Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'arij 70:24–26, continued
فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يُلْزِمُ الغَنِيَّ بِدَفْعِ قِسْطٍ لِلْفَقِيرِ، يَحْظُرُ عَلى العامِلِ أنْ يَأْخُذَ فَوْقَ (p-٢٨٢)ما وجَبَ، أوْ أحْسَنَ ما وجَدَ.
كَما قالَ ﷺ: ”وَإيّاكَ وكَرائِمَ أمْوالِهِمْ“ .
وَفِي الوَقْتِ الَّذِي يَدْفَعُ الغَنِيُّ فِيهِ جُزْءًا مِن مالِهِ، يَسْتَشْعِرُ أنَّهُ يَدْفَعُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ويَنْتَظِرُ أجْرَهُ - جَلَّ وعَلا - فَأصْبَحَتِ الزَّكاةُ بَيْنَ عامِلٍ مُتَحَفِّظٍ وبَيْنَ مالِكٍ مُتَطَوِّعٍ، عامِلٍ يَخْشى قَوْلَهُ ﷺ: «واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ»، ومالِكٍ يَرْجُو في الحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها وسَبْعَمِائَةٍ، وزِيادَةً مُضاعَفَةً.
وَقَدْ وقَعَتْ قَضِيَّةٌ مُذْهِلَةٌ لَمْ يَشْهَدْ نِظامٌ مالِيٌّ في العالَمِ مِثْلَها، وهي أنَّهُ: «ذَهَبَ عامِلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلصَّدَقَةِ، فَمَرَّ بِرَجُلٍ في قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بِصاحِبِ إبِلٍ، فَحَسَبَها، فَقالَ لِصاحِبِها: أخْرِجْ بِنْتَ لَبُونٍ. فَقالَ صاحِبُ الإبِلِ: كَيْفَ أُخْرِجُ بِنْتَ لَبُونٍ في الزَّكاةِ؛ وهي لا ظَهْرَ يُرْكَبُ ولا ضَرْعَ يُحْلَبُ، ولَكِنْ هَذِهِ ناقَةٌ كَوْماءُ، فَخُذْها في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ العامِلُ: وكَيْفَ آخُذُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْكَ ؟ فَتَلاحَيا مَعًا - العامِلُ وصاحِبُ المالِ - وأخَذا، قالَ لَهُ العامِلُ: إنْ كُنْتَ ولا بُدَّ مُصِرًّا، فَها هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنكَ قَرِيبٌ بِالمَدِينَةِ. اذْهَبْ بِها إلَيْهِ فَإنْ قَبِلَها مِنكَ أخَذْتُها، فَذَهَبَ بِها، فَقالَ لَهُ ﷺ: ”أعَنْ طِيبِ نَفْسٍ ؟“ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَأمَرَ العامِلَ بِأخْذِها، فَدَعا لَهُ ﷺ بِالبَرَكَةِ؛ فَعاشَ حَتّى عَهْدِ مُعاوِيَةَ» . فَكانَتْ زَكاةُ إبِلِهِ هَذِهِ هي رُوحَ الزَّكاةِ في الإسْلامِ، لا ما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الأمْوالِ في النُّظُمِ الأُخْرى.
أمّا نِظامُ الضَّرائِبِ حَيْثُ يَتَهَرَّبُونَ، ويُقَلِّلُونَ ويَتَّخِذُونَ دَفاتِرَ مُتَعَدِّدَةً بَعْضُها لِمَصْلَحَةِ الضَّرائِبِ يُقَلِّلُ فِيها دَخْلَهُ وكَسْبَهُ لِتَخِفَّ الضَّرِيبَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَراها مَغْرَمًا كالجِزْيَةِ، وبَعْضُها لِنَفْسِهِ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ مالِهِ.
أمّا الزَّكاةُ: فَإنَّ مالِكَها يُقَدِّمُ زَكاتَها لِوَجْهِ اللَّهِ؛ لِيُطَهِّرَ مالَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وَكَما قالَ ﷺ: «إنَّ أحَدَكم لَيَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ، وإنَّها لَتَقَعُ أوَّلَ ما تَقَعُ في كَفِّ الرَّحْمَنِ فَيُنَمِّيها لَهُ كَما يُنَمِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ - أيْ: ولَدَ فَرَسِهِ - حَتّى تَكُونَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ» .
(p-٢٨٣)وَكَما قالَ ﷺ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ» .
* *
زَكاةُ الفِطْرِ.
إنَّ أهَمَّ مَباحِثِ زَكاةِ الفِطْرِ هي الآتِي:
أوَّلًا: حُكْمُها، صَدْرُ تَشْرِيعِها.
ثانِيًا: عَلى مَن تَكُونُ.
ثالِثًا: مِمَّ تَكُونُ.
رابِعًا: كَمْ تَكُونُ.
خامِسًا: مَتى تَكُونُ.
سادِسًا: هَلْ تَجْزِئُ فِيها القِيمَةُ أمْ لا ؟
وَكَذَلِكَ القِيمَةُ في غَيْرِها مِنَ الزَّكَواتِ.
أمّا حُكْمُها: فَهي فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هي واجِبٌ عَلى اصْطِلاحِهِ، أيْ: ما وجَبَ بِالسُّنَّةِ.
وَعِنْدَ المالِكِيَّةِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: سُنَّةٌ.
قالَ في مُخْتَصَرِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ الصّاعُ. إلخ.
والسَّبَبُ في اخْتِلافِهِمْ هَذا، هَلْ هي داخِلَةٌ في عُمُومِ: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أيْ: شُرِعَتْ بِأصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، أمْ أنَّها شُرِعَتْ بِنَصٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنْها.
فَمَن قالَ بِفَرْضِيَّتِها، قالَ: إنَّها داخِلَةٌ في عُمُومِ إيجابِ الزَّكاةِ، ومَن قالَ بِوُجُوبِها، فَهَذا اصْطِلاحٌ لِلْأحْنافِ. ولا يَخْتَلِفُ الأمْرُ في نَتِيجَةِ التَّكْلِيفِ إلّا أنَّ عِنْدَهم لا يَكْفُرُ بِجُحُودِها.
وَقالَ المالِكِيَّةُ: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صاعٌ مِن بُرٍّ إلخ. أيْ: أنَّ وُجُوبَها بِالسُّنَّةِ لا بِالكِتابِ.
وَعِنْدَهم: لا يُقاتَلُ أهْلُ بَلَدٍ عَلى مَنعِها، ويُقْتَلُ مَن جَحَدَ مَشْرُوعِيَّتَها، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الأحْنافِ.
(p-٢٨٤)وَلَكِنْ في عِبارَةِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ إطْلاقُ الوُجُوبِ أنَّهُ قالَ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ فِيما يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ مِن زَكاةِ الفِطْرِ: أنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَن يَضْمَنُ نَفَقَتَهُ. إلخ.
وَمِن أسْبابِ الخِلافِ بَيْنَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - نُصُوصُ السُّنَّةِ، مِنها قَوْلُهم: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . الحَدِيثَ.
فَلَفْظَةُ فَرَضَ: أخَذَ مِنها مَن قالَ بِالفَرْضِيَّةِ، وأخَذَ مِنها الآخَرُونَ، بِمَعْنى قَدَّرَ؛ لِأنَّ الفَرْضَ: القَدْرُ والقَطْعُ.
وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ عِنْدَ النَّسائِيِّ، قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الزَّكاةُ لَمْ يَأْمُرْنا ولَمْ يَنْهَنا ونَحْنُ نَفْعَلُهُ» .
فَمَن قالَ بِالوُجُوبِ والفَرْضِ. قالَ: الأمْرُ لِلْأوَّلِ لِلْوُجُوبِ، وفَرْضِيَّةُ زَكاةِ المالِ شَمَلَتْها بِعُمُومِها. فَلَمْ يُحْتَجْ مَعَها لِتَجْدِيدِ أمْرٍ ولَمْ تُنْسَخْ فَنَهى عَنْها، وبَقِيَتْ عَلى الوُجُوبِ الأوَّلِ، وحَدِيثُ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ وطُعْمَةً لِلْمَساكِينِ، مَن أدّاها قَبْلَ الصَّلاةِ فَهي زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدّاها بَعْدَ الصَّلاةِ فَهي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقاتِ» . فَمَن لَمْ يَقُلْ بِفَرْضِيَّتِها قالَ: إنَّها طُهْرَةٌ لِلصّائِمِ وطُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، فَهي لِعِلَّةٍ مَرْبُوطَةٍ بِها وتَفُوتُ بِفَواتِ وقْتِها، ولَوْ كانَتْ فَرْضًا لَما فاتَتْ بِفَواتِ الوَقْتِ. وأجابَ الآخَرُونَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ لِأدائِها، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ فَرْضًا وأنْ تَكُونَ طُهْرَةً.
وَيَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، فَهي فَرِيضَةٌ وهي طُهْرَةٌ. والرّاجِحُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّها فَرْضٌ؛ لِلَفْظِ الحَدِيثِ ”فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ»“؛ لِأنَّ لَفْظَ فَرَضَ إنْ كانَ ابْتِداءً فَهو لِلْوُجُوبِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى قَدَّرَ، فَيَكُونُ الوُجُوبُ بِعُمُومِ آياتِ الزَّكاةِ، وهو أقْوى.
وَحَدِيثُ «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ» الحَدِيثَ. رَواهُ أبُو داوُدَ. والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ولا صارِفَ لَهُ هُنا.
(p-٢٨٥)وَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ القَوْلَ بِالوُجُوبِ هو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ، ويَخْرُجُ بِهِ العَبْدُ مِنَ العُهْدَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
أمّا مِمَّ تَكُونُ: فالأصْلُ في ذَلِكَ أثَرُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ورَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْهُ.
قالَ: كُنّا نُخْرِجُ صاعًا مِن طَعامٍ، أوْ صاعًا مِن أقِطٍ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صاعًا مِن زَبِيبٍ.
وَجاءَ لَفْظُ السُّلْتِ، وجاءَ لَفْظُ الدَّقِيقِ، وجاءَ لَفْظُ السَّوِيقِ. فَوَقَفَ قَوْمٌ عِنْدَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَقَطْ وهُمُ الظّاهِرِيَّةُ. ونَظَرَ الجُمْهُورُ إلى عُمُومِ الطَّعامِ والغَرَضِ مِن مَشْرُوعِيَّتِها عَلى خِلافٍ في التَّفْصِيلِ عِنْدَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كالآتِي:
أوَّلًا: عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ يَجُوزُ إخْراجُها مِن كُلِّ قُوتٍ؛ لِأثَرِ أبِي سَعِيدٍ، وفِيهِ لَفْظُ الطَّعامِ.
ثانِيًا: مِن غالِبِ قُوتِ المُكَلَّفِ بِها؛ لِأنَّها الفاضِلُ عَنْ قُوتِهِ.
ثالِثًا: مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ؛ لِأنَّها حَقٌّ يَجِبُ في الذِّمَّةِ تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ كالكَفّارَةِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ: تَجُوزُ مِن كُلِّ حَبِّ مُعَشَّرٍ، وفي الأقِطِ خِلافٌ عَنِ الشّافِعِيِّ المالِكِيَّةِ.
رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ المُتَقَدِّمَ. وقالَ الباجِيُّ في شَرْحِهِ: تُخْرَجُ مِنَ القُوتِ، ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ في المُخْتَصَرِ: يُؤَدِّيها مِن كُلِّ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ إذا كانَ ذَلِكَ مِن قُوتِهِ. وهو مِثْلُ قَوْلِ النَّوَوِيِّ: مِن كُلِّ حَبِّ مُعَشَّرٍ. وناقَشَ الباجِيُّ مَسْألَةَ إجْزائِها مِنَ الأُرْزِ والذُّرَةِ والدُّخْنِ. فَقالَ: لا تَجُوزُ مِنها عند أشْهَبَ ويَجُوزُ عِنْدَ مالِكٍ. وناقَشَ القَطّانِيُّ: الحِمَّصَ، والتُّرْمُسَ، والجُلُبّانَ، فَقالَ: مالِكٌ يُجَوِّزُها إذا كانَتْ قُوتَهُ، وابْنُ حَبِيبٍ: لا يُجَوِّزُها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ المَنصُوصِ.
واتَّفَقَ مَذْهَبُ المالِكِيَّةِ: أنَّ المَطْعُومَ الَّذِي يُضافُ إلى غَيْرِهِ كالأبازِيرِ: كُزْبَرَةٍ، وكَمُّونٍ ونَحْوِهِ، أنَّها لا تُجْزِئُ.
الحَنابِلَةُ، قالَ في المُغْنِي: مِن كُلِّ حَبَّةٍ وثَمَرَةٍ تُقْتاتُ.
وَقالَ في الشَّرْحِ: أيْ عِنْدِ عَدَمِ الأجْناسِ المَنصُوصِ عَلَيْها، فَيُجْزِئُ كُلُّ مُقْتاتٍ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ.
(p-٢٨٦)قالَ: وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يُجْزِئُهُ المُقْتاتُ مِن غَيْرِها كاللَّحْمِ واللَّبَنِ، وعِنْدَ انْعِدامِ هَذِهِ أيْضًا يُعْطِي ما قامَ مَقامَ الأجْناسِ المَنصُوصِ عَلَيْها.
وَعَنِ ابْنِ حامِدٍ عِنْدَهم: حَتّى لَحْمُ الحِيتانِ والأنْعامِ، ولا يَرُدُّونَ إلى أقْرَبِ قُوتِ الأمْصارِ، ويُجْزِئُ الأقِطُ لِأهْلِ البادِيَةِ إنْ كانَ قُوتَهم. وعِنْدَهم: مَن قَدَرَ عَلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَأخْرَجَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِهِ.
الأحْنافُ: تَجُوزُ مِنَ البُرِّ، والتَّمْرِ، والشَّعِيرِ، والزَّبِيبِ، والسَّوِيقِ، والدَّقِيقِ. ومِنَ الخُبْزِ مَعَ مُراعاةِ القِيمَةِ، وتَجُوزُ القِيمَةُ عِنْدَهم عِوَضًا عَنِ الجَمِيعِ، مَعَ الِاخْتِلافِ عِنْدَهم في مِقْدارِ الواجِبِ مِن هَذِهِ الأصْنافِ بَيْنَ الصّاعِ أوْ نِصْفِ الصّاعِ، عَلى ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ ناقَشَهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي عِنْدَ قَوْلِهِ:
وَمَن أعْطى القِيمَةَ لَمْ تُجْزِئْهُ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أخافُ ألّا تُجْزِئَهُ خِلافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهَذا العَرْضِ نَجِدُ الأئِمَّةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - اتَّفَقُوا عَلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ في أثَرِ أبِي سَعِيدٍ، وزادَ بَعْضُهم مِن غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرَ المَنصُوصِ: إمّا بِعُمُومِ لَفْظِ الطَّعامِ، وإنْ كانَ يُرادُ بِهِ عُرْفًا القَمْحُ، إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وهو العُرْفُ اللُّغَوِيُّ. وإمّا بِعُمُومِ مَدْلُولِ المَعْنى العامِّ، والخِلافُ في الأقِطِ. والنَّصُّ يَقْضِي بِهِ.
وانْفَرَدَ الأحْنافُ بِالقَوْلِ بِالقِيمَةِ وبِالنَّظَرِ إلى المَعْنى العامِّ لِمَعْنى الزَّكاةِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «طُعْمَةً لِلْمِسْكِينِ، وطُهْرَةً لِلصّائِمِ» . وقَوْلُهُ: («أغْنُوهم بِها عَنِ السُّؤالِ») . لَوَجَدْنا إشارَةً إلى جَوازِ إخْراجِها مِن كُلِّ ما هو طُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، ولا نَحُدُّهُ بِحَدٍّ أوْ نُقَيِّدُهُ بِصِنْفٍ، فَإلْحاقُ غَيْرِ المَنصُوصِ بِالمَنصُوصِ بِجامِعِ العِلَّةِ مُتَّجِهٌ، أمّا القِيمَةُ: فَقَدْ ناقَشَ مَسْألَتَها صاحِبُ فَتْحِ القَدِيرِ شَرْحِ الهِدايَةِ في بابِ زَكاةِ الأمْوالِ، وعُمْدَةُ أدِلَّتِهِمُ الآتِي:
أوَّلًا: بَيْنَ الجَذَعَةِ والمُسِنَّةِ في الإبِلِ بِشاتَيْنِ.
ثانِيًا: قَوْلُ مُعاذٍ لِأهْلِ اليَمَنِ: ”ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أوْ لَبِيسٍ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ ؟ أهْوَنُ عَلَيْكم، وخَيْرٌ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ رَواهُ البُخارِيُّ.
(p-٢٨٧)ثالِثًا: «رَأى النَّبِيُّ ﷺ ناقَةً حَسَنَةً في إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: ”ما هَذِهِ ؟“ قالَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ: إنِّي ارْتَجَعْتُها بِبَعِيرَيْنِ مِن حَواشِي الإبِلِ ؟ . قالَ: ”نَعَمْ“» .
رابِعًا: مِثْلُها مِثْلُ الجِزْيَةِ؛ يُؤْخَذُ فِيها قَدْرُ الواجِبِ كَما تُؤْخَذُ عَيْنُهُ. والجَوابُ عَنْ هَذا كُلِّهِ كالآتِي: أمّا التَّعْوِيضُ بَيْنَ الجَذَعَةِ والمُسِنَّةِ أوِ الحِقَّةِ إلى آخِرِهِ في الإبِلِ بِشاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وهو المَنصُوصُ في حَدِيثِ أنَسٍ في كِتابِ الأنْصِباءِ المُتَقَدِّمِ، ونَصُّهُ: ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإنَّهُ تُقْبَلُ مِنهُ الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ مَعَها شاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ الجَذَعَةُ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنهُ ويُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أوْ شاتَيْنِ، ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ إلّا ابْنَةُ لَبُونٍ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنهُ ابْنَةُ لَبُونٍ ويُعْطِي شاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
فَلَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ القِيمَةِ في زَكاةِ الفِطْرِ؛ لِأنَّ نَصَّ الحَدِيثِ فَمَن وجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ أعْلى أوْ أنْزَلُ مِنها؛ فَلِلْعَدالَةِ بَيْنَ المالِكِ والمِسْكِينِ جُعِلَ الفَرْقُ لِعَدَمِ الحَيْفِ، ولَمْ يَخْرُجْ عَنِ الأصْلِ ولَيْسَ فِيهِ أخْذُ القِيمَةِ مُسْتَقِلَّةً، بَلْ فِيهِ أخْذُ المَوْجُودِ، ثُمَّ جَبْرُ النّاقِصِ.
فَلَوْ كانَتِ القِيمَةُ بِذاتِها وحْدَها تُجْزِئُ لَصَرَّحَ بِها ﷺ .
وَلا يَجُوزُ هَذا العَمَلُ إلّا عِنْدَ افْتِقادِ المَطْلُوبِ، والأصْنافُ المَطْلُوبَةُ في زَكاةِ الفِطْرِ إذا عُدِمَتْ أمْكَنَ الِانْتِقالُ إلى المَوْجُودِ مِمّا هو مِن جِنْسِهِ لا إلى القِيمَةِ، وهَذا واضِحٌ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الفَتْحِ: لَوْ كانَتِ القِيمَةُ مَقْصُودَةً لاخْتَلَفَتْ حَسَبَ الزَّمانِ والمَكانِ، ولَكِنَّهُ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ.
أمّا قَوْلُ مُعاذٍ لِأهْلِ اليَمَنِ: ”ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أوْ لَبِيسٍ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ“ . فَقَدْ ناقَشَهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ مِن حَيْثُ السَّنَدُ والمَعْنى. ولَكِنَّ السَّنَدَ ثابِتٌ، أمّا المَعْنى، فَقِيلَ: إنَّهُ في الجِزْيَةِ.
وَرُدَّ هَذا: بِأنَّ فِيهِ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، والجِزْيَةُ لَيْسَتْ مِنها.
(p-٢٨٨)وَقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ يَسْتَلِمَ الزَّكاةَ الواجِبَةَ مِن أجْناسِها يَسْتَبْدِلُها مِن بابِ البَيْعِ والمُعاوَضَةِ عَمَلًا بِما فِيهِ المَصْلَحَةُ لِلطَّرَفَيْنِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ اجْتِهادٌ مِنهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولَكِنَّهُ اجْتِهادُ أعْرَفِهِمْ بِالحَلالِ والحَرامِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
والصَّحِيحُ الثّانِي: أنَّهُ تَصَرُّفٌ بَعْدَ الِاسْتِلامِ وبُلُوغِها مَحِلَّها ولا سِيَّما مَعَ نَقْلِها إلى المَدِينَةِ، بِخِلافِ زَكاةِ الفِطْرِ فَلَيْسَتْ تُنْقَلُ ابْتِداءً، ولِأنَّ مُهِمَّةَ زَكاةِ المالِ أعَمُّ مِن مُهِمَّةِ زَكاةِ الفِطْرِ؛ فَفِيها النَّقْدانِ والحَيَوانِ.
أمّا زَكاةُ الفِطْرِ فَطُعْمَةٌ لِلْمِسْكِينِ في يَوْمِ الفِطْرِ؛ فَلا تُقاسُ عَلَيْها.
أمّا النّاقَةُ الحَسَنَةُ الَّتِي رَآها ﷺ، وأنَّها بَدَلٌ مِن بَعِيرَيْنِ، فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِبْدالِ بِالجِنْسِ عَمَلًا لِلْمَصْلَحَةِ، لَمْ تَخْرُجْ عَنْ جِنْسِ الواجِبِ.
وَأمّا الجِزْيَةُ يُؤْخَذُ مِنها قَدْرُ الواجِبِ: فَلا دَلِيلَ فِيهِ؛ إذْ زَكاةُ الفِطْرِ فِيها جانِبُ تَعَبُّدٍ وارْتِباطٍ بِرُكْنٍ في الإسْلامِ.
وَأمّا الجِزْيَةُ: فَهي عُقُوبَةٌ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، فَأيُّما أُخِذَ مِنهم فَهو وافٍ بِالغَرَضِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْقائِلِينَ بِالقِيمَةِ في زَكاةِ الفِطْرِ مُسْتَنَدٌ صالِحٌ، فَضْلًا عَنْ عَدَمِ النَّصِّ عَلَيْها.
وَخِتامًا: إنَّ القَوْلَ بِالقِيمَةِ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْأُصُولِ مِن جِهَتَيْنِ:
الجِهَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأصْنافَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَها القِيمَةَ ولَوْ كانَتْ جائِزَةً لَذَكَرَها مَعَ ما ذَكَرَ، كَما ذَكَرَ العِوَضَ في زَكاةِ الإبِلِ، وهو ﷺ أشْفَقُ وأرْحَمُ بِالمِسْكِينِ مِن كُلِّ إنْسانٍ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ: - وهي القاعِدَةُ العامَّةُ - أنَّهُ لا يُنْتَقَلُ إلى البَدَلِ إلّا عِنْدَ فَقْدِ المُبْدَلِ عَنْهُ، وأنَّ الفَرْعَ إذا كانَ يَعُودُ عَلى الأصْلِ بِالبُطْلانِ فَهو باطِلٌ.
كَما رَدَّ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ عَلى الحَنابِلَةِ قَوْلَهم: إنَّ الأُشْنانَ يُجْزِئُ عَنِ التُّرابِ في الوُلُوغِ. أيْ: لِأنَّهُ لَيْسَ مَن جِنْسِهِ ويَسْقُطُ العَمَلُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أنَّ كُلَّ النّاسِ أخَذُوا بِإخْراجِ القِيمَةِ؛ لَتَعَطَّلَ العَمَلُ بِالأجْناسِ المَنصُوصَةِ، (p-٢٨٩)فَكَأنَّ الفَرْعَ الَّذِي هو القِيمَةُ سَيَعُودُ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو الطَّعامُ بِالإبْطالِ، فَيَبْطُلُ.
وَمِثْلُ ما يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ اليَوْمَ في الهَدْيِ بِمِنًى مِثْلًا بِمِثْلٍ، عِلْمًا بِأنَّ الأحْنافَ لا يُجِيزُونَ القِيمَةَ في الهَدْيِ؛ لِأنَّ الهَدْيَ فِيهِ جانِبُ تَعَبُّدٍ، وهو النُّسُكُ.
وَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَهم أيْضًا: إنَّ زَكاةَ الفِطْرِ فِيها جانِبُ تَعَبُّدٍ؛ طُهْرَةٌ لِلصّائِمِ، وطُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، كَما أنَّ عَمَلِيَّةَ شِرائِها ومُكَيَّلَتِها وتَقْدِيمِها فِيهِ إشْعارٌ بِهَذِهِ العِبادَةِ. أمّا تَقْدِيمُها نَقْدًا فَلا يَكُونُ فِيها فَرْقٌ عَنْ أيِّ صَدَقَةٍ مِنَ الصَّدَقاتِ، مِن حَيْثُ الإحْساسُ بِالواجِبِ والشُّعُورِ بِالإطْعامِ.
وَقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالقِيمَةِ فِيها جَرَّأ النّاسَ عَلى ما هو أعْظَمُ، وهو القَوْلُ بِالقِيمَةِ في الهَدْيِ وهو ما لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ عَلى الإطْلاقِ حَتّى ولا الأحْنافُ.
* *
بَيانُ القَدْرِ الواجِبِ في زَكاةِ الفِطْرِ
اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الواجِبَ في زَكاةِ الفِطْرِ عَلى كُلِّ شَخْصٍ عَنْ نَفْسِهِ، إنَّما هو صاعٌ بِصاعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جَمِيعِ الأصْنافِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.
وَخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ في القَمْحِ، فَقالَ: نِصْفُ الصّاعِ فَقَطْ مِنها يَكْفِي. وسَيَأْتِي بَيانُ الرّاجِحِ في ذَلِكَ. إنْ شاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ في مِقْدارِ الصّاعِ الواجِبِ مِن حَيْثُ الوَزْنُ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هو ثَمانِيَةُ أرْطالٍ، وخالَفَهُ أبُو يُوسُفَ، ووافَقَ الجُمْهُورَ. ما مِقْدارُ الصّاعِ، فَهو في العُرْفِ الكَيْلُ، وهو أرْبَعُ حَفَناتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الكَفَّيْنِ، ولِتَفاوُتِ النّاسِ في ذَلِكَ عَمَدَ العُلَماءُ إلى بَيانِ مِقْدارِهِ بِالوَزْنِ.
وَقَدْ نَبَّهَ النَّوَوِيُّ أنَّ المِقْدارَ بِالوَزْنِ تَقْرِيبِيٌّ؛ لِأنَّ المُكَيَّلاتِ تَخْتَلِفُ في الوَزْنِ ثِقَلًا وخِفَّةً بِاخْتِلافِ أجْناسِها: كالعَدَسِ، والشَّعِيرِ مَثَلًا، وما كانَ عُرْفُهُ الكَيْلُ لا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالوَزْنِ، ولَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ.
وَلِهَذا المَعْنى قالَ صاحِبُ المُغْنِي: إنَّ مَن أخْرَجَ الزَّكاةَ بِالوَزْنِ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَ بِالقَدْرِ الَّذِي يُعْلَمُ أنَّهُ يُساوِي الكَيْلَ، ولا سِيَّما إذا كانَ المَوْزُونُ ثَقِيلًا.
(p-٢٩٠)وَنُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أنَّ مَن أخْرَجَ وزْنَ الثَّقِيلِ مِنَ الخَفِيفِ يَكُونُ قَدْ أخْرَجَ الواجِبَ بِالتَّأْكِيدِ.
* *
أقْوالُ العُلَماءِ في وزْنِ الصّاعِ.
قالَ الجُمْهُورُ: هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، الرِّطْلُ بِالعِراقِيِّ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هو ثَمانِيَةُ أرْطالٍ، وخالَفَهُ أبُو يُوسُفَ كَما تَقَدَّمَ، وسَبَبُ الخِلافِ هو: أنَّ أبا حَنِيفَةَ أخَذَ بِقَوْلِ أنَسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ بِمُدٍّ» وهو رِطْلانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصّاعَ أرْبَعَةُ أمْدادٍ، فَعَلَيْهِ يَكُونُ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ.
وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ: هو أنَّ الأصْلَ في الكَيْلِ هو عُرْفُ المَدِينَةِ، كَما أنَّ الأصْلَ في الوَزْنِ هو عُرْفُ مَكَّةَ، وعُرْفُ المَدِينَةِ في صاعِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. كَما جاءَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قالَ: أخَذْتُ الصّاعَ مِن أبِي النَّضْرِ. وقالَ أبُو النَّضْرِ: أخَذْتُهُ عَنْ أبِي ذُؤَيْبٍ، وقالَ: هَذا صاعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُعْرَفُ بِالمَدِينَةِ.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَأخَذْنا العَدَسَ فَعَبَّرْنا بِهِ، وهو أصْلَحُ ما وقَفْنا عَلَيْهِ يُكالُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَجافى عَنْ مَوْضِعِهِ، فَكِلْنا بِهِ، ثُمَّ وزَنّاهُ، فَإذا هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، وقالَ: هَذا أصْلَحُ ما وقَفْنا عَلَيْهِ، وما تَبَيَّنَ لَنا مِن صاعِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَإذا كانَ الصّاعُ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلْثًا مِنَ البُرِّ والعَدَسِ وهُما أثْقَلُ الحُبُوبِ، فَما عَداهُما مِن أجْناسِ الفِطْرَةِ أخَفُّ مِنهُما، فَإذا أُخْرِجَ مِنهُما خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ فَهي أكْثَرُ مِن صاعٍ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ: نَقَلَ الحافِظُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِ الأحْكامِ عَنْ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَزْمٍ: أنَّهُ قالَ: وجَدْنا أهْلَ المَدِينَةِ لا يَخْتَلِفُ مِنهُمُ اثْنانِ في أنَّ مُدَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ الصَّدَقاتِ لَيْسَ بِأكْثَرَ مِن رِطْلٍ ونِصْفٍ، ولا دُونَ رِطْلٍ ورُبُعٍ.
وَقالَ بَعْضُهم: هو رِطْلٌ وثُلُثٌ، وقالَ: لَيْسَ هَذا اخْتِلافًا، ولَكِنَّهُ عَلى حَسَبِ رَزْنِهِ بِالرّاءِ، أيْ: رَزانَتِهِ وثِقَلِهِ مِنَ البُرِّ والتَّمْرِ والشَّعِيرِ. قالَ: وصاعُ ابْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ خَمْسَةُ أرْطالٍ (p-٢٩١)وَثُلُثٌ، وهو صاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِن أدِلَّةِ الجُمْهُورِ، وسَبَبِ رُجُوعِ أبِي يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، ما جاءَ في المُغْنِي وغَيْرِهِ: أنَّ أبا يُوسُفَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وسَألَهم عَنِ الصّاعِ، فَقالُوا: خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، فَطالَبَهم بِالحُجَّةِ، فَقالُوا: غَدًا، فَجاءَ مِنَ الغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم أخَذَ صاعًا تَحْتَ رِدائِهِ، فَقالَ: صاعِي ورَثْتُهُ عَنْ أبِي ووَرِثَهُ أبِي عَنْ جَدِّي، حَتّى انْتَهَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأخَذَ أبُو يُوسُفَ يُقارِنُها فَوَجَدَها كُلَّها سَواءً، فَأخَذُوا واحِدًا مِنها وعايَرَهُ بِالماشِّ - وهو العَدَسُ غَيْرُ المَدْشُوشِ -، فَكانَ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فَرَجَعَ إلى قَوْلِ أهْلِ المَدِينَةِ.
وَفِي تِلْكَ القِصَّةِ: أنَّهُ رَجَعَ إلى العِراقِ، فَقالَ لَهم: أتَيْتُكم بِعِلْمٍ جَدِيدٍ؛ الصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، فَقالُوا لَهُ: خالَفْتَ شَيْخَ القَوْمِ، فَقالَ: وجَدْتُ أمْرًا لَمْ أجِدْ لَهُ مَدْفَعًا.
أمّا وزْنُ الرِّطْلِ العِراقِيِّ فَأساسُ الوَحْدَةِ فِيهِ هي الدِّرْهَمُ، وقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا بِدَراهِمِ الإسْلامِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِائَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مِائَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا وأرْبَعَةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، وهي تِسْعُونَ مِثْقالًا.
وَقالَ في المُغْنِي: وقَدْ زادُوهُ مِثْقالًا فَصارَ واحِدًا وتِسْعِينَ مِثْقالًا، وكَمُلَ بِهِ مِائَةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا، وقَصَدُوا بِهَذِهِ الزِّيادَةِ إزالَةَ كَسْرِ الدِّرْهَمِ.
ثُمَّ قالَ: والعَمَلُ الأوَّلُ.
أمّا بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الأرْطالِ في الأمْصارِ الأُخْرى، فَكالآتِي نَقْلًا مِن كَشّافِ القِناعِ:
الرِّطْلُ البَعْلِيُّ: تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
والقُدْسِيُّ: ثَمانِمِائَةٍ.
والحَلَبِيُّ: سَبْعُمِائَةٍ وعِشْرُونَ.
والدِّمَشْقِيُّ: سِتُّمِائَةٍ.
والمِصْرِيُّ: مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ. وكُلُّ رِطْلٍ اثْنَتا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً في سائِرِ البِلادِ، مَقْسُومٌ (p-٢٩٢)عَلَيْها الدَّراهِمُ.
وَعَلَيْهِ؛ فالصّاعُ يُساوِي سِتَّمِائَةٍ وخَمْسَةً وثَمانِينَ وخَمْسَةَ أسْباعِ الدِّرْهَمِ، وأرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِينَ مِثْقالًا.
وَعَلَيْهِ أيْضًا؛ يَكُونُ الصّاعُ بِالأرْطالِ الأُخْرى. هو المِصْرِيُّ أرْبَعَةُ أرْطالٍ وتِسْعُ أواقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ، وبِالدِّمَشْقِيِّ رِطْلٌ وخَمْسَةُ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ. وبِالحَلَبِيِّ أحَدَ عَشَرَ رِطْلًا وثَلاثَةُ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ، وبِالقُدْسِيِّ عَشْرُ أواقٍ وسُبْعا أُوقِيَّةٍ.
وَإذا كانَتْ مَوازِينُ العالَمِ اليَوْمَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلى مَوازِينَ فَرَنْسِيَّةٍ، وهي بِالكِيلُوجِرامِ، والكِيلُو ألْفُ جِرامٍ، فَلَزِمَ بَيانُ النِّسْبَةِ بِالجِرامِ، وهي: أنَّ المُكَيَّلاتِ تَتَفاوَتُ ثِقَلًا وكَثافَةً، فَأخَذْتُ الصّاعَ الَّذِي عِنْدِي، وعايَرْتُهُ أوَّلًا عَلى صاعٍ آخَرَ قَدِيمًا، فَوَجَدَتْ أمْرًا مُلْفِتًا لِلنَّظَرِ عِنْدَ المُقارَنَةِ، وهو أنَّ الصّاعَ الَّذِي عِنْدِي يَزِيدُ عَنِ الصّاعِ الآخَرِ قَدْرَ مَلْءِ الكَفِّ، فَنَظَرْتُ فَإذا القِدْرُ الَّذِي فَوْقَ فَتْحَةِ الصّاعَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأنَّ أحَدَ الصّاعَيْنِ فُتْحَتُهُ أوْسَعُ. فَكانَ الجُزْءُ المُعَلّى فَوْقَ فَتْحَتِهِ يُشَكِّلُ مُثَلَّثًا قاعِدَتُهُ أطْوَلُ مِن قاعِدَةِ المُثَلَّثِ فَوْقَ الصّاعِ الآخَرِ، فَعايَرْتُهُما مَرَّةً أُخْرى عَلى حَدِّ الفُتْحَةِ فَقَطْ بِدُونِ زِيادَةٍ فَكانا سَواءً. فَعايَرْتُهُما بِالماءِ حَيْثُ إنَّ الماءَ لا يَخْتَلِفُ وزْنُهُ غالِبًا ما دامَ صالِحًا لِلشُّرْبِ ولَيْسَ مالِحًا، وأنَّهُ لا يَسْمَحُ بِوُجُودِ قَدْرٍ زائِدٍ فَوْقَ الحافَّةِ، فَكانَ وزْنُ الصّاعِ بَعْدَ هَذا التَّأْكِيدِ هو بِالعَدَسِ المَجْرُوشِ ٢، ٦٠٠ كَيلُوَيْنِ وسِتَّمِائَةِ جِرامٍ.
وَبِالماءِ ٣، ١٠٠ ثَلاثَةَ كِيلُواتٍ ومِائَةَ جِرامٍ.
وَأرْجُو أنْ يَكُونَ هَذا العَمَلُ كافِيًا لِبَيانِ الوَزْنِ التَّقْرِيبِيِّ لِلصّاعِ النَّبَوِيِّ في الزَّكاةِ.
* *
زَكاةُ الوَرَقِ المُتَداوِلِ.
مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّعامُلَ بِالوَرَقِ بَدَلًا عَنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ أمْرٌ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ عُصُورِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وعُصُورِ تَدْوِينِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ، وما انْتَشَرَتْ إلّا في القَرْنِ الثّامِنَ عَشَرَ مِيلادِيًّا فَقَطْ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - رَأْيٌ فِيها، ومُنْذُ أنْ وُجِدَتْ وعُلَماءُ المُسْلِمِينَ مُخْتَلِفُونَ في تَقْيِيمِها وفي تَحْقِيقِ ماهِيَّتِها ما بَيْنَ كَوْنِها سَنَداتٍ: عَنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ عُرُوضِ تِجارَةٍ، أوْ نَقْدٍ بِذاتِها.
والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وإنْ كانَ الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّها وثائِقُ ضَمانٍ (p-٢٩٣)مِنَ السُّلْطانِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - إبْداءُ وِجْهَةِ نَظَرِهِ فِيها في الرِّبا، وهَلْ يُباعُ بِها الذَّهَبُ والفِضَّةُ نَسِيئَةً أمْ لا ؟
وَمَهْما يَكُنْ مِن نَظَرِيّاتٍ في ماهِيَّتِها، فَإنَّها بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ تُعْتَبَرُ مالًا، وهي داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ﴾ [المعارج: ٢٤]؛ لِأنَّها أصْبَحَتْ ثَمَنَ المَبِيعاتِ وعِوَضَ السِّلَعِ.
فِعْلَيْهِ تَكُونُ الزَّكاةُ فِيها واجِبَةً. والنِّصابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها يُعْتَبَرُ بِما يُشْتَرى بِها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ في أيِّ عُمْلَةٍ كانَتْ هي.
فَفِي السُّعُودِيَّةِ مَثَلًا يُنْظَرُ كَمْ يُشْتَرى بِها عِشْرُونَ مِثْقالًا ذَهَبًا، أوْ مِائَتا دِرْهَمٍ فِضَّةً، فَيُعْتَبَرُ هَذا القَدْرُ هو النِّصابُ، وفِيهِ الزَّكاةُ، وهو رُبْعُ العُشْرِ سَواءً بِسَواءٍ.
وَهَكَذا مِثْلُ الإسْتِرْلِينِيِّ، والرُّوبِيَّةِ والدُّولارِ؛ لِأنَّ كُلَّ عُمْلَةٍ مِن ذَلِكَ وثِيقَةُ ضَمانٍ مِنَ السُّلْطانِ الَّذِي أصْدَرَها، أيْ: الدَّوْلَةِ الَّتِي أصْدَرَتْها. سَواءٌ قِيلَ: إنَّ الزَّكاةَ فِيما ضَمِنَتْهُ تِلْكَ الوَثِيقَةُ، أوْ فِيها بِعَيْنِها، أوْ في قِيمَتِها كَعَرَضٍ، فَهي لَنْ تَخْرُجَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ عَنْ دائِرَةِ التَّمَوُّلِ والِاسْتِبْدالِ، وإنَّ تَحْصِيلَ الفَقِيرِ لِشَيْءٍ مِنها أيًّا كانَتْ؛ فَإنَّهُ بِها سَيَحْصُلُ عَلى مَطْلُوبِهِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ وما يَشاءُ مِن مَصالِحَ وفْقَ ما يَحْصُلُ عَلَيْهِ بِعَيْنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وَفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: لا زَكاةَ فِيها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَقْدِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، ولا يَخْفى أنَّ إسْقاطَ الزَّكاةِ عَنْها إسْقاطٌ لِلزَّكاةِ مِن أغْلَبِيَّةِ العالَمِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مِن جَمِيعِهِ.
تَنْبِيهٌ.
سَبَقَ أنْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مَوْضُوعِ زَكاةِ العُرُوضِ في قَوْلِ المالِكِيَّةِ:
يُشْتَرَطُ أنْ يَنُصَّ في يَدِ التّاجِرِ المُدِيرِ ولَوْ دِرْهَمًا أثْناءَ الحَوْلِ، وإلّا لَما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكاةٌ في عُرُوضِ تِجارَتِهِ.
فَقالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: لَوْ كانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَوْجُودًا اليَوْمَ لَمْ يَقِلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العالَمَ اليَوْمَ كُلَّهُ لا يَكادُ يَعْرِفُ إلّا هَذِهِ الأوْراقَ، وقَدْ لا يَنُصُّ في يَدِهِ دِرْهَمٌ (p-٢٩٤)واحِدٌ فِضَّةً. ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إسْقاطُ الزَّكاةِ عَنْ عُرُوضِ التِّجارَةِ، وهي غالِبُ أمْوالِ النّاسِ اليَوْمَ.
فَكَذَلِكَ يُقالُ لِمَن لا يَرى الزَّكاةَ في الأوْراقِ النَّقْدِيَّةِ: أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ باطِلٌ خَطِيرٌ؛ وهو تَعْطِيلُ رَكْنِ الزَّكاةِ، وحِرْمانُ المِسْكِينِ مِن حَقِّهِ المَعْلُومِ في أمْوالِ الأغْنِياءِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ باطِلٌ؛ فَهو باطِلٌ.
وَلَعَلَّنا بِهَذا العَرْضِ المُوجَزِ، نَكُونُ قَدْ أوْرَدْنا عُجالَةَ ما بَقِيَ مِن مَبْحَثِ الزَّكاةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لَنْ يُجارى في تَفْصِيلِهِ، وأنَّ تَتَبُّعَ الجُزْئِيّاتِ في هَذا المَبْحَثِ سَيُطِيلُ الكِتابَةَ، وهو - بِحَمْدِ اللَّهِ - مَبْسُوطٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وإنَّما قَصَدْنا بَيانَ أهَمِّ المَسائِلِ، وبَيانَ ما هو الرّاجِحُ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
No commentary for this ayah
70:26Page 569
وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦
And those who believe in the Day of Recompense
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
يَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الحِسابِ. كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ (الفاتِحَةِ) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences