Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Юнус 10:23–27
10:23Страница 211
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
Когда же Он спасает их, они бесчинствуют на земле без всякого права на то. О люди! Ваши бесчинства обернутся против вас самих. Это - преходящее наслаждение мирской жизнью. Потом Вы возвратитесь к Нам, и Мы поведаем вам о том, что вы совершали.
﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ.
وافْتُتِحَ الخِطابُ بـِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ لِاسْتِصْغاءِ أسْماعِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ ثُمَّ تَهْدِيدُهم.
وصِيغَةُ قَصْرِ البَغْيِ عَلى الكَوْنِ مُضِرًّا بِهِمْ كَما هو مُفادُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَنْبِيهً عَلى حَقِيقَةٍ واقِعِيَّةٍ ومَوْعِظَةٍ لَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ لِرَعْيِ صَلاحِهِمْ لا لِأنَّهم يَضُرُّونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩] . فَمَعْنى عَلى الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ المُكَنّى بِهِ عَنِ الإضْرارِ لِأنَّ المُسْتَعْلِي الغالِبُ يَضُرُّ بِالمَغْلُوبِ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولُوا: هَذا الشَّيْءُ عَلَيْكَ، وفي ضِدِّهِ: هَذا الشَّيْءُ لَكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] . ويَقُولُ المُقِرُّ: لَكَ عَلَيَّ كَذا. وقالَ تَوْبَةُ بْنُ الحُمَيِّرِ.
وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها
وقالَ السَّمَوْألُ اليَهُودِيُّ:
ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وذَلِكَ أنَّ عَلى تَدُلُّ عَلى الإلْزامِ والإيجابِ، واللّامُ تَدَلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ. وفي الحَدِيثِ «والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ» .
فالمُرادُ بِالأنْفُسِ أنْفُسُ الباغِينَ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ بَيْنَ أفْرادِ مُعادِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: بَغْيُكم وبَيْنَ أفْرادِ الأنْفُسِ، كَما في قَوْلِهِمْ ”رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم“ أيْ،
صفحة ١٤٠
رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ دابَّتَهُ. فالمَعْنى إنَّما بَغْيُ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ لا يَضُرُّ إلّا بِنَفْسِ المُشْرِكِ بِاخْتِلالِ تَفْكِيرِهِ وعَمَلِهِ ثُمَّ بِوُقُوعِهِ في العَذابِ.
ومَتاعُ مَرْفُوعٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن بَغْيُكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلْبَغْيِ؛ لِأنَّ البَغْيَ مَصْدَرٌ مُشْتَقُّ فَهو كالفِعْلِ فَنابَ المَصْدَرُ عَنِ الظَّرْفِ بِإضافَتِهِ إلى ما فِيهِ مَعْنى المُدَّةِ. وتَوْقِيتُ البَغْيِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فالمَعْنى أنَّهُ أمْهَلَكم إمْهالًا طَوِيلًا فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ فَلا تَحْسَبُونَ الإمْهالَ رِضًى بِفِعْلِكم ولا عَجْزًا وسَيُؤاخِذُكم بِهِ في الآخِرَةِ. وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ وُجُوهٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا غَيْرَ دائِمٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والمَعْنى عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أيْ أمْهَلْناكم عَلى إشْراكِكم مُدَّةَ الحَياةِ لا غَيْرَ ثُمَّ نُؤاخِذُكم عَلى بَغْيِكم عِنْدَ مَرْجِعِكم إلَيْنا.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ عُطِفَتْ بـِ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أصْرَحُ تَهْدِيدًا مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ تَرْجِعُونَ إلَيْنا لا إلى غَيْرِنا تَنْزِيلًا لِلْمُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى غَيْرِ اللَّهِ لِأنَّ حالَهم في التَّكْذِيبِ بِآياتِهِ والإعْراضِ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ كَحالِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يُحْشَرُ إلى الأصْنامِ وإنْ كانَ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ مِن أصْلِهِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ تَفْرِيعُ وعِيدٍ عَلى تَهْدِيدٍ. واسْتُعْمِلَ الإنْباءُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ لِأنَّ الإنْباءَ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، والقادِرُ إذا عَلِمَ بِسُوءِ صَنِيعِ عَبْدِهِ لا يَمْنَعُهُ مِن عِقابِهِ مانِعٌ. وفي ذِكْرِ كُنْتُمْ والفِعْلِ المُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى تَكَرُّرِ عَمَلِهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم. والوَعِيدُ الَّذِي جاءَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ في شَأْنِ أعْظَمِ البَغْيِ فَكانَ لِكُلِّ آتٍ مِنَ البَغْيِ بِنَصِيبٍ حَظٌّ مِن هَذا الوَعِيدِ.
10:24Страница 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
Мирская жизнь подобна воде, которую Мы ниспосылаем с неба и благодаря которой (или с которой) смешиваются земные растения, идущие в пищу людям и животным. Когда же земля покрывается убранством и приукрашается, а ее жители полагают, что они властны над ней, Наше повеление постигает ее ночью или днем. Мы превращаем ее в жнивье, словно еще вчера она не изобиловала. Так Мы разъясняем знамения для людей размышляющих.
صفحة ١٤١
﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْنَها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٣] المُؤْذِنَةِ بِأنَّ تَمَتُّعَهم بِالدُّنْيا ما هو إلّا لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ التَّمَتُّعَ صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأطْنَبَتْ فَشَبَّهَتْ هَيْئَةَ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا لِأصْحابِها بِهَيْئَةِ الزَّرْعِ في نَضارَتِهِ ثُمَّ في مَصِيرِهِ إلى الحَصْدِ.
والمَثَلُ: الحالُ الماثِلَةُ عَلى هَيْئَةٍ خاصَّةٍ، كانَ التَّشْبِيهُ هُنا تَشْبِيهَ حالَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِحالَةٍ مُرَكَّبَةٍ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ المَثَلِ الَّذِي شاعَ في التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ لِتَأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو سُرْعَةُ الِانْقِضاءِ. ولِتَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ دَوامَ بَهْجَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِأنَّ حالَهم في الِانْكِبابِ عَلى نَعِيمِ الدُّنْيا كَحالِ مَن يَحْسَبُ دَوامَهُ ويُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهُ انْقِضاءٌ سَرِيعٌ ومُفاجِئٌ. والمَعْنى: قَصْرُ حالَةِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى مُشابَهَةِ حالَةِ النَّباتِ المَوْصُوفِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بُنِيَ عَلى تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ عَكْسَ تِلْكَ الحالَةِ.
شُبِّهَتْ حالَةُ الحَياةِ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وزَوالِ نَعِيمِها بَعْدَ البَهْجَةِ بِهِ وتَزايُدِ نَضارَتِها بِحالِ نَباتِ الأرْضِ في ذَهابِهِ حُطامًا ومَصِيرِهِ حَصِيدًا.
ومِن بَدِيعِ هَذا التَّشْبِيهِ تَضَمُّنُهُ لِتَشْبِيهاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن أطْوارِ الحالَيْنِ المُتَشابِهَيْنِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ كُلُّ جُزْءٍ مِن هَذا التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لِتَشْبِيهِ جُزْءٍ مِنَ الحالَيْنِ المُتَشابِهَيْنِ، ولِذَلِكَ أطْنَبَ وصْفَ الحالَيْنِ مِنِ ابْتِدائِهِ.
صفحة ١٤٢
فَقَوْلُهُ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ شَبَّهَ بِهِ ابْتِداءَ أطْوارِ الحَياةِ مِن وقْتِ الصِّبا إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ سِوى الأمَلِ في نَعِيمِ العَيْشِ ونَضارَتِهِ، فَذَلِكَ الأمَلُ يُشْبِهُ حالَ نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ في كَوْنِهِ سَبَبَ ما يُؤَمَّلُ مِنهُ مِن زُخْرُفِ الأرْضِ ونَضارَتِها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ شَبَّهَ بِهِ طَوْرَ ابْتِداءِ نَضارَةِ العَيْشِ وإقْبالِ زَهْرَةِ الحَياةِ، فَذَلِكَ يُشْبِهُ خُرُوجَ الزَّرْعِ بُعَيْدَ المَطَرِ فِيما يُشاهَدُ مِن بِوارِقِ المَأْمُولِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ ظُهُورِ النَّباتِ عَقِبَ المَطَرِ فَيُؤْذَنُ بِسُرْعَةِ نَماءِ الحَياةِ في أوَّلِ أطْوارِها. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاخْتِلاطِ بِالماءِ بِحَيْثُ ظَهَرَ قَبْلَ جَفافِ الماءِ، أيْ فاخْتَلَطَ النَّباتُ بِالماءِ أيْ جاوَرَهُ وقارَنَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ وصْفٌ لِنَباتِ الأرْضِ الَّذِي مِنهُ أصْنافٌ يَأْكُلُها النّاسُ مِنَ الخَضْراواتِ والبُقُولِ، وأصْنافٌ تَأْكُلُها الأنْعامُ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ، وذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ ما يُنَعَّمُ بِهِ النّاسُ في الحَياةِ مِنَ اللَّذّاتِ وما يُنَعَّمُ بِهِ الحَيَوانُ، فَإنَّ لَهُ حَظًّا في نَعِيمِ الحَياةِ بِمِقْدارِ نِطاقِ حَياتِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ تَضَمَّنَ المَأْكُولَ والآكِلَ صَحَّ أنْ تُشَبَّهَ بِهِ رَغَباتُ النّاسِ في تَناوُلِ لَذائِذِ الحَياةِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ مَراتِبِ الهِمَمِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ مَعالِي الأُمُورِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا الَّتِي تَسْمُو إلَيْها الهِمَمُ العَوالِي بِالنَّباتِ الَّذِي يَقْتاتُهُ النّاسُ، وتَشْبِيهَ سَفاسِفِ الأُمُورِ بِالنَّباتِ الَّذِي يَأْكُلُهُ الأنْعامُ، ويَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الَّذِينَ يَجْنَحُونَ إلى تِلْكَ السَّفاسِفِ بِالأنْعامِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢]
والقَوْلُ في ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢]، وهو غايَةٌ شُبِّهَ بِها بُلُوغُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ الدُّنْيا إلى أقْصاهُ ونُضُوجِهِ وتَمامِهِ وتَكاثُرِ أصْنافِهِ وانْهِماكِ النّاسِ في تَناوُلِها ونِسْيانِهِمُ المَصِيرَ إلى الفَناءِ.
وأمْرُ اللَّهِ: تَقْدِيرُهُ وتَكْوِينُهُ. وإتْيانُهُ: إصابَةُ تِلْكَ الأرْضِ بِالجَوائِحِ المُعَجَّلَةِ لَها بِاليُبْسِ والفَناءِ.
صفحة ١٤٣
وفِي مَعْنى الغايَةِ المُسْتَفادِ مِن حَتّى ما يُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ مَبْدَأِ ظُهُورِ لَذّاتِ الحَياةِ وبَيْنَ مُنْتَهاها مَراتِبَ جَمَّةً وأطْوارًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ طُوِيَ في مَعْنى حَتّى
وقَوْلُهُ: ﴿لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ تَرْدِيدٌ في الوَقْتِ لِإثارَةِ التَّوَقُّعِ مِن إمْكانِ زَوالِ نَضارَةِ الحَياةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُوَقَّتَ بِمُعَيَّنٍ مِنَ التَّوْقِيتِ يَكُونُ النّاسُ في أمْنٍ مِن حُلُولِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ.
والزُّخْرُفُ: اسْمُ الذَّهَبِ. وأُطْلِقَ عَلى ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمّا فِيهِ ذَهَبٌ وتَلْوِينٌ مِنَ الثِّيابِ والحُلِيِّ.
وإطْلاقُ أخْذِ الأرْضِ زُخْرُفَها عَلى حُصُولِ الزِّينَةِ فِيها اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. شُبِّهَتِ الأرْضُ بِالمَرْأةِ حِينَ تُرِيدُ التَّزَيُّنَ فَتُحْضِرُ فاخِرَ ثِيابِها مِن حُلِيٍّ وألْوانٍ. والعَرَبُ يُطْلِقُونَ عَلى ذَلِكَ التَّناوُلِ اسْمَ الأخْذِ، قالَ - تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقالَ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ:
وخُذِي مَلابِسَ زِينَةٍ ومُصَبَّغاتٍ وهْيَ أفْخَرُ
وذُكِرَ (ازَّيَّنَتْ) عَقِبَ زُخْرُفَها تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ تَأْخُذُ زُخْرُفَها لِلتَّزَيُّنِ.
و(ازَّيَّنَتْ) أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَقُلِبَتِ التّاءُ زايًا لِتُدْغَمَ في الزّايِ فَسُكِّنَتْ وأُدْغِمَتْ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِأجْلِ النُّطْقِ بِالسّاكِنِ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ إشارَةً لِإدارَةِ الِاسْتِئْصالِ فَهو يُنْذِرُ بِالتَّهْدِيدِ لِلْكافِرِينَ ويَجْعَلُ التَّمْثِيلَ أعْلَقَ بِحَياتِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] لا سِيَّما وقَدْ ضُرِبَ هَذا المَثَلُ لِتَمَتُّعِ الكافِرِينَ بِبَغْيِهِمْ وإمْهالِهِمْ عَلَيْهِ، ويَزِيدُ تِلْكَ الإشارَةَ وُضُوحًا قَوْلُهُ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ المُؤْذِنُ بِأنَّ أهْلَها مَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الإصابَةِ.
ومَعْنى ﴿أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها مُحَصِّلُونَ لِثَمَراتِها، فَأطْلَقَ عَلى التَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفاعِ ودَوامِهِ لَفْظَ القُدْرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.
صفحة ١٤٤
والحَصِيدُ: المَحْصُودُ، وهو الزَّرْعُ المَقْطُوعُ مِن مَنابِتِهِ. والإخْبارُ عَنِ الأرْضِ بِحَصِيدٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما المَحْصُودُ نَباتُها. ومَعْنى ﴿لَمْ تَغْنَ﴾ لَمْ تَعْمُرْ، أيْ لَمْ تَعْمُرْ بِالزَّرْعِ. يُقالُ: غَنِيَ المَكانُ إذا عَمَرَ. ومِنهُ المَغْنى لِلْمَكانِ المَأْهُولِ. وضِدَّ أغْنى أقْفَرَ المَكانُ.
والباءُ بِالأمْسِ لِلظَّرْفِيَّةِ. والأمْسُ: اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ. واللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِتَمْلِيَةِ اللَّفْظِ مِثْلَ الَّتِي في كَلِمَةِ الآنَ. والمُرادُ بِالأمْسِ في الآيَةِ مُطْلَقُ الزَّمَنِ الَّذِي مَضى لِأنَّ أمْسَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ما مَضى مِنَ الزَّمانِ، كَما يُسْتَعْمَلُ الغَدُ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ واليَوْمُ في مَعْنى الحالِ. وجَمَعَها قَوْلُ زُهَيْرٍ:
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأعراف: ٣٢] إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ جامِعٌ، أيْ مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ أيْ نُبَيِّنُ الدَّلالاتِ كُلَّها الدّالَّةَ عَلى عُمُومِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ. فَهَذِهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ المُبِيَّنَةِ وهي واحِدَةٌ مِن عُمُومِ الآياتِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
واللّامُ في ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لامُ الأجَلِ.
والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ والنَّظَرُ، وهو تَفَعُّلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الفِكْرِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالآياتِ لَيْسُوا مِن أهْلِ التَّفَكُّرِ ولا كانَ تَفْصِيلُ الآياتِ لِأجْلِهِمْ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ.
10:25Страница 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
Аллах призывает к Обители мира и благополучия и наставляет на прямой путь тех, кого пожелает.
﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، أيْ نُفَصِّلُ الآياتِ الَّتِي مِنها آيَةُ حالَةِ الدُّنْيا وتَقَضِّيها، ونَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ دارِ الخُلْدِ. ولَمّا كانَتْ جُمْلَةُ
صفحة ١٤٥
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [يونس: ٢٤] تَذْيِيلًا وكانَ شَأْنُ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ كامِلًا جامِعًا مُسْتَقِلًّا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها مِثْلَها في الِاسْتِقْلالِ فَعُدِلَ فِيها عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ إذْ وُضِعَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ مَوْضِعَ نَدْعُو لِأنَّ الإضْمارَ في الجُمْلَةِ يَجْعَلُها مُحْتاجَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها المُعادُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَدْعُو“ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ. والدَّعْوَةُ هي: الطَّلَبُ والتَّحْرِيضُ. وهي هُنا أوامِرُ التَّكْلِيفِ ونَواهِيهِ.
ودارُ السَّلامِ: الجَنَّةُ، قالَ - تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهِدايَةُ: الدَّلالَةُ عَلى المَقْصُودِ النّافِعِ، والمُرادُ بِها هُنا خَلْقُ الِاهْتِداءِ إلى المَقْصُودِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَن يَشاءُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ المُفِيدِ التَّعْمِيمَ فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الجَنَّةِ دَلالَةٌ عَلَيْها فَهي هِدايَةٌ بِالمَعْنى الأصْلِيِّ فَتَعَيَّنَ أنَّ ”يَهْدِي“ هُنا مَعْناهُ إيجادُ الهِدايَةِ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي حُصُولُ الِاهْتِداءِ بِالفِعْلِ، أيْ خَلْقُ حُصُولِهِ بِأمْرِ التَّكْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وهَذا التَّكْوِينُ يَقَعُ إمّا في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِن جُزْئِيّاتِ الِاهْتِداءِ عَلى طَرِيقَةِ الأشاعِرَةِ، وإمّا بِخَلْقِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الِاهْتِداءِ عِنْدَ حُصُولِ الأدِلَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ وهُما مُتَقارِبانِ في الحالِ، وشُئُونُ الغَيْبِ خَفِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ.
10:26Страница 212
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
Тем, которые творили добро, уготовано Наилучшее (Рай), и им будет добавлено еще (они получат возможность взглянуть на Лик Аллаха). Не будет на их лицах ни праха, ни унижения. Они - обитатели Рая, в котором они пребудут вечно.
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] لِأنَّ الهِدايَةَ
صفحة ١٤٦
بِمَن يَشاءُ تُفِيدُ مَهْدِيًّا وغَيْرَ مَهْدِيٍّ. فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ ذِكْرُ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِلا الفَرِيقَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَها بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ.
ولَمّا أوْقَعَ ذِكْرَ الَّذِينَ أحْسَنُوا في جُمْلَةِ البَيانِ عَلِمَ السّامِعُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وأنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَمَلُ الحَسَنُ، وأنَّ الحُسْنى هي دارُ السَّلامِ. ويَشْرَحُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]
والحُسْنى: في الأصْلِ صِفَةُ أُنْثى الأحْسَنِ، ثُمَّ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الجِنْسِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لامُ تَعْرِيفِ الجِنْسِ فَبَعُدَتْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ ولَمْ تَتْبَعْ مَوْصُوفَها.
وتَعْرِيفُها يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، مِثْلَ البُشْرى، ومِثْلَ الصّالِحَةِ الَّتِي جَمْعُها الصّالِحاتُ. والمَعْنى: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا جِنْسُ الأحْوالِ الحُسْنى عِنْدَهم، أيْ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَها الَّذِي أُرِيدَ بِها هو الجَنَّةُ لِأنَّها أحْسَنُ مَثُوبَةً يَصِيرُ إلَيْها الَّذِينَ أحْسَنُوا وبِذَلِكَ صَيَّرَها القُرْآنُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ ونَعِيمِها مِن حُصُولِ المَلاذِّ العَظِيمَةِ.
والزِّيادَةُ يَتَعَيَّنُ أنَّها زِيادَةٌ لَهم لَيْسَتْ داخِلَةً في نَوْعِ الحُسْنى بِالمَعْنى الَّذِي صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِنَوْعٍ مِمّا في الجَنَّةِ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مِمّا يَسْتَغْرِقُهُ لَفْظُ الحُسْنى فَتَعَيَّنَ أنَّها أمْرٌ يَرْجِعُ إلى رِفْعَةِ الأقْدارِ، فَقِيلَ: هي رِضى اللَّهِ - تَعالى - كَما قالَ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقِيلَ: هي رُؤْيَتُهُمُ اللَّهَ تَعالى. وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ: إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، قالُوا: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا وتُنْجِنا مِنَ النّارِ وتُدْخِلْنا الجَنَّةَ، قالَ: فَيُكْشَفُ الحِجابُ، قالَ: فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ» . وهو أصْرَحُ ما ورَدَ في تَفْسِيرِها.
صفحة ١٤٧
والرَّهَقُ: الغَشَيانُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ.
والقَتَرُ: لَوْنٌ هو غُبْرَةٌ إلى السَّوادِ. ويُقالُ لَهُ قَتَرَةٌ والَّذِي تَخَلَّصَ لِي مِن كَلامِ الأيِمَّةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ القَتَرَةَ لَوْنٌ يَغْشى جِلْدَةَ الوَجْهِ مِن شِدَّةِ البُؤْسِ والشَّقاءِ والخَوْفِ. وهو مِن آثارِ تَهَيُّجِ الكَبِدِ مِنِ ارْتِجافِ الفُؤادِ خَوْفًا وتَوَقُّعًا.
والذِّلَّةُ: الهَوانُ. والمُرادُ أثَرُ الذِّلَّةِ الَّذِي يَبْدُو عَلى وجْهِ الذَّلِيلِ. والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ، أيْ لا تَتَشَوَّهُ وُجُوهُهم بِالقَتَرِ وأثَرِ الذِّلَّةِ ولا يَحْصُلُ لَهم ما يُؤَثِّرُ القَتَرَ وهَيْئَةَ الذِّلَّةِ.
ولَيْسَ مَعْنى نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْهم في جُمْلَةِ أوْصافِهِمْ مَدِيحًا لَهم لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْطُرُ بِالبالِ وُقُوعًا بَعْدَ أنْ أثْبَتَ لَهُمُ الحُسْنى وزِيادَةً بَلِ المَعْنى التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهُمُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ تَعْجِيلًا لِلْمَساءَةِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ قَبْلَ التَّصْرِيحِ الَّذِي يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] إلى قَوْلِهِ: مُظْلِمًا
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ نَتِيجَةٌ لِلْمُقَدِّمَةِ، فَبَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي قَبْلَها كَمالُ الِاتِّصالِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها ولَمْ تُعْطَفْ.
واسْمُ الإشارَةِ يَرْجِعُ إلى ﴿الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ [النجم: ٣١] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الخُلُودَ لِأجْلِ إحْسانِهِمْ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]
10:27Страница 212
وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧
А воздаянием тех, кто приобрел зло, будет равноценное зло. Их постигнет унижение, и никто не защитит их от Аллаха. Их лица словно покроются клочьями ночного мрака. Они - обитатели Огня, в котором они пребудут вечно.
﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] . وعَبَّرَ في جانِبِ المُسِيئِينَ بِفِعْلِ ﴿كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ دُونَ فِعْلِ أساءُوا الَّذِي عَبَّرَ بِهِ في جانِبِ الَّذِينَ أحْسَنُوا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إساءَتَهم مِن فِعْلِهِمْ وسَعْيِهِمْ فَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ.
صفحة ١٤٨
والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . فَإنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَقَعُ إلّا لِلْكافِرِينَ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ المُتَظافِرَةُ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ.
وجُمْلَةُ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ) . وتَنْكِيرُ سَيِّئَةٍ لِلْعُمُومِ، أيْ جَزاءُ كُلِّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وهو وإنْ كانَ في سِياقِ الإثْباتِ فالعُمُومُ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ وهو مَقامُ عُمُومِ المُبْتَدَأِ، كَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ:
يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمُ ضُرًّا
أيْ كُلَّ ضُرٍّ. وذَلِكَ العُمُومُ مُغْنٍ عَنِ الرّابِطِ بَيْنَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ والمُبْتَدَأِ، أوْ يُقَدَّرُ مَجْرُورٌ، أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما قُدِّرَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيْ فَعَلَيْهِ.
واقْتَصَرَ عَلى الذِّلَّةِ لَهم دُونَ زِيادَةِ ويَرْهَقُهم قَتَرٌ؛ لِأنَّهُ سَيَجِيءُ ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾
وجُمْلَةُ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مِنَ (الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ)، أوْ مُعْتَرِضَةٌ. وهو تَهْدِيدٌ وتَأْيِيسٌ.
والعاصِمُ: المانِعُ والحافِظُ. ومَعْنى ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِنِ انْتِقامِهِ وجَزائِهِ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِ الذّاتِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] بَيانَ تَمْثِيلٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: وتَرْهَقُهُمْ
و﴿أُغْشِيَتْ﴾ مُعَدّى غَشِيَ إذا أحاطَ وغَطّا، فَصارَ بِالهَمْزَةِ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ﴾ [الأنفال: ١١] في الأنْفالِ.
صفحة ١٤٩
والقِطَعُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ، سُمِّيَ قِطْعَةً لِأنَّهُ يُقْتَطَعُ مِن كُلٍّ غالِبًا، فَهي فِعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ نُقِلَتْ إلى الِاسْمِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ. وهو اسْمٌ لِلْجُزْءِ مِن زَمَنِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]
وقَوْلُهُ: ﴿مُظْلِمًا﴾ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ. ووَصْفُ اللَّيْلِ وهو زَمَنُ الظُّلْمَةِ بِكَوْنِهِ مُظْلِمًا لِإفادَةِ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، فالمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ الشَّدِيدِ الإظْلامِ بِاحْتِجابِ نُجُومِهِ وتَمَكُّنِ ظُلْمَتِهِ. شُبِّهَتْ قَتَرَةُ وُجُوهِهِمْ بِظَلامِ اللَّيْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ هي كَجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии