Ибн АшурАль‑Хиджр · 15:24–40

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Хиджр 15:24–40

15:24–25Страница 263

وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤

Воистину, Мы знаем тех, кто жил прежде, и тех, кому суждено жить после них.

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥

Воистину, твой Господь соберет их всех, ведь Он - Мудрый, Знающий.

صفحة ٤٠

﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا ذَكَرَ الإحْياءَ والإماتَةَ وكانَ الإحْياءُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُذَكِّرُ بِالأحْياءِ بِفَتْحِها، وكانَتِ الإماتَةُ تُذْكَرُ بِالأمْواتِ الماضِينَ تَخَلَّصَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِلازِمِ ذَلِكَ عَلى عِظَمِ عِلْمِ اللَّهِ وهو عِلْمُهُ بِالأُمَمِ البائِدَةِ، وعِلْمُ الأُمَمِ الحاضِرَةِ. فَأُرِيدَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا الأحْياءَ إلى المَوْتِ أوْ إلى الآخِرَةِ، فالتَّقَدُّمُ فِيهِ بِمَعْنى المُضِيِّ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ تَأخَّرُوا وهم بَعْدَ انْقِراضِ غَيْرِهِمْ إلى أجَلٍ يَأْتِي.

والسِّينُ والتّاءُ في الوَصْفَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ اسْتَجابَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ عَلى خِلافِ القِياسِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ رُباعِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ مِن طَرِيقِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ ومِن طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو خَبَرٌ واهٍ لا يُلاقِي انْتِظامَ الآياتِ ولا يَكُونُ إلّا مِنَ التَّفاسِيرِ الضَّعِيفَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ نَتِيجَةُ هَذِهِ الأدِلَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] فَإنَّ الَّذِي يُحْيِي الحَياةَ الأُولى قادِرٌ عَلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالأوْلى، والَّذِي قَدَّرَ المَوْتَ ما قَدَّرَهُ عَبَثًا بَعْدَ أنْ أوْجَدَ المَوْجُوداتِ إلّا لِتَسْتَقْبِلُوا حَياةً أبَدِيَّةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُدِّرَ الدَّوامُ عَلى الحَياةِ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .

ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى مِن حِكْمَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾؛ لِأنَّ شَأْنَ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَعْنى الرَّدِّ عَلى المُنْكَرِ أنْ تُفِيدَ مَعْنى التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ بِما قَبْلَها.

صفحة ٤١

والحَكِيمُ: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالعِلْمِ العامِّ، أيِ: المُحِيطُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَدْ أُكِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ الشَّدِيدِ لِلْحَشْرِ، وقَدْ أُسْنِدَ الحَشْرُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوهُ في الخَبَرِ عَنِ البَعْثِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنْبِئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ أيْ: فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِجَزائِهِ مُكَذِّبِيكَ إذا حَشَرَهم.

15:26–27Страница 263

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦

Мы сотворили человека из сухой звонкой глины, полученной из видоизмененной грязи.

وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧

А еще раньше Мы сотворили джиннов из палящего пламени.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِخَلْقِ أجْناسِ العَوالِمِ وما فِيها، ومِنهُ يَتَخَلَّصُ إلى التَّذْكِيرِ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْبَشَرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم مِنهُ، ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم عَلى ما يُخامِرُها مِن وسْواسِهِ بِما يُرْدِيهِمْ، جاءَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإحْياءِ والإماتَةِ؛ فَإنَّ أهَمَّ الإحْياءِ هو إيجادُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، فَفي هَذا الخَبَرِ اسْتِدْلالٌ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ وعَلى إمْكانِ البَعْثِ، ومَوْعِظَةٍ وذِكْرى، والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والصَّلْصالُ: الطِّينُ الَّذِي يُتْرَكُ حَتّى يَيْبَسَ فَإذا يَبِسَ فَهو صَلْصالٌ وهو شِبْهُ الفَخّارِ، إلّا أنَّ الفَخّارَ هو ما يَبِسَ بِالطَّبْخِ بِالنّارِ؛ قالَ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .

صفحة ٤٢

والحَمَأُ: الطِّينُ إذا اسْوَدَّ وكُرِهَتْ رائِحَتُهُ، وقَوْلُهُ مِن حَمَأٍ صِفَةٌ لِـ صَلْصالٍ، ومَسْنُونٍ صِفَةٌ لِـ حَمَأٍ أوْ لِـ صَلْصالٍ، وإذْ كانَ الصَّلْصالُ مِنَ الحَمَأِ فَصِفَةُ أحَدِهِما صِفَةٌ لِلْآخَرِ. والمَسْنُونُ: الَّذِي طالَتْ مُدَّةُ مُكْثِهِ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فِعْلِ سَنَّهُ؛ إذا تَرَكَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً تُشْبِهُ السَّنَةَ، وأحْسَبُ أنَّ فِعْلَ (سَنَّ) بِمَعْنى تَرَكَ شَيْئًا مُدَّةً طَوِيلَةً غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

ولَعَلَّ (تَسَنَّهْ) بِمَعْنى تَغَيَّرَ مِن طُولِ المُدَّةِ أصْلُهُ مُطاوِعُ سَنَهٍ ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهُ عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى إذا أخْرَجَ مِن هَذِهِ الحالَةِ المَهِينَةِ نَوْعًا هو سَيِّدُ أنْواعِ عالَمِ المادَّةِ ذاتِ الحَياةِ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ماهِيَّةَ الحَياةِ تَتَقَوَّمُ مِنَ التُّرابِيَّةِ والرُّطُوبَةِ والتَّعَفُّنِ، وهو يُعْطِي حَرارَةً ضَعِيفَةً، ولِذَلِكَ تَنْشَأُ في الأجْرامِ المُتَعَفِّنَةِ حَيَواناتٌ مِثْلَ الدُّودِ، ولِذَلِكَ أيْضًا تَنْشَأُ في الأمْزِجَةِ المُتَعَفِّنَةِ الحُمّى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى الأطْوارِ الَّتِي مَرَّتْ عَلى مادَّةِ خَلْقِ الإنْسانِ.

وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ قَسَمٍ وبِحَرْفِ (قَدْ) لِزِيادَةِ التَّحَقُّقِ تَنْبِيهًا عَلى أهَمِّيَّةِ هَذا الخَلْقِ، وأنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ﴾ إدْماجٌ وتَمْهِيدٌ إلى بَيانِ نَشْأةِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ وجُنْدِ إبْلِيسَ. وأُكِّدَتْ جُمْلَةُ والجانَّ خَلَقْناهُ بِصِيغَةِ الِاشْتِغالِ الَّتِي هي تَقْوِيَةٌ لِلْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ نَظِيرِ المَحْذُوفِ، ولِما فِيها مِنَ الِاهْتِمامِ بِالإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي أُكِّدَتْ بِهِ جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الخَ.

صفحة ٤٣

وفائِدَةُ قَوْلِهِ مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ تَعْلِيمُ أنَّ خَلْقَ الجانِّ أسْبَقُ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرِ الحَرارَةِ أسْبَقَ مِنَ الرُّطُوبَةِ.

والسَّمُومُ بِفَتْحِ السِّينِ: الرِّيحُ الحارَّةُ، فالجِنُّ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِيَّةِ والهَوائِيَّةِ؛ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدالُ في الحَرارَةِ فَيَقْبَلَ الحَياةَ الخاصَّةَ اللّائِقَةَ بِخِلْقَةِ الجِنِّ، فَكَما كَوَّنَ اللَّهُ الحَمَأةَ الصَّلْصالَ المَسْنُونَ لِخَلْقِ الإنْسانِ، كَوَّنَ رِيحًا حارَّةً وجَعَلَ مِنها الجِنَّ، فَهو مُكَوَّنٌ مِن حَرارَةٍ زائِدَةٍ عَلى مِقْدارِ حَرارَةِ الإنْسانِ ومِن تَهْوِيَةٍ قَوِيَّةٍ، والحِكْمَةُ كُلُّها في إتْقانِ المَزْجِ والتَّرْكِيبِ.

15:28–35Страница 263

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨

Вот твой Господь сказал ангелам: «Воистину, я сотворю человека из сухой звонкой глины, полученной из видоизмененной грязи.

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩

Когда же Я придам ему соразмерный облик и вдохну в него от Моего духа, то падите перед ним ниц».

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠

Все ангелы до единого пали ниц,

إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١

за исключением Иблиса, который отказался быть в числе павших ниц.

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢

Аллах сказал: «О Иблис! Почему ты не в числе павших ниц?».

قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣

Иблис сказал: «Не подобает мне падать ниц перед человеком, которого Ты сотворил из сухой звонкой глины, полученной из видоизмененной грязи».

قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤

Аллах сказал: «Изыди, и отныне ты будешь изгнан и побит.

وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥

И проклятие пребудет над тобой до Дня воздаяния».

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ إلّا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ودَمُهُ يَشْخُبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ» .

ومَعْنى ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ اسْقُطُوا لَهُ ساجِدِينَ، وهَذِهِ الحالُ لِإفادَةِ نَوْعِ الوُقُوعِ، وهو الوُقُوعُ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهَذا تَمْثِيلٌ لِتَعْظِيمٍ يُناسِبُ أحْوالَ المَلائِكَةِ وأشْكالَهم؛ تَقْدِيرًا لِبَدِيعِ الصُّنْعِ والصَّلاحِيَةِ لِمُخْتَلِفِ الأحْوالِ الدّالِّ عَلى تَمامِ عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ.

وأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لا يُنافِي تَحْرِيمَ السُّجُودِ في الإسْلامِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ المَنعَ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ الإشْراكِ، والمَلائِكَةُ مَعْصُومُونَ مِن تَطَرُّقِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ.

وثانِيها: أنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ امْتازَتْ بِنِهايَةِ مَبالِغِ الحَقِّ والصَّلاحِ، فَجاءَتْ بِما لَمْ تَجِئْ بِهِ الشَّرائِعُ السّالِفَةُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ بُلُوغَ أتْباعِها أوْجَ الكَمالِ في المَدارِكِ ولَمْ يَكُنِ السُّجُودُ مِن قَبْلُ مَحْظُورًا فَقَدْ سَجَدَ يَعْقُوبُ وأبْناؤُهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وكانُوا أهْلَ إيمانٍ.

وثالِثُها: أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ أحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ، ولا تُقاسُ أحْكامُهُ عَلى تَكالِيفِ عالَمِ الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ عُنْوانٌ عَلى طاعَةِ المَلائِكَةِ.

و﴿كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ، أيْ: لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِ السُّجُودِ أحَدٌ مِنهم.

وقَوْلُهُ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٤٦

وقَوْلُهُ هُنا ﴿أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ واسْتَكْبَرَ؛ لِأنَّهُ أبى أنَّ يَسْجُدَ وأنْ يُساوِيَ المَلائِكَةَ في الرِّضى بِالسُّجُودِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ عَصى وأنَّهُ تَرَفَّعَ عَنْ مُتابَعَةِ غَيْرِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَعْناهُ: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكَ، أيْ: مُتَمَكِّنًا مِنكَ؛ لِأنَّ (اللّامَ) تُفِيدُ المِلْكَ، وألّا تَكُونَ مَعْمُولٌ لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (في) . وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ)، وحَرْفُ (أنْ) يُفِيدُ المَصْدَرِيَّةَ. فالتَّقْدِيرُ في انْتِفاءِ كَوْنِكَ مِنَ السّاجِدِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ﴾ جُحُودٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ أشَدُّ في النَّفْيِ مِن (لا أسْجُدُ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ العُقُودِ.

وقَوْلُهُ ﴿لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ تَأْيِيدٌ لِإبايَتِهِ مِنَ السُّجُودِ بِأنَّ المَخْلُوقَ مِن ذَلِكَ الطِّينِ حَقِيرٌ ذَمِيمٌ لا يَسْتَأْهِلُ السُّجُودَ، وهَذا ضَلالٌ نَشَأ عَنْ تَحْكِيمِ الأوْهامِ بِإعْطاءِ الشَّيْءِ حُكْمَ وقْعِهِ في الحاسَّةِ الوَهْمِيَّةِ دُونَ وقْعِهِ في الحاسَّةِ العَقْلِيَّةِ، وإعْطاءُ حُكْمٍ ما مِنهُ التَّكْوِينُ لِلشَّيْءِ الكائِنِ، فَشَتّانَ بَيْنَ ذِكْرِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وبَيْنَ مَقْصِدِ الشَّيْطانِ مِن حِكايَةِ ذَلِكَ في تَعْلِيلِ امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِلْمَخْلُوقِ مِنهُ بِإعادَةِ اللَّهِ الألْفاظَ الَّتِي وصَفَ بِها المَلائِكَةَ، وزادَ فَقالَ ما حُكِيَ عَنْهُ في سُورَةِ (ص) إذْ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، ولَمْ يُحْكَ عَنْهُ هُنا.

وبِمَجْمُوعِ ما حُكِيَ عَنْهُ هُنا وهُناكَ كانَ إبْلِيسُ مُصَرِّحًا بِتَخْطِئَةِ الخالِقِ، كافِرًا بِصِفاتِهِ، فاسْتَحَقَّ الطَّرْدَ مِن عالَمِ القُدُسِ، وقَدْ بَيَّناهُ في سُورَةِ (ص) .

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ أمْرِهِ بِالخُرُوجِ بِالفاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ تَفَرَّعَ عَلى جَوابِهِ المُنْبِئِ عَنْ كَفْرِهِ وعَدَمِ تَأهُّلِهِ لِلْبَقاءِ في السَّماواتِ.

صفحة ٤٧

والفاءُ في فَإنَّكَ رَجِيمٌ دالَّةٌ عَلى سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ السَّماواتِ، و(إنَّ) مُؤْذِنَةٌ بِالتَّعْلِيلِ، وذَلِكَ إيماءٌ إلى سَبَبِ إخْراجِهِ مِن عَوالِمِ القُدُسِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ وصْفُهُ بِالرَّجِيمِ مِن تَلَوُّثِ الطَّوِيَّةِ وخُبْثِ النَّفْسِ، أيْ: حَيْثُ ظَهَرَ هَذا فِيكَ فَقَدْ خَبُثَتْ نَفْسُكَ خُبْثًا لا يُرْجى بَعْدَهُ صَلاحٌ فَلا تَبْقى في عالَمِ القُدُسِ والنَّزاهَةِ.

والرَّجِيمُ: المَطْرُودُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الحَقارَةِ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] .

وضَمِيرُ مِنها عائِدٌ إلى السَّماواتِ، وإنْ لَمْ تُذْكَرْ لِدَلالَةِ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في أنَّها مَوْجُودَةٌ.

واللَّعْنَةُ: السَّبُّ بِالطَّرْدِ، و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ وهو تَمَكُّنُ اللَّعْنَةِ والشَّتْمِ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ يَقَعُ فَوْقَهُ.

وجُعِلَ يَوْمُ الدِّينِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ غايَةً لِلَّعْنِ اسْتِعْمالًا في مَعْنى الدَّوامِ، كَأنَّهُ قِيلَ أبَدًا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضِي أنَّ اللَّعْنَةَ تَنْتَهِي يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُفُها ضِدُّها، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ اللَّعْنَةَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا إلى أنْ يُلاقِيَ جَزاءَ عَمَلِهِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أشَدُّ مِنَ اللَّعْنَةِ.

15:36–38Страница 264

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦

Иблис сказал: «Господи! Предоставь мне отсрочку до того дня, когда они будут воскрешены».

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧

Аллах сказал: «Воистину, ты - один из тех, кому предоставлена отсрочка

إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨

до дня, срок которого определен».

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾

سُؤالُهُ النَّظِرَةَ بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ مَلْعُونٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فاضَ بِهِ خُبْثُ جِبِلَّتِهِ البالِغُ نِهايَةِ الخَباثَةِ الَّتِي لا يَشْفِيها إلّا دَوامُ الإفْسادِ في هَذا العالَمِ، فَكانَتْ هَذِهِ الرَّغْبَةُ مُجْلِبَةً لِدَوامِ شِقْوَتِهِ.

صفحة ٤٨

ولَمّا كانَتِ اللَّعْنَةُ تَسْتَمِرُّ بَعْدَ انْعِدامِ المَلْعُونِ إذا اشْتَهَرَ بَيْنَ النّاسِ بِسُوءٍ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيتُها بِالأبَدِ مُقَيِّدًا حَياةَ المَلْعُونِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ غِنًى بِقَوْلِهِ تَعالى إلى يَوْمِ الدِّينِ عَنْ أنْ يَسْألَ الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الدِّينِ لِيَكُونَ مَصْدَرَ الشُّرُورِ لِلنُّفُوسِ قَضاءٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن بَثِّ الخُبْثِ، فَكانَ بِذَلِكَ حَرِيصًا عَلى دَوامِها بِما يُوَجَّهُ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، فَسَألَ النَّظِرَةَ حُبًّا لِلْبَقاءِ لِما في البَقاءِ مِنَ اسْتِمْرارِ عَمَلِهِ.

وخاطَبَ اللَّهَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَخَضُّعًا وحَثًّا عَلى الإجابَةِ، والفاءُ في فَأنْظِرْنِي فاءُ التَّفْرِيعِ، فَرَّعَ السُّؤالَ عَنِ الإخْراجِ، ووَسَّطَ النِّداءَ بَيْنَ ذَلِكَ.

وذُكِرَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِن أوْصافِ نَفْسِيَّتِهِ بَعْثًا لِكَراهِيَتِهِ في نُفُوسِ البَشَرِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ حَقَّ النَّفْسِ الأبِيَّةِ أنْ تَأْنَفَ مِنَ الحَياةِ الذَّمِيمَةِ المُحَقَّرَةِ، وذَلِكَ شَأْنُ العَرَبِ، فَإذا عَلِمُوا هَذا الحَوْصَ مِن حالِ إبْلِيسَ أبْغَضُوهُ واحْتَقَرُوهُ فَلَمْ يَرْضَوْا بِكُلِّ عَمَلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ تَأْخِيرُ إماتَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لا يَكُونُ لِلذّاتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِبَعْضِ أحْوالِها وهو المَوْتُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ بِـ يَوْمِ يُبْعَثُونَ تَمْهِيدًا لِما عَقَدَ عَلَيْهِ العَزْمَ مِن إغْواءِ البَشَرِ، فَأرادَ الإنْظارَ إلى آخِرِ مُدَّةِ وُجُودِ نَوْعِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وخَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبَّ النَّظِرَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهُ وخَلَقَهُ لِأجْلِها وأجْلِ آثارِها؛ لِيَحْمِلَ أوْزارَ تَبِعَةِ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِ واخْتِيارِهِ تِلْكَ الحالَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ الكَسْبَ والِاخْتِيارَ هو الَّذِي يَجْعَلُهُ مُلائِمًا لِما خُلِقَ لَهُ، كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ البَيانُ النَّبَوِيُّ بِقَوْلِهِ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .

صفحة ٤٩

وضَمِيرُ يُبْعَثُونَ لِلْبَشَرِ المَعْلُومِينَ مِن تَرْكِيبِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّهُ يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ولا سِيَّما حَيْثُ خُلِقَتْ زَوْجُهُ حِينَئِذٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُما نَسْلٌ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ البَعْثِ بِـ ﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ تَفَنُّنًا تَفادِيًا مِن إعادَةِ اللَّفْظِ قَضاءً لِحَقِّ حُسْنِ النَّظْمِ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ الأجَلَ، فالمُرادُ: المَعْلُومُ لَدَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المَعْلُومُ لِلنّاسِ أيْضًا عِلْمًا إجْمالِيًّا.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ النّاسِ لا يَعْبَأُ بِهِمْ؛ فَهم كالعَدَمِ.

وهَذا الإنْظارُ رَمْزٌ إلَهِيٌّ عَلى أنَّ نامُوسَ الشَّرِّ لا يَنْقَضِي مِن عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ نِظامَها قائِمٌ عَلى التَّصارُعِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأخْيارِ والأشْرارِ، قالَ تَعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ، وقالَ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْنِ نِظامُ العالَمِ عَنْ إقامَةِ قَوانِينِ العَدْلِ والصَّلاحِ وإيداعِها إلى الكَفاةِ لِتَنْفِيذِها والذَّوْدِ عَنْها.

وعُطِفَتْ مَقُولاتُ هَذِهِ الأقْوالِ بِالفاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ قَوْلٍ مِنها أثارَهُ الكَلامُ الَّذِي قَبْلَهُ فَتَفَرَّعَ عَنْهُ.

15:39–40Страница 264

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩

Иблис сказал: «Господи! За то, что Ты ввел меня в заблуждение, я приукрашу для них земное и непременно совращу их всех,

إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

кроме Твоих избранных (или искренних) рабов».

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لِأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ خَلَقْتَنِي غاوِيًا فَسَأُغْوِي النّاسَ.

واللّامُ في لَأُزَيِّنَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُرادٌ بِها التَّأْكِيدُ، وهو القَسَمُ المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .

صفحة ٥٠

والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ: حَسَنًا. وحُذِفَ مَفْعُولُ لَأُزَيِّنَنَّ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ الشَّرَّ والسَّيِّئاتِ فَيَرَوْنَها حَسَنَةً، وأُزَيِّنُ لَهُمُ الإقْبالَ عَلى المَلاذِّ الَّتِي تَشْغَلُهم عَنِ الواجِباتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإغْواءُ: جَعْلُهم غاوِينَ، والغَوايَةُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: الضَّلالُ.

والمَعْنى: ولَأُضِلَّنَّهم، وإغْواءُ النّاسِ كُلِّهِمْ هو أشَدُّ أحْوالِ غايَةِ المُغْوِي إذْ كانَتْ غَوايَتُهُ مُتَعَدِّيَةً إلى إيجادِ غَوايَةِ غَيْرِهِ.

وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ بِما أغْوَيْتَنِي إشارَةٌ إلى غَوايَةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ وهي الَّتِي جَبَلَهُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ لِحِكايَتِها طَرِيقَةُ المَوْصُولِيَّةِ، ويُعْلَمُ أنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ هَذا طَفْحٌ بِما في جِبِلَّتِهِ، ولَيْسَ هو تَشَفِّيًا أوْ إغاظَةً؛ لِأنَّ العَظَمَةَ الإلَهِيَّةَ تَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وزِيادَةُ في الأرْضِ؛ لِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عِنْدَ خُطُورِ الغَوايَةِ؛ لِاقْتِرانِ الغَوايَةِ بِالنُّزُولِ إلى الأرْضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فاخْرُجْ مِنها، أيِ اخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى قالَ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ، ولِأنَّ جَعْلَ التَّزْيِينِ في الأرْضِ يُفِيدُ انْتِشارَهُ في جَمِيعِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الذَّواتِ وأحْوالِها.

وضَمائِرُ: لَهم، ولَأُغْوِيَنَّهم ومِنهم، لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ عِلْمًا أُلْقِيَ في وِجْدانِهِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَتَكُونُ لَهُ ذَرِّيَّةٌ، أوِ اكْتَسَبَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ العالَمِ العُلْوِيِّ أيّامَ كانَ مِن أهْلِهِ ومَلَئِهِ.

وجَعَلَ المُغْوَيْنَ هُمُ الأصْلُ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لِأنَّ عَزِيمَتَهُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الإغْواءِ، فَهو المَلْحُوظُ ابْتِداءٌ عِنْدَهُ، عَلى أنَّ المُغْوَيْنَ هُمُ الأكْثَرُ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ. والِاسْتِثْناءُ لا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ المُسْتَثْنى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ولا العَكْسِ.

صفحة ٥١

وقُرِئَ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ لِنافِعٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ والكِسائِيِّ عَلى مَعْنى الَّذِينَ أخْلَصْتَهم وطَهَّرْتَهم، وبِكَسْرِ اللّامِ لِابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ في العَمَلِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English