Ash-ShinqitiAt‑Tawbah · 9:34

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:34

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أظْهَرُ الأقْوالِ وأقْرَبُها لِلصَّوابِ في مَعْنى: ﴿يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤] في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ المُرادَ بِكَنْزِهِمُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وعَدَمِ إنْفاقِهِمْ لَها في سَبِيلِ اللَّهِ، أنَّهم لا يُؤَدُّونَ زَكاتَهُما.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأمّا الكَنْزُ ؟ فَقالَ مالِكٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ.

وَرَوى الثَّوْرِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرْضِينَ، وما كانَ ظاهِرًا لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ، وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا.

وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ نَحْوَهُ: أيُّما مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ مَدْفُونًا في الأرْضِ، وأيُّما مالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ يُكْوى بِهِ صاحِبُهُ، وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ اهـ.

وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أصْوَبُ الأقْوالِ؛ لِأنَّ مَن أدّى الحَقَّ الواجِبَ في المالِ الَّذِي هو الزَّكاةُ لا يُكْوى بِالباقِي إذا أمْسَكَهُ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ تُطَهِّرُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولِأنَّ المَوارِيثَ ما جُعِلَتْ إلّا في أمْوالٍ تَبْقى بَعْدَ مالِكِيها.

وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ، حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وغَيْرِهِ في «قِصَّةِ الأعْرابِيِّ أخِي بَنِي سَعْدٍ، مِن هَوازِنَ، وهو ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِأنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الزَّكاةَ، وقالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها، فَإنَّ النَّبِيَّ قالَ لَهُ: ”لا، إلّا أنْ تَطَوَّعَ»“: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقَدْ قَدَّمْنا في ”البَقَرَةِ“ تَحْقِيقًا أنَّهُ ما زادَ (p-١١٧)عَلى الحاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، وقَوْلُهُ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ» الحَدِيثَ؛ لِأنَّ صَدَقَةً نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ صَدَقَةٍ.

وَفِي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ:

مِنها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآياتِ الزَّكاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآيَةَ.

وَذَكَرَ البُخارِيُّ هَذا القَوْلَ بِالنَّسْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعِراكُ بْنُ مالِكٍ. اهـ.

وَعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ، وما كانَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو كَنْزٌ، ومَذْهَبُ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا فاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيالِهِ. اهـ. ولا يَخْفى أنَّ ادِّخارَ ما أُدِّيَتَ حُقُوقُهُ الواجِبَةُ لا بَأْسَ بِهِ، وهو كالضَّرُورِيِّ عِنْدَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ.

فَإنْ قِيلَ: ما الجَوابُ عَمّا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، وتَرَكَ دِينارَيْنِ أوْ دِرْهَمَيْنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّتانِ، صَلُّوا عَلى صاحِبِكم»“ اهـ. وما رَواهُ قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ، قالَ: «ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّةٌ“، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّتانِ»“، وما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تَبًّا لِلذَّهَبِ، تَبًّا لِلْفِضَّةِ ”يَقُولُها ثَلاثًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: فَأيَّ مالٍ نَتَّخِذُ ؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا أعْلَمُ لَكم ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أصْحابَكَ قَدْ شُقَّ عَلَيْهِمْ، وقالُوا: فَأيَّ المالِ نَتَّخِذُ ؟ فَقالَ:“ لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ» . ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ.

فالجَوابُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ هَذا التَّغْلِيظَ كانَ أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ الزَّكاةِ، كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ورَدَتْ عَنْ أبِي ذَرٍّ آثارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ كُلَّ مالٍ مَجْمُوعٍ يَفْضُلُ عَنِ القُوتِ وسَدادِ العَيْشِ، فَهو كَنْزٌ يُذَمُّ فاعِلُهُ، وأنَّ آيَةَ الوَعِيدِ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.

وَخالَفَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، وحَمَلُوا الوَعِيدَ عَلى مانِعِ الزَّكاةِ، إلى أنْ (p-١١٨)قالَ: فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو ذَرٍّ يَسْمَعُ الحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ الشِّدَّةُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ، ثُمَّ يُرَخِّصُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلا يَسْمَعُ الرُّخْصَةَ، ويَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ الأوَّلِ. اهـ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي في خُصُوصِ أهْلِ الكِتابِ، بِدَلِيلِ اقْتِرانِها مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٤] .

فَإذا عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، وأنَّها في مَن لا يُؤَدِّي الزَّكاةَ، فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِها هو المُشارُ إلَيْهِ في آياتِ الزَّكاةِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، أنَّ البَيانَ بِالقُرْآنِ إذا كانَ غَيْرَ وافٍ بِالمَقْصُودِ نُتَمِّمُ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها بَيانٌ لِلْقُرْآنِ المُبَيَّنِ بِهِ، وآياتُ الزَّكاةِ

• كَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآيَةَ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]

• وقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]،

لا تَفِي بِالبَيانِ فَتُبَيِّنُهُ بِالسُّنَّةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادُ المالِكِيُّ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ: زَكاةَ العَيْنِ، وهي تَجِبُ بِأرْبَعَةِ شُرُوطٍ، حُرِيَّةٍ، وإسْلامٍ، وحَوْلٍ، ونِصابٍ سَلِيمٍ مِنَ الدَّيْنِ. اهـ وفي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ خِلافٌ.

* *

مَسائِلُ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: في قَدْرِ نِصابِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وفي القَدْرِ الواجِبِ إخْراجُهُ مِنهُما.

أمّا نِصابُ الفِضَّةِ، فَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، ووَزْنُ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيُّ سِتَّةُ دَوانِقَ، وكُلُّ عَشَرَةِ دَراهِمَ شَرْعِيَّةٍ فَهي سَبْعَةُ مَثاقِيلَ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا شَرْعِيًّا.

وَكُلُّ هَذا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المَرِيسِيِّ، الَّذِي خَرَقَ بِهِ الإجْماعَ، وهو اعْتِبارُ العَدَدِ في الدَّراهِمِ لا الوَزْنِ، ولا بِما انْفَرَدَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، زاعِمًا أنَّهُ وجْهٌ في المَذْهَبِ، مِن أنَّ الدّارِهِمَ المَغْشُوشَةَ إذا بَلَغَتْ قَدْرًا لَوْ ضُمَّ إلَيْهِ قِيمَةُ الغِشِّ مِن نُحاسٍ مَثَلًا لَبَلَغَ نِصابًا أنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ فِيهِ، كَما نَقَلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، ولا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الأنْدَلُسِيِّ، إنَّ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يَتَعامَلُونَ بِدَراهِمِهِمْ، ولا بِما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مِنِ اخْتِلافِ الوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى دَراهِمِ الأنْدَلُسِ وغَيْرِها مِن دَراهِمِ البِلادِ؛ لِأنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ (p-١١٩)الصَّرِيحَةَ الَّتِي أجْمَعَ عَلَيْها المُسْلِمُونَ مُبَيِّنَةٌ أنَّ نِصابَ الفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ بِالوَزْنِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ. اهـ.

إلى ص ٤٣٥ وكُلُّ سَبْعَةِ مَثاقِيلَ فَهي عَشَرَةُ دَراهِمَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ صَدَقَةٌ»، ورَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، وجُمْهُورُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ، عَلى أنَّ الأُوقِيَّةَ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدٍ وغَيْرُهُ - مِن أنَّ الدِّرْهَمَ كانَ مَجْهُولًا قَدْرُهُ حَتّى جاءَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، فَجَمَعَ العُلَماءَ فَجَعَلُوا كُلَّ عَشَرَةِ دَراهِمَ سَبْعَةَ مَثاقِيلَ - لا يَخْفى سُقُوطَهُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نِصابُ الزَّكاةِ وقَطْعُ السَّرِقَةِ مَجْهُولًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، حَتّى يُحَقِّقَهُ عَبْدُ المَلِكِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ما نُقِلَ مِن ذَلِكَ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنها مِن ضَرْبِ الإسْلامِ، وكانَتْ مُخْتَلِفَةَ الوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَدَدِ: فَعَشَرَةٌ مَثَلًا وزْنُ عَشَرَةٍ، وعَشَرَةٌ وزْنُ ثَمانِيَةٍ، فاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلى أنْ تُنْقَشَ بِكِتابَةٍ عَرَبِيَّةٍ ويُصَيِّرُونَها وزْنًا واحِدًا.

وَقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ وزْنِ الدِّرْهَمِ في الأنْعامِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُغْتَفَرُ في نِصابِ الفِضَّةِ النَّقْصُ اليَسِيرُ الَّذِي تَرُوجُ مَعَهُ الدَّراهِمُ رَواجَ الكامِلَةِ.

وَظاهِرُ النُّصُوصِ أنَّهُ لا زَكاةَ إلّا في نِصابٍ كامِلٍ؛ لِأنَّ النّاقِصَ ولَوْ بِقَلِيلٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ دُونَ خَمْسِ أواقٍ، والنَّبِيُّ ﷺ: ”صَرَّحَ بِأنَّ ما دُونَها لَيْسَ فِيهِ صَدَقَةٌ“ .

فَإذا حَقَّقْتَ النَّصَّ والإجْماعَ: عَلى أنَّ نِصابَ الفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، وهي وزْنُ مِائَةٍ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مِنَ الفِضَّةِ الخالِصَةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَدْرَ الواجِبَ إخْراجُهُ مِنها رُبْعُ العُشْرِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”وَفي الرِّقَّةِ رُبُعُ العُشْرِ“ والرِّقَّةُ: الفِضَّةُ.

قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في بابِ ”زَكاةِ الغَنَمِ“: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُثَنّى الأنْصارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنِي ثُمامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنَسٍ، أنَّ أنَسًا حَدَّثَهُ، أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ هَذا الكِتابَ لَمّا وجَّهَهُ إلى البَحْرِينِ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ، الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُسْلِمِينَ، والَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ“ الحَدِيثَ: وفِيهِ، وفي الرِّقَّةِ: رُبُعُ العُشْرِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ (p-١٢٠)أجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ.

فَتَحَصَّلَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِ الزَّكاةِ في الفِضَّةِ، ولا خِلافَ بَيْنِهِمْ في أنَّ نِصابَها مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، ولا خِلافَ بَيْنَهم في أنَّ اللّازِمَ فِيها رُبُعُ العُشْرِ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ: عَلى أنَّها لا وقْصَ فِيها خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والشَّعْبِيِّ، ومَكْحُولٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والزُّهْرِيِّ، القائِلِينَ: بِأنَّهُ لا شَيْءَ في الزِّيادَةِ عَلى المِائَتَيْنِ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَفِيها دِرْهَمٌ.

وَأمّا الذَّهَبُ: فَجَماهِيرُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، عَلى أنَّ نِصابَهُ عِشْرُونَ دِينارًا، والدِّينارُ: هو المِثْقالُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن شَذَّ وخالَفَ جَماهِيرَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ أرْبَعُونَ دِينارًا، وكَقَوْلِ طاوُسٍ، إنَّ نِصابَ الذَّهَبِ مُعْتَبَرٌ بِالتَّقْوِيمِ بِالفِضَّةِ، فَما بَلَغَ مِنهُ قِيمَةَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وجَبَتْ فِيهِ الزَّكاةُ، وجَماهِيرُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ أيْضًا، عَلى أنَّ الواجِبَ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ.

والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ جُمْهُورِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينارًا، والواجِبُ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، في سُنَنِهِ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْرِيُّ، أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، وسُمِّيَ آخَرُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، والحارِثِ الأعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «فَإذا كانَتْ لَكَ مِائَتا دِرْهَمٍ وحالَ عَلَيْها الحَوْلُ فَفِيها خَمْسَةُ دَراهِمَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ ”يَعْنِي في الذَّهَبِ“ حَتّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينارًا، فَإذا كانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينارًا وحالَ عَلَيْها الحَوْلُ، فَفِيها نِصْفُ دِينارٍ، فَما زادَ فَبِحِسابِ ذَلِكَ»، قالَ: فَلا أدْرِي أعَلِيٌّ يَقُولُ فَبِحِسابٍ ذَلِكَ، أوْ رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ؟ ولَيْسَ في مالٍ زَكاةٌ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، إلّا أنَّ جَرِيرًا قالَ: ابْنُ وهْبٍ، يَزِيدُ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ في مالِ زَكاةٍ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» اهـ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ مُضَعَّفٌ بِالحارِثِ الأعْوَرِ، وعاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ؛ لِأنَّهُما ضَعِيفانِ، وبِأنَّ الدّارَقُطْنِيَّ، قالَ: الصَّوابُ وقْفُهُ عَلى عَلِيٍّ، وبِأنَّ ابْنَ المَوّاقِ قالَ: إنَّ فِيهِ عِلَّةً خَفِيَّةً وهي: أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ، لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي إسْحاقَ، فَقَدْ رَواهُ حُفّاظُ أصْحابِ ابْنِ وهْبٍ: سَحْنُونُ، وحَرْمَلَةُ، ويُونُسُ، وبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، وغَيْرُهم، عَنِ ابْنٍ وهْبٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ، والحارِثُ بْنُ نَبْهانَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ، فَذَكَرَهُ، قالَ ابْنُ المَوّاقِ: الحَمْلُ فِيهِ عَلى سُلَيْمانَ، شَيْخِ أبِي داوُدَ، فَإنَّهُ وهِمَ في إسْقاطِ (p-١٢١)رَجُلٍ اهـ.

وَبِأنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الوَرِقِ صَدَقَةً، وأخَذَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ في الذَّهَبِ صَدَقَةً، إمّا بِخَبَرٍ عَنْهُ لَمْ يَبْلُغْنا، وإمّا قِياسًا، اهـ: وهو صَرِيحٌ عَنِ الشّافِعِيِّ: بِأنَّهُ يَرى أنَّ الذَّهَبَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ في عِلْمِهِ، وبِأنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ، قالَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في زَكاةِ الذَّهَبِ شَيْءٌ مِن جِهَةِ نَقْلِ الآحادِ الثِّقاتِ.

لَكِنْ رَوى الحَسَنُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمٍ، والحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَهُ، وكَذا رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ: ولَوْ صَحَّ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ الحَسَنَ بْنَ عُمارَةَ مَتْرُوكٌ.

وَبِأنَّ ابْنَ حَزْمٍ قالَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في نِصابِ الذَّهَبِ، ولا في القَدْرِ الواجِبِ فِيهِ شَيْءٌ.

وَذَكَرَ: أنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ، مِن رِوايَةِ الحارِثِ الأعْوَرِ مَرْفُوعٌ، والحارِثُ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وكَذَّبَهُ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ: وأمّا رِوايَةُ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، فَهي مَوْقُوفَةٌ عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: وكَذَلِكَ رَواهُ شُعْبَةُ، وسُفْيانُ، ومَعْمَرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمٍ، مَوْقُوفًا: وكَذا كُلُّ ثِقَةٍ رَواهُ عَنْ عاصِمٍ.

فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ ثابِتٌ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: وقَدْ رَوى طَرَفًا مِن هَذا الحَدِيثِ: ورَوى هَذا الحَدِيثَ الأعْمَشُ، وأبُو عَوانَةَ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ورَواهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ، وسَألْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخارِيَّ - عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: كِلاهُما عِنْدِي صَحِيحٌ، اهـ.

فَتَرى التِّرْمِذِيَّ نَقَلَ عَنِ البُخارِيِّ، تَصْحِيحَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا حَدِيثُ عاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، أوْ صَحِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، اهـ.

وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَدِيثُ عَلِيٍّ هو مِن حَدِيثِ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ الأعْوَرِ، وعاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ البُخارِيَّ قالَ: كِلاهُما عِنْدَهُ صَحِيحٌ، وقَدْ حَسَّنَهُ الحافِظُ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الشَّوْكانِيِّ.

(p-١٢٢)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يُعْتَضَدُ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ أمَرَ مُعاذًا، حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ، أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ أرْبَعِينَ دِينارًا دِينارًا، الحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، في ”التَّلْخِيصِ“ وسَكَتَ عَلَيْهِ، وبِما رَواهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «وَلا في أقَلَّ مِن عِشْرِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ»، قالَ النَّوَوِيُّ: غَرِيبٌ، اهـ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: المُناقَشَةُ بِحَسَبِ صِناعَةِ عِلْمِ الحَدِيثِ والأُصُولِ، فَنَقُولُ:

سَلَّمْنا أنَّ الحارِثَ الأعْوَرَ ضَعِيفٌ كَما تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، وإنْ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَيَبْقى عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، الَّذِي رَوى مَعَهُ الحَدِيثَ، فَإنَّ حَدِيثَهُ حُجَّةٌ، وقَدْ وثَّقَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ.

وَقالَ: النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ الكُوفِيُّ، صَدُوقٌ وتَعْتَضِدُ رِوايَتُهُ بِرِوايَةِ الحارِثِ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا. وبِما ذَكَرْنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.

فَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ تَضْعِيفَ الحَدِيثِ بِضَعْفِ سَنَدِهِ مَرْدُودٌ.

وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ التِّرْمِذِيِّ، أنَّ البُخارِيَّ قالَ: كِلاهُما صَحِيحٌ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّوَوِيَّ قالَ فِيهِ: حَسَنٌ أوْ صَحِيحٌ.

وَنَقَلَ الشَّوْكانِيُّ، عَنِ ابْنِ حَجَرٍ: أنَّهُ حَسَّنَهُ.

أمّا ما أعَلَّهُ بِهِ ابْنُ المَوّاقِ، مِن أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي إسْحاقَ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما الحَسَنَ بْنَ عُمارَةَ وهو مَتْرُوكٌ، فَهو مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ صَحِيحَةٍ إلى أبِي إسْحاقَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التِّرْمِذِيَّ قالَ، وذَكَرَ طَرَفًا مِنهُ، هَذا الحَدِيثُ رَواهُ الأعْمَشُ، وأبُو عَوانَةَ وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ورَواهُ سُفْيانُ، الثَّوْرِيُّ، وابْنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ. اهـ.

فَتَرى: أنَّ أبا عَوانَةَ، والأعْمَشَ، والسُّفْيانَيْنِ، وغَيْرَهم، كُلَّهم رَوَوْهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ.

وَبِهِ تَعْلَمُ بِأنَّ إعْلالَ ابْنِ المَوّاقِ لَهُ بِأنَّ راوِيَهِ عَنْ أبِي إسْحاقَ الحَسَنُ بْنُ عُمارَةَ، وهو مَتْرُوكٌ - إعْلالٌ ساقِطٌ؛ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ إلى أبِي إسْحاقَ، فَإذا حَقَّقْتَ رَدَّ تَضْعِيفِهِ بِأنَّ عاصِمًا صَدُوقٌ، ورَدَّ إعْلالِ ابْنِ المَوّاقِ لَهُ، فاعْلَمْ أنَّ إعْلالَ ابْنِ حَزْمٍ لَهُ بِأنَّ المَرْفُوعَ رِوايَةُ (p-١٢٣)الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ: وأنَّ رِوايَةَ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، مَوْقُوفَةٌ عَلى عَلِيٍّ، مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَدْرَ نِصابِ الزَّكاةِ، وقَدْرَ الواجِبِ فِيهِ، كِلاهُما أمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ والِاجْتِهادِ، والمَوْقُوفُ إنْ كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما عُلِمَ في عِلْمِ الحَدِيثِ والأُصُولِ.

قالَ العَلَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في ”طَلْعَةِ الأنْوارِ“:

وَما أتى عَنْ صاحِبٍ مِمّا مُنِعْ فِيهِ مَجالُ الرَّأْيِ عِنْدَهم رُفِعْ وقالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]

وَما أتى عَنْ صاحِبٍ بِحَيْثُ لا يُقالُ رَأْيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلى ما قالَ في المَحْصُولِ نَحْوَ مَن أتى فالحاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذا أُثْبِتا الثّانِي: أنَّ سَنَدَ أبِي داوُدَ الَّذِي رَواهُ بِهِ حَسَنٌ، أوْ صَحِيحٌ، كَما قالَهُ النَّوَوِيُّ، وغَيْرُهُ، والرَّفْعُ مِن زِياداتِ العُدُولِ، وهي مَقْبُولَةٌ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]

والرَّفْعُ والوَصْلُ وزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ إلَخْ. . .

الوَجْهُ الرّابِعُ: اعْتِضادُ الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِإجْماعِ الحُجَّةِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ إلّا مَن شَذَّ عَنِ السَّوادِ الأعْظَمِ عَلى العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وإجْماعُ المُسْلِمِينَ إذا وافَقَ خَبَرَ آحادٍ، فَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: يَصِيرُ بِمُواقَفَةِ الإجْماعِ لَهُ قَطْعِيًّا كالمُتَواتِرِ.

وَأكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: لا يَصِيرُ قَطْعِيًّا بِذَلِكَ.

وَفَرَّقَ قَوْمٌ، فَقالُوا: إنْ صَرَّحُوا بِأنَّ مُعْتَمَدَهم في إجْماعِهِمْ هو ذَلِكَ الخَبَرُ - أفادَ القَطْعَ، وإلّا فَلا، وأشارَ إلى ذَلِكَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

وَلا يُفِيدُ القَطْعَ ما يُوافِقُ الإجْماعَ والبَعْضُ بِقَطْعٍ يَنْطِقُ وبَعْضُهم يُفِيدُ حَيْثُ عُوِّلا عَلَيْهِ. . . . . . إلَخْ وعَلى كُلِّ حالٍ، فَلا يَخْفى أنَّهُ يَعْتَضِدُ بِعَمَلِ المُسْلِمِينَ بِهِ.

الخامِسُ: دَلالَةُ الكِتابِ، والإجْماعِ، عَلى أنَّ الزَّكاةَ واجِبَةٌ في الذَّهَبِ.

أمّا الكِتابُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: (p-١٢٤)﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] .

وَأمّا السُّنَّةُ: فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها، إلّا إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ، ووَجْهُهُ، وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتّى يُقْضى بَيْنَ العِبادِ، فَيَرى سَبِيلَهُ إمّا إلى الجَنَّةِ، وإمّا إلى النّارِ»، الحَدِيثَ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، وهو صَرِيحٌ في وُجُوبِ الحَقِّ في الذَّهَبِ، كالفِضَّةِ، وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ جَمِيعُ العُلَماءِ، وإذَنْ يَكُونُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ بَيانًا لِشَيْءٍ ثابِتٍ قَطْعًا، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ البَيانَ يَجُوزُ بِما هو دُونَ المُبَيَّنِ دَلالَةً وسَنَدًا، كَما أوْضَحْناهُ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ.

فَتَحَصَّلَ أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقالا، وما زادَ فَبِحِسابِهِ، وأنَّ الواجِبَ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، كالفِضَّةِ، وأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لَيْسَ فِيهِما وقْصٌ، بَلْ كُلُّ ما زادَ عَلى النِّصابِ فَبِحِسابِهِ، خِلافًا لِمَن شَذَّ فَخالَفَ في بَعْضِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

تَنْبِيهٌ يَجِبُ اعْتِبارُ الوَزْنِ في نِصابِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ بِالوَزْنِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، كَما يَجِبُ اعْتِبارُ الكَيْلِ في خَمْسَةِ الأوْسُقِ الَّتِي هي نِصابِ الحُبُوبِ والثِّمارِ بِالكَيْلِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ.

قالَ النَّسائِيُّ في ”سُنَنِهِ“ في ”كِتابِ الزَّكاةِ“: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”المِكْيالُ مِكْيالُ أهْلِ المَدِينَةِ، والوَزْنُ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ“ .

وَقالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“ في ”كِتابِ البُيُوعِ“: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا ابْنُ دُكَيْنٍ عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الوَزْنُ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ»، والمِكْيالُ مِكْيالُ أهْلِ المَدِينَةِ ”، وقالَ النَّوَوِيُّ في“ شَرْحِ المُهَذَّبِ ”: وأمّا حَدِيثُ“ «المِيزانُ مِيزانُ أهْلِ مَكَّةَ» إلى آخِرِهِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، مِن رِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وَقالَ أبُو داوُدَ: رُوِيَ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، اهـ.

(p-١٢٥)قالَ الخَطابِيُّ: مَعْنى هَذا الحَدِيثِ أنَّ الوَزْنَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الزَّكاةِ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ، وهي دارُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وبَحَثْتُ عَنْهُ غايَةَ البَحْثِ مِن كُلِّ مَن وثِقْتُ بِتَمْيِيزِهِ: وكُلٌّ اتَّفَقَ لِي عَلى أنَّ دِينارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وزْنُهُ اثْنَتانِ وثَمانُونَ حَبَّةً، وثَلاثَةُ أعْشارِ حَبَّةٍ مِن حَبِّ الشَّعِيرِ المُطْلَقِ، والدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أعْشارِ المِثْقالِ، فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ: سَبْعٌ وخَمْسُونَ وسِتَّةُ أعْشارِ حَبَّةٍ، وعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ، فالرَّطْلُ مِائَةٌ وواحِدٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمُ المَذْكُورِ. اهـ.

وَفِي القامُوسِ في مادَّةِ ”مَ كَ كَ“، والمِثْقالُ: دِرْهَمٌ وثَلاثَةُ أسْباعٍ، والدِّرْهَمُ: سِتَّةُ دَوانِقَ، والدّانِقُ: قِيراطانِ، والقِيراطُ: طَسُّوجانِ، والطَّسُّوجُ: حَبَّتانِ، والحَبَّةُ: سُدُسُ ثُمُنِ دِرْهَمٍ، وهو جُزْءٌ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. اهـ.

وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قَدْرِ خَمْسَةِ الأوْسُقِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ .

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ في الزَّكاةِ أوْ لا ؟ لَمْ أرَ في ذَلِكَ نَصًّا صَرِيحًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، وقَدْ تَوَقَّفَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ضَمِّ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وجَماعَةٍ، وقَطَعَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ بِأنَّهُ لا زَكاةَ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما نِصابًا.

وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُضَمُّ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ: الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي لَيْلى، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وشَرِيكٌ، قالَ ابْنَ قُدامَةَ: في ”المُغْنِي“: واخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ.

وَمِمَّنْ قالَ: إنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ يُضَمُّ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ: مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُضَمُّ أحَدُهُما إلى الآخَرِ لِما ثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، كَما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ» " الحَدِيثَ.

فَلَوْ كانَ عِنْدَهُ أرْبَعُ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ الَّذِي هو: الفِضَّةُ، وما يُكْمِلُ النِّصابَ مِنَ الذَّهَبِ فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسُ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ.

وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ لا صَدَقَةَ في أقَلَّ مِن خَمْسِ أواقٍ (p-١٢٦)مِنَ الوَرِقِ، وظاهِرُ نَصِّ الحَدِيثِ عَلى اسْمِ الوَرِقِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ: لا زَكاةَ في أقَلَّ مِن خَمْسِ أواقٍ مِنَ الفِضَّةِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ كَثِيرٌ، ولا دَلِيلَ مِنَ النُّصُوصِ يَصْرِفُ عَنْ هَذا الظّاهِرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحِ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ في أصَحِّ قَوْلَيْهِما، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعائِشَةُ، وأسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الحُلِيَّ المُباحَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ: أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وداوُدُ، وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ أيْضًا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، والزُّهْرِيِّ.

وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ، ومُناقَشَةَ أدِلَّتِهِما عَلى الطُّرُقِ المَعْرُوفَةِ في الأُصُولِ، وعِلْمِ الحَدِيثِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لِلنّاظِرِ الرّاجِحُ مِنَ الخِلافِ.

اعْلَمْ أنَّ مَن قالَ بِأنَّ الحُلِيَّ المُباحَ لا زَكاةَ فِيهِ، تَنْحَصِرُ حُجَّتُهُ في أرْبَعَةِ أُمُورٍ:

الأوَّلُ: حَدِيثٌ جاءَ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

الثّانِي: آثارٌ صَحِيحَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ يَعْتَضِدُ بِها الحَدِيثُ المَذْكُورُ.

الثّالِثُ: القِياسُ.

الرّابِعُ: وضْعُ اللُّغَةِ.

أمّا الحَدِيثُ: فَهو ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في مَعْرِفَةِ السُّنَنِ والآثارِ مِن طَرِيقِ عافِيَةَ بْنِ أيُّوبَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا زَكاةَ في الحُلِيِّ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском