Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'arij 70:27–44
70:27Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧
And those who are fearful of the punishment of their Lord -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾
أيْ: خائِفُونَ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧] .
70:28Page 569
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨
Indeed, the punishment of their Lord is not that from which one is safe -
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾، وما بَعْدَها، وفي سُورَةِ ”النِّساءِ“، وبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مُبْتَغٍ وراءَ الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، وخاصَّةً مَن قالَ بِنِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ المُسْتَمْتَعَ بِها لَيْسَتْ زَوْجَةً ولَيْسَتْ أمَةً مَمْلُوكَةً.
(p-٢٩٥)تَنْبِيهٌ.
والجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَن يَقُولُ بِنِكاحِ المُتْعَةِ كَمَذْهَبٍ لِطائِفَةٍ ما، إلّا الشِّيعَةُ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَمَّنْ خالَفَ الإجْماعَ مِن غَيْرِهِمْ، ولَكِنَّ الشِّيعَةَ أنْفُسَهم شِبْهُ مُتَناقِضِينَ في كُتُبِهِمْ، إذْ يَنُصُّ الحُلَلِيُّ - وهو مِن أئِمَّتِهِمْ - في بابِ النِّكاحِ: أنَّ لِلْحُرِّ ولِلْعَبْدِ عَلى السَّواءِ أنْ يَنْكِحَ نِكاحًا مُؤَقَّتًا، وهو نِكاحُ المُتْعَةِ، بِأيِّ عَدَدٍ شاءَ مِنَ النِّساءِ وبِدُونِ حَدٍّ، فَجَعَلَ هَذا العَقْدَ كَمِلْكِ اليَمِينِ، والحالُ أنَّ المَعْقُودَ عَلَيْها حُرَّةٌ، وهَذا مُتَناقِضٌ.
وَفِي كِتابِ الطَّلاقِ، قالَ: إنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا يُحِلُّها لِزَوْجِها الأوَّلِ إلّا أنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، في نِكاحٍ دائِمٍ ولَيْسَ مُؤَقَّتًا.
وَهُنا يُقالُ لَهم: إمّا أنْ تَعْتَدُّوا بِنِكاحِها الثّانِي المُؤَقَّتِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُحِلَّها لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَإنِ اعْتَبَرْتُمُوهُ نِكاحًا لَزِمَ إحْلالُها بِهِ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ. وإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوهُ نِكاحًا لَزِمَكُمُ القَوْلُ بِبُطْلانِهِ وهو المَطْلُوبُ.
وَبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ مُبْتَغِي وراءَ ذَلِكَ، أيْ: أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم هُمُ العادُونَ.
70:30Page 569
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they are not to be blamed -
No commentary for this ayah
70:31Page 569
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١
But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -
No commentary for this ayah
70:32Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢
And those who are to their trusts and promises attentive
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ .
وَفِي المَسْألَةِ السّادِسَةِ مِن مَسائِلِ مَبْحَثِ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] .
70:33Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣
And those who are in their testimonies upright
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾
قُرِئَ ”بِشَهاداتِهِمْ“ بِالجَمْعِ، وقُرِئَ ”بِشَهادَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: إنَّ الإفْرادَ يُؤَدِّي مَعْنى الجَمْعِ لِلْمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] . فَأفْرَدَ في الصَّوْتِ مُرادًا بِهِ الأصْواتُ.
وَقِيلَ: الإفْرادُ لِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ مُقِيمُونَ عَلَيْها. والجَمْعُ لِتَنَوُّعِ الشَّهاداتِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِها، ولا تَعارُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ فَما يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
(p-٢٩٦)قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيْ دامُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا عَلَيْهِ.
وَيَدُلُّ لِلثّانِي عُمُوماتُ آيَةِ الشَّهادَةِ المُتَنَوِّعَةِ في البَيْعِ، والطَّلاقِ، والكِتابَةِ في الدَّيْنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةُ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أطْلَقَ القِيامَ بِالشَّهادَةِ هُنا وبَيَّنَ أنَّ قِيامَهم بِها إنَّما هو لِلَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ في مَعْرِضِ المَدْحِ، وإخْراجُهم مِن وصْفِ ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ غَيْرَ القائِمِينَ بِشَهاداتِهِمْ غَيْرُ خارِجِينَ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ الذَّمِيمِ.
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ صَرِيحَةٌ عَلى هَذا المَفْهُومِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] .
وَكَذَلِكَ في مَعْرِضِ المَدْحِ في وصْفِ عِبادِ الرَّحِمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] .
وَفِي الحَدِيثِ مِن عِظَمِ جُرْمِ شَهادَةِ الزُّورِ، وكانَ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقالَ «ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ "، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ» .
* *
تَنْبِيهٌ.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، يُفِيدُ القِيامَ بِالشَّهادَةِ مُطْلَقًا، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَقَيَّدَ القِيامَ بِالشَّهادَةِ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها.
وَفِي الحَدِيثِ: «خَيْرُ الشُّهُودِ مَن يَأْتِي بِالشَّهادَةِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» .
(p-٢٩٧)وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ في ذَمِّ المُبادَرَةِ بِها، ويَشْهَدُونَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا. وقَدْ جَمَعَ العُلَماءُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ؛ بِأنَّ الأوَّلَ في حالَةِ عَدَمِ مَعْرِفَةِ المَشْهُودِ لَهُ بِما عِنْدَهُ مِن شَهادَةٍ، أوْ يَتَوَقَّفُ عَلى شَهاداتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ: كَرِضاعٍ، وطَلاقٍ ونَحْوِهِ، والثّانِي بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَصَّ ابْنُ فَرْحُونَ: أنَّ الشَّهادَةَ في حَقِّ اللَّهِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تَسْتَدِيمُ فِيهِ الحُرْمَةُ: كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، فَلا يَتْرُكُها، وتَرْكُها جَرْحَةٌ في عَدالَتِهِ. وقِسْمٌ لا تَسْتَدِيمُ فِيهِ الحُرْمَةُ: كالزِّنى، والشُّرْبِ، فَإنَّ تَرْكَها أفْضَلُ ما لَمْ يُدْعَ لِأدائِها؛ لِحَدِيثِ هَزّالٍ في قِصَّةِ ماعِزٍ حَيْثُ قالَ لَهُ ﷺ: «هَلّا سَتَرْتَهُ بِرِدائِكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَواطِنُ الشَّهادَةِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، والَّتِي يَجِبُ القِيامُ فِيها، نَسُوقُها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.
الأوَّلُ: الإشْهادُ في البَيْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
الثّانِي: الطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
الثّالِثُ: كِتابَةُ الدَّيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
الرّابِعُ: الوَصِيَّةُ عِنْدَ المَوْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] .
الخامِسُ: دَفْعُ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ إذا رَشَدَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] .
السّادِسُ: إقامَةُ الحُدُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] .
السّابِعُ: في السُّنَّةِ عَقْدُ النِّكاحِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا نِكاحَ إلّا بَوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ»، وهَذِهِ كُلُّها مَواطِنُ هامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ، وحَقِّ العِبادِ مِن: حِفْظٍ لِلْمالِ، والعِرْضِ، والنَّسَبِ، وفي حَقِّ الحَيِّ والمَيِّتِ، واليَتِيمِ والكَبِيرِ، فَهي في شَتّى مَصالِحِ الأُمَّةِ اسْتَوْجَبَتِ الحَثَّ عَلى القِيامِ بِها: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، والتَّحْذِيرَ مِن كِتْمانِها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن (p-٢٩٨)يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، كُلُّها صِيَغُ الجَمْعِ، والشَّهادَةُ قَدْ تَكُونُ مِن فَرْدٍ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ، وقَدْ تَكُونُ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ تَكُونُ مِن أرْبَعَةٍ، وقَدْ تَكُونُ مِن جَماعَةٍ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّ الشَّهادَةَ في الجُمْلَةِ مِن حَثِّ الشّاهِدِ تَكُونُ عَلى النَّحْوِ الآتِي إجْمالًا: رَجُلٌ واحِدٌ، ورَجُلٌ ويَمِينٌ، ورَجُلٌ وامْرَأتانِ، ورَجُلانِ، وثَلاثَةُ رِجالٍ، وأرْبَعَةٌ، وطائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وامْرَأةٌ، وامْرَأتانِ، وجَماعَةُ الصِّبْيانِ.
وَقَدْ جاءَتِ النُّصُوصُ بِذَلِكَ صَرِيحَةً. أمّا الواحِدُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] .
فَهُوَ، وإنْ كانَ مُلْفِتَ النَّظَرِ إلى القَرِينَةِ في شَقِّ القَمِيصِ، إلّا أنَّهُ شاهِدٌ واحِدٌ.
وَجاءَ في السُّنَّةِ: شَهادَةُ خُزَيْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَمّا شَهِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِراءِ الفَرَسِ مِنَ الأعْرابِيِّ، وجَعَلَها ﷺ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ.
وَجاءَتِ السُّنَّةُ بِثُبُوتِ شَهادَةِ الطَّبِيبِ، والقائِفِ، والخارِصِ، ونَحْوِهِمْ.
وَجاءَ في ثُبُوتِ رَمَضانَ، فَقَدْ قَبِلَ ﷺ شَهادَةَ أعْرابِيٍّ، وقَبِلَ شَهادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَواءٌ كانَ قَبُولُها اكْتِفاءً بِها أوِ احْتِياطًا لِرَمَضانَ.
وَأمّا شَهادَةُ الرَّجُلِ الواحِدِ ويَمِينُ المُدَّعِي، فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ» وتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وأطالَ في تَصْحِيحِهِ وتَوْجِيهِهِ.
وَعِنْدَ مالِكٍ، ومَذْهَبٌ لِأحْمَدَ شَهادَةُ امْرَأتَيْنِ، ويَمِينُ المُدَّعِي، وخالَفَهُما الجُمْهُورُ.
وَأمّا شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَبَيَّنَ تَعالى تَوْجِيهَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
(p-٢٩٩)وَبِهَذا النَّصِّ رَدَّ الجُمْهُورُ مَذْهَبَ مالِكٍ، والمَذْهَبَ المَحْكِيَّ عَنْ أحْمَدَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ إلّا أرْبَعَ نِسْوَةٍ ولَمْ تَسْتَقِلَّ التَّسْوِيَةُ بِالشَّهادَةِ.
وَأمّا شَهادَةُ الرَّجُلَيْنِ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَأمّا ثَلاثَةُ رِجالٍ، فَلِقَوْلِهِ ﷺ في إثْباتِ الفاقَةِ والإعْسارِ: «حَتّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجا مِن قَوْمِهِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ أصابَتْ فُلانَةَ فاقَةٌ» الحَدِيثَ. وهو حَدِيثُ قَبِيصَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأحْمَدَ.
وَأمّا الأرْبَعَةُ فَفي إثْباتِ الزِّنا خاصَّةً، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”النُّورِ“ .
وَأمّا الطّائِفَةُ فَفي إقامَةِ الحُدُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] .
وَأمّا شَهادَةُ المَرْأةِ فَفي أحْوالِ النِّساءِ خاصَّةً، كَما في حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ: ”«جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: إنِّي أرْضَعْتُهُما، فَقالَ لَهُ ﷺ“ فارِقْها ”، فَقالَ: كَيْفَ أُفارِقُها لِقَوْلِ امْرَأةٍ ؟ فَقالَ لَهُ:“ كَيْفَ وقَدْ قِيلَ ؟ "» وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في قَبُولِ شَهادَتِها وحْدَها، ولَكِنَّ الصَّحِيحَ ما قَدَّمْنا.
وَأمّا المَرْأتانِ فَعِنْدَ مَن لَمْ يَقْبَلْ شَهادَةَ المَرْأةِ، وقِيلَ عِنْدَ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الغالِبَ حُضُورُ أكْثَرِ مِن واحِدَةٍ.
وَأمّا جَماعَةُ الصِّبْيانِ فَفي جِناياتِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وقَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ كَبِيرٌ. وفِيهِ خِلافٌ.
وَرَجَّحَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - العَمَلَ بِها في مُذَكِّرَةِ أُصُولِ الفِقْهِ، في مَبْحَثِ رِوايَةِ الصِّغارِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقُوا أنَّهُ لا دَخْلَ لِلنِّساءِ في الشَّهادَةِ في الحُدُودِ، وإنَّما تَكُونُ في المالِ أوْ ما يَئُولُ إلى المالِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِما تَحْتَ الثِّيابِ مِنَ النِّساءِ.
وَفِي الشَّهادَةِ مَباحِثُ عَدِيدَةٌ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وكُتُبِ القَضاءِ، كَتَبْصِرَةِ الحُكّامِ (p-٣٠٠)لِابْنِ فَرْحُونَ وغَيْرِهِ.
وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ القَيِّمِ الكَلامَ عَلَيْها في الطُّرُقِ الحِكَمِيَّةِ، وابْن فَرْحُونَ في تَبْصِرَةِ الحُكّامِ، لِمَن أحَبَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، ولَكِنْ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ هو شُرُوطُ الشّاهِدِ المُعْتَبَرَةُ، وكُلُّها تَدُورُ عَلى ما تَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ إلى الحَقِّ المَشْهُودِ بِهِ؛ لِأمْرَيْنِ أساسِيَّيْنِ هُما: الضَّبْطُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ النِّسْوَةِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
والثّانِي: العَدالَةُ، والصِّدْقُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] .
وَهُنا مَبْحَثٌ مَشْهُورٌ، وهو: هَلِ الأصْلُ في المُسْلِمِينَ العَدالَةُ حَتّى يَظْهَرَ جَرْحُهُ أمِ العَكْسُ ؟
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وَقَدْ كانَ العَمَلُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ جاءَ رَجُلٌ مِنَ العِراقِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقالَ لَهُ: أدْرِكِ النّاسَ؛ لَقَدْ تَفَشَّتْ شَهادَةُ الزُّورِ. فَقالَ عُمَرُ: بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وإثْباتِ عَدالَتِهِمْ.
وَقَدْ أوْرَدَ ابْنُ فَرْحُونَ في مَراتِبِ الشُّهُودِ إحْدى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً، وهي:
الأُولى: الشّاهِدُ المُبَرَّزُ في العَدالَةِ العالِمُ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ وتَجْرِيحُهُ، ولا يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إذا أبْهَمَهُ، ولا يُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ إلّا بِالعَداوَةِ.
الثّانِيَةُ: المُبَرَّزُ في العَدالَةِ غَيْرُ العالِمِ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَحُكْمُهُ كالأوَّلِ، إلّا أنَّهُ يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ.
الثّالِثَةُ: الشّاهِدُ المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ العالِمُ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ إلّا في سِتَّةِ مَواضِعَ عَلى اخْتِلافٍ في بَعْضِها، وهي: التَّزْكِيَةُ، شَهادَتُهُ لِأخِيهِ ولِمَوْلاهُ ولِصَدِيقِهِ المُلاطِفِ ولِشَرِيكِهِ في غَيْرِ التِّجارَةِ، وإذا زادَ في شَهادَتِهِ أوْ نَقَصَ فِيها، ويُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ بِالعَداوَةِ وغَيْرِها، ولا يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ.
الرّابِعَةُ: المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ غَيْرُ العالِمِ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، حُكْمُهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ.
(p-٣٠١)الخامِسَةُ: الشّاهِدُ المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ؛ إذا قَذَفَ قَبْلَ أنْ يُحَدَّ، فاخْتُلِفَ في قَبُولِ شَهادَتِهِ، وأجازَها ابْنُ القاسِمِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
السّادِسَةُ: الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ العَدالَةُ؛ تَجُوزُ دُونَ تَزْكِيَةٍ فِيما يَقَعُ بَيْنَ المُسافِرِينَ في السَّفَرِ مِنَ المُعامَلاتِ، وفِيما عَدا ذَلِكَ لا بُدَّ مِن تَزْكِيَتِهِ؛ لِأنَّهُ هو المَعْرُوفُ بِمَجْهُولِ الحالِ.
والصَّحِيحُ أنَّ مِثْلَهُ لا بُدَّ مِنَ التَّحَرِّي عَنْهُ حَتّى يَنْكَشِفَ أمْرُهُ.
السّابِعَةُ: الَّذِي لا يُتَوَسَّمُ فِيهِ العَدالَةُ ولا الجَرْحَةُ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ دُونَ تَزْكِيَةٍ، إلّا أنَّ شَهادَتَهُ تَكُونُ شَبِيهَةً في بَعْضِ المَواضِعِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ، فَتُوجِبُ اليَمِينَ، وتُوجِبُ الحَمِيلَ، وتَوْقِيفَ الشَّيْءِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ.
الثّامِنَةُ: الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ الجَرْحَةُ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَةٍ، ولا تَكُونُ شَهادَتُهُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا.
التّاسِعَةُ: الشّاهِدُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ جَرْحَةٌ قَدِيمَةٌ أوْ يَعْلَمُها الحاكِمُ فِيهِ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَةٍ، ولا تُقْبَلُ فِيهِ التَّزْكِيَةُ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما تُقْبَلُ مِمَّنْ عَلِمَ بِجَرْحَتِهِ إذا شَهِدَ عَلى تَوْبَتِهِ مِنها، ونُزُوعِهِ مِنها، والمَحْدُودُ في القَذْفِ بِمَنزِلَتِهِ عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ؛ لِأنَّ تَزْكِيَتَهُ لا تَجُوزُ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما تَجُوزُ بِمَعْرِفَةٍ تُزِيدُهُ في الخَبَرِ.
العاشِرَةُ: المُقِيمُ عَلى الجَرْحَةِ المَشْهُودُ بِها؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ، ولا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ فِيهِ وإنْ زُكِّيَ، وإنَّما تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إذا تابَ.
الحادِيَةَ عَشْرَةَ: شاهِدُ الزُّورِ؛ فَلا تَصِحُّ شَهادَتُهُ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ، ورَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: أنَّ شَهادَتَهُ تَجُوزُ إذا تابَ وعُرِفَتْ تَوْبَتُهُ بِتَزَيُّدِ حالِهِ في الصَّلاحِ.
قالَ: ولا أعْلَمُهُ إلّا في قَوْلِ مالِكٍ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مِنَ القَوْلِ.
وَقِيلَ: مَعْنى رِوايَةِ أبِي زَيْدٍ إذا جاءَ تائِبًا مُقِرًّا عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ الزُّورِ قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ عَلَيْهِ، وهو الأظْهَرُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. اهـ.
وَقَدْ أوْرَدْنا هَذِهِ المَراتِبَ؛ لِأنَّها شَمِلَتْ أنْواعَ الشُّهُودِ قُوَّةً وضَعْفًا، وفِيما تُقْبَلُ شَهاداتُهم.
* *
(p-٣٠٢)تَنْبِيهٌ.
وَقَدْ قِيلَ في تَفْرِيقِ الشُّهُودِ: إنَّ هَذا في الزِّنا خاصَّةً، وقِيلَ: لِلْقاضِي أنْ يُفَرِّقَهم مَتى ما رَأى ذَلِكَ، وأنَّ أوَّلَ مَن فَرَّقَهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تَفْرِيقَ الشُّهُودِ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ، وهو كَلامٌ في قَضِيَّةِ المَرْأةِ الَّتِي رُمِيَتْ بِالزِّنا، واخْتُلِفَ في تَحْلِيفِ الشّاهِدِ.
فالجُمْهُورُ: لا يُحَلَّفُ، ورَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ جَوازَهُ فِيما تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لِلضَّرُورَةِ كالمَرْأةِ الواحِدَةِ، والكافِرِ في السَّفَرِ، ومَدارُ قَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى الطُّمَأْنِينَةِ لِصِدْقِ الشّاهِدِ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى أصْلَيْنِ:
الأوَّلُ: هو الضّابِطُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
والثّانِي: العَدالَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلِلشَّهادَةِ مَباحِثُ عَدِيدَةٌ اكْتَفَيْنا بِما أوْرَدْنا.
وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَباحِثَ الشَّهادَةِ مِن حَيْثُ العَدَدُ والمَوْضُوعُ في كِتابِ الطُّرُقِ الحِكَمِيَّةِ.
* *
تَنْبِيهٌ.
لِلشَّهادَةِ عَلاقَةٌ بِاليَمِينِ في الحُكْمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: «شاهِدانِ أوْ يَمِينُهُ» .
فَما هي تِلْكَ العَلاقَةُ ؟ وبَيَّنَ هَذِهِ العَلاقَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] . ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى: شاهِدٌ ومُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِ العِبادِ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، يَعْلَمُ (p-٣٠٣)خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَإذا أعْوَزَ المُدَّعِي شاهِدًا حَلَفَ مَعَ الشّاهِدِ كَأنَّهُ قالَ: أسْتَشْهِدُ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنِّي صِدْقَ دَعْوايَ.
وَكَذَلِكَ المُدَّعى عَلَيْهِ، إذا عَجَزَ المُدَّعِي عَنِ البَيِّنَةِ وكانَتِ الدَّعْوى مُتَوَجِّهَةً، ومِمّا يُشْبِهُ، كَما يَقُولُ المالِكِيَّةُ: فَإنَّ المُدَّعى عَلَيْهِ يَقُولُ: لَدَيَّ البَيِّنَةُ والشَّهادَةُ عَلى عَدَمِ ثُبُوتِ ما ادَّعى بِهِ عَلَيَّ، ألا وهو خَيْرُ الشّاهِدِينَ.
مَن هو أكْبَرُ شَهادَةً مِمّا عَجَزَ عَنْها المُدَّعِي ألا وهو الِاسْتِشْهادُ بِاللَّهِ تَعالى، فَيَحْلِفُ عَلى بَراءَةِ ذِمَّتِهِ مِمّا ادَّعى بِهِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ.
وَمِن هُنا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» أيْ؛ لِأنَّ الحالِفَ يُقِيمُ المَحْلُوفَ بِهِ مَقامَ الشُّهُودِ الَّذِينَ رَأوْا أوْ سَمِعُوا، والمَخْلُوقُ إذا كانَ غائِبًا لا يَرى ولا يَسْمَعُ، فَإذا حَلَفَ بِهِ كانَ قَدْ أعْطاهُ صِفاتِ مَن يَرى ويَسْمَعُ، والحالُ أنَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى الحالِفُ والمُسْتَحْلِفُ بِاللَّهِ يَعْلَمانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِن صاحِبِ اليَمِينِ الغَمُوسِ، وغَيْرُ اللَّهِ إذا ما حُلِفَ بِهِ لا يَقْوى ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
70:34Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤
And those who [carefully] maintain their prayer:
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
70:36Page 569
فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ ٣٦
So what is [the matter] with those who disbelieve, hastening [from] before you, [O Muḥammad],
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
”مُهْطِعِينَ“: أيْ مُسْرِعِينَ نافِرِينَ، ”وَعِزِينَ“ جَمْعُ عِزَةٍ، وهُمُ الجَماعَةُ، أيْ: ما بالُ أُولَئِكَ الكُفّارِ المُنْصَرِفِينَ عَنْكَ مُتَفَرِّقِينَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎وَنَحْنُ وجَنْدَلٌ باغٍ تَرَكْنا كَتائِبَ جَنْدَلٍ شَتّى عِزِينَ
وَكَذَلِكَ هُنا فَهم مُتَفَرِّقُونَ عَنْهُ ﷺ جَماعاتٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ. تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الأهْواءُ، وأخَذَتْهُمُ الحَيْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١] .
وَنَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أهْلِ الأهْواءِ، فَهم مُخالِفُونَ لِلْكِتابِ، مُخْتَلِفُونَ، مُتَّفِقُونَ عَلى مُخالَفَةِ الكِتابِ.
70:37Page 569
عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ٣٧
[To sit] on [your] right and [your] left in separate groups?1
No commentary for this ayah
70:38Page 569
أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ ٣٨
Does every person among them aspire to enter a garden of pleasure?
No commentary for this ayah
70:39Page 569
كـَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ ٣٩
No! Indeed, We have created them from that which they know.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾
(p-٣٠٤)أجْمَلُ ما يَعْلَمُونَ في ما المَوْصُولَةِ ”مِمّا“، وقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في عِدَّةِ مَراحِلَ: مِن تُرابٍ أوَّلًا، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ. وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ، وأصْرَحُ نَصٍّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] أيْ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ يَخْتَلِطانِ مَعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ١ - ٢] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ، والعالِمُ لَيْسَ في حاجَةٍ إلى إخْبارٍ، ولَكِنْ يُرادُ بِذَلِكَ لازِمُ الخَبَرِ، وهو إفْهامُهم بِأنَّ مَن خَلَقَهم مِن هَذا الَّذِي يَعْلَمُونَ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِمْ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، كَما في سُورَةِ ”الدَّهْرِ“ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] . ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] . ثُمَّ بَيَّنَ المَصِيرَ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٤ - ٥] .
70:40Page 570
فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ٤٠
So I swear by the Lord of [all] risings and settings1 that indeed We are able
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ظاهِرُهُ النَّفْيُ، والحالُ أنَّهُ أقْسَمَ بِدَلِيلِ جَوابِ القَسَمِ بَعْدَهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١]، ولِلْعُلَماءِ في مَجِيءِ ”لا“ هَذِهِ كَلامٌ كَثِيرٌ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في سُورَةِ ”البَلَدِ“، وسَيُطْبَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ في نِهايَةِ هَذِهِ التَّتِمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] فَهو اللَّهُ تَعالى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ، وقَدْ نَصَّ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٧ - ١٨] .
وَقَدْ جُمِعَتِ ”المَشارِقُ“ هُنا، وثُنِّيَتْ في ”الرَّحْمَنِ“ وأُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، فالجَمْعُ عَلى مَشارِقِ الشَّمْسِ في السَّنَةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ (p-٣٠٥)كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والتَّثْنِيَةُ لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والإفْرادُ عَلى الجِهَةِ، وسَيَأْتِي في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ أيْضًا.
70:41Page 570
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٤١
To replace them with better than them; and We are not to be outdone.
No commentary for this ayah
70:42Page 570
فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢
So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised -
No commentary for this ayah
70:43Page 570
يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣
The Day they will emerge from the graves rapidly as if they were, toward an erected idol, hastening.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾
بَيَّنَ هُنا حالَةَ الخُرُوجِ مِنَ الأجْداثِ وهي القُبُورُ، وهي أنَّهم يَخْرُجُونَ سِراعًا، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَخْرُجُونَ مُبَعْثَرِينَ هُنا وهُناكَ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] .
70:44Page 570
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤
Their eyes humbled, humiliation will cover them. That is the Day which they had been promised.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ حالَةٌ ثانِيَةٌ، وقَدْ جَمَعَ الحالاتِ في سُورَةِ ”اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦ - ٨] . نَسْألُ اللَّهَ تَعالى السَّلامَةَ والعافِيَةَ.
وَفِي خِتامِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لِهَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ؛ بِأنَّ سُؤالَهم في أوَّلِها ”بِعَذابٍ واقِعٍ“، إنَّما هو اسْتِخْفافٌ واسْتِبْعادٌ. فَبَيَّنَ لَهم تَعالى بَعْدَ عَرْضِ السُّورَةِ نِهايَةَ ما يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ؛ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم ويَرْجِعُوا إلى رَبِّهِمْ. فارْتَبَطَ آخِرُ السُّورَةِ بِأوَّلِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences