Ибн АшурХуд · 11:34–41

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Худ 11:34–41

11:34Страница 225

وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤

Мои наставления не принесут вам пользы, даже если я хочу дать вам добрый совет, если Аллах пожелал ввести вас в заблуждение. Он - ваш Господь, и к Нему вы будете возвращены».

﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى وعْظِهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ وتَوَقُّعِهِ بَيانَ حالِ مُجادَلَتِهِ إيّاهُمُ الَّتِي امْتَعَضُوا مِنها بِأنَّها مُجادَلَةٌ لِنَفْعِهِمْ وصَلاحِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ حَيْثُ كَرِهُوا ما هو نَفْعٌ لَهم.

والنُّصْحُ: قَوْلٌ أوْ عَمَلٌ يُرِيدُ صاحِبُهُ صَلاحَ المَعْمُولِ لِأجْلِهِ. وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ النّافِعَةِ المُنْقِذَةِ مِنَ الأضْرارِ. ويَكُونُ بِالعَمَلِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ ”«الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» “ أيِ الإخْلاصُ في العَمَلِ لَهُما لِأنَّ اللَّهَ لا يُنَبَّأُ بِشَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ. فالمُرادُ بِالنُّصْحِ هُنا هو ما سَمّاهُ قَوْمُهُ بِالجِدالِ، أيْ هو أوْلى بِأنْ يُسَمّى نُصْحًا لِأنَّ الجِدالَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ كَما تَقَدَّمَ.

صفحة ٦٢

وجُمْلَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، فَجَوابُها في مَعْنى قَوْلِهِ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ بُنِيَ عَلى الإخْبارِ بِعَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ اهْتِمامًا بِذَلِكَ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ وأُتِيَ بِالشَّرْطِ قَيْدًا لَهُ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ فَهو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ دَلِيلِ جَوابِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَكِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى تَعْلِيقٍ، وغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّقْيِيدُ أصْلًا، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الشَّرْطِ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ في مَسائِلِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ أكَلْتِ إنْ شَرِبْتِ فَأنْتِ طالِقٌ؛ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ في شَرْطٍ مُقَيِّدٍ لِشَرْطٍ آخَرَ. عَلى أنَّ المَقْصُودَ إذا اجْتَمَعَ فِعْلا الشَّرْطَيْنِ حَصَلَ مَضْمُونُ جَوابِهِما. ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَهَـا كَـرَمُ

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فَكُلٌّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَقْصُودٌ التَّعْلِيقِ بِهِ. وقَدْ حُذِفَ جَوابُ أحَدِهِما لِدَلالَةِ جَوابِ الآخَرِ عَلَيْهِ.

والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ مُؤْذِنٌ بِعَزْمِهِ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ واجِبَهُ هو البَلاغُ وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ.

وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إلى ما هم فِيهِ مِن كَراهِيَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبُهُ خِذْلانُ اللَّهِ إيّاهم ولَوْلاهُ لَنَفَعَهم نُصْحُهُ، ولَكِنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَعْلَمُ مُرادَ اللَّهِ مِن إغْوائِهِمْ ولا مَدى اسْتِمْرارِ غَوايَتِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَنْصَحَ لَهم إلى نِهايَةِ الأمْرِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ اللّامِ عَلى مَفْعُولِ نَصَحَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في بَراءَةَ.

صفحة ٦٣

والإغْواءُ: جَعْلُ الشَّخْصِ ذا غِوايَةٍ، وهي الضَّلالُ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم إنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ، أوْ لِتَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ إنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرًا.

والتَّقْدِيمُ في ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ؛ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا بَلْهَ أنْ يَزْعُمُوا أنَّهم يَحْضُرُونَ إلى اللَّهِ وإلى غَيْرِهِ.

وتَمَثَّلَتْ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ صُورَةٌ واضِحَةٌ مِن تَفْكِيرِ أهْلِ العُقُولِ السَّخِيفَةِ الَّتِي رانَ عَلَيْها الضَّلالُ فَقَلَبَ أفْكارَها إلى اعْوِجاجٍ فَظِيعٍ، وهي الصُّورَةُ الَّتِي تَتَمَثَّلُ في الأُمَمِ الَّتِي لَمْ يُثَقِّفْ عُقُولَها الإرْشادُ الدِّينِيُّ فَغَلَبَ عَلَيْها الِانْسِياقُ وراءَ داعِي الهَوى، وامْتَلَكَها الغُرُورُ بِظَنِّ الخَطَأِ صَوابًا، ومُصانَعَةِ مَن تُصَأْصِئُ عَيْنُ بَصِيرَتِهِ بِلائِحٍ مِنَ النُّورِ، مَن يَدْعُوهُ إلى إغْماضِها وعَدِمَتِ الوازِعَ النَّفْسانِيَّ فَلَمْ تَعْبَأْ إلّا بِالصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ ولَمْ تَهْتَمَّ إلّا بِاللَّذّاتِ وحُبِّ الذّاتِ ولا تَزِنُ بِمِعْيارِ النَّقْدِ الصَّحِيحِ خُلُوصَ النُّفُوسِ مِن دَخَلِ النَّقائِصِ.

11:35Страница 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Или же они говорят: «Он сочинил его». Скажи: «Если я сочинил его, то на мне лежит мой грех, но к вашим преступлениям я непричастен».

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ القِصَّةِ، ومَن جَعَلَها مِنها فَقَدْ أبْعَدَ، وهي تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِها السّابِقِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ومُناسَبَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ تَفاصِيلَ القِصَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُونَ تَفاصِيلٌ عَجِيبَةٌ تَدْعُو المُنْكِرِينَ إلى أنْ يَتَذَكَّرُوا إنْكارَهم ويُعِيدُوا ذِكْرَهُ.

صفحة ٦٤

وكَوْنُ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما حَصَلَ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشاهِدَةٌ بِهِ كُتُبُ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مَعَ أُمِّيَّتِهِ وبُعْدِ قَوْمِهِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ آيَةٌ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ.

فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حَرْفُ (أمِ) المُخْتَصُّ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. ومَوْقِعُ الإنْكارِ بَدِيعٌ لِتَضَمُّنِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.

وأمْ هُنا لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ لِغَرَضٍ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ.

وجُمْلَةُ قُلْ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يُعْرَضَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بِالدَّلِيلِ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِذَلِكَ إذْ قَدْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ تُغْنِ فِيهِمْ شَيْئًا، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا بِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لَكانَتْ تَبِعَةُ افْتِرائِهِ عَلى نَفْسِهِ لا يَنالُهم مِنها شَيْءٌ.

وتَقْدِيُمُ عَلَيَّ مُؤْذِنٌ بِالقَصْرِ، أيْ إجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم فَلِماذا تُكْثِرُونَ ادِّعاءَ الِافْتِراءِ كَأنَّكم سَتُؤاخَذُونَ بِتَبِعَتِهِ. وهَذا جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ لَهم والكَلامِ المُنْصِفِ.

ومَعْنى جَعْلِ الِافْتِراءِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ: أنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ الِافْتِراءُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]

ولَمّا كانَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ إجْرامًا عَدَلَ في الجَوابِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالِافْتِراءِ مَعَ أنَّهُ المُدَّعِي إلى التَّعْبِيرِ بِالإجْرامِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: فَعَلَيَّ إجْرامُ افْتِرائِي.

وذِكْرُ حَرْفِ عَلى مَعَ الإجْرامِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الإجْرامَ مُؤاخَذٌ بِهِ كَما تَقْتَضِيهِ مادَّةُ الإجْرامِ.

صفحة ٦٥

والإجْرامُ: اكْتِسابُ الجُرْمِ وهو الذَّنْبُ، فَهو يَقْتَضِي المُؤاخَذَةَ لا مَحالَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَهي ابْتِدائِيَّةٌ. وظاهِرُها أنَّها تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَأْيِيدُهُ بِمُقابِلِهِ، أيْ فَإجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم كَما أنَّ إجْرامَكم لا تَنالُنِي مِنهُ تَبِعَةٌ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ تَبِعَتِهِ وإنَّما هو تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَوْجِيهٌ بَدِيعٌ وهو إفادَةُ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِن أنْ يَفْتَرِيَ القُرْآنَ فَإنَّ افْتِراءَ القُرْآنِ دَعْوًى باطِلَةً ادَّعَوْها عَلَيْهِ فَهي إجْرامٌ مِنهم عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى وأنا بَرِيءٌ مِن قَوْلِكُمُ الَّذِي تُجْرِمُونَهُ عَلَيَّ باطِلًا.

11:36Страница 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

Нуху (Ною) было внушено в откровении: «Верующими из твоего народа будут только те, которые уже уверовали. Посему не печалься от того, что они совершают.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ [هود: ٣٢] أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أُوحِيَ إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾

واسْمُ (أنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ دالٌّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ أمْرُهم خَطِيرٌ لِأنَّها تَأْيِيسٌ لَهُ مِن إيمانِ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ كَما دَلَّ حَرْفُ لَنِ المُفِيدُ تَأْبِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِتَسْلِيَتِهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فالفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّسْلِيَةِ عَلى الخَبَرِ المُحْزِنِ.

والِابْتِئاسُ افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ وهو الهَمُّ والحَزَنُ، أيْ لا تَحْزَنْ.

ومَعْنى الِافْتِعالِ هُنا التَّأثُّرِ بِالبُؤْسِ الَّذِي أحْدَثَهُ الخَبَرُ المَذْكُورُ. و(ما كانُوا يَفْعَلُونَ) هو إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ واعْتِراضُهم عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ إلى وقْتِ أنْ

صفحة ٦٦

أُوحِيَ إلَيْهِ هَذا. قالَ اللَّهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧]

وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِـ قَدْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن قَدْ آمَنَ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المُرادَ مَن حَصَلَ مِنهُمُ الإيمانُ يَقِينًا دُونَ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا.

11:37Страница 225

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

Воздвигни ковчег у Нас на Глазах и по откровению Нашему, и не проси Меня за тех, которые были несправедливы. Воистину, они будут потоплены».

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

لَمّا كانَ نَهْيُهُ عَنِ الِابْتِئاسِ بِفِعْلِهِمْ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِهِمْ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ يَنْتَصِرُ لَهُ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ لِتَهْيِئَةِ نَجاتِهِ ونَجاةِ مَن قَدْ آمَنَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِقَوْمِهِ. كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] الآيَةَ. فَجُمْلَةُ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦] وهي بِذَلِكَ داخِلَةٌ في المُوحى بِهِ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ووَحْيِنا، ولِذَلِكَ فَنُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن صَنَعَ الفُلْكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا لِلْبَشَرِ، وكانَ ذَلِكَ مُنْذُ قُرُونٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا يُعْتَدُّ بِما يُوجَدُ في الإسْرائِيلِيّاتِ مِن إحْصاءِ قُرُونِها.

والفُلْكُ اسْمٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والباءُ في بِأعْيُنِنا لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اصْنَعِ

والأعْيُنُ اسْتِعارَةٌ لِلْمُراقَبَةِ والمُلاحَظَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ في (أعْيُنِنا) بِمَعْنى المُثَنّى، أيْ بِعَيْنَيْنا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] . والمُرادُ الكِنايَةُ بِالمَعْنى المَجازِيِّ عَنْ لازِمِهِ وهو الحِفْظُ مِنَ الخَلَلِ والخَطَأِ في الصُّنْعِ.

صفحة ٦٧

والمُرادُ بِالوَحْيِ هُنا الوَحْيُ الَّذِي بِهِ وصَفَ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ بِباءِ المُلابَسَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْرِ بِالصُّنْعِ.

ودَلَّ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . عَلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عِقابٌ عَظِيمٌ لِأنَّ المُرادَ بِالمُخاطَبَةِ المَنهِيِّ عَنْها المُخاطَبَةُ الَّتِي تَرْفَعُ عِقابَهم فَتَكُونُ لِنَفْعِهِمْ كالشَّفاعَةِ، وطَلَبِ تَخْفِيفِ العِقابِ لا مُطْلَقَ المُخاطَبَةِ. ولَعَلَّ هَذا تَوْطِئَةٌ لِنَهْيِهِ عَنْ مُخاطَبَتِهِ في شَأْنِ ابْنِهِ الكافِرِ قَبْلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالُ نَجاتِهِ حَتّى يَكُونَ الرَّدُّ عَلَيْهِ حِينَ السُّؤالِ ألْطَفَ.

وجُمْلَةُ إنَّهم مُغْرَقُونَ إخْبارٌ بِما سَيَقَعُ وبَيانٌ لِسَبَبِ الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالٌ لِتَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ المُتَرَدِّدِ مَنزِلَةَ السّائِلِ إذا قَدَّمَ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ مِمّا يُلَوِّحُ إلى جِنْسِ الخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُهُ لِتَعْيِينِهِ اسْتِشْرافًا يُشْبِهُ اسْتِشْرافَ السّائِلِ عَنْ عَيْنِ الخَبَرِ.

11:38–39Страница 226

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

Он сооружал ковчег, и каждый раз, когда мимо него проходили знатные люди из его народа, они глумились над ним, а он говорил: «Если вы глумитесь над нами, то и мы будем глумиться над вами, подобно тому, как глумитесь вы.

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

Вы непременно узнаете, кого поразит унизительная кара, кого постигнут вечные мучения».

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧] . أيْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وصَنَعَ الفُلْكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ صُنْعِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ لِتَخْيِيلِ السّامِعِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَدَدِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]

وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصْنَعُ

صفحة ٦٨

وكُلَّما كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (كُلَّ) و(ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ. وانْتَصَبَتْ (كُلَّ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّها اكْتَسَبَتِ الظَّرْفِيَّةَ بِالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، وهو مُتَعَلِّقُ سَخِرُوا، وهو جَوابُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: وسَخِرَ مِنهُ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ في كُلِّ زَمَنِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا في كُلَّما مِنَ العُمُومِ مَعَ الظَّرْفِيَّةِ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلُ إذا فاحْتاجَتْ إلى جَوابٍ وهو ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾

وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ حِكايَةٌ لِما يُجِيبُ بِهِ سُخْرِيَتَهم، أُجْرِيَتْ عَلى طَرِيقَةِ فِعْلِ القَوْلِ إذا وقَعَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَخِرُوا تَتَضَمَّنُ أقْوالًا تَنْبَنِي عَنْ سُخْرِيَتِهِمْ أوْ تُبِينُ عَنْ كَلامٍ في نُفُوسِهِمْ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنّا يُشِيرُ إلى أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في عَمَلِ السَّفِينَةِ ومِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إذْ كانُوا حَوْلَهُ واثِقِينَ بِأنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ جَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾

والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. وهو تَعَجُّبٌ بِاحْتِقارٍ واسْتِحْماقٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِـ مِن

وسُخْرِيَتُهم مِنهُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلى العَبَثِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ما يَصْنَعُهُ لا يَأْتِي بِتَصْدِيقِ مُدَّعاهُ.

وسُخْرِيَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ. مِنَ الكافِرِينَ مِن سَفَهِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. فالسُّخْرِيَتانِ مُقْتَرِنَتانِ في الزَّمَنِ.

وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ فَهو تَشْبِيهٌ في السَّبَبِ الباعِثِ عَلى السُّخْرِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ بَوْنٌ.

صفحة ٦٩

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَيُفِيدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ السُّخْرِيَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ المُعَلَّلَةَ أحَقُّ مِنَ الأُخْرى، فالكُفّارُ سَخِرُوا مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَمَلٍ يَجْهَلُونَ غايَتَهُ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ سَخِرُوا مِنَ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم جاهِلُونَ في غُرُورٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُسْخَرَ مِنهُ.

وفِي إسْنادِ العِلْمِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دُونَ الضَّمِيرِ المُشارِكِ بِأنْ يُقالَ: فَسَوْفَ نَعْلَمُ، إيماءٌ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الأحَقُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ. وهَذا يُفِيدُ أدَبًا شَرِيفًا بِأنَّ الواثِقَ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ لا يُزَعْزِعُ ثِقَتَهُ مُقابَلَةُ السُّفَهاءِ أعْمالَهُ النّافِعَةَ بِالسُّخْرِيَةِ، وأنَّ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ أنْ يَسْخَرُوا مِنَ السّاخِرِينَ.

والخِزْيُ: الإهانَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آخِرِ سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.

والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ مَن يَأْتِيهِ عَذابُ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا، والعَذابُ الخالِدُ في الآخِرَةِ.

ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وحُلُولُ العَذابِ: حُصُولُهُ؛ شَبَّهَ الحُصُولَ بِحُلُولِ القادِمِ إلى المَكانِ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.

11:40Страница 226

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

А когда явилось Наше веление и разразилась потоком печь, Мы сказали: «Погрузи на него от каждого вида по паре и свою семью, за исключением тех, о которых уже было сказано Слово, а также тех, кто уверовал». Но уверовали вместе с ним лишь немногие.

﴿حَتّى إذا جا أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾

حَتّى غايَةٌ لِـ يَصْنَعُ الفُلْكَ أيْ يَصْنَعُهُ إلى زَمَنِ مَجِيءِ أمْرِنا، فَـ إذا ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ ولِذَلِكَ جِيءَ لَهُ بِجَوابٍ. وهو جُمْلَةُ ﴿قُلْنا احْمِلْ﴾ .

صفحة ٧٠

وجَعَلَ الشَّرْطَ وجَوابَهُ غايَةً بِاعْتِبارِ ما في حَرْفِ الشَّرْطِ مِن مَعْنى الزَّمانِ وإضافَتِهِ إلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَحَصَلَ مَعْنى الغايَةِ عِنْدَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الجَزاءِ. وهو نَظْمٌ بَدِيعٌ بِإيجازِهِ.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ.

والأمْرُ هُنا يَحْتَمِلُ أمْرَ التَّكْوِينِ بِالطُّوفانِ، ويَحْتَمِلُ الشَّأْنَ وهو حادِثُ الغَرَقِ، وإضافَتُهُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِهِ بِأنَّهُ فَوْقَ ما يَعْرِفُونَ.

ومَجِيءُ الأمْرِ: حُصُولُهُ.

والفَوَرانُ: غَلَيانُ القِدْرِ، ويُطْلِقُ عَلى نَبْعِ الماءِ بِشِدَّةٍ، تَشْبِيهًا بِفَوَرانِ ماءٍ في القِدْرِ إذا غَلِيَ، وحَمَلُوهُ عَلى ما جاءَ في آياتٍ أُخْرى مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] . ولِذَلِكَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهم إسْنادُهُ إلى التَّنُّورِ. فَإنَّ التَّنُّورَ هو المَوْقِدُ الَّذِي يَنْضَجُ فِيهِ الخُبْزُ، فَكَثُرَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّنُّورِ بَلَغَتْ نِسْبَةُ أقْوالٍ مِنها ما لا يَنْبَغِي قَبُولُهُ. ومِنها ما لَهُ وجْهٌ وهو مُتَفاوِتٌ.

فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أبْقى التَّنُّورَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَجَعَلَ الفَوَرانَ خُرُوجَ الماءِ مِن أحَدِ التَّنانِيرِ وأنَّهُ عَلامَةٌ جَعَلَها اللَّهُ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا فارَ الماءُ مِن تَنُّورِهِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مَبْدَأ الطُّوفانِ فَرَكِبَ الفُلْكَ وأرْكَبَ مَن مَعَهُ.

ومِنهم مَن حَمَلَ التَّنُّورَ عَلى المَجازِ المُفْرَدِ فَفَسَّرَهُ بِسَطْحِ الأرْضِ. أيْ فارَ الماءُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ حَتّى صارَ بِسَطْحِ الأرْضِ كَفُوَّهَةِ التَّنُّورِ.

ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِأعْلى الأرْضِ.

ومِنهم مَن حَمَلَ فارَ والتَّنُّورَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِاشْتِدادِ الحالِ، كَما يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ. وقَعَ حِكايَةُ ذَلِكَ في

صفحة ٧١

تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: وأنْشَدَ الطَّبَرْسِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ. وهو النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

تَفُورُ عَلَيْنا قِدْرُهم فَنُدِيمُهَـا ونَفْثَأُها عَنّا إذا قِدْرُها غَلى

يُرِيدُ بِالقِدْرِ الحَرْبَ، ونَفْثَأُها، أيْ نُسَكِّنُها، يُقالُ: فَثَأ القِدْرُ إذا سَكَنَ غَلَيانُها بِصَبِّ الماءِ فِيها. وهَذا أحْسَنُ ما حُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَثَلٌ لِبُلُوغِ الشَّيْءِ إلى أقْصى ما يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ. كَما يُقالُ: بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وامْتَلَأ الصّاعُ، وفاضَتِ الكَأْسُ وتَفاقَمَ.

والتَّنُّورُ: مَحْفِلُ الوادِي، أيْ ضَفَّتُهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ طَما الوادِي مِن قَبِيلِ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى. والمَعْنى: بِأنَّ نَفاذَ أمْرِنا فِيهِمْ وبَلَغُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الكُفْرِ مَبْلَغًا لا يُغْتَفَرُ لَهم بَعْدُ كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]

والتَّنُّورُ: اسْمٌ لِمَوْقِدِ النّارِ لِلْخُبْزِ. وزَعَمَهُ اللَّيْثُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ اللُّغاتُ، أيْ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ. ونَسَبَ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: كَلامُ اللَّيْثِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ أعْجَمِيٌّ.

والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ فَعُّولٌ مِن تَنَرَ ولا نَعْرِفُ تَنَرَ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ مُهْمَلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ نُونٌ قَبْلَ راءٍ فَإنَّ نَرْجِسَ مُعَرَّبٌ أيْضًا. وقَدْ عُدَّ في الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ. ونَظَمَها ابْنُ السُّبْكِيِّ في شَرْحِهِ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ الأصْلِيِّ ونَسَبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ دُرَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وزْنُهُ فَعَّولٌ. وعَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، قالَ: وزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ (أيْ فالتّاءُ زايِدَةٌ) وأصْلُهُ تَنُوُورٌ بِواوَيْنِ، فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً لِانْضِمامِها ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا ثُمَّ شُدِّدَتِ النُّونُ عِوَضًا عَمّا حُذِفَ أيْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَقَضّى البازِيُّ بِمَعْنى تَقَضَّضَ.

صفحة ٧٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ بِإضافَةِ (كُلِّ) إلى زَوْجَيْنِ

والزَّوْجُ: شَيْءٌ يَكُونُ ثانِيًا لِآخَرَ في حالِةٍ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِما يَنْضَمُّ إلى فَرْدٍ فَيَصِيرُ زَوْجًا لَهُ، وكُلٌّ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ. والمُرادُ بِزَوْجَيْنِ هُنا الذَّكَرُ والأُنْثى مِنَ النَّوْعِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إضافَةُ (كُلِّ) إلى (زَوْجَيْنِ)، أيِ احْمِلْ فِيها مِن أزْواجِ جَمِيعِ الأنْواعِ.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(اثْنَيْنِ) مَفْعُولُ (احْمِلْ)، وهو بَيانٌ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنْ يَحْمِلَ كُلَّ زَوْجَيْنِ واحِدًا مِنهُما لِأنَّ الزَّوْجَ هو واحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. ولِئَلّا يَحْمِلَ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ مِن نَوْعٍ لِتَضِيقَ السَّفِينَةُ وتَثْقُلَ.

وقَرَأهُ حَفْصٌ (مِن كُلٍّ) بِتَنْوِينِ (كُلٍّ) فَيَكُونُ تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ مِن كُلِّ المَخْلُوقاتِ، ويَكُونُ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولَ (احْمِلْ)، ويَكُونُ (اثْنَيْنِ) صِفَةً لِـ (زَوْجَيْنِ) أيْ لا تَزِدْ عَلى اثْنَيْنِ.

وأهْلُ الرَّجُلِ قَرابَتُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ. وزَوْجُهُ أوَّلُ مَن يُبادَرُ مِنَ اللَّفْظِ، ويُطْلَقُ لَفْظُ الأهْلِ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ قالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]، وقالَ ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] أيْ مِن عِنْدِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

و﴿مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ أيْ مَن مَضى قَوْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أيْ وعِيدُهُ. فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِلْعَهْدِ، يَعْنِي إلّا مَن كانَ مِن أهْلِكَ كافِرًا. وماصَدَقُ هَذا إحْدى امْرَأتَيْهِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وابْنُهُ مِنها المَذْكُورُ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ. وكانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - امْرَأتانِ.

وعُدِّيَ (سَبَقَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (سَبَقَ) مَعْنى: حَكَمَ، كَما عُدِّيَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِالتِزامِ النّافِعِ.

صفحة ٧٣

و(مَن آمَنَ) كُلُّ المُؤْمِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ اعْتِراضٌ لِتَكْمِيلِ الفائِدَةِ مِنَ القِصَّةِ في قِلَّةِ الصّالِحِينَ. قِيلَ: كانَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن أهْلِهِ وغَيْرِهِمْ نَيِّفًا وسَبْعِينَ بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، فَكانَ مُعْظَمُ حُمُولَةِ السَّفِينَةِ مِنَ الحَيَوانِ.

* * *

[ قَوْلُهُ تَعالى: وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها. . . ] ‌‌

11:41Страница 226

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

Он сказал: «Садитесь на него! С именем Аллаха он будет плыть и останавливаться. Воистину, Господь мой - Прощающий, Милосердный».

﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] أيْ قُلْنا لَهُ ذَلِكَ. وقالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ (ارْكَبُوا)

وضَمِيرُ (فِيها) لَمَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ، أيِ السَّفِينَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] أيْ سَفِينَةٍ.

وعُدِّيَ فِعْلُ (ارْكَبُوا) بِـ (في) جَرْيًا عَلى الفَصِيحِ فَإنَّهُ يُقالُ: رَكِبَ الدّابَّةَ إذا عَلاها. وأمّا رُكُوبُ الفُلْكِ فَيُعَدّى بِفي لِأنَّ إطْلاقَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ مَجازٌ، وإنَّما هو جُلُوسٌ واسْتِقْرارٌ فَلا يُقالُ: رَكِبَ السَّفِينَةَ، فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرُّكُوبِ الحَقِيقِيِّ والرُّكُوبِ المُشابِهِ لَهُ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.

والباءُ في بِاسْمِ اللَّهِ لِلْمُلابَسَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا أيْ مُلابِسِينَ لِاسْمِ اللَّهِ، وهي مُلابَسَةُ القَوْلِ لِقائِلِهِ، أيْ قائِلِينَ: بِاسْمِ اللَّهِ.

و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ - بِضَمِّ المِيمَيْنِ فِيهِما - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهُما مَصْدَرا أجْرى السَّفِينَةَ إذا جَعَلَها جارِيَةً، أيْ سَيَّرَها بِسُرْعَةٍ، وأرْساها إذا جَعَلَها راسِيَةً أيْ واقِفَةً عَلى الشّاطِئِ. يُقالُ: رَسا إذا ثَبَتَ في المَكانِ.

صفحة ٧٤

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ مَجْراها فَقَطْ - بِفَتْحِ المِيمِ - عَلى أنَّهُ مَفْعَلٌ لِلْمَصْدَرِ أوِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ. وأمّا (مُرْساها) - فَبِضَمِّ المِيمِ - مِثْلَ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: مَرْساها - بِفَتْحِ المِيمِ - . والعُدُولُ عَنِ الفَتْحِ في مَرْساها في كَلامِ العَرَبِ مَعَ أنَّهُ في القِياسِ مُماثِلُ مَجْراها وجْهُهُ دَفْعُ اللَّبْسِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِاسْمِ المَرْسى الَّذِي هو المَكانُ المُعَدُّ لِرُسُوِّ السُّفُنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالنِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها ووَقْتَ إرْسائِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وهو رَأْيُ نُحاةِ الكُوفَةِ، وما هو بِبَعِيدٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالرُّكُوبِ المُقَيَّدِ بِالمُلابَسَةِ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَفي التَّعْلِيلِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ بِنَجاتِهِمْ، وذَلِكَ مِن غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ. وأكَّدَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ تَحْقِيقًا لِأتْباعِهِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English