Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ибрахим 14:27–34
14:27Страница 259
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧
Аллах поддерживает верующих твердым словом в мирской жизни и Последней жизни. А беззаконников Аллах вводит в заблуждение - Аллах вершит то, что пожелает.
صفحة ٢٢٦
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَمّا أثارَهُ تَمْثِيلُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِالشَّجَرَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ بِأنْ يُسْألَ عَنِ الثّابِتِ المُشَبَّهِ بِهِ: ما هو أثَرُهُ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ الثَّباتُ ظَهَرَ في قُلُوبِ أصْحابِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا إذْ ثَبَتُوا عَلى الدِّينِ ولَمْ يَتَزَعْزَعُوا فِيهِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْمَرُوا مِن شَجَرَةٍ أصْلُها ثابِتٌ.
والقَوْلُ: الكَلامُ، والثّابِتُ: الصّادِقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، والمُرادُ بِهِ أقْوالُ القُرْآنِ؛ لِأنَّها صادِقَةُ المَعانِي واضِحَةُ الدَّلِيلِ، فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِاسْتِغْراقِ الأقْوالِ الثّابِتَةِ، والباءُ في: ”بِالقَوْلِ“ لِلسَّبَبِيَّةِ.
ومَعْنى تَثْبِيتِ الَّذِينَ آمَنُوا بِها أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهم فَهْمَ الأقْوالِ الإلَهِيَّةِ عَلى وجْهِها وإدْراكَ دَلائِلِها حَتّى اطْمَأنَّتْ إلَيْها قُلُوبُهم، ولَمْ يُخامِرْهم فِيها شَكٌّ فَأصْبَحُوا ثابِتِينَ في إيمانِهِمْ غَيْرَ مُزَعْزَعِينَ بِها غَيْرَ مُتَرَدِّدِينَ.
وذَلِكَ في الحَياةِ الدُّنْيا ظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِإلْفائِهِمُ الأحْوالَ عَلى نَحْوٍ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا، فَلَمْ تَعْتَرِهِمْ نَدامَةٌ ولا لَهَفٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَظاهِرَ كَثِيرَةٍ يَظْهَرُ فِيها ثَباتُهم بِالحَقِّ قَوْلًا وانْسِياقًا، وتَظْهَرُ فِيها فِتْنَةُ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ في الأحْوالِ كُلِّها.
وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ المُشْرِكِينَ، أيْ: يَجْعَلُهم في حَيْرَةٍ وعِمايَةٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والضَّلالُ: اضْطِرابٌ وارْتِباكٌ، فَهو الأثَرُ المُناسِبُ لِسَبَبِهِ، أعْنِي الكَلِمَةَ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ.
والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
صفحة ٢٢٧
ومِن مَظاهِرِ هَذا التَّثْبِيتِ فِيهِما ما ورَدَ مِن وصْفِ فِتْنَةِ سُؤالِ القَبْرِ؛ رَوى البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ»﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها، وتَحْتَ إبْهامِ ما يَشاءُ وعُمُومِهِ مَطاوٍ كَثِيرَةٍ: مِنَ ارْتِباطِ ذَلِكَ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ، وصَفاءِ النِّيّاتِ في تَطَلُّبِ الإرْشادِ، وتَرْبِيَةِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ بِنَمائِهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ حَتّى تَبْلُغَ بُذُورُ تَيْنِكَ الشَّجَرَتَيْنِ مُنْتَهى أمَدِهِما مِنِ ارْتِفاعٍ في السَّماءِ واجْتِثاثٍ مِن فَوْقِ الأرْضِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّثْبِيتِ والإضْلالِ، وفي كُلِّ تِلْكَ الأحْوالِ مَراتِبُ ودَرَجاتٌ لا تَبْلُغُ عُقُولُ البَشَرِ تَفْصِيلَها.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها حَتّى تَسِيرَ مَسِيرَ المَثَلِ.
14:28–29Страница 259
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Разве ты не видел тех, которые обменяли милость Аллаха на неверие и ввергли свой народ в Обитель погибели -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
Геенну, в которой они будут гореть? Как же скверно это местопребывание!
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصِلُونَها وبِئْسَ القَرارُ﴾
أُعْقِبَ تَمْثِيلُ الدِّينَيْنِ بِبَيانِ آثارِهِما في أصْحابِهِما، وابْتُدِئَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّها أعْجَبُ، والعِبْرَةَ بِها أوْلى والحَذَرَ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحَلِّي بِضِدِّها، ثُمَّ أُعْقِبَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] الخَ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا بَصَرِيَّةٌ مُتَعَلِّقُها مِمّا يُرى، ولِأنَّ تَعْدِيَةَ فِعْلِها بِـ (إلى) يُرَجِّحُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
صفحة ٢٢٨
وقَدْ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ، والخِطابُ لِمَن يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ إلى حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مَعَ وُضُوحِ حالِهِمْ.
والكُفْرُ: كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وهو ضِدُّ الشُّكْرِ، والإشْراكُ بِاللَّهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَتِهِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ مَحْسَنُ الِاحْتِباكِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وشُكْرَها كُفْرًا بِها ونِقْمَةً مِنهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ الخَ.
واسْتُعِيرَ التَّبْدِيلُ لِوَضْعِ الشَّيْءِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ تَبْدِيلَ الذّاتِ بِالذّاتِ، والَّذِينَ بَدَّلُوا هَذا التَّبْدِيلَ فَرِيقٌ مَعْرُوفُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ، وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الكَلِمَةَ الخَبِيثَةَ مِنَ الشَّيْطانِ، أيْ: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهم الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَكابَرُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ، وشَرَّدُوا مَنِ اسْتَطاعُوا، وتَسَبَّبُوا في إحْلالِ قَوْمِهِمْ دارَ البَوارِ، فَإسْنادُ فِعْلِ أحَلُّوا إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
ونِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي بَدَّلُوها هي نِعْمَةُ أنْ بَوَّأهم حَرَمَهُ، وأمَّنَهم في سَفَرِهِمْ وإقامَتِهِمْ، وجَعَلَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وسَلَّمَهم مِمّا أصابَ غَيْرَهم مِنَ الحُرُوبِ والغاراتِ والعُدْوانِ، فَكَفَرُوا بِمَن وهَبَهم هَذِهِ النِّعَمَ، وعَبَدُوا الحِجارَةَ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ فِيهِمْ أفْضَلَ أنْبِيائِهِ ﷺ وهَداهم إلى الحَقِّ، وهَيَّأ لَهم أسْبابَ السِّيادَةِ والنَّجاةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَبَدَّلُوا شُكْرَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ بِهِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ الكُبْرى هي رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبَنِيَّتِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .
وقَوْمُهم: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مُلازَمَةِ الكُفْرِ حَتّى ماتُوا كُفّارًا، فَهم أحَقُّ بِأنْ يُضافُوا إلَيْهِمْ.
صفحة ٢٢٩
والبَوارُ: الهَلاكُ والخُسْرانُ، ودارُهُ: مَحَلُّهُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ.
والإحْلالُ بِها: الإنْزالُ فِيها، والمُرادُ بِالإحْلالِ: التَّسَبُّبُ فِيهِ، أيْ: كانُوا سَبَبًا لِحُلُولِ قَوْمِهِمْ بِدارِ البَوارِ، وهي جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ، ومَواقِعُ القَتْلِ والخِزْيِ في الدُّنْيا مِثْلُ مَوْقِعِ بَدْرٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿دارَ البَوارِ﴾) جَهَنَّمَ، وبِهِ فَسَّرَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أرْضَ بَدْرٍ، وهو رِوايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
واسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أحَلُّوا لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الإحْلالَ مُتَأخِّرٌ زَمَنُهُ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.
والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ، فَعَلى تَفْسِيرِ ﴿دارَ البَوارِ﴾ بِدارِ البَوارِ في الآخِرَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ جَهَنَّمَ بَدَلًا مِن ﴿دارَ البَوارِ﴾ وجُمْلَةُ يَصْلَوْنَها حالًا مِن جَهَنَّمَ، فَتُخَصُّ دارُ البَوارِ بِأعْظَمِ أفْرادِها وهو النّارُ، ويُجْعَلُ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ بَعْضِ الأفْرادِ لِأهَمِّيَّتِهِ.
وعَلى تَفْسِيرِ دارِ البَوارِ بِأرْضِ بَدْرٍ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وانْتِصابُ جَهَنَّمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ يَصْلَوْنَها عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ.
وما يَرْوُونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ مَخْزُومٍ، قالَ: فَأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ وأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكَفَيْتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَلا أحْسَبُهُ إلّا مِن وضْعِ بَعْضِ المُغْرِضِينَ المُضادِّينَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وفي رِواياتٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ولا يُرِيدُ عُمَرُ ولا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَن أسْلَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ فاحْذَرُوا الأفْهامَ الخاطِئَةَ، وكَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ:
صفحة ٢٣٠
أنَّهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ ومَنِ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ تَنَصَّرُوا في زَمَنِ عُمَرَ وحَلُّوا بِبِلادِ الرُّومِ، فَإذا صَحَّ عَنْهُ فَكَلامُهُ عَلى مَعْنى التَّنْظِيرِ والتَّمْثِيلِ وإلّا فَكَيْفَ يَكُونُ هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ، وإنَّما حَدَثَ ذَلِكَ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وجُمْلَةُ وبِئْسَ القَرارُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَصْلَوْنَها، أوْ حالٌ مِن جَهَنَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ القَرارُ هي.
14:30Страница 259
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
Они признавали равных Аллаху, чтобы сбить других с Его пути. Скажи: «Пользуйтесь благами, но ваш путь лежит в Огонь».
﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾
عَطْفٌ عَلى بَدَّلُوا وأحَلُّوا، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ”الَّذِينَ“ وهم أئِمَّةُ الشِّرْكِ، والجَعْلُ يَصْدُقُ بِاخْتِراعِ ذَلِكَ كَما فَعَلَعَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وهو مِن خُزاعَةَ، ويَصْدُقُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ ونَشْرِهِ والِاحْتِجاجِ لَهُ، مِثْلَ وضْعِ أهْلِ مَكَّةَ الأصْنامَ في الكَعْبَةِ ووَضْعِ هُبَلَ عَلى سَطْحِها.
والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ بِكَسْرِ النُّونِ، وهو المُماثِلُ في مَجْدٍ ورِفْعَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لِيُضِلُّوا بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ إذا جَعَلَهُ ضالًّا، فَجَعَلَ الإضْلالَ عِلَّةً لِجَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا، وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا تَضْلِيلَ النّاسِ وإنَّما قَصَدُوا مَقاصِدَ هي مُساوِيَةٌ لِلتَّضْلِيلِ؛ لِأنَّها أوْقَعَتِ النّاسَ في الضَّلالِ، فَعُبِّرَ عَلى مَساوِي التَّضْلِيلِ بِالتَّضْلِيلِ؛ لِأنَّهُ آيِلٌ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِلضَّلالِ عَنْ سَبِيلِهِ، تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ بِغايَةِ فِعْلِهِمْ وهم ما أضَلُّوا إلّا وقَدْ ضَلُّوا، فَعُلِمَ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، وذَلِكَ إيجازٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ لِيَضِلُّوا بِفَتْحِ الياءِ والمَعْنى: لِيَسْتَمِرَّ ضَلالُهم فَإنَّهم حِينَ جَعَلُوا الأنْدادَ كانَ ضَلالُهم حاصِلًا في
صفحة ٢٣١
زَمَنِ الحالِ، ومَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَكُونَ مُسْتَقْبَلَةً لِأنَّها بِتَقْدِيرِ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ.
ويُعْلَمُ أنَّهم أضَلُّوا النّاسَ مِن قَوْلِهِ وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ.
وسَبِيلُ اللَّهِ: كُلُّ عَمَلٍ يَجْرِي عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ، شِبْهُ العَمَلِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَحَلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِـ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إذا عَلِمَ هَذِهِ الأحْوالَ يَتَساءَلُ عَنِ الجَزاءِ المُناسِبِ لِجُرْمِهِمْ وكَيْفَ تَرَكَهُمُ اللَّهُ يَرْفُلُونَ في النَّعِيمِ، فَأُجِيبَ بِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، أيْ: يَمُوتُونَ فَيَصِيرُونَ إلى العَذابِ.
وأُمِرَ بِأنْ يُبْلِغَهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْدَهُونَ بِأنَّهم في تَنَعُّمٍ وسِيادَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
14:31Страница 259
قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١
Скажи тем из Моих рабов, которые уверовали, чтобы они совершали намаз и расходовали явно и тайно из того, чем Мы их наделили, пока не наступит день, когда не будет ни торга, ни дружбы.
﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾
اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ حالِ الفَرِيقِ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ بِذِكْرِ حالِ مُقابِلِهِ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، فَلَمّا ابْتُدِئَ بِالفَرِيقِ الأوَّلِ لِقَصْدِ المَوْعِظَةِ والتَّخَلِّي ثُنِّىَ بِالفَرِيقِ الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ أغْراضِ الكَلامِ كَما سَيَأْتِي في الآيَةِ عَقِبَها.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الإسْراءِ ”وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجارَةً“ إلى أنْ قالَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] .
صفحة ٢٣٢
ولَمّا كانُوا مُتَحَلِّينَ بِالكَمالِ صِيَغَ الحَدِيثُ عَنْهم بِعُنْوانِ الوَصْفِ بِالإيمانِ، وبِصِيغَةِ الأمْرِ بِما هم فِيهِ مِن صَلاةٍ وإنْفاقٍ لِقَصْدِ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ، فَحَصَلَتْ بِذَلِكَ مُناسَبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها لِمُناسَبَةِ تَضادِّ الحالَيْنِ.
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ مِن قَبْلُ ويُنْفِقُونَ مِن قَبْلُ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ الِاسْتِزادَةُ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ المُضارِعُ مَعَ تَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ دُونَ صِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ؛ لِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ، فَهو مَعَ لامِ الأمْرِ يُلاقِي حالَ المُتَلَبِّسِ بِالفِعْلِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ بِخِلافِ صِيغَةِ (افْعَلْ) فَإنَّ أصْلَها طَلَبُ إيجادِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِهِ، فَأصْلُ يُقِيمُوا الصَّلاةَ لِيُقِيمُوا، فَحُذِفَتْ لامُ الأمْرِ تَخْفِيفًا.
وهَذِهِ هي نُكْتَةُ وُرُودِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في مَواضِعِ وُرُودِهِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا ولْيَقُولُوا، فَحُكِيَ بِالمَعْنى.
وعِنْدِي: أنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ: ذَرْهم لِيَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ، فَهو أمْرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإمْلاءِ والتَّهْدِيدِ، ولِذَلِكَ نُوقِنُ بِأنَّ الأفْعالَ هَذِهِ مَعْمُولَةٌ لِلامِ أمْرٍ مَحْذُوفَةٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ إذا وقَعَ الفِعْلُ المَجْزُومُ بِلامِ الأمْرِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ فِعْلِ (قُلْ)، كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ، ووافَقَهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ، وقالَ بَعْضُهم: جَزْمُ الفِعْلِ المُضارِعِ في جَوابِ الأمْرِ بِـ (قُلْ) عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو المَقُولُ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا يُقِيمُوا وأنْفِقُوا يُنْفِقُوا، وقالَ الكِسائِيُّ وابْنُ مالِكٍ إنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِما يَقَعُ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وفاتَهم نَحْوُ آيَةِ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴿وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] مِمّا رَزَقْناهم لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الإنْفاقِ لِيَكُونَ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٣٣
وسِرًّا وعَلانِيَةً حالانِ مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُوا، وهُما مَصْدَرانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى سِرًّا وعَلانِيَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الأحْوالِ في طَلَبِ الإنْفاقِ لِكَيْلا يَظُنُّوا أنَّ الإعْلانَ يَجُرُّ إلى الرِّياءِ كَما كانَ حالُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ أنَّ الإنْفاقَ (سِرًّا) يُفْضِي إلى إخْفاءِ الغَنِيِّ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ فَيُجَرُّ إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، فَرُبَّما تَوَخّى المَرْءُ أحَدَ الحالَيْنِ فَأفْضى إلى تَرْكِ الإنْفاقِ في الحالِ الآخَرِ فَتَعَطَّلَ نَفْعٌ كَثِيرٌ، وثَوابٌ جَزِيلٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلنّاسِ أنَّ الإنْفاقَ بِرٌّ لا يُكَدِّرُهُ ما يَحُفُّ بِهِ مِنَ الأحْوالِ، وإنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم الآيَةَ.
وقِيلَ المَقْصُودُ مِنَ السِّرِّ: الإنْفاقُ المُتَطَوَّعُ بِهِ، ومِنَ العَلانِيَةِ: الإنْفاقُ الواجِبُ.
وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أوْلى الحالَيْنِ لِبُعْدِهِ عَنْ خَواطِرِ الرِّياءِ؛ ولِأنَّ فِيهِ اسْتِبْقاءً لِبَعْضِ حَياءِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الخَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا﴾، أيْ: لِيَفْعَلُوا ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ قَبْلَ حُلُولِ اليَوْمِ الَّذِي تَتَعَذَّرُ فِيهِ المُعاوَضاتُ والإنْفاقُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَظِيمِ مَنافِعِ إقامَةِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ قَبْلَ يَوْمِ الجَزاءِ عَنْهُما حِينَ يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَكُونُوا ازْدادُوا مِن ذَيْنِكَ لِما يَسُرُّهم مِن ثَوابِهِما فَلا يَجِدُونَ سَبِيلًا لِلِاسْتِزادَةِ مِنهُما، إذْ لا بَيْعَ يَوْمَئِذٍ فَيُشْتَرى الثَّوابُ ولا خِلالَ مِن شَأْنِها الإرْفادُ والإسْعافُ بِالثَّوابِ، فالمُرادُ بِالبَيْعِ: المُعاوَضَةُ، وبِالخِلالِ: الكِنايَةُ عَنِ التَّبَرُّعِ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنَ الخِلالِ هُنا آثارُها، بِقَرِينَةِ المَقامِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الخُلَّةِ، أيِ الصُّحْبَةِ والمَوَدَّةِ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ ثابِتَةٌ بَيْنَ المُتَّقِينَ، قالَ تَعالى:
صفحة ٢٣٤
﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقَدْ كَفى بِنَفْيِ البَيْعِ والخِلالِ الَّتِي هي وسائِلُ النَّوالِ والإرْفادِ عَنِ انْتِفاءِ الِاسْتِزادَةِ.
وإدْخالُ حَرْفِ الجَرِّ عَلى اسْمِ الزَّمانِ هو (قَبْلِ) لِتَأْكِيدِ القَبْلِيَّةِ لِيُفْهَمَ مَعْنى المُبادَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لا بَيْعٌ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ، وهُما وجْهانِ في نَفْيِ النَّكِرَةِ بِحَرْفِ (لا) .
14:32–34Страница 259
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢
Аллах - Тот, Кто создал небеса и землю, ниспослал с неба воду и взрастил ею плоды для вашего пропитания, подчинил вам корабли, которые плывут по морям по Его воле, подчинил вам реки,
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣
подчинил вам солнце и луну, непрестанно движущиеся по своим орбитам, подчинил вам ночь и день.
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤
Он даровал вам все, о чем вы просили. Если вы станете считать милости Аллаха, то не сможете сосчитать их. Воистину, человек несправедлив и неблагодарен.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لِظَلُومٌ كَفّارٌ﴾
اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] الآيَةَ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] الآيَةَ، وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ تَعْدادَهم لِنِعَمٍ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها لِيَظْهَرَ حالُ الَّذِينَ كَفَرُوها، وبِالضِّدِّ حالُ الَّذِينَ شَكَرُوا عَلَيْها، ولِيَزْدادَ الشّاكِرُونَ شُكْرًا، فالمَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنِعَمٍ عامَّةٍ مَشْهُودَةٍ مَحْسُوسَةٍ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُها إلّا أنَّها لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المُنْعِمَ بِها ومُوجِدَها هو اللَّهُ تَعالى.
صفحة ٢٣٥
وافْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمِ المُوجِدِ؛ لِأنَّ تَعْيِينَهُ هو الغَرَضُ الأهَمُّ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ إلَيْهِ والثُّبُوتِ لَهُ، إذْ لا يُنازَعُ المُشْرِكُونَ في أنَّ اللَّهَ هو صاحِبُ الخَلْقِ ولا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تَخْلُقُ شَيْئًا، كَما قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى إلَهِيَّةِ خالِقِها وتَمْهِيدٌ لِلنِّعَمِ المُودَعَةِ فِيها، فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإخْراجُ الثَّمَراتِ مِنَ الأرْضِ، والبِحارُ والأنْهارُ مِنَ الأرْضِ، والشَّمْسُ والقَمَرُ مِنَ السَّماءِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مِنَ السَّماءِ ومِنَ الأرْضِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذِهِ النِّعَمِ في آياتٍ مَضَتْ.
والرِّزْقُ: القُوتُ، والتَّسْخِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ، وهو مَجازٌ في جَعْلِ السَّيِّئِ قابِلًا لِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ هو عِلَّةُ تَسْخِيرِ صُنْعِها.
ومَعْنى تَسْخِيرِ الفُلْكِ: تَسْخِيرُ ذاتِها بِإلْهامِ البَشَرِ لِصُنْعِها وشَكْلِها بِكَيْفِيَّةٍ تَجْرِي في البَحْرِ بِدُونَ مانِعٍ.
وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْرِي) .
والأمْرُ: هُنا الإذْنُ، أيْ: تَيْسِيرُ جَرْيِها في البَحْرِ، وذَلِكَ بِكَفِّ العَواصِفِ عَنْها وبِإعانَتِها بِالرِّيحِ الرُّخاءِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأمْرِ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وقَدْ بَيَّنَتْهُ آيَةُ ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٢] الآيَةَ.
وتَسْخِيرُ الأنْهارِ: خَلْقُها عَلى كَيْفِيَّةٍ تَقْتَضِي انْتِقالَ الماءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ وقَرارَهُ في بَعْضِ المُنْخَفَضاتِ فَيَسْتَقِي مِنهُ مَن تَمُرُّ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ عَلى ضِفافِهِ
صفحة ٢٣٦
حَيْثُ تَسْتَقِرُّ مِياهُهُ، وخَلَقَ بَعْضَها مُسْتَمِرَّةَ القَرارِ كالدِّجْلَةِ والفُراتِ والنِّيلِ لِلشُّرْبِ ولِسَيْرِ السُّفُنِ فِيها.
وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ: خَلْقُهُما بِأحْوالٍ ناسَبَتِ انْتِفاعَ البَشَرِ بِضِيائِهِما، وضَبْطِ أوْقاتِهِمْ بِسَيْرِهِما.
ومَعْنى دائِبَيْنِ دائِبَيْنِ عَلى حالاتٍ لا تَخْتَلِفُ إذْ لَوِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَسْتَطِعِ البَشَرُ ضَبْطَها فَوَقَعُوا في حَيْرَةٍ وشَكٍّ.
والفُلْكُ: جَمْعٌ لَفْظُهُ كَلَفْظِ مُفْرَدِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أعْطاكم بَعْضًا مِن جَمِيعِ مَرْغُوباتِكُمُ الخارِجَةِ عَنِ اكْتِسابِكم بِحَيْثُ شَأْنُكم فِيها أنْ تَسْألُوا اللَّهَ إيّاها، وذَلِكَ مِثْلُ تَوالُدِ الأنْعامِ، وإخْراجِ الثِّمارِ والحَبِّ، ودَفْعِ العَوادِي عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ: كَدَفْعِ الأمْراضِ عَنِ الأنْعامِ، ودَفْعِ الجَوائِحِ عَنِ الثِّمارِ والحَبِّ.
فَجُمْلَةُ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها لِحِكَمٍ يَعْلَمُها اللَّهُ ولا يَعْلَمُونَها ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وأنَّ الإنْعامَ والِامْتِنانَ يَكُونُ بِمِقْدارِ البَذْلِ لا بِمِقْدارِ الحِرْمانِ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ تَفْسِيرُ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّذْيِيلِ وزِيادَةٌ في التَّعْمِيمِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ كَثِيرٌ مِنهُ مَعْلُومٌ وكَثِيرٌ مِنهُ لا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ أوْ لا يَتَذَكَّرُونَهُ عِنْدَ إرادَةِ تَعْدادِ النِّعَمِ.
فَمَعْنى إنْ تَعُدُّوا إنْ تُحاوِلُوا العَدَّ وتَأْخُذُوا فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلَ النِّعَمِ المُعْتادِ بِها الَّتِي يَنْسى النّاسُ أنَّها مِنَ النِّعَمِ، كَنِعْمَةِ النَّفْسِ، ونِعْمَةِ الحَوّاسِ، ونِعْمَةِ هَضْمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ونِعْمَةِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ، ونِعْمَةِ الصِّحَّةِ، ولِلْفَخْرِ هُنا تَقْرِيرٌ نَفِيسٌ فانْظُرْهُ.
صفحة ٢٣٧
والإحْصاءُ: ضَبْطُ العَدَدِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصا اسْمًا لِلْعَدَدِ، وهو مَنقُولٌ مِنَ الحَصى، وهو صِغارُ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعُدُونَ الأعْدادَ الكَثِيرَةَ بِالحَصى تَجَنُّبًا لِلْغَلَطِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُسْتَعْمَلِ في تَحْقِيقِ تَبْدِيلِ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَنْها.
والمُرادُ بِـ الإنْسانِ صِنْفٌ مِنهُ، وهو المُتَّصِفُ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ وتَأْكِيدِها، فالإنْسانُ هو المُشْرِكُ، مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وصِيغَتا المُبالَغَةِ في ظَلُومٌ كَفّارٌ اقْتَضاهُما كَثْرَةُ النِّعَمِ المُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، إذْ بِمِقْدارِ كَثْرَةِ النِّعَمِ يَكْثُرُ كُفْرُ الكافِرِينَ بِها إذْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ المُنْعِمِ وعَبَدُوا ما لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا يَجْحَدُونَ نِعَمَ اللَّهِ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии