Ибн АшурЮсуф · 12:39–46

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Юсуф 12:39–46

12:39–40Страница 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩

О мои товарищи по темнице! Множество различных богов лучше или же Аллах, Единственный, Могущественный?

مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠

Помимо Него вы поклоняетесь лишь именам, которые придумали вы и ваши отцы. Аллах не ниспослал о них никакого доказательства. Решение принимает только Аллах. Он повелел, чтобы вы не поклонялись никому, кроме Него. Это и есть правая вера, но большая часть людей не знает этого.

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أاَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُصَدَّرٌ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّداءِ المُسْتَرْعِي سَمْعَهُما إلى ما يَقُولُهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وعَبَّرَ عَنْهُما بِوَصْفِ الصُّحْبَةِ في السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِما إمّا لِجَهْلِ اسْمَيْهِما عِنْدَهُ إذْ كانا قَدْ دَخَلا السِّجْنَ مَعَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ قَبْلَ أنْ تَطُولَ المُعاشَرَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ، وإمّا لِلْإيذانِ بِما حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُما وهي صِلَةُ المُماثَلَةِ في الضَّرّاءِ الإلْفَ في الوَحْشَةِ، فَإنَّ المُوافَقَةَ في الأحْوالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقامَ صِلَةِ القَرابَةِ أوْ تَفُوقُها.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنِ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ المُعاقَبُونَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ لا يُضافُ إلى السِّجْنِ إلّا بِمَعْنى المَكانِ.

والإضافَةُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ، أيْ يا صاحِبَيْنِ في السِّجْنِ.

وأرادَ بِالكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُما بِهِ تَقْرِيرَهُما بِإبْطالِ دِينِهِما، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وقَدْ رَتَّبَ لَهُما الِاسْتِدْلالُ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ قَرِيبٍ مِن أفْهامِ العامَّةِ، إذْ

صفحة ٢٧٥

فَرَضَ لَهُما إلَهًا واحِدًا مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ كَما هو حالُ مِلَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَهم بِها. وفَرَضَ لَهُما آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ إلَهٍ مِنهم إنَّما يَتَصَرَّفُ في أشْياءٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ تَحْتَ سُلْطانِهِ لا يَعُدُّوها إلى ما هو مِن نِطاقِ سُلْطانِ غَيْرِهِ مِنهم، وذَلِكَ حالُ مِلَّةِ القِبْطِ.

ثُمَّ فَرَضَ لَهُما مُفاضَلَةً بَيْنَ مَجْمُوعِ الحالَيْنِ حالِ الإلَهِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ والأحْوالِ المُتَفَرِّقَةِ لِلْآلِهَةِ المُتَعَدِّدِينَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى إقْناعِهِما بِأنَّ حالَ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْظَمُ وأغْنى، فَيَرْجِعانِ عَنِ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وُجُودَ الحالَيْنِ في الإلَهِيَّةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ أصْحابِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الإلَهِ الواحِدِ.

هَذا إذا حُمِلَ لَفْظُ (خَيْرٌ) عَلى ظاهِرِ المُتَعارَفِ مِنهُ وهو التَّفْضِيلُ بَيْنَ مُشْتَرَكاتٍ في صِفَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الخَيْرِ عِنْدَ العَقْلِ، أيِ الرُّجْحانِ والقَبُولِ. والمَعْنى: اعْتِقادُ وُجُودِ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ أرْجَحُ أمِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، لِيَسْتَنْزِلَ بِذَلِكَ طائِرَ نَظَرِهِما واسْتِدْلالِهِما حَتّى يَنْجَلِيَ لَهُما فَسادُ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، إذْ يَتَبَيَّنُ لَهُما أنَّ أرْبابًا مُتَفَرِّقِينَ لا يَخْلُو حالُهم مِن تَطَرُّقِ الفَسادِ والخَلَلِ في تَصَرُّفِهِمْ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُ التَّفَرُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَدُّدِ ووَصْفُ القَهّارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وكانَتْ دِيانَةُ القِبْطِ في سائِرِ العُصُورِ الَّتِي حَفِظَها التّارِيخُ وشَهِدَتْ بِها الآثارُ دِيانَةَ شِرْكٍ، أيْ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وبِالرَّغْمِ عَلى ما يُحاوِلُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المِصْرِيِّينَ والإفْرِنْجِ مِن إثْباتِ اعْتِرافِ القِبْطِ بِإلَهٍ واحِدٍ وتَأْوِيلِهِمْ لَهم تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِأنَّها رُمُوزٌ لِلْعَناصِرِ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنَّ يُثْبِتُوا إلّا أنَّ هَذا الإلَهَ هو مُعْطِي التَّصَرُّفَ لِلْآلِهَةِ الأُخْرى. وذَلِكَ هو شَأْنُ سائِرِ أدْيانِ الشِّرْكِ، فَإنَّ الشِّرْكَ يَنْشَأُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الخَيالِ فَيُصْبِحُ تَعَدُّدَ آلِهَةٍ. والأُمَمُ الجاهِلَةُ تَتَخَيَّلُ هَذِهِ الِاعْتِقاداتِ مِن تَخَيُّلاتِ نِظامِ مُلُوكِها وسَلاطِينِها وهو النِّظامُ الإقْطاعِيُّ القَدِيمُ.

صفحة ٢٧٦

نَعَمْ إنَّ القِبْطَ بَنَوْا تَعَدُّدَ الآلِهَةِ عَلى تَعَدُّدِ القُوى والعَناصِرِ وبَعْضِ الكَواكِبِ ذاتِ القُوى. ومَثَلُهُمُ الإغْرِيقُ فَهم في ذَلِكَ أحْسَنُ حالًا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ ألَّهُوا الحِجارَةَ. وقُصارى ما قَسَّمُوهُ في عِبادَتِها أنْ جَعَلُوا بَعْضَها آلِهَةً لِبَعْضِ القَبائِلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها

وأحْسَنُ حالًا مِنَ الصّابِئَةِ الكِلْدانُ والآشُورِيِّونَ الَّذِينَ جَعَلُوا الآلِهَةَ رُمُوزًا لِلنُّجُومِ والكَواكِبِ.

وكانَتْ آلِهَةُ القِبْطِ نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ رَبًّا أكْبَرَها عِنْدَهم آمَونْ رَعْ. ومِن أعْظَمِ آلِهَتِهِمْ ثَلاثَةٌ أُخَرُ وهي: أُوزُورِيسُ، وإزيسُ، وهُورُوسُ. فَلِلَّهِ بَلاغَةُ القُرْآنِ إذْ عَبَّرَ عَنْ تَعَدُّدِها بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾

وبَعْدَ أنْ أثارَ لَهُما الشَّكَّ في صِحَّةِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمُ المُتَعَدِّدِينَ انْتَقَلَ إلى إبْطالِ وُجُودِ تِلْكَ الآلِهَةِ عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾، يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ لا تَحَقُّقَ لِحَقائِقِها في الوُجُودِ الخارِجِيِّ بَلْ هي تَوَهُّماتٌ تَخَيَّلُوها.

ومَعْنى قَصْرِها عَلى أنَّها أسْماءٌ قَصْرًا إضافِيًّا، أنَّها أسْماءٌ لا مُسَمَّياتٍ لَها فَلَيْسَ لَها في الوُجُودِ إلّا أسْماؤُها.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الرَّدُّ عَلى آبائِهِمْ سَدًّا لِمَنافِذِ الِاحْتِجاجِ لِأحَقِّيَّتِها بِأنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعْبُوداتُ آبائِهِمْ، وإدْماجًا لِتَلْقِينِ المَعْذِرَةِ لَهُما لِيَسْهُلَ لَهُما الإقْلاعُ عَنْ عِبادَةِ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

وإنْزالُ السُّلْطانِ: كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ دَلِيلِ إلَهِيَّتِها في شَواهِدِ العالَمِ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.

صفحة ٢٧٧

وجُمْلَةُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] إبْطالٌ لِجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ المَزْعُومَةِ لِآلِهَتِهِمْ بِأنَّها لا حُكْمَ لَها فِيما زَعَمُوا أنَّهُ مِن حُكْمِها وتَصَرُّفِها.

وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ انْتِقالٌ مِن أدِلَّةِ إثْباتِ انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ إلى التَّعْلِيمِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةً لِإثْباتِ الإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ، فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ مِن حَيْثُ ما فِيها مِن مَعْنى الحُكْمِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ خُلاصَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، أيْ ذَلِكَ الدِّينُ لا غَيْرُهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرُكم. وهو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] إلى ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]

12:41Страница 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١

О мои товарищи по темнице! Один из вас будет разливать вино для своего господина, а другой будет распят, и птицы будут клевать с его головы. Дело, о котором вы спрашивали, уже предрешено».

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾

افْتَتَحَ خِطابَهُما بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِما مِنَ التَّعْبِيرِ، وخاطَبَهُما بِوَصْفِ ﴿صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْضًا.

ثُمَّ إذا كانَ الكَلامُ المَحْكِيُّ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآيَةِ صَدَرَ مِنهُ عَلى نَحْوِ النَّظْمِ الَّذِي نُظِمَ بِهِ في الآيَةِ وهو الظّاهِرُ كانَ جَمْعُ التَّأْوِيلِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ مُجْمَلَةٍ؛ لِأنَّ في تَأْوِيلِ إحْدى الرُّؤيَتَيْنِ ما يَسُوءُ صاحِبَها قَصْدًا لِتَلَقِّيهِ ما يَسُوءُ بَعْدَ تَأمُّلٍ قَلِيلٍ كَيْلا يَفْجَأهُ مِن أوَّلِ الكَلامِ، فَإنَّهُ بَعْدَ التَّأمُّلِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا هو رائِي عَصْرَ الخَمْرِ، وأنَّ الَّذِي تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ هو رائِي أكْلَ الطَّيْرِ مِن خُبْزٍ عَلى رَأْسِهِ.

صفحة ٢٧٨

وإذا كانَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما صَدَرَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الآيَةِ إيجازٌ لِحِكايَةِ كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ كَلامًا مُعَيَّنًا فِيهِ كُلٌّ مِنَ الفَتَيَيْنِ بِأنْ قالَ: أمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، وأمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، فَحُكِيَ في الآيَةِ بِالمَعْنى.

وجُمْلَةُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ تَحْقِيقٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا، وأنَّ تَعْبِيرَها هو ما أخْبَرَهُما بِهِ فَإنَّهُما يَسْتَفْتِيانِ في دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى ما سَيَكُونُ في شَأْنِ سِجْنِهِما لِأنَّ ذَلِكَ أكْبَرُ هَمِّهِما، فالمُرادُ بِالأمْرِ تَعْبِيرُ رُؤْياهُما.

والِاسْتِفْتاءُ: مَصْدَرُ اسْتَفْتى إذا طَلَبَ الإفْتاءَ. وهو: الإخْبارُ بِإزالَةِ مُشْكِلٍ، أوْ إرْشادٌ إلى إزالَةِ حَيْرَةٍ. وفِعْلُهُ أفْتى مُلازِمٌ لِلْهَمْزِ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَمَزَهُ في الأصْلِ مُجْتَلَبٌ لِمَعْنًى، قالُوا: أصْلُ اشْتِقاقِ أفْتى مِنَ الفَتى وهو الشّابُّ، فَكَأنَّ الَّذِي يُفْتِيهِ يُقَوِّي نَهْجَهُ بِبَيانِهِ فَيَصِيرُ بِقُوَّةِ بَيانِهِ فَتِيًّا أيْ قَوِيًّا. واسْمُ الخَبَرِ الصّادِرِ مِنَ المُفْتِي: فَتْوى بِفَتْحِ الفاءِ وبِضَمِّها مَعَ الواوِ مَقْصُورًا، وبِضَمِّ الفاءِ مَعَ الياءِ مَقْصُورًا.

12:42Страница 240

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢

Он попросил того, который, по его предположению, должен был спастись: «Напомни обо мне твоему господину». Но дьявол побудил его позабыть напомнить это его господину (или дьявол побудил Йусуфа забыть помянуть своего Господа), и он пробыл в темнице несколько лет.

﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾

قالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلَّذِي ظَنَّ نَجاتَهُ مِنَ الفَتَيَيْنِ وهو السّاقِي. والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في القَرِيبِ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ لا يَشُكُّ في صِحَّةِ تَعْبِيرِهِ الرُّؤْيا. وأرادَ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ قَضِيَّتِهِ ومَظْلَمَتِهِ، أيِ اذْكُرْنِي لِرَبِّكَ، أيْ سَيِّدِكَ. وأرادَ بِرَبِّهِ مَلِكَ مِصْرَ.

وضَمِيرا (فَأنْساهُ) و(رَبِّهُ) يَحْتَمِلانِ العَوْدَ إلى الَّذِي، أيْ أنْسى الشَّيْطانُ الَّذِي نَجا أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي هو الذِّكْرُ الأوَّلُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ

صفحة ٢٧٩

الضَّمِيرانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (وقالَ) أيْ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ اللَّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي غَيْرُ الذِّكْرِ الأوَّلِ. ولَعَلَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مُرادٌ، وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ. وذَلِكَ أنَّ نِسْيانَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْألَ اللَّهَ إلْهامَ المَلِكِ تَذَكُّرِ شَأْنِهِ كانَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَهِيًّا في نِسْيانِ السّاقِي تَذْكِيرَ المَلِكِ، وكانَ ذَلِكَ عِتابًا إلَهِيًّا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى اشْتِغالِهِ بِعَوْنِ العِبادِ دُونَ اسْتِعانَةِ رَبِّهِ عَلى خَلاصِهِ.

ولَعَلَّ في إيرادِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ تَلَطُّفًا في الخَبَرِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّ الكَلامَ المُوَجَّهَ في المَعانِي المُوَجَّهَةِ ألْطَفُ مِنَ الصَّرِيحِ.

والبِضْعُ: مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ.

وفِيما حَكاهُ القُرْآنُ عَنْ حالِ سِجْنِهِمْ ما يُنْبِئُ عَلى أنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا بِسِجِلٍّ يُذْكَرُ فِيهِ أسْماءُ المَساجِينِ، وأسْبابُ سَجْنِهِمْ، والمُدَّةُ المَسْجُونُ إلَيْها، ولا كانَ مِن وزَعَةِ السُّجُونِ ولا مِمَّنْ فَوْقَهم مَن يَتَعَهَّدُ أسْبابَ السَّجْنِ ويَفْتَقِدُ أمْرَ المَساجِينِ ويَرْفَعُ إلى المَلِكِ في يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ أوْ مِنَ العامِ. وهَذا مِنَ الإهْمالِ والتَّهاوُنِ بِحُقُوقِ النّاسِ وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، فَإنَّ مِنَ الشَّرِيعَةِ أنْ يَنْظُرَ القاضِي أوَّلَ ما يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أمْرَ المَساجِينِ.

12:43–45Страница 240

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣

Царь сказал: «Я видел, как семь тощих коров пожирают семерых тучных, а также семь зеленых колосьев и семь высохших. О знатные люди! Разъясните мое видение, если вы умеете толковать сны».

قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤

Они сказали: «Это - бессвязные сны! Мы не умеем толковать такие сновидения».

وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥

Но тот из двух людей, который спасся, вдруг вспомнил его спустя много времени и сказал: «Я расскажу вам его толкование, только пошлите меня».

﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾

هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.

صفحة ٢٨٠

والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.

فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ

و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:

هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ

والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.

والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.

صفحة ٢٨١

و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]

وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.

وتَقْدِيمُ (لِلرُّؤْيا) عَلى عامِلِهِ وهو (تَعْبُرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِالرُّؤْيا في التَّعْبِيرِ. والتَّعْرِيفُ في لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

واللّامُ في لِلرُّؤْيا لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ. يُقالُ: عَبَرَ الرُّؤْيا مِن بابِ نَصَرَ. قالَ في الكَشّافِ: وعَبَرَتِ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الإثْباتُ. ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّعْبِيرِ، وقَدْ عَثَرْتُ عَلى بَيْتٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في كِتابِ الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ:

رَأيْتُ رُؤْيايَ ثُمَّ عَبَرْتُها ∗∗∗ وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا

والمَعْنى: فَسَّرَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ وأوَّلَ إشاراتِها ورُمُوزَها.

وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِمّا يَشْتَغِلُونَ بِهِ. وكانَ الكَهَنَةُ مِنهم يَعُدُّونَهُ مِن عُلُومِهِمْ ولَهم قَواعِدُ في حَلِّ رُمُوزِ ما يَراهُ النّائِمُ. وقَدْ وُجِدَتْ في آثارِ القِبْطِ أوْراقٌ مِنَ البَرْدِي فِيها ضَوابِطُ وقَواعِدُ لِتَعْبِيرِ الرُّؤى، فَإنَّ اسْتِفْتاءَ صاحِبَيِ السِّجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤيَيْهِما يُنْبِئُ بِأنَّ ذَلِكَ شائِعٌ فِيهِمْ، وسُؤالُ المَلِكِ أهْلَ مَلَئِهِ تَعْبِيرَ رُؤْياهُ يُنْبِئُ عَنِ احْتِواءِ ذَلِكَ المَلَأِ عَلى مَن يُظَنُّ بِهِمْ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ولا يَخْلُو مَلَأُ المَلِكِ مِن حُضُورِ كُهّانٍ مِن شَأْنِهِمْ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا.

صفحة ٢٨٢

وفِي التَّوْراةِ ”فَأرْسَلَ ودَعا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وجَمِيعَ حُكَمائِها وقَصَّ عَلَيْهِمْ حُلْمَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَن يَعْبُرُهُ لَهُ.“ وإنَّما كانَ مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ إلى الكَهَنَةِ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ. وقَدْ ورَدَ في أخْبارِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ كِسْرى أرْسَلَ إلى سُطَيْحٍ الكاهِنِ لِيَعْبُرَ لَهُ الرُّؤْيا أيّامَ وِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الإرْهاصاتِ النَّبَوِيَّةِ. وحَصَلَ لِكِسْرى فَزَعٌ فَأوْفَدَ إلَيْهِ عَبْدَ المَسِيحِ.

فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ الرُّؤْيا الَّتِي كانَ يَقُصُّها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ هَذِهِ الرُّؤْيا.

والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وهو: ما جُمِعَ في حُزْمَةٍ واحِدَةٍ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وأعْوادِ الشَّجَرِ، وإضافَتُهُ إلى الأحْلامِ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أيْ أضْغاثٌ لِلْأحْلامِ.

والأحْلامُ: جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو ما يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الرُّؤْيا أضْغاثُ أحْلامٍ. شُبِّهَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا بِالأضْغاثِ في اخْتِلاطِها وعَدَمِ تَمَيُّزِ ما تَحْتَوِيهِ لَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُها.

والتَّعْرِيفُ فِيهِ أيْضًا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ أحْلامِكَ هَذِهِ بِعالِمِينَ. وجُمِعَتْ أحْلامٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأشْياءِ المَرْئِيَّةِ في ذَلِكَ الحُلْمِ، فَهي عِدَّةُ رُؤى.

والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العامِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مِن قَبِيلِ باءِ الإلْصاقِ مِثْلَ باءِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لِأنَّهم نَفَوُا التَّمَكُّنَ مِن تَأْوِيلِ هَذا الحُلْمِ. وتَقْدِيمُ هَذا المَعْمُولِ عَلى الوَصْفِ العامِلِ فِيهِ كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾

صفحة ٢٨٣

فَلَمّا ظَهَرَ عَوَصُ تَعْبِيرِ هَذا الحُلُمِ تَذَكَّرَ ساقَيِ المَلِكِ ما جَرى لَهُ مَعَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾

وابْتِداءُ كَلامِهِ بِضَمِيرِهِ وجَعْلِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ وخَبَرُهُ فِعْلِيٌّ لِقَصْدِ اسْتِجْلابِ تَعَجُّبِ المَلِكِ مِن أنْ يَكُونَ السّاقِي يُنْبِئُ بِتَأْوِيلِ رُؤْيا عَوِصَتْ عَلى عُلَماءِ بَلاطِ المَلِكِ، مَعَ إفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، وهو إنْباؤُهُ إيّاهم بِتَأْوِيلِها؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإثْباتِ يُفِيدُ التَّقَوِّي، وإسْنادُ الإنْباءِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ الإنْباءِ، ولِذَلِكَ قالَ فَأرْسِلُونِ. وفي ذَلِكَ ما يَسْتَفِزُّ المَلِكَ إلى أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالذَّهابِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ لِيَأْتِيَ بِنَبَأِ التَّأْوِيلِ إذْ لا يَجُوزُ لِمِثْلِهِ أنْ يُغادِرَ مَجْلِسَ المَلِكِ دُونَ إذْنٍ. وقَدْ كانَ مُوقِنًا بِأنَّهُ يَجِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ لِأنَّهُ قالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ دُونَ تَرَدُّدٍ. ولَعَلَّ سَبَبَ يَقِينِهِ بِبَقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ أنَّهُ كانَ سِجْنَ الخاصَّةِ فَكانَ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن إطْلاقٍ أوْ مَوْتٍ يَبْلُغُ مَسامِعَ المَلِكِ وشِيعَتِهِ.

وادَّكَرَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الذِّكْرِ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِثِقَلِها ولِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما ثُمَّ قُلِبَتِ الذّالُ لِيَتَأتّى إدْغامُها في الدّالِ لِأنَّ الدّالَ أخَفُّ مِنَ الذّالِ. وهَذا أفْصَحُ الإبْدالِ في ادَّكَرَ. وهو قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] كَما في الصَّحِيحِ.

ومَعْنى ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بَعْدَ زَمَنٍ مَضى عَلى نِسْيانِهِ وِصايَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

والأُمَّةُ: أُطْلِقَتْ هُنا عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ إطْلاقِ الأُمَّةِ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هو أنَّها زَمَنٌ يَنْقَرِضُ في مِثْلِهِ جِيلٌ، والجِيلُ يُسَمّى أُمَّةً، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّحابَةِ.

وإطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ في زَمَنِ نِسْيانِ السّاقِي. وفي التَّوْراةِ كانَتْ مُدَّةُ نِسْيانِهِ سَنَتَيْنِ.

وضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في (أُنَبِّئُكم فَأرْسِلُونِ) مُخاطَبٌ بِها المَلِكُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]

صفحة ٢٨٤

ولَمْ يُسَمِّ لَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُفاجِئَهم بِخَبَرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ تَعْبِيرِهِ لِيَكُونَ أوْقَعَ، إذْ لَيْسَ مِثْلُهُ مَظِنَّةَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَساجِينِ.

12:46Страница 241

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦

Он сказал: «О Йусуф (Иосиф)! О правдивый муж! Поведай нам о семи тучных коровах, которых пожирают семь тощих, а также о семи зеленых колосьях и семи высохших, чтобы я вернулся к людям. Быть может, они уразумеют».

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّيَ أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾

الخِطابُ بِالنِّداءِ مُؤْذِنٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ في الكَلامِ، وأنَّهُ مِن قَوْلِ الَّذِي نَجا وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ. وحُذِفَ مِنَ الكَلامِ ذِكْرُ إرْسالِهِ ومَشْيِهِ ووُصُولِهِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِنَ القِصَّةِ. وهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ.

والصِّدِّيقُ: أصْلُهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُ وصْفِ الصِّدِّيقِ اسْتِعْمالُ اللَّقَبِ الجامِعِ لِمَعانِي الكَمالِ واسْتِقامَةِ السُّلُوكِ في طاعَةِ اللَّهِ - تَعالى -؛ لِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ لا تَجْتَمِعُ إلّا لِمَن قَوِيَ صِدْقُهُ في الوَفاءِ بِعَهْدِ الدِّينِ.

وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في هَذا المَعْنى كَلِمَةُ الرّاغِبِ الأصْفَهانِيِّ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ قالَ: ”الصِّدِّيقُونَ هم دُوَيْنَ الأنْبِياءِ“ . وهَذا ما يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالُ القُرْآنِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] . ومِنهُ ما لَقَّبَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ في قَوْلِهِ في حَدِيثِ رَجْفِ جَبَلِ أُحُدٍ «اسْكُنْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدانِ» . مِن أجْلِ ذَلِكَ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هَذا الوَصْفَ مَعَ صِفَةِ النُّبُوَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] في سُورَةِ مَرْيَمَ.

صفحة ٢٨٥

وقَدْ يُطْلَقُ الصِّدِّيقُ عَلى أصْلِ وصْفِهِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيها.

فَهَذا الَّذِي اسْتَفْتى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤْيا المَلِكِ وصَفَ في كَلامِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ الصِّدِّيقِ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِهِ عَنْ خِبْرَةٍ وتَجْرِبَةٍ اكْتَسَبَها مِن مُخالَطَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ.

فَضَمَّ ما ذَكَرْناهُ هُنا إلى ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وإلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] في سُورَةِ النِّساءِ.

وإعادَةُ العِباراتِ المَحْكِيَّةِ عَنِ المَلِكِ بِعَيْنِها إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَّغَ السُّؤالَ كَما تَلَقّاهُ، وذَلِكَ تَمامُ أمانَةِ النّاقِلِ.

والنّاسُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِـ النّاسِ بَعْضِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . والنّاسُ هُنا هُمُ المَلِكُ وأهْلُ مَجْلِسِهِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَ تِلْكَ الرُّؤْيا يُهِمُّهم جَمِيعًا لِيَعْلَمَ المَلِكُ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ ويَعْلَمَ أهْلُ مَجْلِسِهِ أنَّ ما عَجَزُوا عَنْ تَأْوِيلِهِ قَدْ عُلِّمَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهم. وهَذا وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ مَعَ حَذْفِ مَعْمُولِ (يَعْلَمُونَ) لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ما يُفِيدُهُ عِلْمُهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English