ إلى خَمْسٍ وسَبْعِينَ فَفِيها جَذَعَةٌ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ (p-٢٧٥)فَفِيها بِنْتا لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ إحْدى وتِسْعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفِيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا الفَحْلِ، فَإذا زادَتْ عَلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفي كُلِّ أرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، ومَن لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا أرْبَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَتْ فِيها صَدَقَةً إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، فَإذا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيها شاةٌ.
وَصَدَقَةُ الغَنَمِ في سائِمَتِها إذا كانَتْ أرْبَعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ شاةٌ، فَإذا زادَتْ عَلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ إلى مِائَتَيْنِ فِيها شاتانِ، فَإذا زادَتْ عَلى مِائَتَيْنِ إلى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِيها ثَلاثُ شِياهٍ، فَإذا زادَتْ عَلى ثَلاثمِائَةٍ فَفي كُلِّ مِائَةٍ شاةٌ.
فَإذا كانَتْ سائِمَةُ الرَّجُلِ ناقِصَةً عَنْ أرْبَعِينَ شاةً، واحِدَةً فَلَيْسَ فِيها صَدَقَةٌ إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، فَلا يُجْتَمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ فَإنَّهُما يَتَراجَعانِ بَيْنَهُما بِالسَّوِيَّةِ» . الحَدِيثَ.
فَقَدْ بَيَّنَ ﷺ في هَذا الكِتابِ أنْصِباءَ الإبِلِ والغَنَمِ وما يَجِبُ في كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِأنْصِباءِ البَقْرِ، ولَكِنْ بَيَّنَ أنْصِباءَ البَقْرِ حَدِيثُ مُعاذٍ عِنْدَ أصْحابِ السُّنَنِ.
قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي إلى اليَمَنِ، ألّا آخُذَ مِنَ البَقْرِ شَيْئًا حَتّى تَبْلُغَ ثَلاثِينَ، فَإذا بَلَغَتْ: فَفِيها عِجْلٌ تَبِيعٌ جَذَعٌ أوْ جَذَعَةٌ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَإذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ فَفِيها مُسِنَّةٌ» .
وَلِهَذَيْنَ النَّصَّيْنِ الصَّحِيحَيْنِ يَكْتَمِلُ بَيانُ أنْصِباءِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ. وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وعَلَيْهِ العَمَلُ.
وَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: في كُلِّ عَشْرٍ مِنَ البَقَرِ شاةٌ إلى ثَلاثِينَ فَفِيها تَبِيعٌ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أحَدٌ.
* *
تَنْبِيهٌ.
وَلَيْسَ في الوَقْصِ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ زَكاةٌ، والوَقْصُ هو ما بَيْنَ كُلِّ نِصابٍ والَّذِي يَلِيهِ، كَما بَيْنَ الخَمْسَةِ والتِّسْعَةِ مِنَ الإبِلِ، وما بَيْنَ الأرْبَعِينَ والعِشْرِينَ ومِائَةَ مِنَ الغَنَمِ، وما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ مِنَ البَقَرِ، وهَذا بِاتِّفاقٍ، إلّا خِلافٌ لِلْأحْنافِ في وقْصِ البَقَرِ فَقَطْ، والصَّحِيحُ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ في الجَمِيعِ؛ لِحَدِيثِ مُعاذٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَإذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ فَفِيها مُسِنَّةٌ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّهُ لا زَكاةَ بَعْدَ الثَّلاثِينَ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَما بَيْنَ (p-٢٧٦)الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ لا زَكاةَ فِيهِ.
وَأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ مِنَ التَّبِيعِ، وقَدِ اشْتَرَطَ لِزَكاةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ النَّسْلَ والسَّوْمَ، وأنَّهُ لا زَكاةَ في المَعْلُوفَةِ، ولا الَّتِي لِلْعَمَلِ: كالإبِلِ لِلْحَمْلِ عَلَيْها، والبَقَرِ لِلْحَرْثِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَقالَ مالِكٌ: في المَعْلُوفَةِ وفي العَوامِلِ الزَّكاةُ، قالَ في المُوَطَّإ ما نَصُّهُ: في الإبِلِ النَّواضِحِ والبَقَرِ السَّواقِي وبَقَرِ الحَرْثِ؛ إنِّي أرى أنْ يُؤْخَذَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إذا وجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ. واسْتَدَلُّوا لِمالِكٍ في ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلِ: مِن جِهَةِ النُّصُوصِ.
والثّانِي: مِن جِهَةِ المَعْنى.
أمّا النُّصُوصُ؛ فَما جاءَ عامًّا في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنْصِباءِ الزَّكاةِ في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَما دُونَهُ الغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، لِعُمُومِهِ في السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ. هَذا في الإبِلِ، وكَذَلِكَ في الغَنَمِ في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، أيْ: بِدُونِ قَيْدِ السَّوْمِ.
وَأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى: فَقالَ الباجِيُّ: إنَّ كَثْرَةَ النَّفَقاتِ وقِلَّتَها إذا أثَّرَتْ في الزَّكاةِ؛ فَإنَّها تُؤَثِّرُ في تَخْفِيفِها وتَثْقِيلِها ولا تُؤَثِّرُ في إسْقاطِها ولا إثْباتِها: كالخُلْطَةِ، والتَّفْرِقَةِ، والسَّقْيِ، والنَّضْحِ، والسَّبْحِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ إلّا تَخْفِيفَ النَّفَقَةِ وتَثْقِيلَها.
وَأمّا التَّمَكُّنُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها فَعَلى حَدٍّ واحِدٍ لا يَمْنَعُ عَلْفُها مِنَ الدَّرِّ والنَّسْلِ، ورَدَّ الجُمْهُورُ عَلى أدِلَّةِ مالِكٍ أيْضًا بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلِ: مِن جِهَةِ النُّصُوصِ.
والثّانِي: مِن جِهَةِ المَعْنى.
أمّا النُّصُوصُ: فَما جاءَ مِنَ الإبِلِ في حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، وفِيهِ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ مِنَ الإبِلِ سائِمَةٌ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما.
وَفِي الغَنَمِ حَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ» وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِي كِتابِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالُوا: جاءَ قَيْدُ السَّوْمِ في الحَدِيثَيْنِ، وأدِلَّةُ مالِكٍ مُطْلَقَةٌ؛ ويُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ كَما هو مَعْلُومٌ.
(p-٢٧٧)وَمِمّا يَدُلُّ عَلى رُجْحانِ أدِلَّةِ الجُمْهُورِ: أنَّ في حَدِيثِ الغَنَمَ جاءَ المُطْلَقُ في بَيانِ العَدَدِ في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، فَهو لِبَيانِ النِّصابِ أكْثَرُ مِنهُ لِبَيانِ الوَصْفِ.
وَحَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ»: لِبَيانِ مَحَلِّ الوُجُوبِ أكْثَرُ مِنهُ لِبَيانِ العَدَدِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى يُعْتَبَرُ الحَدِيثانِ مُتَرابِطَيْنِ، وأنَّ كُلًّا مِنهُما عامٌّ مِن وجْهٍ، خاصٌّ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَحَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ» عامٌّ في الغَنَمِ بِدُونِ عَدَدٍ، خاصٌّ في السّائِمَةِ.
وَحَدِيثُ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ» . عامٌّ في الشِّياهِ، خاصٌّ بِالأرْبَعِينَ. فَيُخَصَّصُ عُمُومُ كُلٍّ مِنهُما بِخُصُوصِ الآخَرِ، فَيُقالُ: في سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ إذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ، ويُقالُ: في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إذا كانَتْ سائِمَةً، وبِهَذا تَلْتَئِمُ الأدِلَّةُ في الإبِلِ والغَنَمِ؛ لِاشْتِراطِ السَّوْمِ وتَحْدِيدِ العَدَدِ.
أمّا البَقَرُ: فَقَدْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى اعْتِبارِ السَّوْمِ، ومِن أدِلَّةِ الجُمْهُورِ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ السَّوْمَ والنَّسْلَ لِلنَّماءِ، فَيَحْتَمِلُ المُواساةَ، أمّا المَعْلُوفَةُ والعَوامِلُ فَلَيْسَتْ تَحْتَمِلُ المُواساةَ. ومِمّا تَقَدَّمَ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ في اشْتِراطِ السَّوْمِ والنَّسْلِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ما جاءَ في الخُلْطَةِ، وهي اخْتِلاطُ المالَيْنِ مَعًا لِرَجُلَيْنِ أوْ أكْثَرَ، وهي عَلى قِسْمَيْنِ:
أوَّلًا: خُلْطَةُ أعْيانٍ.
ثانِيًا: خُلْطَةُ أوْصافٍ.
فَخُلْطَةُ الأعْيانِ: أنْ يَكُونَ المالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الخُلَطاءِ عَلى سَبِيلِ المَشاعِ، كَمَن ورِثُوا غَنَمًا أوْ بَقَرًا مَثَلًا ولَمْ يَقْتَسِمُوهُ، أوْ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَقْتَسِمُوهُ. وهَذِهِ الخُلْطَةُ يَكُونُ حُكْمُ المالِ فِيها كَحُكْمِهِ لَوْ كانَ لِشَخْصٍ واحِدٍ، أوْ خَلْطَةُ الأوْصافِ، فَهي أنْ يَكُونَ المالُ مُتَمَيِّزًا، وكُلٌّ مِنهم يَعْرِفُ حِصَّتَهُ ومالَهُ بِعَدَدٍ وأوْصافٍ، سَواءٌ بِألْوانِها أوْ بِوَسْمِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ولَكِنَّهم خَلَطُوا المالَ لِيَسْهُلَ القِيامُ عَلَيْهِ، كاخْتِلاطِهِمْ في الرّاعِي والمَرْعى، والمَسْرَحِ والمَراحِ، والفَحْلِ والدَّلْوِ والمَحْلَبِ.
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنصُوصٌ عَلَيْهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ والِاكْتِفاءِ بِواحِدٍ مِن كُلِّ ذَلِكَ لِجَمِيعِ المالِ، ولَوْ فُرِّقَ لاحْتاجَ كُلُّ مالٍ مِنهُ إلى واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ الخُلْطَةُ لَها تَأْثِيرٌ في الزَّكاةِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، ولا تَأْثِيرَ لَها عِنْدَ أبِي (p-٢٧٨)حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وإنَّما التَّأْثِيرُ عِنْدَهُ في خُلْطَةِ المَشاعِ.
واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِتَأْثِيرِها في الزَّكاةِ عَلى مَن تُؤَثِّرُ:
فَقالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ: تُؤَثِّرُ عَلى جَمِيعِ الخُلَطاءِ، مَن يَمْلِكُونَ نِصابًا، ومَن لا يَمْلِكُ.
وَقالَ مالِكٌ: لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى مَن مَلَكَ نِصابًا فَأكْثَرَ، ومَن لا يَمْلِكُ نِصابًا فَلا تَأْثِيرَ لَها عَلَيْهِ. ودَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلى أبِي حَنِيفَةَ في تَأْثِيرِها هو قَوْلُهُ ﷺ في كِتابِ بَيانِ أنْصِباءِ الصَّدَقَةِ: («وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ؛ فَإنَّهم يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ») .
فَقالَ الجُمْهُورُ: النَّهْيُ عَنْ تَفْرِيقِ المُجْتَمِعِ لا يَتَأتّى إلّا في اجْتِماعِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَ المَشاعِ لا يَتَأتّى تَفْرِيقُهُ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وكَذَلِكَ التَّراجُعُ بِالسَّوِيَّةِ لا يُقالُ إلّا في خُلْطَةِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ خُلْطَةَ المَشاعِ ما يُؤْخَذُ مِنها مَأْخُوذٌ مِنَ المَجْمُوعِ وعَلى المَشاعِ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ شَرِيكٍ عَلى المَشاعِ لَهُ حِصَّتُهُ مِن كُلِّ شاةٍ عَلى المَشاعِ.
مِثالُ ذَلِكَ عِنْدَ الجَمِيعِ، وإلَيْكَ المِثالُ لِلْجَمِيعِ: لَوْ أنَّ ثَلاثَةَ أشْخاصٍ يَمْلِكُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أرْبَعِينَ شاةً، فَإنْ كانَ كُلٌّ مِنهم عَلى حِدَةٍ، فَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم شاةٌ، فَإنِ اخْتَلَطُوا كانَتْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا شاةٌ واحِدَةٌ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهم؛ لِأنَّ مَجْمُوعَهم مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وهو حَدُّ الشّاةِ.
وَهَذا عِنْدَ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ القائِلِينَ بِتَأْثِيرِ الخُلْطَةِ: مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ولَوْ أنَّ لِلْأوَّلِ عِشْرِينَ شاةً ولِلثّانِي أرْبَعِينَ ولِلثّالِثِ سِتِّينَ، فَفِيها أيْضًا شاةٌ.
وَلَكِنْ عِنْدَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ، فَلَوْ كانَتِ الشّاةُ بِسِتِّينَ دِرْهَمًا، لَكانَ عَلى الأوَّلِ عَشَرَةُ دَراهِمَ بِنِسْبَةِ غَنَمِهِ مِنَ المَجْمُوعِ، وعَلى الثّانِي عِشْرُونَ، وعَلى الثّالِثِ ثَلاثُونَ؛ كُلٌّ بِنِسْبَةِ غَنَمِهِ مِنَ المَجْمُوعِ.
وَعِنْدَ مالِكٍ: لا شَيْءَ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ نِصابًا، والشّاةُ عَلى الثّانِي والثّالِثِ فَقَطْ، وبِنِسْبَةِ غَنَمِهِما مِنَ المَجْمُوعِ، فَعَلى الثّانِي خُمْسا القِيمَةِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ. وعَلى الثّالِثِ ثَلاثَةُ أخْماسِها سِتَّةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا وهَكَذا.
(p-٢٧٩)والدَّلِيلُ قَوْلُهُ ﷺ: «لا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ فَإنَّما يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ» .
فَقالَ الجُمْهُورُ: النَّهْيُ عَنْ تَفْرِيقِ المُجْتَمِعِ وتَقاسُمِهِما بِالسَّوِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ في الزَّكاةِ؛ لِما فِيهِ مِن إرْفاقٍ.
قالَ الباجِيُّ: كَما في الإرْفاقِ في سَقْيِ الحَرْثِ ما سُقِيَ بِالنَّضْحِ وما سُقِيَ بِغَيْرِ النَّضْحِ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ يَعْنِي: الشَّرِيكَيْنِ، ولَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: «يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ»؛ لِأنَّ التَّراجُعَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في خُلْطَةِ الجِوارِ والأوْصافِ.
وَقالَ مالِكٌ: لا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ عَلى مَن لَمْ يَمْلِكِ النِّصابَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ»، فَمَن لَمْ يَمْلِكْ أرْبَعِينَ شاةً فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ عَلَيْهِ. ولَعَلَّ مِنَ النُّصُوصِ المُقَدَّمَةِ يَكُونُ الرّاجِحُ مَذْهَبَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ في قَضِيَّةِ الخُلْطَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الشُّرُوطُ المُؤَثِّرَةُ في الخُلْطَةِ عِنْدَ القائِلِينَ بِها كالآتِي: عِنْدَ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - خَمْسَةُ أوْصافٍ، وهي اتِّحادُ المالَيْنِ في الآتِي: المَرْعى. المَسْرَحِ. المَبِيتِ. المَحْلَبِ. الفَحْلِ.
وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَشَرَةَ أوْصافٍ، الخَمْسَةُ الأُولى. وزادَ أنْ يَكُونَ الشَّرِيكانِ مِن أهْلِ الزَّكاةِ: أنْ يَكُونَ المالُ المُخْتَلِطُ نِصابًا، أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِمْ حَوْلٌ كامِلٌ، اتِّحادُ المَشْرَبِ، اتِّحادُ الرّاعِي.
وَعِنْدَ مالِكٍ: الرّاعِي، والفَحْلُ، والمَراحُ، والدَّلْوُ، والمُرادُ بِالدَّلْوِ: المَشْرَبُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعَلَيْهِ: يَكُونُ الجَمِيعُ مُتَّفِقِينَ تَقْرِيبًا في الأوْصافِ، وما زادَهُ الشّافِعِيُّ مَعْلُومٌ شَرْعًا؛ لِأنَّها شُرُوطٌ في أصْلِ وُجُوبِ الزَّكاةِ. ولَكِنِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن هَذِهِ الأوْصافِ: هَلْ تُشْتَرَطُ جَمِيعُها أوْ يَكْفِي وُجُودُ بَعْضِها ؟ .
الواقِعُ أنَّهُ لا نَصَّ في ذَلِكَ، ولَكِنْ يَرْجِعُ إلى تَحْقِيقِ المَناطِ فِيما يَكُونُ بِهِ الإرْفاقُ، فَمالِكٌ اكْتَفى بِبَعْضِها: كالفَحْلِ، والمَرْعى، والرّاعِي. والشّافِعِيُّ: اشْتَرَطَ تَوَفُّرَ جَمِيعِ تِلْكَ (p-٢٨٠)الأوْصافِ، وإلّا فَلا تَكُونُ الخُلْطَةُ مُؤَثِّرَةً، ولِكُلٍّ في مَذْهَبِهِ خِلافٌ في تِلْكَ الأوْصافِ لا نُطِيلُ الكَلامَ بِتَتَبُّعِهِ، وإنَّما يُهِمُّنا بَيانُ الرّاجِحِ فِيما فِيهِ الخِلافُ في أصْلِ المَسْألَةِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ الرّاجِحَ هو الآتِي:
أوَّلًا: صِحَّةُ تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ.
ثانِيًا: اشْتِراطُ الأوْصافِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِها الخُلْطَةُ عُرْفًا.
مَلْحُوظَةٌ.
لَقَدْ عَرَفْنا أنْصِباءَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، وبَقِيَ عَلَيْنا الإجابَةُ عَنْ سُؤالٍ طالَ ما جالَ تَفَكُّرُ كُلِّ دارِسٍ فِيهِ، وهو ما يَقُولُهُ جَمِيعُ الفُقَهاءِ: إنَّ المَقادِيرَ تَوْقِيفِيَّةٌ، ومِنها أنْصِباءُ الزَّكاةِ. ومَعْنى تَوْقِيفِيَّةٍ: أنَّهُ لا اجْتِهادَ فِيها، ولَكِنْ هَلْ هي جاءَتْ لُغَوِيَّةً، أوْ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الأنْصِباءِ ارْتِباطًا ونِسْبَةً مُطَّرِدَةً.
الواقِعُ: أنَّهُ وإنْ كانَ الواجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ - والَّذِي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا - هو الِامْتِثالُ والطّاعَةُ، إلّا أنَّنا لَمّا كُنّا في عَصْرٍ مادِّيٍّ، والنِّظامُ الِاقْتِصادِيُّ هو الأصْلُ في سِياسَةِ العالَمِ اليَوْمَ؛ فَإنَّ البَعْضَ قَدْ يَتَطَلَّعُ إلى الإجابَةِ عَنْ هَذا السُّؤالِ.
وَقَدْ حاوَلْتُ الإجابَةَ عَلَيْهِ بِعَمَلِ مُقارَنَةٍ عامَّةٍ تُوجَدُ بِها نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ كالآتِي:
أوَّلًا: في النَّقْدَيْنِ؛ مَعْلُومٌ أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقالًا، والفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ، وفي كُلٍّ مِنهُما رُبْعُ العُشْرِ، وكانَ صَرْفُ الدِّينارِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، فَيَكُونُ نِصابُ الذَّهَبِ مِن ضَرْبِ عِشْرِينَ في عَشَرَةٍ فَيُساوِي مِائَتَيْنِ، فَهي نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ كَما تَرى.
وَإذا جِئْنا لِلنِّسْبَةِ بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ - وهي أصْلُ الأثْمانِ - وبَيْنَ الغَنَمِ نَجِدُ الآتِي:
أوَّلًا: في حَدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ دِينارًا؛ لِيَتْشَرِيَ لَهم شاةً، فَذَهَبَ وأتاهم بِشاةٍ ودِينارٍ، فَقالَ لَهُ ﷺ: «ماذا فَعَلْتَ ؟ ”فَقالَ: اشْتَرَيْتُ شاتَيْنِ بِالدِّينارِ، ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَقالَ: أتَبِيعُنِي شاةً فَبِعْتُهُ شاةً بِدِينارٍ، فَقالَ لَهُ ﷺ“ بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ» .
مَعْنى هَذا: أنَّ الدِّينارَ قِيمَتُهُ الشِّرائِيَّةُ تُعادِلُ شاتَيْنِ، مِن ضَرْبِ عِشْرِينَ دِينارًا في اثْنَتَيْنِ فَيُساوِي أرْبَعِينَ شاةً، وهَذا هو نِصابُ الغَنَمِ، وفي الأرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، وقِيمَتُها الشِّرائِيَّةُ نِصْفُ الدِّينارِ، وهي خَمْسَةُ دَراهِمَ وهي ما يُؤْخَذُ في العِشْرِينَ مِثْقالا؛ فاطَّرَدَتِ النِّسْبَةُ أيْضًا (p-٢٨١)بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وبَيْنَ الغَنَمِ.
أمّا بَيْنَ الغَنَمِ والإبِلِ: فَقَدْ وجَدْنا أنَّ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعِ شِياهٍ في الهَدْيِ، ونِصابُ الإبِلِ خَمْسَةٌ وتَضْرِبُها في سَبْعٍ فَيُساوِي خَمْسَةً وثَلاثِينَ، ولَوْ جُعِلَتْ سِتًّا لَكانَتْ تُعادِلُ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، فَأخَذْنا بِالأقَلِّ؛ احْتِياطًا لِحَقِّ المِسْكِينِ، فَكانَ بَيْنَ نِصابِ الإبِلِ ونِصابِ الغَنَمِ نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ.
وَكَذَلِكَ نِصابُ الغَنَمِ ونِصابُ النَّقْدَيْنِ نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ. فَظَهَرَتِ الدِّقَّةُ واطِّرادُ النِّسْبَةِ في الأنْصِباءِ.
* *
ما يَجُوزُ أخْذُهُ وما لا يَجُوزُ أخْذُهُ في الزَّكاةِ.
اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا تُؤْخَذُ الذُّكُورُ في الزَّكاةِ، اللَّهُمَّ إلّا ابْنُ لَبُونٍ لِمَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخاضٍ.
واخْتُلِفَ فِيما لَوْ كانَ النِّصابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، والواقِعُ أنَّ هَذا نادِرٌ، ولَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا تُؤْخَذُ السِّخالُ مَعَ وُجُوبِ الِاعْتِدادِ بِها عَلى صاحِبِها.
كَما جاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَأْتِي بِها الرّاعِي، ولا تَأْخُذْها مِنهم، ولا يَجُوزُ أخْذُ فَحْلِ الإبِلِ ولا تَيْسِ الغَنَمِ، ولا الرُّبى، ولا الحَلُوبَةِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ عَلى صاحِبِ المالِ.
كَما لا تُؤْخَذُ السَّخْلَةُ ولا العَجْفاءُ؛ لِما فِيهِ مِن مَضَرَّةِ المِسْكِينِ، والأصْلُ في ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المُوَطَّأِ، قالَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُها الرّاعِي، ولا تَأْخُذْها، ولا تَأْخُذِ الأكُولَةَ، ولا الرُّبى، ولا الماخِضَ، ولا فَحْلَ الغَنَمِ، وتَأْخُذُ الجَذَعَةَ والثَّنِيَّةَ، وذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذاءِ الغَنَمِ وخِيارِها، وغِذاءُ الغَنَمِ صِغارُها، وخِيارُها كِبارُها وأسْمَنُها؛ فَهي عَدْلٌ، أيْ: وسَطٌ.
وَهُنا تَتَحَتَّمُ كَلِمَةٌ، يُعْتَبَرُ كُلُّ نِظامٍ مالِيٍّ في العالَمِ نِظامًا مادِّيًّا بَحْتًا يَقُومُ عَلى مَبانِي الأرْقامِ والإحْصاءِ، فَهو جافٌّ في شَكْلِهِ، كالجِسْمِ بِدُونِ رُوحٍ، إلّا نِظامَ الزَّكاةِ؛ فَهو نِظامٌ حَيٌّ لَهُ رُوحُهُ وعاطِفَتُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences