Ибн АшурАль‑Исра · 17:13–17

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:13–17

17:13–14Страница 283

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

Каждому человеку Мы повесили на шею его деяния (сделали их неразлучными с ним). А в День воскресения Мы представим ему книгу, которую он увидит развернутой.

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

Читай свою книгу! Сегодня достаточно того, что ты сам сосчитаешь свои деяния против самого себя.

﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

لَمّا كانَ سِياقُ الكَلامِ جارِيًا في طَرِيقِ التَّرْغِيبِ في العَمَلِ الصّالِحِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ والسَّيِّئاتِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠]، وما عَقَّبَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ، وما أُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ ثَمَّ بِما دَلَّ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وكانَ أهَمُّ الأشْياءِ في هَذا المَقامِ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأعْمالِ كُلِّها، فَأعْقَبَ ذِكْرَ ما فَصَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى تَفْصِيلِ أعْمالِ النّاسِ تَفْصِيلًا لا يَقْبَلُ الشَّكَّ ولا الإخْفاءَ، وهو التَّفْصِيلُ المُشابِهُ لِلتَّقْيِيدِ بِالكِتابَةِ، فَعَطْفُ قَوْلِهِ وكُلَّ إنْسانٍ إلَخْ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ؛ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخاصِّ.

والمَعْنى: وكُلَّ إنْسانٍ قَدَّرْنا لَهُ عَمَلَهُ في عَمَلِنا فَهو عامِلٌ بِهِ لا مَحالَةَ، وهَذا مِن أحْوالِ الدُّنْيا.

والطّائِرُ: أُطْلِقَ عَلى السَّهْمِ، أوِ القِرْطاسِ الَّذِي يُعَيَّنُ فِيهِ صاحِبُ الحَظِّ في عَطاءٍ أوْ قُرْعَةٍ لِقِسْمَةٍ أوْ أعْشارِ جَزُورِ المَيْسِرِ، يُقالُ: اقْتَسَمُوا الأرْضَ فَطارَ لِفُلانٍ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ: اقْتَسَمَ الأنْصارُ المُهاجِرِينَ فَطارَ لَنا عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ. . . وذَكَرَتْ قِصَّةَ وفاتِهِ.

صفحة ٤٧

وأصْلُ إطْلاقِ الطّائِرِ عَلى هَذا: إمّا لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ السِّهامَ المَرْقُومَةَ بِأسْماءِ المُتَقاسِمِينَ عَلى صُبَرِ الشَّيْءِ المَقْسُومِ المُعَدَّةِ لِلتَّوْزِيعِ، فَكُلُّ مَن وقَعَ السَّهْمُ المَرْقُومُ بِاسْمِهِ عَلى شَيْءٍ أخَذَهُ، وكانُوا يُطْلِقُونَ عَلى رَمْيِ السَّهْمِ فِعْلَ الطَّيَرانِ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ لِلسَّهْمِ رِيشًا في قُذَذِهِ؛ لِيَخِفَّ بِهِ اخْتِراقُهُ الهَواءَ عِنْدَ رَمْيِهِ مِنَ القَوْسِ، فالطّائِرُ هُنا أُطْلِقَ عَلى الحَظِّ مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما يُطْلَقُ اسْمُ السَّهْمِ عَلى حَظِّ الإنْسانِ مِن شَيْءٍ ما.

وإمّا مِن زَجْرِ الطَّيْرِ لِمَعْرِفَةِ بَخْتٍ أوْ شُؤْمِ الزّاجِرِ مِن حالَةِ الطَّيْرِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ في طَرِيقِهِ، والأكْثَرُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ في أسْفارِهِمْ، وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ فَأُطْلِقَ الطّائِرُ عَلى حَظِّ الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

والإلْزامُ: جَعَلَهُ لازِمًا لَهُ، أيْ غَيْرَ مُفارِقٍ، يُقالُ: لَزِمَهُ إذا لَمْ يُفارِقْهُ.

وقَوْلُهُ (﴿فِي عُنُقِهِ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُلازَمَةِ والقُرْبِ، أيْ عَمَلُهُ لازِمٌ لَهُ لُزُومَ القِلادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ تُقَلِّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالعُنُقِ؛ لِأنَّ القِلادَةَ تُوضَعُ في عُنُقِ المَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

والشِّعْرُ قَلَّدْتُهُ سَلامَةَ ذا فائِشٍ والشَّيْءُ حَيْثُما جُعِلا

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالَةٍ لَعَلَّها كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ وهي وضْعُ عَلاماتٍ تُعَلَّقُ في الرِّقابِ لِلَّذِينَ يُعَيَّنُونَ لِعَمَلٍ ما أوْ لِيُؤْخَذَ مِنهم شَيْءٌ، وقَدْ كانَ في الإسْلامِ يُجْعَلُ ذَلِكَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ، كَما قالَ بَشّارٌ:

كَتَبَ الحُبُّ لَها في عُنُقِي ∗∗∗ مَوْضِعَ الخاتَمِ مِن أهْلِ الذِّمَمِ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عُنُقِهِ تَمْثِيلًا بِالبَعِيرِ الَّذِي يُوسَمُ في عُنُقِهِ بِسِمَةٍ؛ كَيْلا يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ، أوِ الَّذِي يُوضَعُ في عُنُقِهِ جَلْجَلٌ لِكَيْلا يَضِلَّ عَنْ صاحِبِهِ.

صفحة ٤٨

والمَعْنى عَلى الجَمِيعِ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُعامَلُ بِعَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَنْقُصُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وهَذا غَيْرُ كِتابَةِ الأعْمالِ الَّتِي سَتُذْكَرُ عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا﴾ . . . الآيَةَ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ (﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا﴾) إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالطّائِرِ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ مُفَصَّلَةً مُعَيَّنَةً لا تُغادَرُ مِنها صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ إلّا أُحْصِيَتْ لِلْجَزاءِ عَلَيْها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونُخْرِجُ) بِنُونِ العَظَمَةِ وبِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَسْرِ الرّاءِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اللَّهِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ، وهو التِفاتٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ في أوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ عَلى أنَّ لَهُ نائِبَ فاعِلٍ وكِتابًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وذَلِكَ جائِزٌ.

والكِتابُ: ما فِيهِ ذِكْرُ الأعْمالِ وإحْصاؤُها، والنَّشْرُ: ضِدُّ الطَّيِّ.

ومَعْنى يَلْقاهُ يَجِدُهُ، اسْتُعِيرَ فِعْلُ يَلْقى لِمَعْنى يَجِدُ؛ تَشْبِيهًا لِوِجْدانِ النِّسْبَةِ بِلِقاءِ الشَّخْصِ، والنَّشْرُ كِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ اطِّلاعِهِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَهُ بِحَيْثُ إنَّ الكِتابَ يَحْضُرُ مِن قَبْلِ وُصُولِ صاحِبِهِ مَفْتُوحًا لِلْمُطالَعَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (يُلَقّاهُ) بِضَمِّ الياءِ، وتَشْدِيدِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ عَلى أنَّهُ مُضاعَفُ لَقِيَ تَضْعِيفًا لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ يَجْعَلُهُ لاقِيًا كَقَوْلِهِ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وأُسْنِدَ إلى المَفْعُولِ بِمَعْنى يَجْعَلُهُ لاقِيًا، كَقَوْلِهِ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] وقَوْلِهِ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] .

ونَشْرُ الكِتابِ إظْهارُهُ لِيُقْرَأ، قالَ تَعالى وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.

وجُمْلَةُ اقْرَأْ كِتابَكَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

والأمْرُ في اقْرَأْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْخِيرِ، ومُكَنًّى بِهِ عَنِ الإعْذارِ لَهم، والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، ولِذَلِكَ كانَ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ حاصِلَةً لِلْقارِئِ.

صفحة ٤٩

والقِراءَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْرِفَةِ ما أُثْبِتَ لِلْإنْسانِ مِنَ الأعْمالِ أوْ في فَهْمِ النُّقُوشِ المَخْصُوصَةِ إنْ كانَتْ هُنالِكَ نُقُوشٌ وهي خَوارِقُ عاداتٍ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِنَفْسِكَ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ داخِلَةٌ عَلى فاعِلِ كَفى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ.

وانْتَصَبَ حَسِيبًا عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الكِفايَةِ إلى النَّفْسِ، أيْ مِن جِهَةِ حَسِيبٍ، والحَسِيبُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِثْلُ ضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ، أيِ الحاسِبُ والضّابِطُ، وكَثُرَ وُرُودُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ (كَفى بِكَذا)، وعُدِّيَ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الشَّهِيدِ، وماصَدَقَ النَّفْسِ هو الإنْسانُ في قَوْلِهِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ فَلِذَلِكَ جاءَ حَسِيبًا بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ.

17:15Страница 283

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Кто следует прямым путем, тот поступает во благо себе. А кто впадает в заблуждение, тот поступает во вред себе. Ни одна душа не понесет чужого бремени. Мы никогда не наказывали людей, не отправив к ним посланника.

﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] مَعَ تَوابِعِها، وفِيهِ تَبْيِينُ اخْتِلافِ الطّائِرِ بَيْنَ نافِعٍ وضارٍّ، فَطائِرُ الهِدايَةِ نَفْعٌ لِصاحِبِهِ، وطائِرُ الضَّلالِ ضُرٌّ لِصاحِبِهِ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَذَلِكَ فُصِلَتْ، ولَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها.

وجُمْلَةُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِما في هَذِهِ مِن عُمُومِ الحُكْمِ، فَإنَّ عَمَلَ أحَدٍ لا يَلْحَقُ نَفْعُهُ ولا ضُرُّهُ بِغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنًى مُهِمًّا اعْتُبِرَ إفادَةً أنَفًا لِلسّامِعِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُفْصَلْ، وقَدْ رُوعِيَ فِيها إبْطالُ أوْهامِ قَوْمٍ يَظُنُّونَ

صفحة ٥٠

أنَّ أوْزارَهم يَحْمِلُها عَنْهم غَيْرُهم، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ كانَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وعَلَيَّ أوْزارُكم، أيْ تِبْعاتُكم ومُؤاخَذَتُكم بِتَكْذِيبِهِ إنْ كانَ فِيهِ تَبِعَةٌ، ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ لَمّا رَأى تَرَدُّدَهم في أمْرِ الإسْلامِ، ومَيْلَهم إلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ القُرْآنِ؛ خَشْيَةَ الجَزاءِ يَوْمَ البَعْثِ، فَأرادَ التَّمْوِيهَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ ذُنُوبَهم إنْ تَبَيَّنَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلى حَقٍّ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ يُرَوِّجُ عَلى دَهْمائِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اعْتادُوا بِالحَمَلاتِ والكَفالاتِ والرَّهائِنِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلنّاسِ إبْطالَ ذَلِكَ إنْقاذًا لَهم مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِ الَّذِي يَهْوِي بِهِمْ إلى المَهالِكِ مَعَ ما في هَذا البَيانِ مِن تَعْلِيمِ أصْلٍ عَظِيمٍ في الدِّينِ وهو لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا عَظِيمًا في الشَّرِيعَةِ، وتَفَرَّعَ عَنْها أحْكامٌ كَثِيرَةٌ.

ولَمّا «رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»﴾ .

ولَمّا «مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ جِنازَةُ يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْها أهْلُها فَقالَ: إنَّهم لَيَبْكُونَ عَلَيْها وإنَّها لَتُعَذَّبُ» .

والمَعْنى أنَّ وِزْرَ أحَدٍ لا يَحْمِلُهُ غَيْرُهُ، فَإذا كانَ قَدْ تَسَبَّبَ بِوِزْرِهِ في إيقاعِ غَيْرِهِ في الوِزْرِ حُمِلَ عَلَيْهِ وِزْرُ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَمْلِ وِزْرِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ حَمْلُ وِزْرِ نَفْسِهِ عَلَيْها، وهو وِزْرُ التَّسَبُّبِ في الأوْزارِ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، وكَذَلِكَ وِزْرُ مَن يَسُنُّ لِلنّاسِ وِزْرًا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَهُ مِن قَبْلُ، وفي الصَّحِيحِ ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.

وسَكَنَتِ الآيَةُ عَنْ أنْ لا يَنْتَفِعَ أحَدٌ بِصالِحِ عَمَلِ غَيْرِهِ اكْتِفاءً إذْ لا داعِيَ إلى بَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُوقِعُ في غُرُورٍ، وتُعَلِّمُ المُساواةَ بِطَرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ، أوْ فَحْواهُ.

صفحة ٥١

وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ ما يُومِئُ إلى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِأحَدٍ في هَدْيٍ يَنالُ مِن ثَوابِ المُهْتَدِي قالَ تَعالى ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلْمٍ بَثَّهُ في صُدُورِ الرِّجالِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ» .

ومِنَ التَّخْلِيطِ تَوَهُّمُ أنَّ حَمْلَ الدِّيَةِ في قَتْلِ الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ مُنافٍ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ فَرْعُ قاعِدَةٍ أُخْرى، وهي قاعِدَةُ التَّعاوُنِ والمُواساةِ، ولَيْسَتْ مِن حَمْلِ التَّبِعاتِ.

و(تَزِرُ) تَحْمِلُ الوِزْرَ، وهو الثِّقَلُ، والوازِرَةُ: الحامِلَةُ، وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ أنَّها نَفْسٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وأُطْلِقَ عَلَيْها وازِرَةً عَلى مَعْنى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ لَوْ قُدِّرَتْ نَفْسٌ ذاتُ وِزْرٍ لا تُزادُ عَلى وِزْرِها وِزْرَ غَيْرِها، فَعُلِمَ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي لا وِزْرَ لَها لا تَزِرُ وِزْرَ غَيْرِها بِالأوْلى.

والوِزْرُ: الإثْمُ لِتَشْبِيهِهِ بِالحِمْلِ الثَّقِيلِ لِما يَجُرُّهُ مِنَ التَّعَبِ لِصاحِبِهِ في الآخِرَةِ، كَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ الثِّقَلُ، قالَ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]

* * *

﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾

عَطْفٌ عَلى آيَةِ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآيَةَ.

وهَذا اسْتِقْصاءٌ في الإعْذارِ لِأهْلِ الضَّلالِ؛ زِيادَةً عَلى نَفْيِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِأجْرامِ غَيْرِهِمْ، ولِهَذا اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ دُونَ أنْ يُقالَ: ولا مُثِيبِينَ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إعْذارٍ وقَطْعُ حُجَّةٍ، ولَيْسَ مَقامَ امْتِنانٍ بِالإرْشادِ.

والعَذابُ هُنا عَذابُ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وقَرِينَةُ عَطْفٍ ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦] الآيَةَ، ودَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، قالَ اللَّهُ

صفحة ٥٢

تَعالى ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، وقالَ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] عَلى أنَّ مَعْنى (حَتّى) يُؤْذِنُ بِأنَّ بَعْثَةَ الرَّسُولِ مُتَّصِلَةٌ بِالعَذابِ شَأْنَ الغايَةِ، وهَذا اتِّصالٌ عُرْفِيٌّ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ البَعْثَةُ مِن مُدَّةٍ لِلتَّبْلِيغِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ، والإمْهالِ لِلْمُكَذِّبِينَ، ولِذَلِكَ يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ العَذابُ هُنا عَذابَ الدُّنْيا، وكَما يَقْتَضِيهِ الِانْتِقالُ إلى الآيَةِ بَعْدَها.

عَلى أنَّنا إذا اعْتَبَرْنا التَّوَسُّعَ في الغايَةِ صَحَّ حَمْلُ التَّعْذِيبِ عَلى ما يَعُمُّ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ووُقُوعُ فِعْلِ مُعَذِّبِينَ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ؛ لِتَفْصِيلِ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنَ الأُمَّةِ مِنَ الأعْمالِ.

ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ النّاسَ إلّا بَعْدَ أنْ يُرْشِدَهم رَحْمَةً مِنهُ لَهم، وهي دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى انْتِفاءِ مُؤاخَذَةِ أحَدٍ ما لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ إلى قَوْمِهِ، فَهي حُجَّةٌ لِلْأشْعَرِيِّ ناهِضَةٌ عَلى الماتُرِيدِيِّ والمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلى إيصالِ العَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ، وهو ما صَرَّحَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ في التَّوْضِيحِ في المُقَدِّماتِ الأرْبَعِ، فَوُجُودُ اللَّهِ، وتَوْحِيدُهُ عِنْدَهم واجِبانِ بِالعَقْلِ فَلا عُذْرَ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ، وعَطَّلَ، ولا عُذْرَ لَهُ بَعْدَ بَعْثَةِ رَسُولٍ.

وتَأْوِيلُ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُرادَ بِالرَّسُولِ (العَقْلُ) تَطَوُّحٌ عَنِ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ، وإغْماضٌ عَنْ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ نَبْعَثُ إذْ لا يُقالُ بَعَثَ عَقْلًا بِمَعْنى جَعَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ في سُورَةِ النِّساءِ.

17:16Страница 283

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

Когда Мы хотели погубить какое-либо селение, то повелевали его изнеженным роскошью жителям покориться Аллаху. Когда же они предавались нечестию, то относительно него сбывалось Слово, и Мы уничтожали его полностью.

صفحة ٥٣

﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَدِّمِ قُصِدَ بِهِ تَهْدِيدُ قادَةِ المُشْرِكِينَ، وتَحْمِيلُهم تَبِعَةَ ضَلالِ الَّذِينَ أضَلُّوهم، وهو تَفْرِيعٌ لِتَبْيِينِ أسْبابِ حُلُولِ التَّعْذِيبِ بَعْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ أُدْمِجَ فِيهِ تَهْدِيدُ المُضِلِّينَ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولَكِنَّهُ عَطْفٌ بِالواوِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ الحالَةِ المَوْصُوفَةِ، ويَظْهَرُ مَعْنى التَّفْرِيعِ مِن طَبِيعَةِ الكَلامِ، فالعَطْفُ بِالواوِ هُنا تَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ في الفَصْلِ والوَصْلِ.

فَهَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

والمَعْنى أنَّ بَعْثَةَ الرَّسُولِ تَتَضَمَّنُ أمْرًا بِشَرْعٍ، وأنَّ سَبَبَ إهْلاكِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولُ هو عَدَمُ امْتِثالِهِمْ لِما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.

ومَعْنى إرادَةِ اللَّهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ لِإرادَتِهِ، وتِلْكَ الإرادَةُ تَتَوَجَّهُ إلى المُرادِ عِنْدَ حُصُولِ أسْبابِهِ وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ أمَرْنا مُتْرَفِيها إلى آخِرِهِ.

ومُتَعَلِّقُ (أمَرْنا) مَحْذُوفٌ، أيْ أمَرْناهم بِما نَأْمُرُهم بِهِ، أيْ بَعَثْنا إلَيْهِمُ الرَّسُولَ، وأمَرْناهم بِما نَأْمُرُهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِمْ فَعَصَوُا الرَّسُولَ، وفَسَقُوا في قَرْيَتِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ تَصْدِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِ (إذا) أوْجَبَ اسْتِغْلاقَ المَعْنى في الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَةِ شَرْطِ (إذا) وجُمْلَةِ جَوابِهِ، لِأنَّ شَأْنَ (إذا) أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وتَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ، أيِ الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيْها، فاقْتَضى ظاهِرُ مَوْقِعِ (إذا)

صفحة ٥٤

أنَّ قَوْلَهُ أمَرْنا مُتْرَفِيها هو جَوابُ (إذا) فَيَقْتَضِي أنَّ إرادَةَ اللَّهِ إهْلاكَها سابِقَةٌ عَلى حُصُولِ أمْرِ المُتْرَفِينَ سَبْقَ الشَّرْطِ لِجَوابِهِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ ابْتِداءً فَيَأْمُرُ اللَّهُ مُتْرَفِي أهْلِ القَرْيَةِ فَيَفْسُقُوا فِيها؛ فَيَحِقَّ عَلَيْها القَوْلُ الَّذِي هو مَظْهَرُ إرادَةِ اللَّهِ إهْلاكَهم، مَعَ أنَّ مَجْرى العَقْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فُسُوقُ أهْلِ القَرْيَةِ، وكُفْرُهم هو سَبَبَ وُقُوعِ إرادَةِ اللَّهِ إهْلاكَهم، وأنَّ اللَّهَ لا تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِإهْلاكِ قَوْمٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَصْدُرَ مِنهم ما تَوَعَّدَهم عَلَيْهِ لا العَكْسُ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ اللَّهِ أنْ يُرِيدَ إهْلاكَهم قَبْلَ أنْ يَأْتُوا بِما يُسَبِّبُهُ، ولا مِنِ الحِكْمَةِ أنْ يَسُوقَهم إلى ما يُفْضِي إلى مُؤاخَذَتِهِمْ؛ لِيُحَقِّقَ سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ.

وقَرِينَةُ السِّياقِ واضِحَةٌ في هَذا، فَبِنا أنْ نَجْعَلَ الواوَ عاطِفَةً فِعْلَ أمَرْنا مُتْرَفِيها عَلى نَبْعَثَ رَسُولًا فَإنَّ الأفْعالَ يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ سَواءٌ أتَحَدَّتْ في اللَّوازِمِ أمِ اخْتَلَفَتْ، فَيَكُونُ أصْلُ نَظْمِ الكَلامِ هَكَذا: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ونَأْمُرَ مُتْرَفِي قَرْيَةٍ بِما نَأْمُرُهم بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ فَيَفْسُقُوا عَنْ أمْرِنا؛ فَيَحِقَّ عَلَيْهِمْ الوَعِيدُ فَنُهْلِكُهم إذا أرَدْنا إهْلاكَهم.

فَكانَ إذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً شَرِيطَةً لِحُصُولِ الإهْلاكِ، أيْ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولا مُكْرِهَ لَهُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وقَوْلِهِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] وقَوْلِهِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] وقَوْلِهِ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، فَذَكَرَ شَرِيطَةَ المَشِيئَةِ مَرَّتَيْنِ.

وإنَّما عَدَلَ عَنْ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا الأُسْلُوبِ إلى الأُسْلُوبِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الآيَةُ؛ لِإدْماجِ التَّعْرِيضِ بِتَهْدِيدِ أهْلِ مَكَّةَ بِأنَّهم مُعَرَّضُونَ لِمِثْلِ هَذا مِمّا حَلَّ بِأهْلِ القُرى الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ طَرائِقُ كَثِيرَةٌ تَزِيدُ عَلى ثَمانٍ لِتَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَسِّفَةٌ أوْ مَدْخُولَةٌ، وهي مُتَفاوِتَةٌ، وأقْرَبُها قَوْلُ مَن جَعَلَ جُمْلَةَ أمَرْنا مُتْرَفِيها إلَخْ صِفَةً لِ قَرْيَةً وجَعَلَ جَوابَ (إذا) مَحْذُوفًا.

صفحة ٥٥

والمُتْرَف: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (أتْرَفَهُ) إذا أعْطاهُ التُّرْفَةَ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الرّاءِ أيِ النِّعْمَةَ، والمُتْرَفُونَ هم أهْلُ النِّعْمَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، وهم مُعْظَمُ أهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ، وكانَ مُعْظَمُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ ضُعَفاءَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .

وتَعْلِيقُ الأمْرِ بِخُصُوصِ المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ الرُّسُلَ يُخاطِبُونَ جَمِيعَ النّاسِ؛ لِأنَّ عِصْيانَهُمُ الأمْرَ المُوَجَّهَ إلَيْهِمْ هو سَبَبُ فِسْقِهِمْ وفِسْقِ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ إذْ هم قادَةُ العامَّةِ، وزُعَماءُ الكُفْرِ، فالخِطابُ في الأكْثَرِ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ، فَإذا فَسَقُوا عَنِ الأمْرِ اتَّبَعَهُمُ الدَّهْماءُ فَعَمَّ الفِسْقُ، أوْ غَلَبَ عَلى القَرْيَةِ؛ فاسْتَحَقَّتِ الهَلاكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ أمَرْنا بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ (آمَرْنا) بِالمَدِّ بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، وهَمْزَةِ فاءِ الفِعْلِ، أيْ جَعَلْناهم آمِرِينَ، أيْ داعِينَ قَوْمَهم إلى الضَّلالَةِ، فَسَكَنَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ فَصارَتْ ألِفًا تَخْفِيفًا، أوِ الألِفُ ألِفُ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُبالَغَةِ، مِثْلُ: عافاهُ اللَّهُ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنْ المَقَرِّ وعَنِ الطَّرِيقِ، والمُرادُ بِهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ الخُرُوجُ عَمّا أمَّرَ اللَّهُ بِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقَوْلُ هو ما يُبَلِّغُهُ اللَّهُ إلى النّاسِ مِن كَلامٍ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، وهو قَوْلُ الوَعِيدِ كَما قالَ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] .

والتَّدْمِيرُ: هَدْمُ البِناءِ وإزالَةُ أثَرِهِ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلِاسْتِئْصالِ إذِ المَقْصُودُ إهْلاكُ أهْلِها، ولَوْ مَعَ بَقاءِ بِنائِهِمْ كَما في قَوْلِهِ واسْألِ القَرْيَةَ، وتَقَدَّمَ التَّدْمِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] في الأعْرافِ، وتَأْكِيدُ دَمَّرْناها بِالمَصْدَرِ مَقْصُودٌ مِنهُ الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ التَّدْمِيرِ لا نَفْيُ احْتِمالِ المَجازِ.

17:17Страница 283

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

Сколько же поколений мы погубили после Нуха (Ноя)! Достаточно того, что Аллах знает и видит грехи Своих рабов.

صفحة ٥٦

﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

ضُرِبَ مِثالٌ لِإهْلاكِ القُرى الَّذِي وُصِفَ سَبَبُهُ، وكَيْفِيَّتُهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِتَمْثِيلِهِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ في الكَشْفِ، وأدْخَلُ في التَّحْذِيرِ المَقْصُودِ، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ حُلُولِ العَذابِ بِالقُرى مُقَدَّمًا بِإرْسالِ الرَّسُولِ إلى أهْلِ القَرْيَةِ، ثُمَّ بِتَوْجِيهِ الأوامِرِ إلى المُتْرَفِينَ ثُمَّ فِسْقِهِمْ عَنْها، وكانَ زُعَماءُ الكَفَرَةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ مُتْرَفِينَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِئَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]) وقالَ لَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١] .

فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَطْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالفاءِ؛ لِأنَّها كالفَرْعِ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، ولَكِنَّها عُطِفَتْ بِالواوِ؛ إظْهارًا لِاسْتِقْلالِها بِوَقْعِ التَّحْذِيرِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ فَكانَ ذَلِكَ تَحْرِيجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِهَذا الِاعْتِبارِ المُناسِبِ.

و(كَمْ) في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ عَنِ العَدَدِ، وتُسْتَعْمَلُ خَبَرِيَّةً دالَّةً عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ تَحْتاجُ إلى تَمْيِيزٍ لِنَوْعِ العَدَدِ، وهي هُنا خَبَرِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَها؛ لِأنَّها التُزِمَ تَقْدِيمُها عَلى الفِعْلِ؛ نَظَرًا لِكَوْنِ أصْلِها الِاسْتِفْهامَ، ولَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ومِنَ القُرُونِ تَمْيِيزٌ لِلْإبْهامِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ (كَمْ) .

والقُرُونُ: جَمْعُ قَرْنٍ، وهو في الأصْلِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ مِنَ الزَّمَنِ فَقَدْ يُقَدَّرُ بِمِائَةِ سَنَةٍ وبِأرْبَعِينَ سَنَةً، ويُطْلَقُ عَلى النّاسِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ كَما هُنا، وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم»، أرادَ أهْلَ قَرْنِي، أيْ أهْلَ القَرْنِ الَّذِي أنا فِيهِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] .

صفحة ٥٧

وتَخْصِيصُ مِن بَعْدِ نُوحٍ إيجازٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن قَوْمِ نُوحٍ فَمَن بَعْدَهم، وقَدْ جُعِلَ زَمَنُ نُوحٍ مَبْدَأً لِقَصَصِ الأُمَمِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ، واعْتُبِرَ القَصَصُ مِن بَعْدِهِ؛ لِأنَّ زَمَنَ نُوحٍ صارَ كالمُنْقَطِعِ بِسَبَبِ تَجْدِيدِ عُمْرانِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ، ولِأنَّ العَذابَ الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِ عَذابٌ مَهُولٌ، وهو الغَرَقُ الَّذِي أحاطَ بِالعالَمِ.

ووَجْهُ ذِكْرِهِ تَذْكِيرُ المُشْرِكِينَ بِهِ وأنَّ عَذابَ اللَّهِ لا حَدَّ لَهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الضَّلالَةَ تَحُولُ دُونَ الِاعْتِبارِ بِالعَواقِبِ، ودُونَ الِاتِّعاظِ بِما يَحِلُّ بِمَن سَبَقَ، وناهِيكَ بِما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ مِنَ العَذابِ المَهُولِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ إقْبالٌ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ بِالخُصُوصِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَبَقَ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ إنَّما مَآلُهُ إلى حَمْلِ النّاسِ عَلى تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ أنْ لَجُّوا في الكُفْرِ، وتَفَنَّنُوا في التَّكْذِيبِ، فَلا جَرَمَ خَتَمَ ذَلِكَ بِتَطْمِينِ النَّبِيءِ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ القَوْمِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ مُجازِيهِمْ بِذُنُوبِهِمْ بِما يُناسِبُ فَظاعَتَها، ولِذَلِكَ جاءَ بِفِعْلِ كَفى وبِوَصْفَيْ خَبِيرًا بَصِيرًا المُكَنّى بِذِكْرِهِما عَنْ عَدَمِ إفْلاتِ شَيْءٍ مِن ذُنُوبِهِمُ المَرْئِيَّةِ، والمَعْلُومَةِ مِن ضَمائِرِهِمْ أعْنِي أعْمالَهم ونَواياهم.

وقَدَّمَ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمائِرِ والنَّوايا؛ لِأنَّ العَقائِدَ أصْلُ الأعْمالِ في الفَسادِ والصَّلاحِ، وفي الحَدِيثِ: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْعَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» .

وفِي ذِكْرِ فِعْلِ (كَفى) إيماءٌ إلى أنَّ النَّبِيءَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى مَن يَنْتَصِرُ لَهُ غَيْرِ رَبِّهِ فَهو كافِيَةِ وحَسْبُهُ، قالَ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، أوْ إلى أنَّهُ في غُنْيَةٍ عَنِ الهَمِّ في شَأْنِهِمْ كَقَوْلِهِ لِنُوحٍ ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] فَهَذا إمّا تَسْلِيَةٌ لَهُ عَنْ أذاهم، وإمّا صَرْفٌ لَهُ عَنِ التَّوَجُّعِ لَهم، وفي خِطابِ النَّبِيءِ بِذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِسامِعِيهِ مِنَ الكُفّارِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English