Ибн АшурХуд · 11:50–58

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Худ 11:50–58

11:50–52Страница 227

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠

Мы отправили к адитам их брата Худа. Он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас иного божества, кроме Него. Вы же измышляете ложь.

يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١

О мой народ! Я не прошу у вас за это награды, ибо вознаградит меня Тот, Кто создал меня. Неужели вы не разумеете?

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

О мой народ! Просите прощения у вашего Господа, а затем покайтесь перед Ним. Он ниспошлет вам с неба обильный дождь и приумножит вашу силу. Посему не отворачивайтесь, будучи грешниками».

صفحة ٩٤

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.

ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)

ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.

وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.

صفحة ٩٥

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.

والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آنِفًا.

والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما مَضى مِنهم مِنَ الشِّرْكِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ تَرْكِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ لِأنَّ اسْتِغْفارَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ

صفحة ٩٦

بِوُجُودِهِ ويَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَ المُسْتَغْفِرِ بِذَنْبٍ في جانِبِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ قَبْلَ مَجِيءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ غَيْرَ ذَنْبِ الإشْراكِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْعٌ مِن قَبْلُ. وأمّا ذَنْبُ الإشْراكِ فَهو مُتَقَرِّرٌ مِنَ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ جَمِيعِها فَكانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكانَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ جامِعًا لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي تَصْرِيحًا وتَكْنِيَةً.

والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ. وفي ماهِيَّةِ التَّوْبَةِ العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَيَئُولُ إلى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الإشْراكِ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الدَّوامَ عَلى الإقْلاعِ أهَمُّ مِن طَلَبِ العَفْوِ عَمّا سَلَفَ.

و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ مِنِ اسْتَغْفِرُوا

والإرْسالُ: بَعْثٌ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَأطْلَقَ الإرْسالَ عَلى نُزُولِ المَطَرِ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَشُبِّهَ بِإرْسالِ شَيْءٍ مِن مَكانِ المُرْسِلِ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِ.

والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ. وفي الحَدِيثِ ”«خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أثَرِ سَماءٍ» “ .

و(مِدْرارًا) حالٌ مِنَ السَّماءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدُّرُورِ وهو الصَّبُّ، أيْ غَزِيرًا. جَعَلَ جَزاءَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إمْدادَهم بِالمَطَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانَتْ عادٌ أهْلَ زَرْعٍ وكُرُومٍ فَكانُوا بِحاجَةٍ إلى الماءِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ. والأظْهَرُ أنَّ اللَّهَ أمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ فَتَناقَصَ نَسْلُهم ورِزْقُهم جَزاءً عَلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُرْسِلِ السَّماءَ وعْدًا وتَنْبِيهًا عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ دِيارُهم مِن حَضْرَمَوْتَ إلى الأحْقافِ مُدُنًا وحُلَلًا وقِبابًا.

وكانُوا أيْضًا مُعْجَبِينَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِمْ وقالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لَهم جَزاءً عَلى تَرْكِ الشِّرْكِ زِيادَةَ قُوَّتِهِمْ بِكَثْرَةِ العَدَدِ وصِحَّةِ الأجْسامِ وسِعَةِ

صفحة ٩٧

الأرْزاقِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لِلْأُمَّةِ يَجْعَلُها في غِنًى عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى وقادِرَةً عَلى حِفْظِ اسْتِقْلالِها ويَجْعَلُ أُمَمًا كَثِيرَةً تَحْتاجُ إلَيْها.

و(إلى قُوَّتِكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَزِدْكم) . وإنَّما عُدِّيَ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَضُمُّ. وهَذا وعْدٌ لَهم بِصَلاحِ الحالِ في الدُّنْيا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.

والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ. وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ.

ومُجْرِمِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَتَوَلَّوْا أيْ مُتَّصِفِينَ بِالإجْرامِ، وهو الإعْراضُ عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

11:53Страница 227

قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣

Они сказали: «О Худ! Ты не показал нам ясного знамения, и мы не станем отрекаться от наших богов ради твоих слов. Мы не уверуем в тебя.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]

مُحاوَرَةٌ مِنهم لِهُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابٍ عَنْ دَعْوَتِهِ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ عَنِ العاطِفِ.

وافْتِتاحُ كَلامِهِمْ بِالنِّداءِ يُشِيرُ إلى الِاهْتِمامِ بِما سَيَقُولُونَهُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ لِأنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِغَفْلَتِهِ فَنادَوْهُ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ أيْضًا. وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعَ ذَلِكَ تَوْبِيخُهُ ولَوْمُهُ فَيَكُونُ كِنايَةً ثانِيَةً، أوِ اسْتِعْمالُ النِّداءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وقَوْلُهم ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بُهْتانٌ لِأنَّهُ أتاهم بِمُعْجِزاتٍ لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٥٩] وإنْ كانَ القُرْآنُ لَمْ يَذْكُرْ آيَةً مُعَيَّنَةً لِهُودٍ - عَلَيْهِ

صفحة ٩٨

السَّلامُ - . ولَعَلَّ آيَتَهُ أنَّهُ وعَدَهم عِنْدَ بِعْثَتِهِ بِوَفْرَةِ الأرْزاقِ والأوْلادِ واطِّرادِ الخِصْبِ وفْرَةً مُطَّرِدَةً لا تَنالُهم في خِلالِها نَكْبَةٌ ولا مُصِيبَةٌ بِحَيْثُ كانَتْ خارِقَةً لِعادَةِ النِّعْمَةِ في الأُمَمِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» الحَدِيثَ.

وإنَّما أرادُوا أنَّ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَهم بِها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ طِبْقًا لِمُقْتَرَحاتِهِمْ. وجَعَلُوا ذَلِكَ عِلَّةً لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَقالُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ . ولَمْ يَجْعَلُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾

وعَنْ في ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ لا نَتْرُكُها تَرْكًا صادِرًا عَنْ قَوْلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . والمَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ كَلامُهُ عِلَّةً لِتَرْكِهِمْ آلِهَتَهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ لِلسّامِعِ ومَن مَعَهُ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَقُولُوا إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَماذا تَعُدُّونَ دَعْوَتَهُ فِيكم، أيْ نَقُولُ إنَّكَ مَمْسُوسٌ مِن بَعْضِ آلِهَتِنا، وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن فِعْلِ بَعْضِ الآلِهَةِ تَهْدِيدًا لِلنّاسِ بِأنَّهُ لَوْ تَصَدّى لَهُ جَمِيعُ الآلِهَةِ لَدَكُّوهُ دَكًّا.

والِاعْتِراءُ: النُّزُولُ والإصابَةُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أصابَكَ بِسُوءٍ. ولا شَكَّ أنَّهم يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهُ بِمَسٍّ مِن قَبْلِ أنْ يَقُومَ بِدَعْوَةِ رَفْضِ عِبادَتِها لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو كَلامٌ غَيْرُ جارٍ عَلى انْتِظامِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن نَوْعِ ما يَصْدُرُ عَنِ السُّفِسْطائِيِّينَ، فَجَعَلُوهُ مَجْنُونًا وجَعَلُوا سَبَبَ جُنُونِهِ مَسًّا مِن آلِهَتِهِمْ، ولِمَ يَتَفَطَّنُوا إلى دَخَلِ كَلامِهِمْ وهو أنَّ الآلِهَةَ كَيْفَ تَكُونُ سَبَبًا في إثارَةِ ثائِرٍ عَلَيْها.

صفحة ٩٩

والقَوْلُ مُسْتَعْمَلٌ في المَقُولِ اللِّسانِيِّ، وهو يَقْتَضِي اعْتِقادَهم ما يَقُولُونَهُ.

11:54–56Страница 228

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤

Мы лишь можем сказать, что один из наших богов причинил тебе зло». Он сказал: «Воистину, я призываю Аллаха в свидетели и прошу вас засвидетельствовать, что я непричастен к тем, кому вы поклоняетесь

مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥

вместо Него. Стройте свои козни против меня все вместе и не предоставляйте мне отсрочки.

إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦

Воистину, я уповаю на Аллаха, моего Господа и вашего Господа. Нет ни одного живого существа, которого бы Он не держал за хохол. Воистину, мой Господь - на прямом пути.

﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.

و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.

وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في

صفحة ١٠٠

قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.

والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.

وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ في مَحَلِّ صِفَةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أوْ حالٍ مِنهُ، والغَرَضُ مِنها مِثْلُ الغَرَضِ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.

والأخْذُ: الإمْساكُ.

والنّاصِيَةُ: ما انْسَدَلَ عَلى الجَبْهَةِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلتَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا بِهَيْئَةِ إمْساكِ الإنْسانِ مِن ناصِيَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ بِيَدِ آخِذِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا. وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا لِأنَّ دَوابَّ كَثِيرَةً لا نَواصِيَ لَها فَلا يَلْتَئِمُ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ مَعَ عُمُومِ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾، ولَكِنَّهُ لَمّا صارَ مَثَلًا

صفحة ١٠١

صارَ بِمَنزِلَةِ: ما مِن دابَّةٍ إلّا هو مُتَصَرِّفٌ فِيها. ومِن بَدِيعِ هَذا المَثَلِ أنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِالنَّوْعِ المَقْصُودِ مِن بَيْنِ عُمُومِ الدَّوابِّ، وهو نَوْعُ الإنْسانِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المالِكُ القاهِرُ لِجَمِيعِ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، فَكَوْنُهُ مالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَفُوتَهُ أحَدٌ مِنهم، وكَوْنُهُ قاهِرًا لَهم يَقْتَضِي أنْ لا يُعْجِزَهُ أحَدٌ مِنهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أهْلٌ لِتَوَكُّلِي عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِإجْراءِ أفْعالِهِ عَلى طَرِيقِ العَدْلِ والتَّأْيِيدِ لِرُسُلِهِ.

و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ المَعْنَوِيِّ، وهو الِاتِّصافُ الرّاسِخُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ.

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارٌ لِلْفِعْلِ الجارِي عَلى مُقْتَضى العَدْلِ والحِكْمَةِ لِأنَّ العَدْلَ يُشَبَّهُ بِالِاسْتِقامَةِ والسَّواءِ. قالَ - تَعالى: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . فَلا جَرَمَ لا يُسْلِمُ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لِلظّالِمِينَ.

11:57Страница 228

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧

Если же вы отвернетесь, то ведь я довел до вашего сведения то, с чем я к вам отправлен. Мой Господь заменит вас другим народом, и вы ничем не навредите Ему. Воистину, Господь мой - Хранитель всякой вещи».

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءِ حَفِيظٌ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] . وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أوْجَبَهُ قَصْدُ المُبادَرَةِ بِإبْطالِ باطِلِهِمْ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] بِناءً عَلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ أصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا، فَهو مُضارِعٌ، وهو خِطابُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وهو ظاهِرُ إجْراءِ الضَّمائِرِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.

صفحة ١٠٢

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، والواوُ لِأهْلِ مَكَّةَ فَيَكُونُ كالِاعْتِراضِ في أجْزاءِ القِصَّةِ لِقَصْدِ العِبْرَةِ بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ الواقِعِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ [هود: ٣٥] الآيَةَ. خاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم قَدْ أبْلَغْتُكم. والفاءُ الأُولى لِتَفْرِيعِ الِاعْتِبارِ عَلى المَوْعِظَةِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ مَقُولَ قَوْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والتَّقْدِيرُ: فَقُلْ قَدْ أبْلَغْتُكم. وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ المُحْتَمَلِ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَخالِفَيْنِ، وهو مِن بَدِيعِ أسالِيبِ الإعْجازِ، ولِأجَلِهِ جاءَ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) بِتاءٍ واحِدَةٍ بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

والتَّوَلِّي: الإعْراضُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُعِلَ جَوابُ شَرْطِ التَّوَلِّي قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مَعَ أنَّ الإبْلاغَ سابِقٌ عَلى التَّوَلِّي المَجْعُولِ شَرْطًا لِأنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الجَوابِ هو لازِمُ ذَلِكَ الإبْلاغِ، وهو انْتِفاءُ تَبِعَةِ تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ وبَراءَتِهِ مِن جُرْمِهِمْ لِأنَّهُ أدّى ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الإبْلاغِ، فَإنْ كانَ مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَـ ﴿ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ فَما أُرْسِلَ بِهِ هو المَوْعِظَةُ بِقِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الإنْذارِ بِتَبِعَةِ التَّوَلِّي عَلَيْهِمْ ونُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، ولِذَلِكَ عَطَفَ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ يُزِيلُكم ويُخْلِفُكم بِقَوْمٍ آخَرِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ رَسُولِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

وارْتِفاعُ (يَسْتَخْلِفُ) في قِراءَةِ الكافَّةِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ مُجازٌ فِيهِ الرَّفْعُ والجَزْمُ. وإنَّما كانَ الرَّفْعُ هُنا أرْجَحَ لِإعْطاءِ الفِعْلِ حُكْمَ الكَلامِ

صفحة ١٠٣

المُسْتَأْنَفِ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ لا تَبَعًا لِلْجَوابِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ إخْبارُهم لِإنْذارِهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ والمُرادُ لا تَضُرُّونَ اللَّهَ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا. و(شَيْئًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ (تَضُرُّونَهُ) المَنفِيِّ.

وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ كَما هو شَأْنُ تَنْكِيرِ لَفْظِ الشَّيْءِ غالِبًا. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ التَّنْصِيصُ عَلى العُمُومِ بِنَفْيِ الضُّرِّ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، أيْ فاللَّهُ يُلْحِقُ بِكُمُ الِاسْتِئْصالُ، وهو أعْظَمُ الضُّرِّ، ولا تَضُرُّونَهُ أقَلَّ ضُرٍّ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ في المُقارَعاتِ والخُصُوماتِ أنَّ الغالِبَ المُضِرَّ بِعَدُّوِهِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَلْحَقَهُ بَعْضَ الضُّرِّ مِن جَرّاءِ المُقارَعَةِ والمُحارَبَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ فَمُوقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.

والحَفِيظُ: أصْلُهُ مُبالَغَةُ الحافِظِ، وهو الَّذِي يَضَعُ المَحْفُوظَ في حَيْثُ لا يَنالُهُ أحَدٌ غَيْرُ حافِظِهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقَهْرِ.

11:58Страница 228

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨

Когда же явилось Наше веление, Мы по Своей милости спасли Худа и тех, кто уверовал вместе с ним. Мы избавили их от лютой кары.

﴿ولَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾

اسْتِعْمالُ الماضِي في قَوْلِهِ: جاءَ أمْرُنا بِمَعْنى اقْتِرابِ المَجِيءِ لِأنَّ الإنْجاءَ كانَ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ.

والأمْرُ أُطْلِقَ عَلى أثَرِ الأمْرِ، وهو ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أمْرَ تَكْوِينٍ، أيْ لَمّا اقْتَرَبَ مَجِيءُ أثَرِ أمْرِنا، وهو العَذابُ، أيِ الرِّيحُ العَظِيمُ.

صفحة ١٠٤

ومُتَعَلِّقُ (نَجَّيْنا) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ مِنَ العَذابِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . وكَيْفِيَّةُ إنْجاءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

والباءُ في ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَكانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِهِمْ سَبَبًا في نَجاتِهِمْ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْحَمْهم لِشَمِلَهُمُ الِاسْتِئْصالُ فَكانَ نِقْمَةً لِلْكافِرِينَ وبَلْوًى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . والتَّقْدِيرُ وأيْضًا نَجَّيْناهم مِن عَذابٍ شَدِيدٍ وهو الإنْجاءُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وهو العَذابُ الغَلِيظُ. فَفي هَذا مِنَّةٌ ثانِيَةٌ عَلى إنْجاءٍ ثانٍ، أيْ نَجَّيْناهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ فِعْلَ (نَجَّيْناهم) عَلى (نَجَّيْنا)، وهَذانِ الإنْجاءانِ يُقابِلانِ جَمْعَ العَذابَيْنِ لِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠] . وقَدْ ذُكِرَ هُنا مُتَعَلِّقُ الإنْجاءِ وحُذِفَ السَّبَبُ عَكْسُ ما في الجُمْلَةِ الأوْلى لِظُهُورِ أنَّ الإنْجاءَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ كانَ بِسَبَبِ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]

والغَلِيظُ حَقِيقَتُهُ: الخَشِنُ ضِدُّ الرَّقِيقِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ. واسْتَعْمَلَ الماضِي في ونَجَّيْناهم في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الوَعْدِ بِوُقُوعِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English