Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:109–111
12:109–110Страница 248
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠٩
До тебя Мы направляли посланниками только мужей из селений, которым мы внушали откровение. Разве они не странствовали по земле и не видели, каким был конец тех, которые жили до них? Воистину, обитель в Последней жизни лучше для богобоязненных. Неужели они не разумеют?
حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١١٠
Когда же посланники приходили в отчаяние и понимали, что их сочли лжецами, к ним приходила Наша помощь, и спасались те, кого Мы хотели спасти. Наше наказание нельзя отвратить от грешных людей!
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُنْجِي مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] إلَخْ. هاتانِ الآيَتانِ مُتَّصِلٌ مَعْناهُما بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] الآيَةَ، فَإنَّ تِلْكَ الآي تَضَمَّنَتِ الحُجَّةَ
صفحة ٦٧
عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَهم بِهِ، وتَضَمَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا غَيْرُ مُصَدِّقِينَهُ عِنادًا وإعْراضًا عَنْ آياتِ الصِّدْقِ. فالمَعْنى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فَلِماذا يَجْعَلُ المُشْرِكُونَ نُبُوءَتَكَ أمْرًا مُسْتَحِيلًا فَلا يُصَدِّقُونَ بِها مَعَ ما قارَنَها مِن آياتِ الصِّدْقِ فَيَقُولُونَ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وهَلْ كانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ السّابِقُونَ إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ فَبِماذا امْتازُوا عَلَيْكَ. فَسَلَّمَ المُشْرِكُونَ بِبَعْثَتِهِمْ وتَحَدَّثُوا بِقِصَصِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوءَتَكَ.
وراءَ هَذا مَعْنًى آخَرُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِاسْتِواءِ أحْوالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما لَقُوهُ مِن أقْوامِهِمْ فَهو وعِيدٌ بِاسْتِواءِ العاقِبَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
و(مِن قَبْلِكَ) يَتَعَلَّقُ بِـ (أرْسَلْنا) فَـ (مِن) لِابْتِداءِ الأزْمِنَةِ فَصارَ ماصَدَقَ القَبْلِ الأزْمِنَةَ السّابِقَةَ. أيْ مِن أوَّلِ أزْمِنَةِ الإرْسالِ. ولَوْلا وُجُودُ (مِن) لَكانَ (قَبْلِكَ) في مَعْنى الصِّفَةِ لِلْمُرْسَلِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ الإرْسالِ.
والرِّجالُ: اسْمُ جِنْسٍ جامِدٌ لا مَفْهُومَ لَهُ. وأُطْلِقَ هُنا مُرادًا بِهِ أُناسًا كَقَوْلِهِ ﷺ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ» . أيْ إنْسانٌ أوْ شَخْصٌ. فَلَيْسَ المُرادُ الِاحْتِرازَ عَنِ المَرْأةِ. واخْتِيرَ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِمُطابَقَتِهِ الواقِعَ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلًا مِنَ النِّساءِ لِحِكْمَةِ قَبُولِ قِيادَتِهِمْ في نُفُوسِ الأقْوامِ إذِ المَرْأةُ مُسْتَضْعَفَةٌ عِنْدَ الرِّجالِ دُونَ العَكْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ حِينَ تَنَبَّأتْ سِجاحِ:
أضْحَتْ نَبِيئَتُنا أُنْثى نُطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ النّاسِ ذُكْرانا
ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ وأنَّهم مِن أهْلِ القُرى لِقَصْدِ الِاحْتِرازِ عَنِ النِّساءِ ومِن أهْلِ البادِيَةِ ولَكِنَّهُ لِبَيانِ المُماثَلَةِ بَيْنَ مَن سَلَّمُوا بِرِسالَتِهِمْ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالُوا ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] . أيْ فَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ حَتّى تُبادِرُوا بِإنْكارِ رِسالَتِهِ وتُعْرِضُوا عَنِ النَّظَرِ في آياتِهِ.
صفحة ٦٨
فالقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَكَ مَلائِكَةً أوْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ المُدُنِ الكَبِيرَةِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ إرْسالِ رَسُولٍ مِن أهْلِ البادِيَةِ مِثْلَ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ، ويَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ ساكِنًا في البَدْوِ كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى) بِتَحْتِيَّةٍ وبِفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ بِنُونٍ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ والنُّونُ نُونُ العَظَمَةِ.
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا مِنَ الأُسْوَةِ، أيْ فَكَذَّبَهم أقْوامُهم مِن قَبْلِ قَوْمِكَ مِثْلَ ما كَذَّبَكَ قَوْمُكَ وكانَتْ عاقِبَتُهُمُ العِقابَ، أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الأقْوامِ السّابِقِينَ، أيْ فَيَنْظُرُوا آثارَ آخِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الهَلاكِ والعَذابِ، فَيَعْلَمُ قَوْمُكَ أنَّ عاقِبَتَهم عَلى قِياسِ عاقِبَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ قَبْلَهم، فَضَمِيرُ يَسِيرُوا عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الدّالِّ عَلَيْهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، فَإنَّ مَجْمُوعَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم سارُوا في الأرْضِ فَرَأوْا عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ. وهَذا التَّفْرِيعُ اعْتِراضٌ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
و(كَيْفَ) اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ عَنْ مَفْعُولِهِ.
وجُمْلَةُ ولَدارُ الآخِرَةِ خَبَرٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الِاعْتِراضِ فَلَها حُكْمُهُ، وهو اعْتِراضٌ بِالتَّبْشِيرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وهو تَعْرِيضٌ بِسَلامَةِ عاقِبَةِ المُتَّقِينَ في الدُّنْيا، وتَعْرِيضٌ أيْضًا بِأنَّ دارَ الآخِرَةِ أشَدُّ أيْضًا عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ العاقِبَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا فَحَصَلَ إيجازٌ بِحَذْفِ جُمْلَتَيْنِ.
وإضافَةُ دارٍ إلى آخِرَةٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلَ: «يا نِساءَ المُسْلِماتِ» في الحَدِيثِ.
صفحة ٦٩
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ المُعانِدِينَ لَمّا جَرى ذِكْرُهم وتَكَرَّرَ صارُوا كالحاضِرِينَ فالتُفِتْ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ.
و(حَتّى) مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّها حُجَّةٌ عَلى المُكَذِّبِينَ، فَتَقْدِيرُ المَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فَكَذَّبَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَهو يَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ تُبَيِّنُ الزَّمانَ، وجُمْلَةُ (اسْتَيْئَسَ) مُضافٌ إلَيْها (إذا)، وجُمْلَةُ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ جَوابُ (إذا)؛ لِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في المَعْنى هو المَقْصُودُ مِن جَلْبِ (إذا) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ. والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُ المُرادِ بِـ (رِجالًا)، فالتَّعْرِيفُ في الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ وهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإعْطاءِ الكَلامِ اسْتِقْلالًا بِالدَّلالَةِ اهْتِمامًا بِالجُمْلَةِ.
وآذَنَ حَرْفُ الغايَةِ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا بِما قُصِدَ بِها مِن مَعْنى قَصْدِ الأُسْوَةِ بِسَلَفِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى: فَدامَ تَكْذِيبُهم وإعْراضُهم وتَأخَّرَ تَحْقِيقُ ما أنْذَرُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ حَتّى اطْمَأنُّوا بِالسَّلامَةِ وسَخِرُوا بِالرُّسُلِ وأيِسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ.
و(اسْتَيْئَسَ) مُبالَغَةٌ في يَئِسَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .
وتَقَدَّمَ أيْضًا قِراءَةُ البَزِّيِّ بِخِلافٍ عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ. فَهَذِهِ أرْبَعُ كَلِماتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ خالَفَ فِيها البَزِّيُّ رِوايَةً عَنْهُ.
صفحة ٧٠
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أكُذِّبُوا أمْ كُذِبُوا أيْ بِالخَفِيفِ أمْ بِالشَّدِّ، قالَتْ: كُذِّبُوا أيْ بِالشَّدِّ قالَ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ فَهي قَدْ كُذِبُوا أيْ بِالتَّخْفِيفِ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّها وإنَّما هم أتْباعُ الَّذِينَ آمَنُوا وصَدَّقُوا فَطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ مَن كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ، وظَنَّتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ أتْباعَهم مُكَذِّبُوهُمُ اهـ. وهَذا الكَلامُ مِن عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَأْيٌ لَها في التَّفْسِيرِ وإنْكارُها أنْ تَكُونَ كُذِّبُوا مُخَفَّفَةً إنْكارٌ يَسْتَنِدُ بِما يَبْدُو مِن عَوْدِ الضَّمائِرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الرُّسُلُ، وذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، ولَمْ تَكُنْ عائِشَةُ قَدْ بَلَغَتْها رِوايَةُ كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ.
وتَفْرِيعُ فَنُنْجِي مَن نَشاءُ عَلى ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾؛ لِأنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو تَأْيِيدُهم بِعِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم بِنُزُولِ العَذابِ وهو البَأْسُ، فَيُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولا يَرُدُّ البَأْسَ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ. والبَأْسُ: هو عَذابُ المُجْرِمِينَ الَّذِي هو نَصْرُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والقَوْمُ المُجْرِمُونَ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فَنُنْجِي بِنُونَيْنِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ مُضارِعَ أنْجى. و(مَن نَشاءُ) مَفْعُولُ نُنْجِي، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ فَنُجِّيَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَكْسُورَةً وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ ماضِي نَجّى المُضاعَفِ بُنِيَ لِلنّائِبِ، وعَلَيْهِ فَـ (مَن نَشاءُ) هو نائِبُ الفاعِلِ، والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي في نُجِّيَ والمُضارِعِ في نَشاءُ احْتِباكٌ تَقْدِيرُهُ فَنُجِّيَ مَن شِئْنا مِمَّنْ نَجا في القُرُونِ السّالِفَةِ ونُنْجِي مَن نَشاءُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ.
12:111Страница 248
لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١١١
В повествовании о них содержится назидание для обладающих разумом. Это - не вымышленный рассказ, а подтверждение тому, что было до него, разъяснение всякой вещи, верное руководство и милость для верующих людей.
صفحة ٧١
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وهي تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ مِنَ التَّعْجِيبِ، وما تَضَمَّنَهُ مَعْنى وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ مَعَ دَلالَةِ الأُمِّيَّةِ.
وهِيَ أيْضًا تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المُسْتَطْرَدِ بِها لِقَصْدِ الِاعْتِبارِ بِالقِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
فَلَها مَواقِعُ ثَلاثَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (قَدْ) واللّامِ لِلتَّحْقِيقِ.
وأُولُو الألْبابِ: أصْحابُ العُقُولِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في أواسِطِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعِبْرَةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِلِاعْتِبارِ، وهو التَّوَصُّلُ بِمَعْرِفَةِ المُشاهَدِ المَعْلُومِ إلى مَعْرِفَةِ الغائِبِ. وتُطْلَقُ العِبْرَةُ عَلى ما يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِبارُ المَذْكُورُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ كَما هُنا. ومَعْنى كَوْنِ العِبْرَةِ في قِصَصِهِمْ أنَّها مَظْرُوفَةٌ فِيهِ ظَرْفِيَّةً مَجازِيَّةً، وهي ظَرْفِيَّةُ المَدْلُولِ في الدَّلِيلِ فَهي قارَّةٌ في قِصَصِهِمْ سَواءٌ اعْتَبَرَ بِها مَن وفِّقَ لِلِاعْتِبارِ أمْ لَمْ يَعْتَبِرْ لَها بَعْضُ النّاسِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ إلى آخِرِها تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، أيْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ خَبَرُ صِدْقٍ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ وما هو بِقِصَّةٍ
صفحة ٧٢
مُخْتَرَعَةٍ. ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّ الِاعْتِبارَ بِالقِصَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ خَبَرًا عَنْ أمْرٍ وقَعَ؛ لِأنَّ تَرَتُّبَ الآثارِ عَلى الواقِعاتِ تَرَتُّبٌ طَبِيعِيٌّ، فَمِن شَأْنِها أنْ تَتَرَتَّبَ أمْثالُها عَلى أمْثالِها كُلَّما حَصَلَتْ في الواقِعِ، ولِأنَّ حُصُولَها مُمْكِنٌ إذِ الخارِجُ لا يَقَعُ فِيهِ المُحالُ ولا النّادِرُ وذَلِكَ بِخِلافِ القِصَصِ المَوْضُوعَةِ بِالخَيالِ والتَّكاذِيبِ فَإنَّها لا يَحْصُلُ بِها اعْتِبارٌ لِاسْتِبْعادِ السّامِعِ وُقُوعَها؛ لِأنَّ أمْثالَها لا يُعْهَدُ، مِثْلَ مُبالَغاتِ الخُرافاتِ وأحادِيثِ الجِنِّ والغُولِ عِنْدَ العَرَبِ وقِصَّةِ رُسْتَمَ وأسْفَنْدِيارَ عِنْدَ العَجَمِ، فالسّامِعُ يَتَلَقّاها تَلَقِّيَ الفُكاهاتِ والخَيالاتِ اللَّذِيذَةِ ولا يَتَهَيَّأُ لِلِاعْتِبارِ بِها إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والِاحْتِمالِ وذَلِكَ لا تَحْتَفِظُ بِهِ النُّفُوسُ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] فَكَما سَمّاهُ اللَّهُ أحْسَنَ القَصَصِ في أوَّلِ السُّورَةِ نَفى عَنْهُ الِافْتِراءَ في هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيضًا بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأضْرابِهِ.
والِافْتِراءُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ السّابِقَةُ. وضَمِيرُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ القِصَصُ.
والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ. والمُرادُ بِـ (كُلِّ شَيْءٍ) الأشْياءُ الكَثِيرَةُ مِمّا يَرْجِعُ إلى الِاعْتِبارِ بِالقِصَصِ.
وإطْلاقُ الكُلِّ عَلى الكَثْرَةِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهُدى الَّذِي في القَصَصِ: العِبَرُ الباعِثَةُ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى بِمُشاهَدَةِ ما جاءَ مِنَ الأدِلَّةِ في أثْناءِ القَصَصِ عَلى أنَّ المُتَصَرِّفَ هو اللَّهُ تَعالى، وعَلى أنَّ التَّقْوى هي أساسُ الخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ فَإنَّ في قِصَصِ أهْلِ الفَضْلِ
صفحة ٧٣
دَلالَةً عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ لَهم وعِنايَتِهِ بِهِمْ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم بِاعْتِبارِهِمْ بِها يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، فَتَصْلُحُ أحْوالُهم ويَكُونُونَ في اطْمِئْنانِ بالٍ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ في حَياتِهِمْ وسَبَبٌ لِرَحْمَتِهِ إيّاهم في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
* * *
صفحة ٧٤
صفحة ٧٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّعْدِ
هَكَذا سُمِّيَتْ مِن عَهْدِ السَّلَفِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها مُسَمّاةٌ بِذَلِكَ مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ إذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا في اسْمِها.
وإنَّما سُمِّيَتْ بِإضافَتِها إلى الرَّعْدِ لِوُرُودِ ذِكْرِ الرَّعْدِ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ [الرعد: ١٣] . فَسُمِّيَتْ بِالرَّعْدِ؛ لِأنَّ الرَّعْدَ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةٍ مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها أوْ مُعْظَمُها. وإنَّما ذُكِرَ الرَّعْدُ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وإذا كانَتْ آياتُ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] مِمّا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، كَما سَيَأْتِي، تَعَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وعَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] أيْ في آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ أهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقَتادَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وجَمَعَ السُّيُوطِيُّ وغَيْرُهُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
صفحة ٧٦
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلْ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ.
وأقُولُ: أشْبَهُ آياتِها بِأنْ يَكُونَ مَدَنِيًّا قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] كَما سَتَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] إلى (وإلَيْهِ مَتابِ) فَقَدْ قالَ مُقاتِلٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِها.
ومَعانِيها جارِيَةٌ عَلى أُسْلُوبِ مَعانِي القُرْآنِ المَكِّيِّ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وتَفْرِيعِ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدِهِمْ. والأسْبابُ الَّتِي أثارَتِ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أخْبارٌ واهِيَةٌ، وسَنَذْكُرُها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً. ومِن آياتِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وأُلْحِقَتْ بِها، فَإنَّ ذَلِكَ في بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ، فالَّذِينَ قالُوا: هي مَكِّيَّةٌ لَمْ يَذْكُرُوا مَوْقِعَها مِن تَرْتِيبِ المَكِّيّاتِ سِوى أنَّهم ذَكَرُوها بَعْدَ سُورَةِ يُوسُفَ وذَكَرُوا بَعْدَها سُورَةَ إبْراهِيمَ.
والَّذِينَ جَعَلُوها مَدَنِيَّةً عَدُّوها في النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ القِتالِ وقَبْلَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ وعَدُّوها سابِعَةً وتِسْعِينَ في عِدادِ النُّزُولِ. وإذْ قَدْ كانَتْ سُورَةُ القِتالِ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ أوْ عامَ الفَتْحِ تَكُونُ سُورَةُ الرَّعْدِ بَعْدَها.
وعُدَّتْ آياتُها ثَلاثًا وأرْبَعِينَ مِنَ الكُوفِيِّينَ وأرْبَعًا وأرْبَعِينَ في عَدَدِ المَدَنِيِّينَ وخَمْسًا وأرْبَعِينَ عِنْدَ الشّامِ.
* * *
أُقِيمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى أساسِ إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن إفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والبَعْثِ وإبْطالِ أقْوالِ المُكَذِّبِينَ فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَتْ حِكايَةُ أقْوالِهِمْ خَمْسَ مَرّاتٍ مُوَزَّعَةً عَلى السُّورَةِ بَدْءًا ونِهايَةً.
ومُهِّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ
صفحة ٧٧
تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ خَلْقِ العالَمَيْنِ ونِظامِهِما الدّالِّ عَلى انْفِرادِهِ بِتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وإدْماجِ الِامْتِنانِ لِما في ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ عَلى النّاسِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إلى أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ ومَزاعِمِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ.
وتَهْدِيدِهِمْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. والتَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى النّاسِ. وإثْباتِ أنَّ اللَّهَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وأنَّ اللَّهَ العالِمَ بِالخَفايا وأنَّ الأصْنامَ لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تُنْعِمُ بِنِعْمَةٍ.
والتَّهْدِيدِ بِالحَوادِثِ الجَوِّيَّةِ أنْ يَكُونَ مِنها عَذابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ كَما حَلَّ بِالأُمَمِ قَبْلَهم.
والتَّخْوِيفِ مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ قَرارٍ.
وبَيانِ مُكابَرَةِ المُشْرِكِينَ في اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ الآياتِ عَلى نَحْوِ مُقْتَرَحاتِهِمْ.
ومُقابَلَةِ ذَلِكَ بِيَقِينِ المُؤْمِنِينَ. وما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ.
وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ إلّا كَما لَقِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِهِ.
والثَّناءِ عَلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكُتُبِ يُؤْمِنُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والإشارَةِ إلى حَقِيقَةِ القَدَرِ ومَظاهِرِ المَحْوِ والإثْباتِ. وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والعِبَرِ والأمْثالِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии