Ибн АшурХуд · 11:103–110

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Худ 11:103–110

11:103–104Страница 233

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣

Воистину, в этом - знамение для тех, кто страшится мучений в Последней жизни. Это будет день, когда будут собраны люди. Это будет день, когда все будут присутствовать.

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤

Мы отсрочим его лишь до определенного срока.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾

بَيانٌ لِلتَّعْرِيضِ وتَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ فاحْذَرُوهُ واحْذَرُوا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو عَذابُ الآخِرَةِ. والإشارَةُ إلى الأخْذِ المُتَقَدِّمِ. وفي هَذا تَخْلُصٌ إلى مَوْعِظَةِ المُسْلِمِينَ والتَّعْرِيضِ بِمَدْحِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهم مَن يَنْتَفِعُ بِالآياتِ ويَعْتَبِرُ بِالعِبْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

صفحة ١٦١

وجَعَلَ عَذابَ الدُّنْيا آيَةً دالَّةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِأنَّ القُرى الظّالِمَةَ تَوَعَّدَها اللَّهُ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] فَلَمّا عايَنُوا عَذابَ الدُّنْيا كانَ تَحَقُّقُهُ أمارَةً عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ الآخَرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا اليَوْمِ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَبْتَدِئُ كَلامًا لِأجْلِ وصْفِهِ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الآخِرَةِ لِأنَّ ماصَدَقُها يَوْمُ القِيامَةِ، فَتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِمَعْنى الآخِرَةِ.

واللّامُ في (مَجْمُوعٍ لَهُ) لامُ العِلَّةِ، أيْ مَجْمُوعٌ النّاسُ لِأجْلِهِ.

ومَجِيءُ الخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في الإخْبارِ عَنِ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ، أيْ ثابِتٌ جَمْعُ اللَّهِ النّاسَ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالنّاسِ وتَمَكُّنِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِأجْلِ اليَوْمِ حَتّى لُقِّبَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِلْيَوْمِ بِأنَّهُ يُشْهَدُ. وطُوِيَ ذِكْرُ الفاعِلِ إذِ المُرادُ يَشْهَدُهُ الشّاهِدُونَ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى شاهِدِينَ مُعَيَّنِينَ. والإخْبارُ عَنْهُ بِهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم يَشْهَدُونَهُ شُهُودًا خاصًّا وهو شُهُودُ الشَّيْءِ المَهُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَكِنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا رُؤْيَةً خاصَّةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُحَقَّقِ أيْ مَشْهُودٌ بِوُقُوعِهِ، كَما يُقالُ: حَقٌّ مَشْهُودٌ، أيْ عَلَيْهِ شُهُودٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، واضِحٌ لِلْعَيانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى كَثِيرِ الشّاهِدِينَ إيّاهُ لِشُهْرَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، كَقَوْلِ أُمِّ قَيْسٍ الضَّبِيَّةِ:

صفحة ١٦٢

ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النَّـاطِـقِـينَ بِـهِ في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ

فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ. والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُسْتَدِلِّينَ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِهِ في حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ يَحْسَبُونَ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَغِيظُ اللَّهَ - تعالى - فَيُعَجِّلُهُ لَهم جَهْلًا مِنهم بِمَقامِ الإلَهِيَّةِ فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ تَأْخِيرَهُ إلى أجَلٍ حَدَّدَهُ اللَّهُ لَهُ مِن يَوْمِ خَلْقِ العالَمِ كَما حَدَّدَ آجالَ الأحْياءِ، فَيَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .

والأجَلُ: أصْلُهُ المُدَّةُ المُنْظَرُ إلَيْها في أمْرٍ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى نِهايَةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وهو المُرادُ هُنا بِقَرِينَةِ اللّامِ، كَما أُرِيدَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] .

والمَعْدُودُ: أصْلُهُ المَحْسُوبُ، وأُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنِ المُعَيَّنِ المَضْبُوطِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ ولا يَتَقَدَّمُ لِأنَّ المَعْدُودَ يَلْزَمُهُ التَّعَيُّنُ، أوْ كِنايَةً عَنِ القُرْبِ.

11:105–108Страница 233

يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥

Когда этот день наступит, ни один человек не заговорит без Его соизволения. И среди них будут несчастные и счастливые.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦

Несчастные пребудут в Огне, где они будут хрипеть и реветь.

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧

Они пребудут там вечно, пока существуют небеса и земля, если только твой Господь не пожелает иного. Воистину, твой Господь вершит то, что пожелает.

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨

Счастливые же пребудут в Раю. Они пребудут там вечно, пока существуют небеса и земля, если только твой Господь не пожелает иного. Это будет неиссякаемый дар.

صفحة ١٦٣

﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.

و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:

تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ

فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.

وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:

كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ

صفحة ١٦٤

أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.

فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.

فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى هَذا النَّسْجِ لِأجْلِ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن شِبْهِ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] إلى قَوْلِهِ: بِإذْنِهِ وذَلِكَ نَسِيجٌ بَدِيعٌ.

والشَّقِيُّ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن شَقِيَ، إذا تَلَبَّسَ بِالشَّقاءِ والشَّقاوَةِ، أيْ سُوءِ الحالَةِ وشَرِّها وما يُنافِرُ طَبْعَ المُتَّصِفِ بِها.

والسَّعِيدُ: ضِدَّ الشَّقِيِّ، وهو المُتَلَبِّسُ بِالسَّعادَةِ الَّتِي هي الأحْوالُ الحَسَنَةُ الخَيِّرَةُ المُلائِمَةُ لِلْمُتَّصِفِ بِها. والمَعْنى: فَمِنهم يَوْمَئِذٍ مَن هو في عَذابٍ وشِدَّةٍ ومِنهم مَن هو في نِعْمَةٍ ورَخاءٍ.

صفحة ١٦٥

والشَّقاوَةُ والسَّعادَةُ مِنَ المَواهِي المَقُولَةِ بِالتَّشْكِيكِ فَكِلْتاهُما مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ الوَصْفِ. وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخِرِهِ.

والزَّفِيرُ: إخْراجُ الأنْفاسِ بِدَفْعٍ وشِدَّةٍ بِسَبَبِ ضَغْطِ التَّنَفُّسِ. والشَّهِيقُ: عَكْسُهُ وهو اجْتِلابُ الهَواءِ إلى الصَّدْرِ بِشِدَّةٍ لِقُوَّةِ الِاحْتِياجِ إلى التَّنَفُّسِ.

وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِمْ في جَهَنَّمَ الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ تَنْفِيرًا مِن أسْبابِ المَصِيرِ إلى النّارِ لِما في ذِكْرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ بِهِمْ وذَلِكَ أخْوَفُ لَهم مِنَ الألَمِ.

ومَعْنى ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ التَّأْيِيدُ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وإلّا فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ المَعْرُوفَةَ تَضْمَحِلُّ يَوْمَئِذٍ، قالَ - تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أوْ يُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها.

و﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأزْمانِ الَّتِي عَمَّها الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ما دامَتْ أيْ إلّا الأزْمانُ الَّتِي شاءَ اللَّهُ فِيها عَدَمَ خُلُودِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ بَعْضِ الخالِدِينَ تَبَعًا لِلْأزْمانِ. وهَذا بِناءً عَلى غالِبِ إطْلاقِ ما المَوْصُولَةِ أنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) لِأنَّ (ما) تُطْلَقُ عَلى العاقِلِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ.

فَأمّا الأوَّلُ مِنهُما فالمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ مَراتِبُ في طُولِ المُدَّةِ فَمِنهم مَن يُعَذَّبُ ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، مِثْلَ أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُوَحِّدِينَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّهم يُقالُ لَهُمُ الجُهَنَّمِيُّونَ في الجَنَّةِ، ومِنهُمُ الخالِدُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ إجْمالَ المُسْتَثْنى يُنْشِئُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: ما هو تَعْيِينُ المُسْتَثْنى أوْ لِماذا لَمْ يَكُنِ الخُلُودُ عامًّا. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ.

وأمّا الِاسْتِثْناءُ الثّانِي الواقِعُ في جانِبِ ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

صفحة ١٦٦

أحَدُهُما أنْ يُرادَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ في أوَّلِ أزْمِنَةِ القِيامَةِ، وهي المُدَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ في العَذابِ إلى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهم بِفَضْلِهِ بِدُونِ شَفاعَةٍ، أوْ بِشَفاعَةٍ كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ”«يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحُمَمَةِ أُخْرِجُوا وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الجُهَنَّمِيُّونَ» “ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِن تَوَهُّمُ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ ذَلِكَ النَّعِيمَ حَقًّا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.

ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُعَلَّقِ عَلى المَشِيئَةِ وُقُوعُ المَشِيئَةِ بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنَّها لَوْ تَعَلَّقَتِ المَشِيئَةُ لَوَقَعَ المُسْتَثْنى، وقَدْ دَلَّتِ الوُعُودُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ إخْراجَ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها. وأيًّا ما كانَ فَهم إذا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ كانُوا خالِدِينَ فِيها فَلا يَنْقَطِعُ عَنْهم نَعِيمُها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ سَعِدُوا - بِفَتْحِ السِّينِ -، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ السِّينِ - عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ، وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِهِ قاصِرًا لا مَفْعُولَ لَهُ؛ لَكِنَّهُ عَلى مُعامَلَةِ القاصِرِ مُعامَلَةَ المُتَعَدِّي في مَعْنى فُعِلَ بِهِ ما صَيَّرَهُ صاحِبَ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: جُنَّ فُلانٌ، إذا فُعِلَ بِهِ ما صارَ بِهِ ذا جُنُونٍ، فَـ (سُعِدُوا) بِمَعْنى أُسْعِدُوا. وقِيلَ: سَعِدَ مُتَعَدٍّ في لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ، يَقُولُونَ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ أصْلَهُ أُسْعِدُوا، فَحُذِفَ هَمْزُ الزِّيادَةِ كَما قالُوا مَجْنُوبٌ (بِمُوَحَّدَةٍ في آخِرِهِ)، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ مَسْعُودٌ.

11:109Страница 234

فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩

Не сомневайся в том, чему они поклоняются. Они поклоняются тем, кому прежде поклонялись их отцы. Воистину, Мы воздадим им сполна, без убавления.

صفحة ١٦٧

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى القَصَصِ الماضِيَةِ فَإنَّها تُكْسِبُ سامِعَها يَقِينًا بِباطِلِ ما عَلَيْهِ عَبْدَةُ الأصْنامِ وبِخَيْبَةِ ما أمَّلُوهُ فِيهِمْ مِنَ الشَّفاعَةِ في الدُّنْيا وإنَّ سابِقَ شَقائِهِمْ في الدُّنْيا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ يُؤْذِنُ بِسُوءِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَ السّامِعِ أنْ يَشُكَّ في سُوءِ الشِّرْكِ وفَسادِهِ.

والخِطابُ في نَحْوِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ يَقْصِدُ بِهِ أيَّ سامِعٍ لا سامِعًا مُعَيَّنًا سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أنْ يَشُكَّ في ذَلِكَ أمْ لا؛ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مُعَيَّنًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ لا تَكُ مَقْصُودًا بِهِ مُجَرَّدُ تَحْقِيقِ الخَبَرِ فَإنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ في ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلَ كَلِمَةِ: لا شَكَّ، ولا مَحالَةَ، ولا أعْرِفَنَّكَ، ونَحْوَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّصَلُّبِ في الشِّرْكِ، أيْ لا تَكُنْ شاكًّا في أنَّكَ لَقِيتَ مِن قَوْمِكَ مِنَ التَّكْذِيبِ مِثْلَ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِن أُمَمِهِمْ فَإنَّ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ مُتَوارِثِينَها عَنْ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ.

والمِرْيَةُ - بِكَسْرِ المِيمِ -: الشَّكُّ. وقَدْ جاءَ فِعْلُها عَلى وزْنِ فاعَلَ أوْ تَفاعَلَ وافْتَعَلَ. ولَمْ يَجِئْ عَلى وزْنٍ مُجَرَّدٍ لِأنَّ أصْلَ المِراءِ المُجادَلَةُ والمُدافَعَةُ مُسْتَعارًا مِن مَرَيْتُ الشّاةَ إذا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَها. ومِنهُ قَوْلُهم: لا يُجارى ولا يُمارى. وفي القُرْآنِ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ الِامْتِراءُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] في أوَّلِ الأنْعامِ.

صفحة ١٦٨

و(ما) في قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا تَكُ في شَكٍّ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.

وقَدْ تَتَبَّعْتُ اصْطِلاحَ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ عَناهم بِاسْمِ الإشارَةِ هَذا في نَحْوِ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا وهو مِمّا أُلْهِمْتُ إلَيْهِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.

ومَعْنى الشَّكِّ في عِبادَتِهِمْ لَيْسَ إلّا الشَّكُّ في شَأْنِها؛ لِأنَّ عِبادَتَهم مَعْلُومَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلا وجْهَ لِنَفْيِ مِرْيَتِهِ فِيها، وإنَّما المُرادُ نَفْيُ الشَّكِّ فِيما قَدْ يَعْتَرِيهِ مِنَ الشَّكِّ مِن أنَّهم هَلْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا أوْ يَتْرُكُهم إلى عِقابِ الآخِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، تَعْلِيلًا لِانْتِفاءِ الشَّكِّ في عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا.

ووَجْهُ كَوْنِهِ عِلَّةً أنَّهُ لَمّا كانَ دِينُهم عَيْنَ دِينِ مَن كانَ قَبْلَهم مِن آبائِهِمْ وقَدْ بَلَغَكم ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ عِقابًا عَلى دِينِهِمْ فَأنْتُمْ تُوقِنُونَ بِأنَّ جَزاءَهم سَيَكُونُ مُماثِلًا لِجَزاءِ أسْلافِهِمْ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي المُساواةَ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ المُتَماثِلَةِ.

والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ المَصادِرِ. وكافُ التَّشْبِيهِ نائِبَةٌ عَنْ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. التَّقْدِيرُ: إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم.

والآباءُ: أُطْلِقَ عَلى الأسْلافِ، وهم عادٌ وثَمُودُ. وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ العَدْنانِيِّيِنَ كانَتْ أُمُّهم جُرْهُمِيَّةً، وهي امْرَأةُ إسْماعِيلَ، وجُرْهم مِن إخْوَةِ ثَمُودَ، وثَمُودُ إخْوَةٌ لَعادٍ، ولِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمُّهم خُزاعِيَّةً وهي زَوْجُ قُصَيٍّ. وعِبادَةُ الأصْنامِ في العَرَبِ أتاهم بِها عَمْرُو بْنُ يَحْيى، وهو جَدُّ خُزاعَةَ.

وعَبَّرَ عَنْ عِبادَةِ الآباءِ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تِلْكَ العِبادَةِ، أيْ إلّا كَما اعْتادَ آباؤُهم عِبادَتَهم. والقَرِينَةُ عَلى المُضِيِّ قَوْلُهُ: مِن قَبْلُ،

صفحة ١٦٩

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا كَما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم. والمُضافُ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِهِمْ، تَنْصِيصًا عَلى أنَّهم سَلَفُهم في هَذا الضَّلالِ وعَلى أنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ والمَعْطُوفُ هو المَعْلُولُ، وقَدْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ مَعْنى كافِ التَّشْبِيهِ لِذَلِكَ. فالمَعْنى: وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا أسْلافَهم.

والتَّوْفِيَةُ: إكْمالُ الشَّيْءِ غَيْرِ مَنقُوصٍ.

والنَّصِيبُ: أصْلُهُ الحَظُّ. وقَدِ اسْتَعْمَلَ (مُوَفُّوهم) و(نَصِيبَهم) هُنا اسْتِعْمالًا تَهَكُّمِيًّا كَأنَّ لَهم عَطاءً يَسْألُونَهُ فَوُفُّوهُ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ: (﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾) حالًا مُؤَكِّدَةً لِتَحْقِيقِ التَّوْفِيَةِ زِيادَةً في التَّهَكُّمِ؛ لِأنَّ مِن إكْرامِ المَوْعُودِ بِالعَطاءِ أنْ يُؤَكَّدَ لَهُ الوَعْدُ ويُسَمّى ذَلِكَ بِالبِشارَةِ.

والمُرادُ نَصِيبُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم كَما اسْتَأْصَلَ الأُمَمَ السّابِقَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ قالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .

11:110Страница 234

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠

Мы даровали Мусе (Моисею) Писание, но по его поводу возникли разногласия. И если бы не было прежде Слова от твоего Господа, то спор их был бы решен. Воистину, они испытывают смутные сомнения относительно него (Корана).

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾

اعْتِراضٌ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وهم أحْسَنُ حالًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ أُوتُوا الكِتابَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، وهم أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ فَلا تَأْسَ مِنِ اخْتِلافِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ [هود: ١٠٩]

ولِأجْلِ ما فِيها مِن مَعْنى التَّثْبِيتِ فَرَّعَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] .

وقَوْلُهُ: فاخْتُلِفَ فِيهِ أيْ في الكِتابِ، وهو التَّوْراةُ. ومَعْنى الِاخْتِلافِ فِيهِ اخْتِلافُ أهْلِ التَّوْراةِ في تَقْرِيرِ بَعْضِها وإبْطالِ بَعْضٍ، وفي إظْهارِ بَعْضِها

صفحة ١٧٠

وإخْفاءِ بَعْضٍ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ، وفي تَأْوِيلِ البَعْضِ عَلى هَواهم، وفي إلْحاقِ أشْياءَ بِالكِتابِ عَلى أنَّها مِنهُ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . فَهَذا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ مِن بَعْضِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ فَيَقْتَضِي الِاخْتِلافَ بَيْنَهم بَيْنَ مُثْبِتٍ ونافٍ، وهَذا الِاخْتِلافُ بِأنْواعِهِ وأحْوالِهِ يَرْجِعُ إلى الِاخْتِلافِ في شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ. فَجُمِعَتْ هَذِهِ المَعانِي جَمْعًا بَدِيعًا في تَعْدِيَةِ الِاخْتِلافِ بِحَرْفِ (في) الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي كالمُلابَسَةِ، أيْ فاخْتُلِفَ اخْتِلافًا يُلابِسُهُ، أيْ يُلابِسُ الكِتابَ.

ولِأنَّ الغَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَيانِ المُخْتَلِفِينَ ولا بِذَمِّهِمْ لِأنَّ مِنهُمُ المَذْمُومَ وهُمُ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى إدْخالِ الِاخْتِلافِ، ومِنهُمُ المَحْمُودَ وهُمُ المُنْكِرُونَ عَلى المُبَدِّلِينَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]، بَلْ كانَ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِهِ.

بُنِيَ فِعْلُ (اخْتُلِفَ) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ إلّا في ذِكْرِ الفِعْلِ لا في فاعِلِهِ.

* * *

﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةٍ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ الِاعْتِراضُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: (فاخْتُلِفَ فِيهِ)، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] أيْ ولَوْلا ما سَبَقَ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُمُ العَذابَ لَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ لَقَضى اللَّهُ بَيْنَهم، فَأهْلَكَ المُشْرِكِينَ والمُخالِفِينَ ونَصَرَ المُؤْمِنِينَ.

فَيَكُونُ (بَيْنَهم) هو نائِبُ فاعِلِ (قُضِيَ) . والتَّقْدِيرُ: لَوَقَعَ العَذابُ بَيْنَهم، أيْ فِيهِمْ.

صفحة ١٧١

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (فاخْتُلِفَ فِيهِ) فَيَكُونُ ضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدًا إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: فاخْتُلِفَ فِيهِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي جَماعَةً مُخْتَلِفِينَ في أحْكامِ الكِتابِ، ويَكُونُ (بَيْنَهم) مُتَعَلِّقًا بِـ (قُضِيَ)، أيْ لِحُكْمٍ بَيْنَهم بِإظْهارِ المُصِيبِ مِنَ المُخْطِئِ في أحْكامِ الكِتابِ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِنَ الِاخْتِلافِ، أيْ أنَّهُ إنْ وقَعَ أمْهَلَ اللَّهُ المُخْتَلِفِينَ فَتَرَكَهم في شَكٍّ. ولَيْسَ مِن سُنَّةِ اللَّهِ أنْ يَقْضِيَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فَيُوقِفَهم عَلى تَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، أيْ فَعَلَيْكم بِالحَذَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ في كِتابِكم فَإنَّكم إنِ اخْتَلَفْتُمْ بَقِيتُمْ في شَكٍّ ولَحِقَكم جَزاءُ أعْمالِكم.

و(الكَلِمَةُ) هي إرادَةُ اللَّهِ الأزَلِيَّةُ وسُنَّتُهُ في خَلْقِهِ. وهي أنَّهُ وكَلَّ النّاسَ إلى إرْشادِ الرُّسُلِ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وإلى النَّظَرِ في الآياتِ، ثُمَّ إلى بَذْلِ الِاجْتِهادِ التّامِّ في إصابَةِ الحَقِّ، والسَّعْيِ إلى الِاتِّفاقِ ونَبْذِ الخِلافِ بِصَرْفِ الأفْهامِ السَّدِيدَةِ إلى المَعانِي، وبِالمُراجَعَةِ فِيما بَيْنَهم، والتَّبَصُّرِ في الحَقِّ، والإنْصافِ في الجَدَلِ والِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَجْعَلُوا الحَقَّ غايَتَهم والِاجْتِهادَ دَأْبَهم وهِجِّيراهم. وحِكْمَةُ ذَلِكَ هي أنَّ الفَصْلَ والِاهْتِداءَ إلى الحَقِّ مُصْلَحَةٌ لِلنّاسِ ومَنفَعَةٌ لَهم لا لِلَّهِ. وتَمامُ المَصْلَحَةِ في ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأنْ يَبْذُلُوا اجْتِهادَهم ويَسْتَعْمِلُوا أنْظارَهم لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى زِيادَةِ تَعَقُّلِهِمْ وتَفْكِيرِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [الأنفال: ٧] في سُورَةِ الأنْفالِ.

ووَصَفَها بِالسَّبْقِ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ، بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِها، وبِأنَّها تَرْجِعُ إلى سُنَّةٍ كُلِّيَّةٍ تَقَرَّرَتْ مِن قَبْلُ.

ومَعْنى لَقُضِيَ بَيْنَهم أنَّهُ قَضاءُ اسْتِئْصالِ المُبْطِلِ واسْتِبْقاءِ المُحِقِّ، كَما قَضى اللَّهُ بَيْنَ الرُّسُلِ والمُكَذِّبِينَ، ولَكِنَّ إرادَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ خِلافَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى فَهْمِ الأُمَّةِ كِتابَها.

وضَمِيرُ (بَيْنَهم) يَعُودُ إلى المُخْتَلِفِينَ المُفادُ مِن قَوْلِهِ: فاخْتُلِفَ فِيهِ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.

صفحة ١٧٢

ومُتَعَلِّقُ القَضاءِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥]

* * *

﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] فَيَكُونُ ضَمِيرُ (وإنَّهم) عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (ما يَعْبُدُونَ) الآيَةَ، أيْ إنَّ المُشْرِكِينَ لَفي شَكٍّ مِن تَوْفِيَةِ نَصِيبِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ. ويَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ وأوْلاهُما، فَضَمِيرُ (مِنهُ) عائِدٌ إلى (يَوْمَ) مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (فاخْتُلِفَ فِيهِ)، أيْ فاخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُهُ، أيْ أهْلُ الكِتابِ فَضَمِيرُ (وإنَّهم) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ بَيْنَهم عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ، أيِ اخْتَلَفَ أهْلُ الكِتابِ في كِتابِهِمْ وإنَّهم لَفي شَكٍّ.

أمّا ضَمِيرُ (مِنهُ) فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ، أيْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ عَلى شَكٍّ وتَرَدُّدٍ في كِتابِهِمْ، أيْ دُونَ عِلْمٍ يُوجِبُ اليَقِينَ مِثْلَ اسْتِقْراءِ عُلَمائِنا لِلْأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، أوْ يُوجِبُ الظَّنَّ القَرِيبَ مِنَ اليَقِينِ، كَظَنِّ المُجْتَهِدِ فِيما بَلَغَ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ الصَّحِيحَ المُسْتَنْبَطَ مِنَ الكِتابِ لا يُعَدُّ اخْتِلافًا في الكِتابِ إذِ الأصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَمَناطُ الذَّمِّ هو الِاخْتِلافُ في مَتْنِ الكِتابِ لا في التَّفْرِيعِ مِن أدِلَّتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (مِنهُ) عائِدًا إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] .

والمُرِيبُ: المُوقِعُ في الشَّكِّ، ووَصْفُ الشَّكِّ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English