Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Исра 17:26–30
17:26–27Страница 284
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦
Отдавай должное родственнику, бедняку и путнику, но не расточай чрезмерно.
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧
Воистину, расточители - братья дьяволов, а ведь дьявол неблагодарен своему Господу.
صفحة ٧٦
﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ القَرابَةُ كُلُّها مُتَشَعِّبَةٌ عَنِ الأُبُوَّةِ، فَلا جَرَمَ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ عَلى حُقُوقِ الأبَوَيْنِ إلى الكَلامِ عَلى حُقُوقِ القَرابَةِ.
ولِلْقَرابَةِ حَقّانِ: حُقُّ الصِّلَةِ، وحَقُّ المُواساةِ، وقَدْ جَمَعَهُما جِنْسُ الحَقِّ في قَوْلِهِ حَقَّهُ والحَوالَةُ فِيهِ ما هو مَعْرُوفٌ وعَلى أدِلَّةٍ أُخْرى.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] الآيَةَ إلى الخِطابِ بِالإفْرادِ بِقَوْلِهِ ﴿وآتِ ذا القُرْبى﴾ تَفَنُّنٌ؛ لِتَجَنُّبِ كَراهَةِ إعادَةِ الصِّيغَةِ الواحِدَةِ عِدَّةَ مَرّاتٍ، والمُخاطَبُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما قَضى اللَّهُ بِهِ.
والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو حَقِيقَةٌ في إعْطاءِ الأشْياءِ، ومَجازٌ شائِعٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ؛ كَحُسْنِ المُعامَلَةِ، والنُّصْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها» الحَدِيثَ.
وإطْلاقُ الإيتاءِ هَنا صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ كَما هي طَرِيقَةُ القُرْآنِ في تَوْفِيرِ المَعانِي، وإيجازِ الألْفاظِ.
وقَدْ بَيَّنَتْ أدِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ حُقُوقَ ذِي القُرْبى، ومَراتِبَها: مِن واجِبَةٍ مِثْلِ بَعْضِ النَّفَقَةِ عَلى بَعْضِ القَرابَةِ، مُبَيَّنَةٍ شُرُوطَها عِنْدَ الفُقَهاءِ، ومِن غَيْرِ واجِبَةٍ مِثْلِ الإحْسانِ.
ولَيْسَ لِهاتِهِ تَعَلُّقٌ بِحُقُوقِ قَرابَةِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ حُقُوقَهم في المالِ تَقَرَّرَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ لَمّا فُرِضَتِ الزَّكاةُ وشُرِعَتِ المَغانِمُ، والأفْياءُ وقِسْمَتُها، ولِذَلِكَ حَمَلَ جُمْهُورُ العُلَماءِ هَذِهِ الآيَةَ عَلى حُقُوقِ قَرابَةِ
صفحة ٧٧
النَّسَبِ بَيْنَ النّاسِ، وعَنْ عَلِيٍّ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّها تَشْمَلُ قَرابَةَ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّعْرِيفُ في القُرْبى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ القُرْبى مِنكَ، وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأنَّ (ألْ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ إيتاءِ ذِي القُرْبى عُطِفَ عَلَيْهِ مَن يُماثِلُهُ في اسْتِحْقاقِ المُواساةِ.
وحَقُّ المِسْكِينِ هو الصَّدَقَةُ، قالَ تَعالى ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] وقَوْلُهُ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]، وقَدْ بَيَّنَتْ آياتٌ وأحادِيثُ كَثِيرَةٌ حُقُوقَ المَساكِينِ، وأعْظَمُها آيَةُ الزَّكاةِ، ومَراتِبَ الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ وغَيْرَها.
وابْنَ السَّبِيلِ هو المُسافِرُ يَمُرُّ بِحَيٍّ مِنَ الأحْياءِ، فَلَهُ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ حَقُّ ضِيافَتِهِ.
وحُقُوقُ الأضْيافِ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ» .
وكانَتْ ضِيافَةُ ابْنِ السَّبِيلِ مِن أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ مِمّا سَنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ الحَرِيرِيُّ: وحُرْمَةُ الشَّيْخِ الَّذِي سَنَّ القِرى.
وقَدْ جُعِلَ لِابْنِ السَّبِيلِ نَصِيبٌ مِنَ الزَّكاةِ.
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَ وصايا أوْصى اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] . . الآياتِ.
فَأمّا إيتاءُ ذِي القُرْبى فالمَقْصِدُ مِنهُ مُقارِبٌ لِلْمَقْصِدِ مِنَ الإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ؛ رَعْيًا لِاتِّحادِ المَنبَتِ القَرِيبِ، وشَدًّا لِآصِرَةِ العَشِيرَةِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنها القَبِيلَةُ، وفي ذَلِكَ صَلاحٌ عَظِيمٌ لِنِظامِ القَبِيلَةِ وأمْنِها، وذَبِّها عَنْ حَوْزَتِها.
وأمّا إيتاءُ المِسْكِينِ فَلِمَقْصِدِ انْتِظامِ المُجْتَمَعِ بِأنْ لا يَكُونَ مِن أفْرادِهِ مَن هو في بُؤْسٍ وشَقاءٍ، عَلى أنَّ ذَلِكَ المِسْكِينَ لا يَعْدُوا أنْ يَكُونَ مِنَ القَبِيلَةِ في الغالِبِ أقْعَدَهُ العَجْزُ عَنِ العَمَلِ، والفَقْرُ عَنِ الكِفايَةِ.
صفحة ٧٨
وأمّا إيتاءُ ابْنِ السَّبِيلِ؛ فَلِإكْمالِ نِظامِ المُجْتَمَعِ؛ لِأنَّ المارَّ بِهِ مِن غَيْرِ بَنِيهِ بِحاجَةٍ عَظِيمَةٍ إلى الإيواءِ لَيْلًا؛ لِيَقِيَهُ مِن عَوادِي الوُحُوشِ واللُّصُوصِ، وإلى الطَّعامِ والدِّفْءِ أوِ التَّظَلُّلِ مِن إضْرارِ الجُوعِ والفَقْرِ أوِ الحَرِّ.
* * *
﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ لَمّا ذُكِرَ البَذْلُ المَحْمُودُ، وكانَ ضِدُّهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ؛ أعْقَبَهُ بِذِكْرِهِ لِلْمُناسَبَةِ.
ولِأنَّ في الِانْكِفافِ عَنِ البَذْلِ غَيْرِ المَحْمُودِ الَّذِي هو التَّبْذِيرُ اسْتِبْقاءٌ لِلْمالِ الَّذِي يَفِي بِالبَذْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فالِانْكِفافُ عَنْ هَذا تَيْسِيرٌ لِذاكَ، وعَوْنٌ عَلَيْهِ، فَهَذا وإنْ كانَ غَرَضًا مُهِمًّا مِنَ التَّشْرِيعِ المَسُوقِ في هَذِهِ الآياتِ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ الوَصايا المُتَعَلِّقَةِ بِإيتاءِ المالِ؛ لِيُظْهِرَ كَوْنَهُ وسِيلَةً لِإيتاءِ المالِ لِمُسْتَحِقِّيهِ، وكَوْنَهُ مَقْصُودًا بِالوِصايَةِ أيْضًا لِذاتِهِ، ولِذَلِكَ سَيَعُودُ الكَلامُ إلى إيتاءِ المالِ لِمُسْتَحِقِّيهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ بِقَوْلِهِ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨] الآيَةَ، ثُمَّ يَعُودُ الكَلامُ إلى ما بَيْنَ أحْكامِ التَّبْذِيرِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] .
ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ إلَخْ. .؛ لِأنَّ التَّبْذِيرَ لا يُوصَفُ بِهِ بَذْلُ المالِ في حَقِّهِ، ولَوْ كانَ أكْثَرَ مِن حاجَةِ المُعْطى بِالفَتْحِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما قَضى اللَّهُ بِهِ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨] الآيَةَ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وصِيَّةً سادِسَةً مِمّا قَضى اللَّهُ بِهِ.
صفحة ٧٩
والتَّبْذِيرُ: تَفْرِيقُ المالِ في غَيْرِ وجْهِهِ، وهو مُرادِفُ الإسْرافِ، فَإنْفاقُهُ في الفَسادِ تَبْذِيرٌ، ولَوْ كانَ المِقْدارُ قَلِيلًا، وإنْفاقُهُ في المُباحِ إذا بَلَغَ حَدَّ السَّرَفِ تَبْذِيرٌ، وإنْفاقُهُ في وُجُوهِ البِرِّ والصَّلاحِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم لِمَن رَآهُ يُنْفَقُ في وُجُوهِ الخَيْرِ: لا خَيْرَ في السَّرَفِ، فَأجابَهُ المُنْفِقُ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، فَكانَ فِيهِ مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ مُحْسِنُ العَكْسِ.
ووَجْهُ النَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ هو أنَّ المالَ جُعِلَ عِوَضًا لِاقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْءُ في حَياتِهِ مِن ضَرُورِيّاتٍ، وحاجِيّاتٍ، وتَحْسِيناتٍ، وكانَ نِظامُ القَصْدِ في إنْفاقِهِ ضامِنَ كِفايَتِهِ في غالِبِ الأحْوالِ بِحَيْثُ إذا أُنْفِقَ في وجْهِهِ عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ والحاجِيِّ والتَّحْسِينِيِّ أمِنَ صاحِبُهُ مِنَ إلَخْصاصَةِ فِيما هو إلَيْهِ أشَدُّ احْتِياجًا، وتَجاوُزُ هَذا الحَدِّ فِيهِ يُسَمّى تَبْذِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى أصْحابِ الأمْوالِ ذاتِ الكَفافِ، وأمّا أهْلُ الوَفْرِ والثَّرْوَةِ فَلِأنَّ ذَلِكَ الوَفْرَ آتٍ مِن أبْوابٍ اتَّسَعَتْ لِأحَدٍ فَضاقَتْ عَلى آخَرَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الأمْوالَ مَحْدُودَةٌ، فَذَلِكَ الوَفْرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِإقامَةِ أوَدِ المُعْوِزِينَ، وأهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ يَزْدادُ عَدَدُهم بِمِقْدارِ وفْرَةِ الأمْوالِ الَّتِي بِأيْدِي أهْلِ الوَفْرِ والجِدَةِ، فَهو مَرْصُودٌ لِإقامَةِ مَصالِحِ العائِلَةِ، والقَبِيلَةِ وبِالتّالِي مَصالِحُ الأُمَّةِ.
فَأحْسَنُ ما يُبْذَلُ فِيهِ وفْرُ المالِ هو اكْتِسابُ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، واكْتِسابُ المَحْمَدَةِ بَيْنَ قَوْمِهِ، وقَدِيمًا قالَ المَثَلُ العَرَبِيُّ (نِعْمَ العَوْنُ عَلى المُرُوءَةِ الجِدَةُ)، قالَ. . . (اللَّهُمَّ هَبْ لِي حَمْدًا، وهَبْ لِي مَجْدًا، فَإنَّهُ لا حَمْدَ إلّا بِفِعالٍ، ولا فِعالَ إلّا بِمالٍ) .
والمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ أنْ تَكُونَ أمْوالُ الأُمَّةِ عُدَّةً لَها، وقُوَّةً لِابْتِناءِ أساسِ مَجْدِها، والحِفاظِ عَلى مَكانَتِها حَتّى تَكُونَ مَرْهُوبَةَ الجانِبِ مَرْمُوقَةً بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى مَن قَدْ يَسْتَغِلُّ حاجَتَها فَيَبْتَزُّ مَنافِعَها، ويُدْخِلَها تَحْتَ نِيرِ سُلْطانِهِ.
صفحة ٨٠
ولِهَذا أضافَ اللَّهُ تَعالى الأمْوالَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيَمًا﴾ [النساء: ٥] ولَمْ يَقُلْ: أمْوالُهم مَعَ أنَّها أمْوالُ السُّفَهاءِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمُ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فَأضافَها إلَيْهِمْ حِينَ صارُوا رُشَداءَ.
وما مَنَعَ السُّفَهاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ في أمْوالِهِمْ إلّا خَشْيَةَ التَّبْذِيرِ، ولِذَلِكَ لَوْ تَصَرَّفَ السَّفِيهُ في شَيْءٍ مِن مالِهِ تَصَرُّفَ السَّدادِ والصَّلاحِ لَمَضى.
وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ تَبْذِيرًا بَعْدَ ﴿ولا تُبَذِّرْ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبَذِّرْ، لا تُبَذِّرْ، مَعَ ما في المَصْدَرِ مِنِ اسْتِحْضارِ جِنْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ اسْتِحْضارًا لِما تُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ بِما فِيها مِنَ المَفاسِدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ الَّذِينَ عَرَفُوا بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ كالتَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُلازِمِ غَيْرِ المُفارِقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الأخِ، كَقَوْلِهِمْ: أخُو العِلْمِ، أيْ مَلازِمُهُ والمُتَّصِفُ بِهِ، وأخُو السَّفَرِ لِمَن يُكْثِرُ الأسْفارَ، وقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
وأخُو الحَضَرِ إذْ بَناهُ وإذْ دِجْ لَةُ تَجْبِي إلَيْهِ والخابُورُ
يُرِيدُ صاحِبَ قَصْرِ الحَضَرِ، وهو مَلِكُ بَلَدِ الحَضَرِ المُسَمّى (الضَّيْزَنَ) بْنَ مُعاوِيَةَ القُضاعِيَّ المُلَقَّبَ السيَّطْرُونَ.
والمَعْنى: أنَّهم مِن أتْباعِ الشَّياطِينِ ؟ وحُلَفائِهِمْ كَما يُتابِعُ الأخُ أخاهُ.
وقَدْ زِيدَ تَأْكِيدُ ذَلِكَ بِلَفْظِ كانُوا المُفِيدِ أنَّ تِلْكَ الأُخُوَّةَ صِفَةٌ راسِخَةٌ فِيهِمْ، وكَفى بِحَقِيقَةِ الشَّيْطانِ كَراهَةً في النُّفُوسِ واسْتِقْباحًا.
صفحة ٨١
ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّ التَّبْذِيرَ يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطانُ؛ لِأنَّهُ إمّا إنْفاقٌ في الفَسادِ، وإمّا إسْرافٌ يَسْتَنْزِفُ المالَ في السَّفاسِفِ، واللَّذّاتِ فَيُعَطِّلُ الإنْفاقَ في الخَيْرِ وكُلُّ ذَلِكَ يُرْضِي الشَّيْطانَ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ المُتَّصِفُونَ بِالتَّبْذِيرِ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وإخْوانِهِ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنَ التَّبْذِيرِ، فَإنَّ التَّبْذِيرَ إذا فَعَلَهُ المَرْءُ اعْتادَهُ فَأدْمَنَ عَلَيْهِ فَصارَ لَهُ خُلُقًا، لا يُفارِقُهُ شَأْنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ أنْ يَسْهُلَ تَعَلُّقُها بِالنُّفُوسِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ المَرْءَ لا يَزالُ يَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا»، فَإذا بَذَرَ المَرْءُ لَمْ يَلْبَثْ أنْ يَصِيرَ مِنَ المُبَذِّرِينَ، أيِ المَعْرُوفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمُبَذِّرُونَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، فَلْيَحْذَرِ المَرْءُ مِن عَمَلٍ هو مِن شَأْنِ إخْوانِ الشَّياطِينِ، ولْيَحْذَرْ أنْ يَنْقَلِبَ مِن إخْوانِ الشَّياطِينِ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ في الكَلامِ إيجازَ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا فَتَصِيرُ مِنَ المُبَذِّرِينَ؛ إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ أنَّ المَرْءَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن المُبَذِّرِينَ عِنْدَما يُبَذِّرُ تَبْذِيرَةً أوْ تَبْذِيرَتَيْنِ.
ثُمَّ أكَّدَ التَّحْذِيرَ بِجُمْلَةِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾، وهَذا تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِن أنْ يُفْضِيَ التَّبْذِيرُ بِصاحِبِهِ إلى الكُفْرِ تَدْرِيجًا بِسَبَبِ التَّخَلُّقِ بِالطَّبائِعِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَيَذْهَبُ بِتَدَهْوُرٍ في مَهاوِي الضَّلالَةِ حَتّى يَبْلُغَ بِهِ إلى الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويَجُوزُ حَمْلُ الكُفْرِ هُنا عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ فَيَكُونُ أقْرَبَ دَرَجاتٍ إلى حالِ التَّخَلُّقِ بِالتَّبْذِيرِ؛ لِأنَّ التَّبْذِيرَ صَرْفُ المالِ في غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهو كُفْرٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ بِالمالِ، فالتَّخَلُّقُ بِهِ يُفْضِي إلى التَّخَلُّقِ والِاعْتِيادِ لِكُفْرانِ النِّعَمِ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فالكَلامُ جارٍ عَلى ما يُعْرَفُ في المَنطِقِ بِقِياسِ المُساواةِ، إذْ كانَ المُبَذِّرُ مُؤاخِيًا لِلشَّيْطانِ، وكانَ الشَّيْطانُ كَفُورًا، فَكانَ المُبَذِّرُ كَفُورًا بِالمَآلِ أوْ بِالدَّرَجَةِ القَرِيبَةِ.
صفحة ٨٢
وقَدْ كانَ التَّبْذِيرُ مِن خُلُقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ولِذَلِكَ يَتَمَدَّحُونَ بِصِفَةِ المِتْلافِ والمُهْلِكِ المالَ، فَكانَ عِنْدَهُمُ المَيْسِرُ مِن أسْبابِ الإتْلافِ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن التَّلَبُّسِ بِصِفاتِ أهْلِ الكُفْرِ، وهي مَنِ المَذامِّ، وأدَّبَهم بِآدابِ الحِكْمَةِ والكَمالِ.
17:28Страница 285
وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨
Если ты отворачиваешься от них (если у тебя нет средств на пожертвования, и ты отказываешь тем, кто имеет на них право), желая обрести милость Аллаха, на которую ты надеешься, то говори с ними любезно.
﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: ٢٦]؛ لِأنَّهُ مِن تَمامِهِ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، والمَقْصُودُ بِالخِطابِ النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّهُ عَلى وِزانِ نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإنَّ المُواجَهَةَ بِ رَبُّكَ في القُرْآنِ جاءَتْ غالِبًا لِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ، ويَعْدِلُهُ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ كانَ إذا سَألَهُ أحَدٌ مالًا ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ يُعْرِضُ عَنْهُ حَياءً» فَنَبَّهَهُ اللَّهُ إلى أدَبٍ أكْمَلَ مِنَ الَّذِي تَعَهَّدَهُ مِن قَبْلُ ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِسائِرِ الأُمَّةِ.
وضَمِيرُ عَنْهم عائِدٌ إلى ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ.
والإعْراضُ: أصْلُهُ ضِدُّ الإقْبالِ مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ أيِ الجانِبِ، فَأعَرَضَ بِمَعْنى أعْطى جانِبَهُ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] وهو هُنا مَجازٌ في عَدَمِ الإيتاءِ أوْ كِنايَةٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ الإمْساكَ يُلازِمُهُ الإعْراضُ، أيْ إنْ سَألَكَ أحَدُهم عَطاءً فَلَمْ تُجِبْهُ إلَيْهِ، أوْ إنْ لَمْ تَفْتَقِدْهم بِالعَطاءِ المَعْرُوفِ فَتَباءَنْتَ عَنْ لِقائِهِمْ حَياءً مِنهم أنْ تُلاقِيَهم بِيَدٍ فارِغَةٍ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا.
والمَيْسُورُ: مَفْعُولٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو السُّهُولَةُ، وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، يُقالُ: يُسِرَ الأمْرُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ السِّينِ كَما يُقالُ: سُعِدَ الرَّجُلُ
صفحة ٨٣
ونُحِسَ، والمَعْنى جُعِلَ يَسِيرًا غَيْرَ عَسِيرٍ، وكَذَلِكَ يُقالُ: عَسِيرٌ، والقَوْلُ المَيْسُورُ: اللِّينُ الحَسَنُ المَقْبُولُ عِنْدَهم، شِبْهُ المَقْبُولِ بِالمَيْسُورِ في قَبُولِ النَّفْسِ إيّاهُ؛ لِأنَّ غَيْرَ المَقْبُولِ عَسِيرٌ، أمَرَ اللَّهُ بِإرْفاقِ عَدَمِ الإعْطاءِ لِعَدَمِ المَوْجِدَةِ بِقَوْلٍ لَيِّنٍ حَسَنٍ بِالِاعْتِذارِ والوَعْدِ عِنْدَ المَوْجِدَةِ؛ لِئَلّا يُحْمَلَ الإعْراضُ عَلى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ والشُّحِّ.
وقَدْ شَرَطَ الإعْراضَ بِشَرْطَيْنِ: أنْ يَكُونَ إعْراضًا؛ لِابْتِغاءِ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ إعْراضًا لِعَدَمِ الجِدَةِ لا اعْتِراضًا لِبُخْلٍ عَنْهم، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ قَوْلٌ لَيِّنٌ في الِاعْتِذارِ، وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ أنَّهُ اعْتِذارٌ صادِقٌ، ولَيْسَ تَعَلُّلًا كَما قالَ بَشّارٌ:
ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودٌ
فَقَوْلُهُ ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ تُعْرِضَنَّ مُصَدَّرٌ بِالوَصْفِ، أيْ مُبْتَغِيًا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ، وتَرْجُوها صِفَةٌ لِ رَحْمَةً، والرَّحْمَةُ هُنا هي الرِّزْقُ الَّذِي يَتَأتّى مِنهُ العَطاءُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرِّزْقَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ؛ لِأنَّهُ إذا أعْطاهُ مُسْتَحِقَّهُ أُثِيبَ عَلَيْهِ، وهَذا إدْماجٌ.
وفِي ضِمْنِ هَذا الشَّرْطِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِ إنْ كانَ فاقِدًا ما يَبْلُغُ بِهِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ أنْ يَرْجُوَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ أسْبابِهِ، وأنْ لا يَحْمِلَهُ الشُّحُّ عَلى السُّرُورِ بِفَقْدِ الرِّزْقِ لِلرّاحَةِ مِنَ البَذْلِ بِحَيْثُ لا يَعْدِمُ البَذْلَ إلّا وهو راجٍ أنْ يَسْهُلَ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ حِرْصًا عَلى فَضِيلَتِهِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْرِضَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إلّا في حالِ رَجاءِ حُصُولِ نِعْمَةٍ، فَإنْ حَصَلَتْ أعْطاهم.
17:29Страница 285
وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩
Не позволяй своей руке быть прикованной к шее, и не раскрывай ее во всю длину (не будь скуп и расточителен), а не то сядешь порицаемым и опечаленным.
صفحة ٨٤
﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾
عَوْدٌ إلى بَيانِ التَّبْذِيرِ والشُّحِّ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، ولَوْلا تَخَلُّلُ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨] الآيَةَ لَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِواوِ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ البَيانِ أنْ لا يُعْطَفَ عَلى المُبِيَّنِ، وأيْضًا عَلى أنَّ في عَطْفِها اهْتِمامًا بِها يَجْعَلُها مُسْتَقِلَّةً بِالقَصْدِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِيادَةٍ عَلى البَيانِ بِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنْ البُخْلِ المُقابِلِ لِلتَّبْذِيرِ.
وقَدْ أتَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَعْلِيمًا بِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةٍ مِنَ الحَقائِقِ الدَّقِيقَةِ فَكانَتْ مِنَ الحِكْمَةِ، وجاءَ نَظْمُها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ فَصِيغَتِ الحِكْمَةُ في قالَبِ البَلاغَةِ.
فَأمّا الحِكْمَةُ فَإذا بَيَّنَتْ أنَّ المَحْمُودَ في العَطاءِ هو الوَسَطُ الواقِعُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وهَذِهِ الأوْساطُ المُحامَدَةُ بَيْنَ المَذامِّ مِن كُلِّ حَقِيقَةٍ لَها طَرَفانِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في حِكْمَةِ الأخْلاقِ أنَّ لِكُلِّ خُلُقٍ طَرَفَيْنِ ووَسَطًا، فالطَّرَفانِ إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ، وكِلاهُما مُقِرٌّ مَفاسِدَ لِلْمَصْدَرِ ولِلْمَوْرِدِ، وأنَّ الوَسَطَ هو العَدْلُ، فالإنْفاقُ والبَذْلُ حَقِيقَةٌ أحَدُ طَرَفَيْها الشُّحُّ: وهو مَفْسَدَةٌ لِلْمَحاوِيجِ، ولِصاحِبِ المالِ إذْ يَجُرُّ إلَيْهِ كَراهِيَةَ النّاسِ إيّاهُ وكَراهِيَتَهُ إيّاهم، والطَّرَفُ الآخَرُ التَّبْذِيرُ والإسْرافُ، وفِيهِ مَفاسِدُ لِذِي المالِ وعَشِيرَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَصْرِفُ مالَهُ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ إلى مَصارِفَ غَيْرِ جَدِيرَةٍ بِالصَّرْفِ، والوَسَطُ هو وضْعُ المالِ في مَواضِعِهِ، وهو الحَدُّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ في الآيَةِ بِنَفْيِ حالَيْنِ بَيْنَ (لا ولا) .
وأمّا البَلاغَةُ فَبِتَمْثِيلِ الشُّحِّ والإمْساكِ بِغَلِّ اليَدِ إلى العُنُقِ، وهو تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَخَيُّلِ اليَدِ مَصْدَرًا لِلْبَذْلِ والعَطاءِ، وتَخَيُّلِ بَسْطِها وغَلِّها شُحًّا،
صفحة ٨٥
وهُوَ تَخَيُّلٌ مَعْرُوفٌ لَدى البُلَغاءِ والشُّعَراءِ، قالَ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] ثُمَّ قالَ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقالَ الأعْشى:
يَداكَ يَدا صِدْقٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالمالِ تُنْفِقُ
ومِن ثَمَّ قالُوا: لَهُ يَدٌ عَلى فُلانٍ، أيْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ، فَجاءَ التَّمْثِيلُ في الآيَةِ مَبْنِيًّا عَلى التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ المَعْنى بِتَمْثِيلِ الَّذِي يَشِحُّ بِالمالِ بِالَّذِي غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، أيْ شُدَّتْ بِالغُلِّ، وهو القَيْدُ مِنَ السَّيْرِ يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ، فَإذا غُلَّتِ اليَدُ إلى العُنُقِ تَعَذَّرَ التَّصَرُّفُ بِها فَتَعَطَّلَ الِانْتِفاعُ بِها فَصارَ مَصْدَرُ البَذْلِ مُعَطَّلًا فِيهِ، وبِضِدِّهِ مِثْلَ المُسْرِفِ بِباسِطِ يَدِهِ غايَةَ البَسْطِ ونِهايَتَهُ، وهو المُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿كُلَّ البَسْطِ﴾ أيِ البَسْطَ كُلَّهُ الَّذِي لا بَسْطَ بَعْدَهُ، وهو مَعْنى النِّهايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] في سُورَةِ العُقُودِ، وهَذا قالَبُ البَلاغَةِ المَصُوغَةِ في تِلْكَ الحِكْمَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ جَوابٌ لِكِلا النَّهْيَيْنِ عَلى التَّوْزِيعِ بِطَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ، فالمَلُومُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ الشُّحِّ، والمَحْسُورُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ، فَإنَّ الشَّحِيحَ مَلُومٌ مَذْمُومٌ، وقَدْ قِيلَ:
إنَّ البَخِيلَ مَلُومٌ حَيْثُما كانا
وقالَ زُهَيْرٌ:
ومَن يَكُ ذا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ على قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ والمَحْسُورُ: المَنهُوكُ القُوى، يُقالُ: بَعِيرٌ حَسِيرٌ، إذا أتْعَبَهُ السَّيْرُ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، والمَعْنى: غَيْرَ قادِرٍ عَلى إقامَةِ شُئُونِكَ، والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى تَقْعُدَ آنِفًا.
17:30Страница 285
إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠
Воистину, твой Господь увеличивает или ограничивает удел тому, кому пожелает. Он видит и знает Своих рабов.
صفحة ٨٦
﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ اعْتِراضٍ بِالتَّعْلِيلِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِإيتاءِ ذِي القُرْبى والمَساكِينِ، والنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ، وعَنِ الإمْساكِ المُفِيدِ الأمْرَ بِالقَصْدِ، بِأنَّ هَذا واجِبُ النّاسِ في أمْوالِهِمْ، وواجِبُهم نَحْوَ قَرابَتِهِمْ، وضُعَفاءِ عَشائِرِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَثِلُوا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ الشُّحُّ بِمُبْقٍ مالَ الشَّحِيحِ لِنَفْسِهِ، ولا التَّبْذِيرُ بِمُغْنٍ مَن يُبَذِّرُ فِيهِمُ المالَ فَإنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِكُلِّ نَفْسٍ رِزْقَها.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا عَلى سَنَنِ الخِطابِ السّابِقِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ حَوَّلَ الكَلامَ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ، فَوَجَّهَ بِالخِطابِ إلى النَّبِيءِ؛ لِأنَّهُ الأوْلى بِعِلْمِ هَذِهِ الحَقائِقِ العالِيَةِ، وإنْ كانَتْ أُمَّتُهُ مَقْصُودَةً بِالخِطابِ تَبَعًا لَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الوَصايا مُخَلَّلَةً بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ .
ويَقْدِرُ ضِدُّ يَبْسُطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ إلى آخِرِها، أيْ هو يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ، وما يَلِيقُ بِكُلٍّ مِنهم بِحَسَبِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم، وما يَحِفُّ بِهِمْ مِن أحْوالِ النُّظُمِ العالَمِيَّةِ الَّتِي اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ المُودَعَةُ في هَذا العالَمِ.
والخَبِيرُ: العالِمُ بِالأخْبارِ، والبَصِيرُ: العالِمُ بِالمُبْصَراتِ، وهَذانَ الِاسْمانِ الجَلِيلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى بَعْضِ تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии