Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Фатиха 1:7, продолжение
واخْتَلَفُوا أيْضًا في حَرَكَةِ مِيمِ ضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ المُذَكَّرِ في الوَصْلِ إذا وقَعَتْ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ فالجُمْهُورُ قَرَءُوا (﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) بِسُكُونِ المِيمِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وقالُونُ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمَّةٍ مُشَبَّعَةٍ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُو“، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وعَلَيْها قَوْلُ لَبِيدٍ:
وهُمُو فَوارِسُها وهم حُكّامُها
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ بِضَمِّ المِيمِ وإشْباعِها إذا وقَعَ بَعْدَ المِيمِ هَمْزٌ دُونَ نَحْوِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وأجْمَعَ الكُلُّ عَلى إسْكانِ المِيمِ في الوَقْفِ.
* * *
صفحة ٢٠١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَقَرَةِ
كَذا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ البَقَرَةِ في المَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وما جَرى في كَلامِ السَّلَفِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ كَفَتاهُ» وفِيهِ «عَنْ عائِشَةَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ البَقَرَةِ في الرِّبا قَرَأهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قامَ فَحَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ» . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ البَقَرَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِذَبْحِها لِتَكُونَ آيَةً ووَصَفَ سُوءَ فَهْمِهِمْ لِذَلِكَ، وهي مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ بِذِكْرِهِ، وعِنْدِي أنَّها أُضِيفَتْ إلى قِصَّةِ البَقَرَةِ تَمْيِيزًا لَها عَنِ السُّورِ ال، الم، مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لِأنَّهم كانُوا رُبَّما جَعَلُوا تِلْكَ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ أسْماءً لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ هي فِيها وعَرَّفُوها بِها نَحْوَ: طه، ويس، وص، وفي الِاتِّفاقِ عَنِ المُسْتَدْرَكِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «إنَّها سَنامُ القُرْآنِ»، وسَنامُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاهُ وهَذا لَيْسَ عَلَمًا لَها ولَكِنَّهُ وصْفُ تَشْرِيفٍ.
وكَذَلِكَ قَوْلُ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ إنَّها فُسْطاطُ القُرْآنِ والفُسْطاطُ ما يُحِيطُ بِالمَكانِ لِإحاطَتِها بِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ.
نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ بِالمَدِينَةِ بِالِاتِّفاقِ وهي أوَّلُ ما نَزَلَ في المَدِينَةِ وحَكى ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ، وقِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قَبْلَها بِناءً عَلى أنَّ سُورَةَ المُطَفِّفِينَ مَدَنِيَّةٌ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ فِيها فَرْضُ الصِّيامِ، والصِّيامُ فُرِضَ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ، فُرِضَ فِيها صَوْمُ عاشُوراءَ ثُمَّ فُرِضَ صِيامُ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ صامَ سَبْعَ رَمَضاناتٍ أوَّلُها رَمَضانُ مِنَ العامِ الثّانِي مِنَ الهِجْرَةِ. فَتَكُونُ سُورَةُ البَقَرَةِ نَزَلَتْ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ في أواخِرِها أوْ في الثّانِيَةِ. وفي البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ إلّا وأنا عِنْدَهُ تَعْنِي النَّبِيءَ» ﷺ - وكانَ بِناءُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى عائِشَةَ في شَوّالٍ مِنَ السَّنَةِ الأُولى لِلْهِجْرَةِ. وقِيلَ في أوَّلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها مَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ فَتُوُفِّيَ وهي بِنْتُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً وبَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، إلّا أنَّ اشْتِمالَ سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى أحْكامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وعَلى أحْكامِ القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَرامِ يُنْبِئُ بِأنَّها اسْتَمَرَّ نُزُولُها إلى سَنَةِ خَمْسٍ وسَنَةِ سِتٍّ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ آيَةِ ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
صفحة ٢٠٢
وقَدْ يَكُونُ مُمْتَدًّا إلى ما بَعْدَ سَنَةِ ثَمانٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآياتِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣] عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآيَةَ هو آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ أنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ نُزُولُ السُّورَةِ فَتَنْزِلُ في أثْناءِ مُدَّةِ نُزُولِها سُوَرٌ أُخْرى.
وقَدْ عُدَّتْ سُورَةُ البَقَرَةِ السّابِعَةَ والثَّمانِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وقَبْلَ آلِ عِمْرانَ.
وإذْ قَدْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ عَهْدٍ بِإقامَةِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ واسْتِقْلالِ أهْلِ الإسْلامِ بِمَدِينَتِهِمْ كانَ مِن أوَّلِ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ مِن أنْ تَخْتَلِطَ بِعَناصِرَ مُفْسِدَةٍ لِما أقامَ اللَّهُ لَها مِنَ الصَّلاحِ سَعْيًا لِتَكْوِينِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِن شَوائِبِ الدَّجَلِ والدَّخَلِ.
وإذْ كانَتْ أوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَقَدْ عُنِيَ بِها الأنْصارُ وأكَبُّوا عَلى حِفْظِها، يَدُلُّ لِذَلِكَ ما جاءَ في السِّيرَةِ أنَّهُ «لَمّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْعَبّاسِ اصْرُخْ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا أهْلَ السَّمُرَةِ يَعْنِي شَجَرَةَ البَيْعَةِ في الحُدَيْبِيَةِ يا أهْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ الأنْصارُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أبْشِرْ» .
وفِي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ إنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُها، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: كانَ نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ فَقَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَدَّ إلى آخِرِ القِصَّةِ.
وعَدَدُ آيِها مِائَتانِ وخَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ، وسِتٌّ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ، وسَبْعٌ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالبَصْرَةِ.
* * *
صفحة ٢٠٣
هَذِهِ السُّورَةُ مُتَرامِيَةٌ أطْرافُها، وأسالِيبُها ذاتُ أفْنانٍ. قَدْ جَمَعَتْ مِن وشائِجِ أغْراضِ السُّوَرِ ما كانَ مِصْداقًا لِتَلْقِيبِها فُسْطاطَ القُرْآنِ. فَلا تَسْتَطِيعُ إحْصاءَ مُحْتَوَياتِها بِحُسْبانٍ، وعَلى النّاظِرِ أنْ يَتَرَقَّبَ تَفاصِيلَ مِنها فِيما يَأْتِي لَنا مِن تَفْسِيرِها، ولَكِنَّ هَذا لا يُحْجِمُ بِنا عَنِ التَّعَرُّضِ إلى لائِحاتٍ مِنها، وقَدْ حِيكَتْ بِنَسْجِ المُناسَباتِ والِاعْتِباراتِ البَلاغِيَّةِ مِن لُحْمَةٍ مُحْكَمَةٍ في نَظْمِ الكَلامِ، وسُدًى مَتِينٍ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ.
ومُعْظَمُ أغْراضِها يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُثْبِتُ سُمُوَّ هَذا الدِّينِ عَلى ما سَبَقَهُ وعُلُوَّ هَدْيِهِ وأُصُولَ تَطْهِيرِهِ النُّفُوسَ، وقِسْمٌ يُبَيِّنُ شَرائِعَ هَذا الدِّينِ لِأتْباعِهِ وإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ.
وكانَ أُسْلُوبُها أحْسَنَ ما يَأْتِي عَلَيْهِ أُسْلُوبٌ جامِعٌ لِمَحاسِنِ الأسالِيبِ الخِطابِيَّةِ، وأسالِيبِ الكُتُبِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وأسالِيبِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، يَتَجَدَّدُ بِمِثْلِهِ نَشاطُ السّامِعِينَ بِتَفَنُّنِ الأفانِينِ، ويَحْضُرُ لَنا مِن أغْراضِها أنَّها ابْتُدِئَتْ بِالرَّمْزِ إلى تَحَدِّي العَرَبِ المُعانِدِينَ تَحَدِّيًا إجْمالِيًّا بِحُرُوفِ التَّهَجِّي المُفْتَتَحِ بِها رَمْزًا يَقْتَضِي اسْتِشْرافَهم لِما يَرِدُ بَعْدَهُ وانْتِظارَهم لِبَيانِ مَقْصِدِهِ، فَأعْقَبَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ فَتَحَوَّلَ الرَّمْزُ إيماءً إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ الرَّمْزِ لَهُ أشَدُّ وقْعٍ عَلى نُفُوسِهِمْ فَتَبْقى في انْتِظارِ ما يَتَعَقَّبُهُ مِن صَرِيحِ التَّعْجِيزِ الَّذِي سَيَأْتِي بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ. فَعَدَلَ بِهِمْ إلى ذاتِ جِهَةِ التَّنْوِيهِ بِفائِقِ صِدْقِ هَذا الكِتابِ وهَدْيِهِ، وتَخَلَّصَ إلى تَصْنِيفِ النّاسِ تُجاهَ تَلَقِّيهِمْ هَذا الكِتابِ وانْتِفاعِهِمْ بِهَدْيِهِ أصْنافًا أرْبَعَةً (وكانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ صِنْفَيْنِ) بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ التَّلَقِّي.
وإذْ قَدْ كانَ أخَصُّ الأصْنافِ انْتِفاعًا بِهَدْيِهِ هُمُ المُؤْمِنِينَ بِالغَيْبِ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يَعْنِي المُسْلِمِينَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ أشَدُّ الأصْنافِ عِنادًا وحِقْدًا صِنْفا المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءِ والمُنافِقِينَ لُفَّ الفَرِيقانِ لَفًّا واحِدًا فَقُورِعُوا بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ، ثُمَّ خَصَّ بِالإطْنابِ صِنْفَ أهْلِ النِّفاقِ تَشْوِيهًا لِنِفاقِهِمْ وإعْلانًا لِدَخائِلِهِمْ ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ، ثُمَّ كانَ خاتِمَةُ ما قُرِعَتْ بِهِ أُنُوفُهم صَرِيحَ التَّحَدِّي الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ بَدْءًا تَحَدِّيًا يُلْجِئُهم إلى الِاسْتِكانَةِ. ويُخْرِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ التَّطاوُلِ والإبانَةِ، ويُلْقِي في قَراراتِ أنْفُسِهِمْ مَذَلَّةَ الهَزِيمَةِ وصِدْقَ الرَّسُولِ الَّذِي تَحَدّاهم، فَكانَ ذَلِكَ مِن رَدِّ
صفحة ٢٠٤
العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فاتَّسَعَ المَجالُ لِدَعْوَةِ المُنْصِفِينَ إلى عِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَهم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما في الأرْضِ جَمِيعًا.
وتَخَلَّصَ إلى صِفَةِ بَدْءِ خَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ في ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهم بِالخَلْقِ الأوَّلِ قَبْلَ أنْ تُوجَدَ أصْنامُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها مِن صالِحِي قَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم، ومِنَّةً عَلى النَّوْعِ بِتَفْضِيلِ أصْلِهِمْ عَلى مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ، وبِمَزِيَّتِهِ بِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى وكَيْفَ نَشَأتْ عَداوَةُ الشَّيْطانِ لَهُ ولِنَسْلِهِ، لِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِاتِّهامِ شَهَواتِها ولِمُحاسَبَتِها عَلى دَعَواتِها.
فَهَذِهِ المِنَّةُ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها كانَتْ مُناسِبَةً لِلتَّخَلُّصِ إلى مِنَّةٍ عُظْمى تَخُصُّ الفَرِيقَ الرّابِعَ وهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ هم أشَدُّ النّاسِ مُقاوَمَةً لِهُدى القُرْآنِ، وأنْفَذُ الفِرَقِ قَوْلًا في عامَّةِ العَرَبِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ هم أهْلُ العِلْمِ ومَظِنَّةُ اقْتِداءِ العامَّةِ لَهم مِن قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] الآياتِ، فَأطْنَبَ في تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ وأيّامِهِ لَهم، ووَصَفَ ما لاقَوْا بِهِ نِعَمَهُ الجَمَّةَ مِنَ الِانْحِرافِ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ انْحِرافًا بَلَغَ بِهِمْ حَدَّ الكُفْرِ وذَلِكَ جامِعٌ لِخُلاصَةِ تَكْوِينِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ وجامِعَتُهم في عَهْدِ مُوسى، ثُمَّ ما كانَ مِن أهَمِّ أحْداثِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَفَوْا مُوسى إلى أنْ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الإسْلامِ بِالحَسَدِ والعَداوَةِ حَتّى عَلى المَلَكِ جِبْرِيلَ، وبَيانِ أخْطائِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْقِي في النُّفُوسِ شَكًّا في تَأهُّلِهِمْ لِلِاقْتِداءِ بِهِمْ. وذَكَرَ مِن ذَلِكَ نَمُوذَجًا مِن أخْلاقِهِمْ مِن تَعَلُّقِ الحَياةِ ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ومُحاوَلَةُ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَخْ وأذى النَّبِيءِ بِمُوَجَّهِ الكَلامِ ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ثُمَّ قُرِنَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ في قَرْنِ حَسَدِهِمُ المُسْلِمِينَ والسُّخْطِ عَلى الشَّرِيعَةِ الجَدِيدَةِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، ثُمَّ ما أُثِيرَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وادِّعاءُ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ هو المُحِقُّ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] إلى يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ خُصَّ المُشْرِكُونَ بِأنَّهم أظْلَمُ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ لِأنَّهم مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وسَعَوْا بِذَلِكَ في خَرابِهِ وأنَّهم تَشابَهُوا في ذَلِكَ هم واليَهُودُ والنَّصارى واتَّحَدُوا في كَراهِيَةِ الإسْلامِ.
وانْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى فَضائِلِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبانِيهِ، ودَعْوَتِهِ لِذُرِّيَّتِهِ بِالهُدى
صفحة ٢٠٥
والِاحْتِرازِ عَنْ إجابَتِها في الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم، وأنَّ الإسْلامَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهو التَّوْحِيدُ، وأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لَيْسَتا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وأنَّ مِن ذَلِكَ الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ آيَةً عَلى أنَّ الإسْلامَ هو القائِمُ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ، وذِكْرِ شَعائِرِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، وإبْكاتِ أهْلِ الكِتابِ في طَعْنِهِمْ عَلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وأنَّ العِنايَةَ بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ أجْدَرُ مِنَ العِنايَةِ بِاسْتِقْبالِ الجِهاتِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وذُكِّرُوا بِنَسْخِ الشَّرائِعِ لِصَلاحِ الأُمَمِ وأنَّهُ لا بِدَعَ في نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ بِما هو خَيْرٌ مِنهُما.
ثُمَّ عادَ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِآثارِ صَنْعَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ، ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في يَوْمٍ يَتَبَرَّءُونَ فِيهِ مِن قادَتِهِمْ، وإبْطالِ مَزاعِمِ دِينِ الفَرِيقَيْنِ في مُحَرَّماتٍ مِنَ الأكْلِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقَدْ كَمَّلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ صِنْفٍ مِنَ النّاسِ قَلِيلٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا الإسْلامَ ولَكِنَّهم أظْهَرُوا مَوَدَّةَ المُسْلِمِينَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤] ولَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأبْدَعِ بَيانٍ وأوْضَحِ بُرْهانٍ، انْتَقَلَ إلى قِسْمِ تَشْرِيعاتِ الإسْلامِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ثُمَّ تَفْصِيلًا: القِصاصُ، الوَصِيَّةُ، الصِّيامُ، الِاعْتِكافُ، الحَجُّ، الجِهادُ، ونِظامُ المُعاشَرَةِ والعائِلَةُ، المُعامَلاتُ المالِيَّةُ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّدَقاتُ، والمُسْكِراتُ، واليَتامى، والمَوارِيثُ، والبُيُوعُ والرِّبا، والدُّيُونُ، والإشْهادُ، والرَّهْنُ، والنِّكاحُ، وأحْكامُ النِّساءِ، والعِدَّةُ، والطَّلاقُ، والرَّضاعُ، والنَّفَقاتُ، والأيْمانُ. وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالدُّعاءِ المُتَضَمِّنِ لِخَصائِصِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ وذَلِكَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فَكانَ هَذا الخِتامُ تَذْيِيلًا وفَذْلَكَةً ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآياتِ.
وكانَتْ في خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ أغْراضٌ شَتّى سَبَقَتْ في مَعْرِضِ الِاسْتِطْرادِ في مُتَفَرِّقِ المُناسَباتِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ القارِئِ والسّامِعِ، كَما يُسْفِرُ وجْهُ الشَّمْسِ إثْرَ نُزُولِ الغُيُوثِ الهَوامِعِ، وتَخْرُجُ بَوادِرُ الزَّهْرِ عَقِبَ الرُّعُودِ القَوارِعِ، مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ورَحْمَتِهِ وسَماحَةِ الإسْلامِ، وضَرْبِ أمْثالٍ أوْ كَصَيِّبٍ واسْتِحْضارِ نَظائِرَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤]
صفحة ٢٠٦
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ، ومَعانِي الإيمانِ والإسْلامِ، وتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ١٥٣] والكَمالاتِ الأصْلِيَّةِ، والمَزايا التَّحْسِينِيَّةِ، وأخْذِ الأعْمالِ والمَعانِي مِن حَقائِقِها وفَوائِدِها لا مِن هَيْئاتِها، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُصْطَلَحاتِ إذا لَمْ تَرْمِ إلى غاياتٍ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ونِظامِ المُحاجَّةِ، وأخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والرُّسُلِ وتَفاضُلِهِمْ، واخْتِلافِ الشَّرائِعِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии