Ибн АшурХуд · 11:21–27

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Худ 11:21–27

11:21–22Страница 224

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١

Они потеряют самих себя, и покинет их (или исчезнет) то, что они измышляли.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢

Нет сомнения в том, что в Последней жизни они понесут самый большой урон.

صفحة ٣٨

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا تَأْكِيدٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]

والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ أنْ بَلَغَكم أنَّ قَوْمًا خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وخَسارَةُ أنْفُسِهِمْ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِها في الِاهْتِداءِ، فَلَمّا ضَلُّوا فَقَدْ خَسِرُوها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَسِرُوا أنْفُسَهم عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ.

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]

وفِي إسْنادِ الضَّلالِ إلى الأصْنامِ تَهَكُّمٌ عَلى أصْحابِها. شُبِّهَتْ أصْنامُهم بِمَن سَلَكَ طَرِيقًا لِيَلْحَقَ بِمَنِ اسْتَنْجَدَ بِهِ فَضَلَّ في طَرِيقِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِأنَّ ما جُمِعَ لَهم مِنَ الزَّجِّ لِلْعُقُوبَةِ ومِنِ افْتِضاحِ أمْرِهِمْ ومِن إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ النُّذُرِ وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهُمُ الأخْسَرُونَ في الآخِرَةِ.

ولا جَرَمَ كَلِمَةُ جَزْمٍ ويَقِينٍ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ، وأحْسَبُ أنَّ جَرَمَ مُشْتَقٌّ مِمّا تُنُوسِيَ، وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في تَرْكِيبِها، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ

صفحة ٣٩

تَكُونَ (لا) مِن أوَّلِ الجُمْلَةِ و(جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنى مَحالَةَ أيْ لا مَحالَةَ أوْ بِمَعْنى بُدَّ أيْ لا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها أنَّ واسْمُها وخَبَرُها فَتَكُونُ (أنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مِن أنَّ الأمْرَ كَذا. ولِما فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّوْثِيقِ وتُعامَلُ مُعامَلَةَ القَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَها في ما يَصْلُحُ لِجَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لا جَرَمَ لَأفْعَلَنَّ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِأبِي بَكْرٍ.

وعَبَّرَ عَمّا لَحِقَهم مِنَ الضُّرِّ بِالخَسارَةِ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ ضُرٌّ أصابَهم مِن حَيْثُ كانُوا يَرْجُونَ المَنفَعَةَ فَهم مِثْلُ التُّجّارِ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الخَسارَةُ مِن حَيْثُ أرادُوا الرِّبْحَ.

وإنَّما كانُوا أخْسَرِينَ، أيْ شَدِيدِي الخَسارَةِ لِأنَّهم قَدْ اجْتَمَعَ لَهم مِن أسْبابِ الشَّقاءِ والعَذابِ ما افْتَرَقَ بَيْنَ الأُمَمِ الضّالَّةِ. ولِأنَّهم شَقَوْا مِن حَيْثُ كانُوا يَحْسَبُونَهُ سَعادَةً قالَ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَكانُوا أخْسَرِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهم خَسارَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وضَمِيرُ هُمُ الأخْسَرُونَ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الحَدَّ الأقْصى في الخَسارَةِ، فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالأخْسَرِيَّةِ.

11:23Страница 224

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣

Воистину, те, которые уверовали, совершали праведные деяния и были смиренны пред своим Господом, будут обитателями Рая и пребудут там вечно.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ البالِغِينَ أقْصى غاياتِ الخَسارَةِ ذَكَرَ مُقابِلَهم الَّذِينَ بَلَغُوا أعْلى دَرَجاتِ السَّعادَةِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ النُّفُوسَ تَشْرَئِبُّ عِنْدَ سَماعِ حُكْمِ الشَّيْءِ إلى مَعْرِفَةِ حُكْمِ ضِدِّهِ.

والإخْباتُ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، أيْ أطاعُوا رَبَّهم أحْسَنَ طاعَةٍ.

ومُوقِعُ أُولَئِكَ هُنا مِثْلُ مَوْقِعِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.

صفحة ٤٠

وجُمْلَةُ هم فِيها خالِدُونَ في مَوْقِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ أصْحابِ الجَنَّةِ لِأنَّ الخُلُودَ في المَكانِ هو أحَقُّ الأحْوالِ بِإطْلاقِ وصْفِ الصّاحِبِ عَلى الحالِ بِذَلِكَ المَكانِ إذِ الأمْكِنَةُ لا تُقْصَدُ إلّا لِأجْلِ الحُلُولِ فِيها فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلَها فَمَنزِلَتُها مَنزِلَةُ عَطْفِ البَيانِ، ولا تُعْرَبُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] . فَعُدْ إلَيْهِ وزِدْ إلَيْهِ ما هُنا.

11:24Страница 224

۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤

Эти две группы подобны слепому и глухому и зрячему и слышащему. Разве можно их сравнить друг с другом? Неужели вы не помяните назидание?

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾

بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وبَيْنَ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَنازِلِ الآخِرَةِ أُعْقِبَ بِبَيانِ التَّنْظِيرِ بَيْنَ حالَيْ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقَةِ تَمْثِيلِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن ذَمٍّ ومَدْحٍ.

فالجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ وتَحْصِيلٌ لَهُ ولِلتَّحْذِيرِ مِن مُواقَعَةِ سَبَبِهِ.

والمَثَلُ، بِالتَّحْرِيكِ: الحالَةُ والصِّفَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ، أيْ حالَةُ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ تُشْبِهُ حالَ الأعْمى الأصَمِّ مِن جِهَةٍ وحالَ البَصِيرِ السَّمِيعِ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ ولَيْسَ اسْتِعارَةً لِوُجُودِ كافِ التَّشْبِيهِ وهو أيْضًا تَشْبِيهٌ مُفْرَدٌ لا مُرَكَّبٌ.

والفَرِيقانِ هُما المَعْهُودانِ في الذِّكْرِ في هَذا الكَلامِ، وهَما فَرِيقُ المُشْرِكِينَ وفَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، إذْ قَدْ سَبَقَ ما يُؤْذِنُ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] . ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] الآيَةَ.

صفحة ٤١

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ الَّتِي تُفارِقُ، أيْ يُخالِفُ حالُها حالَ جَماعَةٍ أُخْرى في عَمَلٍ أوْ نِحْلَةٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

شَبَّهَ حالَ فَرِيقِ الكُفّارِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ في دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ الواضِحَةِ مِن مَخْلُوقاتِهِ بِحالِ الأعْمى، وشُبِّهُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِأدِلَّةِ القُرْآنِ بِحالِ مَن هو أصَمُّ.

وشَبَّهَ حالَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في ضِدِّ ذَلِكَ بِحالِ مَن كانَ سَلِيمَ البَصَرِ، سَلِيمَ السَّمْعِ فَهو في هُدًى ويَقِينٍ مِن مُدْرَكاتِهِ.

وتَرْتِيبُ الحالَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما في الذِّكْرِ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ يُنْبِئُ بِالمُرادِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ. والتَّرْتِيبُ في اللَّفِّ والنَّشْرِ هو الأصْلُ والغالِبُ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشَبَّهِينَ بِالأعْمى والأصَمِّ هُمُ الفَرِيقُ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]

والواوُ في قَوْلِهِ: والأصَمِّ لِلْعَطْفِ عَلى الأعْمى عَطَفَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ عَلى الآخَرِ. وكَذَلِكَ الواوُ في قَوْلِهِ: والسَّمِيعِ لِلْعَطْفِ عَلى البَصِيرِ

وأمّا الواوُ في قَوْلِهِ: والبَصِيرُ فَهي لِعِطْفِ التَّشْبِيهِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وهو النَّشْرُ بَعْدَ اللَّفِّ. فَهي لِعَطْفِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ، والعَطْفُ بِها لِلتَّقْسِيمِ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.

وقَدْ يَظُنُّ النّاظِرُ أنَّ المُناسِبَ تَرْكُ عَطْفِ صِفَةِ الأصَمِّ عَلى صِفَةِ الأعْمى كَما لَمْ يُعْطَفْ نَظِيراهُما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ ظَنًّا بِأنَّ مَوْرِدَ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن جَمَعُوا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ. وذَلِكَ أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما صاحِبُ الكَشّافِ. وقَدْ أجابَ أصْحابُ حَواشِي الكَشّافِ بِأنَّ

صفحة ٤٢

العَطْفَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ. ولَمْ يَذْكُرُوا لِهَذا التَّنْزِيلِ نُكْتَةً ولَعَلَّهم أرادُوا أنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِعْمالٍ في الكَلامِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:

يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ ال صابِحِ فالغانِـمِ فَـالآيِبِ

والوَجْهُ عِنْدِي في الدّاعِي إلى عَطْفِ صِفَةِ الأصَمِّ عَلى صِفَةِ الأعْمى أنَّهُ مَلْحُوظٌ فِيهِ أنَّ لِفَرِيقِ الكُفّارِ حالَيْنِ كُلُّ حالٍ مِنهُما جَدِيرٌ بِتَشْبِيهِهِ بِصِفَةٍ مِن تَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ عَلى حِدَةٍ، فَهم يُشَبِّهُونَ الأعْمى في عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى الدَّلائِلِ الَّتِي طَرِيقُ إدْراكِها البَصَرَ، يُشَبِّهُونَ الأصَمَّ في عَدَمِ فَهْمِ المَواعِظِ النّافِعَةِ الَّتِي طَرِيقُ فَهْمِها السَّمْعُ، فَهم في حالَتَيْنِ كُلُّ حالٍ مِنهُما مُشَبَّهٌ بِهِ، فَفي قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ تَشْبِيهانِ مُفَرَّقانِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبـًا ويابِـسًـا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي

والَّذِي في الآيَةِ تَشْبِيهُ مَعْقُولَيْنِ بِمَحْسُوسَيْنِ، واعْتِبارُ كُلِّ حالٍ مِن حالَيْ فَرِيقِ الكُفّارِ لا مَحِيدَ عَنْهُ لِأنَّ حُصُولَ أحَدِ الحالَيْنِ كافٍ في جَرِّ الضَّلالِ إلَيْهِمْ بَلْهَ اجْتِماعُهُما، إذِ المُشَبَّهُ بِهِما أمْرٌ عَدَمِيٌّ فَهو في قُوَّةِ المَنفِيِّ.

وأمّا الدّاعِي إلى العَطْفِ في صِفَتَيِ البَصِيرِ والسَّمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِحالِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ فَبِخِلافِ ما قَرَّرْنا في حالِ فَرِيقِ الكافِرِينَ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ تُشْبِهُ حالَةَ مَجْمُوعِ صِفَتَيِ البَصِيرِ والسَّمِيعِ، إذِ الِاهْتِداءُ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ فَلَوْ ثَبَتَتْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ وانْتَفَتِ الأُخْرى لَمْ يَحْصُلْ الِاهْتِداءُ إذِ الأمْرانِ المُشَبَّهُ بِهِما أمْرانِ وُجُودِيّانِ، فَهُما في قُوَّةِ الإثْباتِ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ الكَوْنَ الدّاعِيَ إلى عَطْفِ السَّمِيعِ عَلى البَصِيرِ في تَشْبِيهِ حالِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ هو المُزاوَجَةُ في العِبارَةِ لِتَكُونَ العِبارَةُ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ مُماثِلَةً لِلْعِبارَةِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ في سِياقِ الكَلامِ، والمُزاوَجَةُ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ ومَرْجِعُها إلى فَصاحَتِهِ.

صفحة ٤٣

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو نَفْيُ اسْتِواءِ حالِهِما، ونَفْيُ الِاسْتِواءِ كِنايَةٌ عَنِ التَّفْضِيلِ والمُفَضَّلِ مِنهُما مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيْ مَعْلُومٌ تَفْضِيلُ الفَرِيقِ المُمَثَّلِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ عَلى الفَرِيقِ المُمَثَّلِ بِالأعْمى والأصَمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.

وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ مِن جِهَةِ حالِهِما، والمَثَلُ: الحالُ.

والمَقْصُودُ تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالَةِ لَعَلَّهم يَتَدارَكُونَ أمْرَهم فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِالفاءِ جُمْلَةَ أفَلا تَذَكَّرُونَ

والهَمْزَةُ اسْتِفْهامٌ وإنْكارُ انْتِفاءِ تَذَكُّرِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ في ضَلالِهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَذَّكَّرُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ. وأصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ، فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًّا لِقُرْبِ مُخْرَجَيْهِما ولِيَتَأتّى الإدْغامُ تَخْفِيفًا. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ - بِتَخْفِيفِ الذّالِ - عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن أوَّلِ الفِعْلِ.

وفِي مُقابَلَةِ الأعْمى والأصَمِّ بِـ البَصِيرِ والسَّمِيعِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

11:25–26Страница 224

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥

Мы отправили Нуха (Ноя) к его народу: «Воистину, я для вас - разъясняющий и предостерегающий увещеватель.

أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦

Не поклоняйтесь никому, кроме Аллаха, ибо я боюсь, что вас подвергнут страданиям в Мучительный день».

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

انْتِقالٌ مِن إنْذارِ المُشْرِكِينَ ووَصْفِ أحْوالِهِمْ وما ناسَبَ ذَلِكَ إلى مَوْعِظَتِهِمْ بِما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ المَصائِبِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما لاقاهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ مِن أقْوامِهِمْ.

فالعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهي الَّتِي تُسَمّى الواوَ الِابْتِدائِيَّةُ.

وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لِما غَفَلُوا عَنِ الحَذَرِ مِمّا بِقَوْمِ نُوحٍ مَعَ مُماثَلَةِ حالِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ رِسالَتِهِ.

صفحة ٤٤

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ إنِّي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَحَلِّ حالٍ، أيْ قائِلًا.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، أيْ بِمَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنِّي نَذِيرٌ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالنِّذارَةِ البَيِّنَةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ أرْسَلْنا لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُها تَفْسِيرًا لِـ نَذِيرٌ لِما في ”نَذِيرٌ“ مِن مَعْنى القَوْلِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] . وهَذا الوَجْهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ أنِّي إذا اعْتُبِرَتْ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. ويَجُوزُ جَعْلُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ) عَلى قِراءَةِ - فَتْحِ الهَمْزَةِ - واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهُ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ”نَذِيرٌ“ لِأنَّ شَأْنَ النِّذارَةِ أنْ تَثْقُلَ عَلى النُّفُوسِ وتُخْزِهِمْ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالتَّعْلِيلِ لِدَفْعِ حَرَجِ ما يُلاقُونَهُ.

ووَصْفُ اليَوْمِ بِالألِيمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُوصَفَ العَذابُ بِالألِيمِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ لَمّا بَلَغَتِ الغايَةَ جُعِلَ زَمانُهُ ألِيمًا، أيْ مُؤْلِمًا.

وجُمْلَةُ أخافُ عَلَيْكم ونَحْوُها مِثْلُ أخْشى عَلَيْكَ، تُسْتَعْمَلُ لِلتَّوَقُّعِ في الأمْرِ المَظْنُونِ أوِ المَقْطُوعِ بِهِ بِاعْتِبارِ إمْكانِ الِانْفِلاتِ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا

فَيَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى الخَوْفِ مِنهُ ويَتَعَدّى إلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ لَبِيَدٍ.

صفحة ٤٥

والعَذابُ هُنا نَكِرَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ فَكانَ مُحْتَمِلًا لِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِنُزُولِهِ بِهِمْ ولَكِنَّهُ مَظْنُونٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ما عَلِمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِإيمانِ قَوْمِهِ وما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ في التَّبْلِيغِ، فَعَلِمَ أنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أنْ لا يَتْرُكَ مَن عَصَوْهُ دُونَ عُقُوبَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ في كَلامِهِ الآتِي ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود: ٣٣] عَلى ما يَأْتِي هُنالِكَ. وكانَ العَذابُ شامِلًا لِعَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا إنْ بَقَوْا عَلى الكُفْرِ، وهو مَقْطُوعٌ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ يَقْرِنُ الوَعِيدَ بِالدَّعْوَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كَلامِهِ الآتِي ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣]، وقَدْ تَبادَرَ إلى أذْهانِ قَوْمِهِ عَذابُ الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلِذَلِكَ قالُوا في كَلامِهِمُ الآتِي ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . ولَعَلَّ في كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تُفِيدُهم أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ في الدُّنْيا وهو الطُّوفانُ.

11:27Страница 224

فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧

Знатные люди его народа, которые не уверовали, сказали: «Мы видим, что ты - такой же человек, как и мы. Мы также видим, что за тобой пошли только самые ничтожные из нас, но даже они последовали за тобой, не поразмыслив. Мы не видим, чтобы вы чем-либо превосходили нас. Напротив, мы считаем вас лжецами».

﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

عَطَفَ قَوْلَ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ عَلى فِعْلِ أرْسَلْنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم بادَرُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والمُجادَلَةِ الباطِلَةِ لَمّا قالَ لَهم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] إلى آخِرِهِ. ولَمْ تَقَعْ حِكايَةُ ابْتِداءِ مُحاوَرَتِهِمْ إيّاهُ بِـ قالَ مُجَرَّدًا عَنِ الفاءِ كَما وقَعَ في الأعْرافِ لِأنَّ ابْتِداءَ مُحاوَرَتِهِ إيّاهم هُنا لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ القَوْلِ فَلَمْ يُحْكَ جَوابُهم بِطَرِيقَةِ المُحاوَراتِ بِخِلافِ آيَةِ الأعْرافِ.

والمَلَأُ: سادَةُ القَوْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٤٦

جَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فَقَدَّمُوا لِذَلِكَ مُقْدِماتٍ اسْتَخْلَصُوا مِنها تَكْذِيبَهُ، وتِلْكَ مُقْدِماتٌ باطِلَةٌ أقامُوها عَلى ما شاعَ بَيْنَهم مِنَ المُغالَطاتِ الباطِلَةِ الَّتِي رَوَّجَها الإلْفُ والعادَةُ فَكانُوا يُعِدِّونَ التَّفاضُلَ بِالسُّؤْدُدِ وهو شَرَفٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ قِوامُهُ الشَّجاعَةُ والكَرَمُ، وكانُوا يَجْعَلُونَ أسْبابَ السُّؤْدُدِ أسْبابًا مادِّيَّةً جَسَدِيَّةً، فَيُسَوِّدُونَ أصْحابَ الأجْسامِ البَهِجَةِ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لِأنَّهم بِبَساطَةِ مَدارِكِهِمْ العَقْلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ حُسْنَ الذَّواتِ، ويُسَوِّدُونَ أهْلَ الغِنى لِأنَّهم يَطْمَعُونَ في نَوالِهِمْ، ويُسَوِّدُونَ الأبْطالَ لِأنَّهم يُعِدُّونَهم لِدِفاعِ أعْدائِهِمْ. ثُمَّ هم يَعْرِفُونَ أصْحابَ تِلْكَ الخِلالِ إمّا بِمُخالَطَتِهِمْ وإمّا بِمُخالَطَةِ أتْباعِهِمْ فَإذا تَسامَعُوا بِسَيِّدِ قَوْمٍ ولَمْ يَعْرِفُوهُ تَعَرَّفُوا أتْباعَهُ وأنْصارَهُ، فَإنْ كانُوا مِنَ الأشْرافِ والسّادَةِ عَلِمُوا أنَّهم ما اتَّبَعُوهُ إلّا لَمّا رَأوْا فِيهِ مِن مُوجِباتِ السِّيادَةِ؛ وهَذِهِ أسْبابٌ مُلائِمَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ إذْ لا عِنايَةَ لَهم بِالجانِبِ النَّفْسانِيِّ مِنَ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ.

فَلَمّا دَعاهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعْوَةً عَلِمُوا مِنها أنَّهُ يَقُودُهم إلى طاعَتِهِ فَفَكَّرُوا وقَدَّرُوا فَرَأوُا الأسْبابَ المَأْلُوفَةَ بَيْنَهم لِلسُّؤْدُدِ مَفْقُودَةً مَن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَجَزَمُوا بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِالسِّيادَةِ عَلَيْهِمْ فَجَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الرِّسالَةِ بِسِيادَةٍ لِلْأُمَّةِ وقِيادَةٍ لَها.

وهَؤُلاءِ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وضَعْفِ مَدارِكِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا إدْراكَ أسْبابِ الكَمالِ الحَقِّ، فَذَهَبُوا يَتَطَلَّبُونَ الكَمالَ مِن أعْراضٍ تَعْرِضُ لِلنّاسِ بِالصُّدْفَةِ مِن سَعَةِ مالٍ، أوْ قُوَّةِ أتْباعٍ، أوْ عِزَّةِ قَبِيلَةٍ. وتِلْكَ أشْياءُ لا يَطَّرِدُ أثَرُها في جَلْبِ النَّفْعِ العامِّ ولا إشْعارٍ لَها بِكَمالِ صاحِبِها إذْ يُشارِكُهُ فِيها أقَلُّ النّاسِ عُقُولًا، والحَيَوانُ الأعْجَمُ مِثْلُ البَقَرَةِ بِما في ضَرْعِها مِن لَبَنٍ، والشّاةُ بِما عَلى ظَهْرِها مِن صُوفٍ، بَلْ غالِبُ حالِها أنَّها بِضِدِّ ذَلِكَ.

ورُبَّما تَطَلَّبُوا الكَمالَ في أجْناسٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ كالجِنِّ، أوْ زِيادَةِ خِلْقَةٍ لا أثَرَ لَها في عَمَلِ المُتَّصِفِ بِها مِثْلِ جَمالِ الصُّورَةِ وكَمالِ القامَةِ، وتِلْكَ وإنْ كانَتْ مُلازِمَةً لِمَوْصُوفاتِها لَكِنَّها لا تُفِيدُهم أنْ يَكُونُوا مَصادِرَ كَمالاتٍ،

صفحة ٤٧

فَقَدْ يُشارِكُهم فِيها كَثِيرٌ مِنَ العَجْماواتِ كالظِّباءِ والمَها والطَّواوِيسِ، فَإنِ ارْتَقَوْا عَلى ذَلِكَ تَطَلَّبُوا الكَمالَ في أسْبابِ القُوَّةِ والعِزَّةِ مِن بَسْطَةِ الجِسْمِ وإجادَةِ الرِّمايَةِ والمُجالَدَةِ والشَّجاعَةِ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ. وهَذِهِ أشْبَهُ بِأنْ تُعَدَّ في أسْبابِ الكَمالِ ولَكِنَّها مُكَمِّلاتٌ لِلْكَمالِ الإنْسانِيِّ لِأنَّها آلاتٌ لِإنْقاذِ المَقاصِدِ السّامِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ والحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ كالأنْبِياءِ والمُلُوكِ الصّالِحِينَ وبِدُونِ ذَلِكَ تَكُونُ آلاتٍ لِإنْفاذِ المَقاصِدِ السَّيِّئَةِ مِثْلَ شَجاعَةِ أهْلِ الحِرابَةِ وقُطّاعِ الطَّرِيقِ والشُّطّارِ، ومِثْلَ القُوَّةِ عَلى خَلْعِ الأبْوابِ لِاقْتِحامِ مَنازِلِ الآمِنِينَ.

وإنَّما الكَمالُ الحَقُّ هو زَكاءُ النَّفْسِ واسْتِقامَةِ العَقْلِ، فَهُما السَّبَبُ المُطَّرِدُ لِإيصالِ المَنافِعِ العامَّةِ لِما في هَذا العالَمِ، ولَهُما تَكُونُ القُوى المُنَفِّذَةُ خادِمَةً كالشَّجاعَةِ لِلْمُدافِعِينَ عَنِ الحَقِّ والمُلْجِئِينَ لِلطُّغاةِ عَلى الخُنُوعِ إلى الدِّينِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ وغَيْبَةِ الصَّوابِ فَلا يَكُونُ لَهُ العِصْمَةُ مِن ذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَحْفُوفًا بِالإرْشادِ الإلَهِيِّ المَعْصُومِ، وهو مَقامُ النُّبُوءَةِ والرِّسالَةِ.

فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ مَن قَوْمِ نُوحٍ لَمّا قَصَّرُوا عَنْ إدْراكِ أسْبابِ الكَمالِ وتَطَلَّبُوا الأسْبابَ مِن غَيْرِ مَكانِها نَظَرُوا نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ مِن جِنْسِ غَيْرِ البَشَرِ، وتَأمَّلُوهُ وأتْباعَهُ فَلَمْ يَرَوْا في أجْسامِهِمْ ما يُمَيِّزُهم عَنِ النّاسِ ورُبَّما كانَ في عُمُومِ الأُمَّةِ مَن هم أجْمَلُ وُجُوهًا أوْ أطْوَلُ أجْسامًا.

مِن أجْلِ ذَلِكَ أخْطَئُوا الِاسْتِدْلالَ فَقالُوا ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾، فَأسْنَدُوا الِاسْتِدْلالَ إلى الرُّؤْيَةِ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ لِأنَّهم جَعَلُوا اسْتِدْلالَهم ضَرُورِيًّا مِنَ المَحْسُوسِ مِن أحْوالِ الأجْسامِ، أيْ ما نَراكَ غَيْرَ إنْسانٍ، وهو مُماثِلٌ لِلنّاسِ لا يَزِيدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحَ أوْ قَوائِمَ زائِدَةً.

والبَشَرُ مُحَرَّكَةً: الإنْسانُ ذِكْرًا أوْ أُنْثى، واحِدًا كانَ أوْ جَمْعًا. قالَ الرّاغِبُ: ”عَبَّرَ عَنِ الإنْسانِ بِالبَشَرِ اعْتِبارًا بِظُهُورِ بَشَرَتَهُ وهي جِلْدُهُ مِنَ الشَّعْرِ بِخِلافِ الحَيَواناتِ الَّتِي عَلَيْها الصُّوفُ والشَّعْرُ والوَبَرُ“ أيْ والرِّيشُ. والبَشَرُ مُرادِفُ

صفحة ٤٨

الإنْسانِ فَيُطْلَقُ كَما يُطْلَقُ الإنْسانُ عَلى الواحِدِ والأكْثَرِ والمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ. وقَدْ يُثَنّى كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]

وقالُوا ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ فَجَعَلُوا أتْباعَ النّاسِ المَعْدُودِينَ في عادَتِهِمْ أراذِلَ مَحْقُورِينَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا مَيْزَةَ لَهُ عَلى سادَتِهِمُ الَّذِينَ يَلُوذُ بِهِمْ أشْرافُ القَوْمِ وأقْوِياؤُهم. فَنَفَوْا عَنْهُ سَبَبَ السِّيادَةِ مِن جِهَتَيْ ذاتِهِ وأتْباعِهِ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ لِأنَّهم يَتَرَفَّعُونَ عَنْ مُخالَطَةِ أمْثالِهِمْ وأنَّهُ لَوْ أبْعَدَهم عَنْهُ لاتَّبَعُوهُ، ولِذَلِكَ ورَدَ بَعْدَهُ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] الآيَةَ.

والأراذِلُ: جَمْعُ أرْذَلَ المَجْعُولِ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ كَذَلِكَ عَلى القِياسِ، أوْ جَمْعُ رَذِيلٍ عَلى خِلافِ القِياسِ. والرَّذِيلُ: المُحْتَقَرُ. وأرادُوا أنَّهم مِن لَفِيفِ القَوْمِ غَيْرُ سادَةٍ ولا أثْرِياءَ. وإضافَةُ (أراذِلُ) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ لِتَعْيِينِ القَبِيلَةِ، أيْ أراذِلُ قَوْمِنا. وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ دُونَ أنْ يُقالَ: إلّا أراذِلُنا لِحِكايَةِ أنَّ في كَلامِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيماءً إلى شُهْرَةِ أتْباعِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ قَوْمِهِمْ بِوَصْفِ الرَّذالَةِ والحَقارَةِ، وكانَ أتْباعُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ضُعَفاءِ القَوْمِ ولَكِنَّهم مِن أزْكِياءِ النُّفُوسِ مِمَّنْ سَبَقَ لَهُمُ الهُدى.

وبادِيَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ في آخِرِهِ - عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن بَدا المَقْصُورِ إذا ظَهَرَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ لَمّا تَحَرَّكَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها، فَلَمّا صِيغَ مِنهُ وزْنُ فاعِلٍ وقَعَتِ الواوُ مُتَطَرِّفَةً إثْرَ كَسْرَةٍ فَقُلِبَتْ ياءً. والمَعْنى فِيما يَبْدُو لَهم مِنَ الرَّأْيِ دُونَ بَحْثٍ عَنْ خَفاياهُ ودَقائِقِهِ.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ - بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ - عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَداءِ، وهو أوَّلُ الشَّيْءِ.

والمَعْنى: فِيما يَقَعُ أوَّلَ الرَّأْيِ، أيْ دُونَ إعادَةِ النَّظَرِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ التَّمْوِيهِ، ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ.

والرَّأْيُ: نَظَرُ العَقْلِ، مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ رَأى، كَما اسْتُعْمِلَ رَأى بِمَعْنى ظَنَّ وعَلِمَ.

صفحة ٤٩

يَعْنُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ غَرَّتْهم دَعْوَتُكَ فَتَسَرَّعُوا إلى مُتابَعَتِكَ ولَوْ أعادُوا النَّظَرَ والتَّأمُّلَ لَعَلِمُوا أنَّكَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُتَّبَعَ.

وانْتِصابُ (بادِئَ الرَّأْيِ) بِالنِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ، أيْ في وقْتِ الرَّأْيِ دُونَ بَحْثٍ عَنْ خَفِيِّهِ، أوْ في الرَّأْيِ الأوَّلِ دُونَ إعادَةِ نَظَرٍ.

وإضافَةُ بادِئَ إلى الرَّأْيِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ومَعْنى كَلامِهِمْ: لا يَلْبَثُ أنْ يَرْجِعَ إلى مُتَّبِعِيكَ رُشْدُهم فَيُعِيدُوا التَّأمُّلَ في وقْتٍ آخَرَ ويُكْشَفَ لَهم خَطَؤُهم.

ولَمّا وصَفُوا كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِما يَنْفِي سِيادَةَ المَتْبُوعِ وتَزْكِيَةَ التّابِعِ جَمَعُوا الوَصْفَ الشّامِلَ لَهُما. وهو المَقْصُودُ مِنَ الوَصْفَيْنِ المُفَرِّقَيْنِ. وذَلِكَ قَوْلُهم ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فَنَفَوْا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعِهِ فَضْلٌ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَتّى يَكُونَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيِّدًا لَهم ويَكُونُ أتْباعُهُ مُفَضَّلَيْنِ بِسِيادَةِ مَتْبُوعِهِمْ.

والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في الشَّرَفِ والكَمالِ، والمُرادُ هُنا آثارُهُ وعَلاماتُهُ لِأنَّها الَّتِي تُرى، فَجَعَلُوا عَدَمَ ظُهُورِ فَضْلٍ لَهم عَلَيْهِمْ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ فَضْلِهِمْ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا تَخْفى آثارُهُ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ انْتِفاءُ رُؤْيَتِها دَلِيلًا عَلى انْتِفائِها إذْ لَوْ ثَبَتَتْ لَرُئِيَتْ.

وجُمْلَةُ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ إبْطالٌ لِلْمَنفِيِّ كُلِّهِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْواهُ بِإثْباتِ ضِدِّ المَنفِيِّ، وهو ظَنُّهم إيّاهم كاذِبِينَ لِأنَّهُ إذا بَطَلَ الشَّيْءُ ثَبَتَ ضِدَّهُ، فَزَعَمُوا نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وأتْباعَهُ كاذِبِينَ في دَعْوى حُصُولِ اليَقِينِ بِصِدْقِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بَلْ ذَلِكَ مِنهُمُ اعْتِقادٌ باطِلٌ، وهَذا الظَّنُّ الَّذِي زَعَمُوهُ مُسْتَنِدٌ إلى الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ في اعْتِقادِهِمْ.

واسْتُعْمَلَ الظَّنُّ هُنا في العِلْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وهو إطْلاقٌ شائِعٌ في الكَلامِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English