Ash-ShinqitiAt‑Tawbah · 9:34–59

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:34–59, continued

قالَ مُقَيِّدُهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ: في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أبِي داوُدَ حَبِيبُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وهو مَجْهُولٌ، وفِيهِ جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وهو لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وفِيهِ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الزُّهْرِيُّ أبُو داوُدَ، وفِيهِ لِينٌ، ولَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ، ويَعْتَضِدُ أيْضًا بِما ثَبَتَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، أنَّ أباهُ حِماسًا قالَ: مَرَرْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَلى عُنُقِي أُدُمٌ أحْمِلُها، فَقالَ: ألا تُؤَدِّي زَكاتَكَ يا حِماسُ ؟ فَقالَ: ما لِي غَيْرَ هَذا، وأهَبُ في القَرْظِ قالَ: ذَلِكَ مالٌ فَضَعْ، فَوَضَعَها بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَسَبَها فَوُجِدَتْ قَدْ وجَبَتْ فِيها الزَّكاةُ فَأخَذَ مِنها الزَّكاةَ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في هَذا الأثَرِ: رَواهُ الشّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنا يَحْيى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ أنَّ أباهُ قالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَذَكَرَهُ، ورَواهُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، مِن حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، عَنْ أبِيهِ، نَحْوَهُ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ أيْضًا عَنْ سُفْيانَ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، عَنْ أبِيهِ، اهـ.

وَحِماسٌ بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ المِيمِ وآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، فَقَدْ رَأيْتَ ثُبُوتَ أخْذِ الزَّكاةِ مِن عُرُوضِ التِّجارَةِ عَنْ عُمَرَ، ولَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى إجْماعًا سُكُوتِيًّا، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، مِن كِتابِهِ أنْبَأ أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ عَبَدَةَ، حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ البُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: لَيْسَ في العُرُوضِ زَكاةٌ إلّا ما كانَ لِلتِّجارَةِ. اهـ.

(p-١٣٨)قالَ: وهَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، فالَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: لا زَكاةَ في العَرْضِ، قالَ فِيهِ الشّافِعِيُّ في كِتابِ القَدِيمِ: إسْنادُ الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ضَعِيفٌ، فَكانَ اتِّباعُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِصِحَّتِهِ، والِاحْتِياطُ في الزَّكاةِ أحَبُّ إلَيَّ، واللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَ ما رُوِّينا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ولَمْ يَحْكِ خِلافَهم عَنْ أحَدٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ - إنْ صَحَّ - لا زَكاةَ في العَرْضِ إذا لَمْ يُرِدْ بِهِ التِّجارَةَ ”اهـ مِن سُنَنِ البَيْهَقِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ مالِكٌ في“ المُوَطَّإ "، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَيّانَ، وكانَ زُرَيْقٌ عَلى جَوازِ مِصْرَ في زَمانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وسُلَيْمانَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَذَكَرَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ أنِ انْظُرْ مَن يَمُرُّ بِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَخُذْ مِمّا ظَهَرَ مِن أمْوالِهِمْ مِمّا يُدِيرُونَ مِنَ التِّجاراتِ مِن كُلِّ أرْبَعِينَ دِينارًا دِينارًا، فَما نَقَصَ فَبِحِسابِ ذَلِكَ حَتّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينارًا فَإنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينارٍ فَدَعْها، ولا تَأْخُذْ مِنها شَيْئًا.

وَأمّا الآيَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، عَلى ما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، قالَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ بابُ: ”زَكاةِ التِّجارَةِ“ قالَ اللَّهُ تَعالى وجَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، وأبُو بَكْرِ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، وأبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي عَمْرٍو، قالُوا: ثَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفّانَ، ثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ، ثَنا ورْقاءُ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، قالَ: التِّجارَةُ، ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: النَّخْلُ، وقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“، ”بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ والتِّجارَةِ“ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: هَكَذا أوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلى الآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ.

وَكَأنَّهُ أشارَ إلى ما رَواهُ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، قالَ: مِنَ التِّجارَةِ الحَلالِ، أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ولَفْظُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ التِّجارَةِ ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: (p-١٣٩)مِنَ الثِّمارِ.

وَلا شَكَّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ داخِلٌ في عُمُومِ الآيَةِ، فَتَحَصَّلَ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ مِن طُرُقِ حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ، وحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ المَرْفُوعَيْنِ وما صَحَّ مِن أخْذِ عُمَرَ زَكاةَ الجُلُودِ مِن حِماسٍ، وما رُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وظاهِرِ عُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ، وإجْماعِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ إلّا مَن شَذَّ عَنِ السَّوادِ الأعْظَمِ - يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في زَكاةِ الدَّيْنِ، وهَلِ الدَّيْنُ مُسْقِطٌ لِلزَّكاةِ عَنِ المَدِينِ أوْ لا ؟ !

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، ومَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لِلْإنْسانِ عَلى غَيْرِهِ يَجْرِي مَجْرى عُرُوضِ التِّجارَةِ في الفَرْقِ بَيْنَ المُدِيرِ وبَيْنَ المُحْتَكِرِ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في المَسْألَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذا.

وَمَذْهَبُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الدَّيْنَ مانِعٌ مِنَ الزَّكاةِ في العَيْنِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ وفائِهِ قَدْرُ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، قالَ في ”مَوَطَّئِهِ“: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وعِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ ما فِيهِ وفاءٌ لِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ويَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النّاضِّ سِوى ذَلِكَ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ فَإنَّهُ يُزَكِّي ما بِيَدِهِ مِن ناضٍّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ والنَّقْدِ إلّا وفاءَ دَيْنِهِ فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ، حَتّى يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ النّاضِّ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يُزَكِّيَهُ.

وَأمّا الماشِيَةُ، والزُّرُوعُ، والثِّمارُ، فَلا يُسْقِطُ الدَّيْنُ وُجُوبَ زَكاتِها عِنْدَهُ. ومَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الدَّيْنَ إذا كانَ حالًّا عَلى مُوسِرٍ مُقِرٍّ، أوْ مُنْكِرٍ وعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَزَكاتُهُ واجِبَةٌ إنْ كانَ عَيْنًا أوْ عَرَضَ تِجارَةٍ، وهَذا قَوْلُهُ الجَدِيدُ، وأمّا القَدِيمُ: فَهو أنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في الدَّيْنِ بِحالٍ.

أمّا إنْ كانَ الغَرِيمُ مُعْسِرًا، أوْ جاحِدًا ولا بَيِّنَةَ، أوْ مُماطِلًا، أوْ غائِبًا، فَهو عِنْدَهُ كالمَغْصُوبِ، وفي وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيهِ خِلافٌ، والصَّحِيحُ الوُجُوبُ، ولَكِنْ لا تُؤْخَذُ مِنهُ بِالفِعْلِ إلّا بَعْدَ حُصُولِهِ في اليَدِ.

وَإنْ كانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما لِأبِي إسْحاقَ: أنَّهُ كالدَّيْنِ الحالِّ عَلى فَقِيرٍ أوْ عَلى جاحِدٍ. فَيَكُونُ عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا.

(p-١٤٠)والثّانِي: لِأبِي عَلِيِّ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ: لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَإذا قَبَضَهُ اسْتَقْبَلَ بِهِ الحَوْلَ، والأوَّلُ أصَحُّ، قالَهُ صاحِبُ المُهَذَّبِ.

أمّا إذا كانَ الدَّيْنُ ماشِيَةً، كَأرْبَعِينَ مِنَ الغَنَمِ، أوْ غَيْرَ لازِمٍ كَدَيْنِ الكِتابَةِ، فَلا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ اتِّفاقًا عِنْدَهم، وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، أوْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ كَمالُ النِّصابِ فَقالَ الشّافِعِيُّ في ”القَدِيمِ“: يُسْقِطُ الدَّيْنُ المُسْتَغْرِقُ، أوِ الَّذِي يَنْقُصُ بِهِ المالُ عَنِ النِّصابِ وُجُوبَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ المِلْكَ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لِأنَّهُ رُبَّما أخَذَهُ الحاكِمُ لِحَقِّ الغُرَماءِ، وقالَ في ”الجَدِيدِ“: تَجِبُ الزَّكاةُ ولا يُسْقِطُها الدَّيْنُ لِاخْتِلافِ جِهَتِهِما؛ لِأنَّ الزَّكاةَ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ المالِ والدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وإنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فَفِيهِ خِلافٌ كَثِيرٌ.

أصَحُّهُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: أنَّهُ يَجْرِي عَلى حُكْمِ زَكاةِ المَغْصُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَهُ، ولِلشّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ، ولا يَمْنَعُها في الظّاهِرَةِ وهي الزُّرُوعُ، والثِّمارُ، والمَواشِي، والمَعادِنُ.

والفَرْقُ أنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ نامِيَةٌ بِنَفْسِها بِخِلافِ الباطِنَةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ كَما تَقَدَّمَ، ودَيْنُ الآدَمِيِّ، ودَيْنُ اللَّهِ عِنْدَهم سَواءٌ في مَنعِ وُجُوبِ الزَّكاةِ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ مَن كانَ لَهُ دَيْنٌ عَلى مَلِيءٍ مُقِرٍّ بِهِ غَيْرِ مُماطِلٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْراجُ زَكاتِهِ حَتّى يَقْبِضَهُ، فَإنْ قَبَضَهُ أدّى زَكاتَهُ فِيما مَضى مِنَ السِّنِينَ.

وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، وقالَ: عُثْمانُ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: عَلَيْهِ إخْراجُ زَكاتِهِ في الحالِ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى قَبْضِهِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، فَإنْ كانَ الدَّيْنُ عَلى مُعْسِرٍ، أوْ جاحِدٍ، أوْ مُماطِلٍ، فَرِوايَتانِ:

إحْداهُما: لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وأهْلِ العِراقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى الِانْتِفاعِ بِهِ.

والثّانِيَةُ: يُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ لِما مَضى، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبِي عُبَيْدٍ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِيِّ: يُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ لِعامٍ واحِدٍ، وهَذا هو قَوْلُ مالِكٍ.

(p-١٤١)وَمَذْهَبُ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، الَّتِي هي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وعُرُوضُ التِّجارَةِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، والحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقَدْ قَدَّمْنا نَحْوَهُ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقالَ رَبِيعَةُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، وقَدْ قَدَّمْناهُ عَنِ الشّافِعِيِّ، في جَدِيدِ قَوْلَيْهِ.

وَأمّا الأمْوالُ الظّاهِرَةُ، وهي السّائِمَةُ، والثِّمارُ، والحُبُوبُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّوايَةُ، عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ فِيها أيْضًا كالأمْوالِ الباطِنَةِ، وعَنْهُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ: يَبْتَدِئُ بِالدَّيْنِ فَيَقْضِيهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ ما بَقِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ إخْراجِ النَّفَقَةِ، فَيُزَكِّي ما بَقِيَ.

وَلا يَكُونُ عَلى أحَدٍ دَيْنُهُ أكْثَرُ مِن مالِهِ صَدَقَةٌ في إبِلٍ، أوْ بَقَرٍ، أوْ غَنَمٍ، أوْ زَرْعٍ، ولا زَكاةٌ، وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، والحَسَنُ، وسُلَيْمانُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ.

وَرُوِيَ أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، وقَدْ قَدَّمْناهُ عَنِ الشّافِعِيِّ في ”الجَدِيدِ“ وهو قَوْلُ مالِكٍ.

إذا عَرَفْتَ أقْوالَ العُلَماءِ في زَكاةِ الدَّيْنِ، وهَلْ هو مانِعٌ مِنَ الزَّكاةِ، فاعْلَمْ أنَّ اخْتِلافَهم في الدَّيْنِ، هَلْ يُزَكّى قَبْلَ القَبْضِ، وهَلْ إذا لَمْ يُزَكِّهِ قَبْلَ القَبْضِ يَكْفِي زَكاةُ سَنَةٍ واحِدَةٍ ؟ ! أوْ لا بُدَّ مِن زَكاتِهِ لِما مَضى مِنَ السِّنِينَ ؟ !

الظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ مِن الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ، هَلِ القُدْرَةُ عَلى التَّحْصِيلِ كالحُصُولِ بِالفِعْلِ، أوْ لا ؟ ! ولا نَعْلَمُ في زَكاةِ الدَّيْنِ نَصًّا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، ولا كَوْنَ الدَّيْنِ مانِعًا مِن وُجُوبِ الزَّكاةِ عَلى المَدِينِ إنْ كانَ يَسْتَغْرِقُ، أوْ يُنْقِصُ النِّصابَ، إلّا آثارًا ورَدَتْ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.

مِنها ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هَذا شَهْرُ زَكاتِكم، فَمَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حَتّى تَحْصُلَ أمْوالُكم فَتُؤَدُّونَ مِنهُ الزَّكاةَ.

وَمِنها ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ أيْضًا عَنْ أيُّوبَ بْنِ أبِي ثَمِيمَةَ السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ (p-١٤٢)عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كَتَبَ في مالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الوُلاةِ ظُلْمًا، يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إلى أهْلِهِ، ويُؤْخَذُ زَكاتُهُ لِما مَضى مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتابٍ ألّا يُؤْخَذَ مِنهُ إلّا زَكاةٌ واحِدَةٌ، فَإنَّهُ كانَ ضِمارًا. اهـ. وهو بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ: غائِبًا عَنْ رَبِّهِ لا يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ ولا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في زَكاةِ المَعادِنِ والرِّكازِ.

اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ إخْراجِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ مِنَ المَعادِنِ في الجُمْلَةِ، لَكِنْ وقَعَ بَيْنَهم الِاخْتِلافُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: لا يَجِبُ في شَيْءٍ مِنَ المَعادِنِ الزَّكاةُ، إلّا الذَّهَبَ والفِضَّةَ خاصَّةً، فَإذا أخْرَجَ مِنَ المَعْدِنِ عِشْرِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ، أوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ، وجَبَ عَلَيْهِ إخْراجُ رُبْعِ العُشْرِ مِن ذَلِكَ مِن حِينِ إخْراجِهِ، ولا يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ كَمَذْهَبِهِما. إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الزَّكاةَ في جَمِيعِ المَعادِنِ مِن ذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وزِئْبَقٍ، ورَصاصٍ، وصُفْرٍ، وحَدِيدٍ، وياقُوتٍ، وزَبَرْجَدٍ، ولُؤْلُؤٍ، وعَقِيقٍ، وسَبَجٍ، وكُحْلٍ، وزُجاجٍ، وزِرْنِيخٍ، ومَغْرَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ المَعادِنُ الجارِيَةُ، كالقارِ، والنِّفْطِ، ونَحْوِهِما، ويُقَوَّمُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أوْ عِشْرِينَ مِثْقالًا، ما عَدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فَجَمِيعُ المَعادِنِ عِنْدَهُ تُزَكّى، واللّازِمُ فِيها رُبْعُ العُشْرِ.

وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلى أنَّ المَعْدِنَ مِن جُمْلَةِ الرِّكازِ، فَفِيهِ عِنْدَهُ الخُمُسُ، وهو عِنْدَهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وما يَنْطَبِعُ كالحَدِيدِ والصُّفْرِ والرَّصاصِ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، ولا يُشْتَرَطُ عِنْدَهُ النِّصابُ في المَعْدِنِ والرِّكازِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِلُزُومِ العُشْرِ في المَعْدِنِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في جَمِيعِ المَعادِنِ، عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ .

وَحُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِها في مَعْدِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَقَطْ: أنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فَلَمْ تَجِبْ في غَيْرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِما دُونَ غَيْرِهِما، واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ: «لا زَكاةَ في حَجَرٍ»، وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ، مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أبِي عُمَرَ الكَلاعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِهِ، وتابَعَهُ عُثْمانُ الوَقّاصِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمِيُّ، كِلاهُما عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وهُما مَتْرُوكانِ. اهـ. وعُمَرُ بْنُ أبِي عُمَرَ الكَلاعِيُّ ضَعِيفٌ، مِن (p-١٤٣)شُيُوخِ بَقِيَّةَ المَجْهُولِينَ، قالَهُ في ”التَّقْرِيبِ“ واحْتَجَّ لِوُجُوبِ الزَّكاةِ في المَعْدِنِ بِما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَطَعَ لِبِلالِ بْنِ الحارِثِ المُزَنِيِّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ، وهي مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ. فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلى اليَوْمِ إلّا الزَّكاةُ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: ورَواهُ أبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مَوْصُولًا، لَيْسَتْ فِيهِ زِيادَةُ: وهي مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ، إلَخْ.

وَقالَ الشّافِعِيُّ: بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ مالِكٍ: لَيْسَ هَذا ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الحَدِيثِ ولَمْ يُثْبِتُوهُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ رِوايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا إقْطاعُهُ، وأمّا الزَّكاةُ دُونَ الخُمُسِ فَلَيْسَتْ مَرْوِيَّةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

وَقالَ البَيْهَقِيُّ: وهو كَما قالَ الشّافِعِيُّ في رِوايَةِ مالِكٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الدَّراوَرْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ، مَوْصُولًا، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنِ الحاكِمِ، والحاكِمُ أخْرَجَهُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ وكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مِن رِوايَةِ الدَّراوَرْدِيِّ، قالَ: ورَواهُ أبُو سَبْرَةَ المَدِينِيُّ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قُلْتُ: أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، مِنَ الوَجْهَيْنِ. اهـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ عَلى الحَدِيثِ المَرْفُوعِ الَّتِي ذَكَرَها مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“، فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلّا الزَّكاةُ إلى اليَوْمِ - مِن نَوْعِ الِاسْتِدْلالِ بِالِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ.

والِاسْتِصْحابُ المَقْلُوبُ: هو الِاسْتِدْلالُ بِثُبُوتِ الأمْرِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ عَلى ثُبُوتِهِ في الزَّمَنِ الماضِي، لِعَدَمِ ما يَصْلُحُ لِلتَّغْيِيرِ مِنَ الأوَّلِ إلى الثّانِي.

قالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“: أمّا ثُبُوتُهُ في الأوَّلِ لِثُبُوتِهِ في الثّانِي فَمَقْلُوبٌ، وقَدْ يُقالُ فِيهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الثّابِتُ اليَوْمَ ثابِتًا أمْسِ لَكانَ غَيْرَ ثابِتٍ، فَيَقْتَضِي اسْتِصْحابَ أمْسِ أنَّهُ الآنَ غَيْرُ ثابِتٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ.

وَقالَ: في ”نَشْرِ البُنُودِ“: وقَدْ يُقالُ في الِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الثّابِتُ اليَوْمَ ثابِتًا أمْسِ لَكانَ غَيْرَ ثابِتٍ أمْسِ؛ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وعَدَمِهِ، فَيَقْتَضِي اسْتِصْحابَ أمْسِ الخالِي عَنِ الثُّبُوتِ فِيهِ، أنَّهُ الآنَ غَيْرُ ثابِتٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مَفْرُوضُ الثُّبُوتِ الآنَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ أمْسِ أيْضًا، ومَثَّلَ لَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ بِالوَقْفِ، إذا جُهِلَ مَصْرِفُهُ ووُجِدَ عَلى حالَةٍ فَإنَّهُ يَجْرِي عَلَيْها؛ لِأنَّ وُجُودَهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ (p-١٤٤)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ في عَقْدِ الوَقْفِ، ومَثَّلَ لَهُ ”المُحَلّى“، بِأنْ يُقالَ في المِكْيالِ المَوْجُودِ: كانَ عَلى عَهْدِهِ ﷺ، بِاسْتِصْحابِ الحالِ في الماضِي، ووَجْهُهُ في المَسْألَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها؛ أنَّ لَفْظَ: فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلّا الزَّكاةُ إلى اليَوْمِ يَدُلُّ بِالِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ أنَّها كانَتْ كَذَلِكَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ ما يَصْلُحُ لِلتَّغْيِيرِ كَما ذَكَرْنا.

وَقَدْ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى مَسْألَةِ الِاسْتِصْحابِ المَذْكُورِ في ”كِتابِ الِاسْتِدْلالِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]

؎وَرَجَّحَنَّ كَوْنَ الِاسْتِصْحابِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ مِن ذا البابِ بَعْدَ قُصارى البَحْثِ

؎عَنْ نَصٍّ فَلَمْ يُلْفَ وهَذا ∗∗∗ البَحْثُ وفْقًا مُنْحَتِمْ

إلى أنْ قالَ، وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ: [ الرَّجَزِ ]

؎وَما بِماضٍ مُثْبِتٍ لِلْحالِ ∗∗∗ فَهو مَقْلُوبٌ وعَكْسُ الخالِي

؎كَجَرْيِ ما جُهِلَ فِيهِ المَصْرِفُ ∗∗∗ عَلى الَّذِي الآنَ لِذاكَ يُعْرَفُ

وَأمّا الرِّكازُ: فَفِيهِ الخُمُسُ بِلا نِزاعٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأصْحابُ السُّنَنِ، والإمامُ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرِّكازِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورٌ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، إلى أنَّ الرِّكازَ هو دَفْنُ الجاهِلِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلى المَعادِنِ اسْمُ الرِّكازِ.

واحْتَجُّوا بِما جاءَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضًا مِنهُ آنِفًا؛ فَإنَّ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ»، فَفَرَّقَ بَيْنَ المَعْدِنِ والرِّكازِ بِالعَطْفِ المُقْتَضِي لِلْمُغايَرَةِ.

وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وغَيْرُهُما إلى أنَّ المَعْدِنَ رِكازٌ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الرِّكازُ ؟ قالَ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ المَخْلُوقانِ في الأرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ»، ورَدَّهُ الجُمْهُورُ بِأنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: رَواهُ: البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وتابَعَهُ حِبّانُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، (p-١٤٥)وَعَبْدُ اللَّهِ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وحِبّانُ ضَعِيفٌ.

وَأصْلُ الحَدِيثِ ثابِتٌ في ”الصِّحاحِ“، وغَيْرِها بِدُونِ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ في ”الجَدِيدِ“: يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ الخُمُسِ في الرِّكازِ أنْ يَكُونَ ذَهَبًا، أوْ فِضَّةً دُونَ غَيْرِهِما، وخالَفَهُ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَ في تَحْصِيلِ المَعْدِنِ مَشَقَّةٌ فَفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وإنْ كانَ لا مَشَقَّةَ فِيهِ فالواجِبُ فِيهِ الخُمُسُ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

9:35Page 192

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

No commentary for this ayah

9:36Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

No commentary for this ayah

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

No commentary for this ayah

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

No commentary for this ayah

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

No commentary for this ayah

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ الآيَةَ.

لا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّشْدِيدِ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ رَفْعَ هَذا التَّشْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩١]، فَهي ناسِخَةٌ لَها.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى لُزُومِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .

والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ مَنسُوخَةٌ بِآياتٍ العُذْرِ المَذْكُورَةِ، وهَذا المَوْضِعُ مِن أمْثِلَةِ ما نُسِخَ فِيهِ النّاسِخُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ناسِخٌ لِآياتِ الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ وهو مَنسُوخٌ بِآياتِ العُذْرِ، كَما ذَكَرْنا آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

No commentary for this ayah

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

No commentary for this ayah

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

No commentary for this ayah

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

No commentary for this ayah

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

No commentary for this ayah

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

No commentary for this ayah

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

No commentary for this ayah

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

No commentary for this ayah

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

No commentary for this ayah

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

No commentary for this ayah

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

No commentary for this ayah

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

No commentary for this ayah

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

No commentary for this ayah

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

No commentary for this ayah

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

No commentary for this ayah

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

No commentary for this ayah

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

No commentary for this ayah

9:59Page 196

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском