Ибн АшурАль‑Исра · 17:66–70

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:66–70

17:66Страница 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

Ваш Господь ведет для вас по морю корабли, дабы вы могли снискать Его милость. Воистину, Он милосерден к вам.

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو عَوْدٌ إلى تَقْرِيرِ أدِلَّةِ الِانْفِرادِ بِالتَّصْرِيفِ في العالَمِ المَشُوبَةِ بِما فِيها مِن نِعَمٍ عَلى الخَلْقِ، والدّالَّةِ بِذَلِكَ الشَّوْبِ عَلى إتْقانِ الصُّنْعِ، ومُحْكَمِ التَّدْبِيرِ لِنِظامِ هَذا العالَمِ، وسِيادَةِ الإنْسانِ فِيهِ وعَلَيْهِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ عَوْدًا إلى قَوْلِهِ ﴿ويَدْعُو الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]

صفحة ١٥٨

كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ فَراجِعْهُ، فَلَمّا جَرى الكَلامُ عَلى الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ أُعْقِبَ هُنا بِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ.

والخِطابُ لِجَماعَةِ المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، أيْ أعْرَضْتُمْ عَنْ دُعائِهِ ودَعَوْتُمُ الأصْنامَ، وقَوْلُهُ ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ، ومُسْتَحْضَرًا بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِاسْتِدْعاءِ إقْبالِ السّامِعِينَ عَلى الخَبَرِ المُؤْذِنِ بِأهَمِّيَّتِهِ حَيْثُ افْتُتِحَ بِما يُتَرَقَّبُ مِنهُ خَبَرٌ عَظِيمٌ؛ لِكَوْنِهِ مِن شُئُونِ الإلَهِ الحَقِّ، وخالِقِ الخَلْقِ، ومُدَبِّرِ شُئُونِهِمْ تَدْبِيرَ اللَّطِيفِ الرَّحِيمِ، فَيُوجِبُ إقْبالَ السّامِعِ بِشَراشِرِهِ، إنْ مُؤْمِنًا مُتَذَكِّرًا، أوْ مُشْرِكًا ناظِرًا مُتَدَبِّرًا.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ؛ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.

وبِتَعْرِيفِ طَرَفَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْحِصارِ، أيْ رَبُّكم هو الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ لا غَيْرُهُ مِمَّنْ تَعْبُدُونَهُ باطِلًا، وهو الَّذِي لا يَزالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَكم.

وجِيءَ بِالصِّلَةِ فِعْلًا مُضارِعًا؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتَجَدُّدِهِ، فَحَصَلَتْ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى إيجازِها مَعانٍ جَمَّةٌ خُصُوصِيَّةٌ، وفي ذَلِكَ حَدُّ الإعْجازِ. ويُزْجِي: يَسُوقُ سَوْقًا بَطِيئًا، شَبَّهَ تَسْخِيرَ الفُلْكِ لِلسَّيْرِ في الماءِ بِإزْجاءِ الدّابَّةِ المُثْقَلَةِ بِالحِمْلِ.

والفُلْكُ هُنا جَمْعٌ لا مُفْرَدٌ، والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ فَيَشْمَلُ الأنْهارَ كالفُراتِ والدِّجْلَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ، والفَضْلُ: الرِّزْقُ، أيْ لِلتِّجارَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَذا امْتِنانٌ عَلى

صفحة ١٥٩

النّاسِ كُلِّهِمْ مُناسِبٌ لِعُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ ما كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِرُكُوبِ البَحْرِ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ عَرَبُ اليَمَنِ، وعَرَبُ العِراقِ، والنّاسُ غَيْرُهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ لِمَوْقِعِ الِامْتِنانِ لِيَرْفُضُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في هَذِهِ المِنَّةِ.

17:67Страница 289

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

Когда беда постигает вас в море, вас покидают все, к кому вы взывали, кроме Него. Когда же Он спасает вас и выводит на сушу, вы отворачиваетесь. Воистину, человек неблагодарен.

﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ بَعْدَ أنْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ عَلى حَقِّ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِما هو مِن خَصائِصِ صُنْعِهِ بِاعْتِرافِهِمْ، أعْقَبَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِن أحْوالِهِمُ المُتَضَمِّنَةِ إقْرارَهم بِانْفِرادِهِ بِالتَّصَرُّفِ ثُمَّ بِالتَّعْجِيبِ مِن مُناقَضَةِ أنْفُسِهِمْ عِنْدَ زَوالِ اضْطِرارِهِمْ.

فَجُمْلَةُ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ إذْ لا يُخْبِرُ أحَدٌ عَنْ فِعْلِهِ إخْبارًا حَقِيقِيًّا.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ.

وضُرُّ البَحْرِ: هو الإشْرافُ عَلى الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ يُزْعِجُ النُّفُوسَ خَوْفًا، فَهو ضُرٌّ لَها، وضَلَّ بِضادٍ ساقِطَةٍ فِعْلٌ مِنَ الضَّلالِ، وهو سُلُوكُ طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ لِلْمَقْصُودِ خَطَأً.

والعُدُولُ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عَمَلِ اللِّسانِ لِيَتَأتّى الإيجازُ، أيْ مَن يَتَكَرَّرُ دُعاؤُكم إيّاهم، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُضارِعُ، فالمَعْنى غابَ وانْصَرَفَ ذِكْرُ الَّذِينَ عادَتُكم دُعاؤُهم عَنْ ألْسِنَتِكم فَلا تَدْعُونَهم، وذَلِكَ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الدُّعاءِ هُنا الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ اللِّسانُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ضَلالَهم هو ضَلالُ ذِكْرِ أسْمائِهِمْ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ.

صفحة ١٦٠

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ مِمّا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِهِمْ في الدُّعاءِ تارَةً، كَما تَجْرِي أسْماءُ الأصْنامِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مَن تَدْعُونَ خاصًّا بِأصْنامِهِمْ؛ لِأنَّهم يَكْثُرُ دُعاؤُهم إيّاها دُونَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو مُقْتَضى التَّجَدُّدِ، فَإذا اشْتَدَّ بِهِمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ونَصْبُ المُسْتَثْنى لا يَخْتَلِفُ في الوَجْهَيْنِ جَرْيًا عَلى اللُّغَةِ الفُصْحى، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ أعْرَضْتُمْ.

والإعْراضُ: التَّرْكُ، أيْ تَرَكْتُمْ دُعاءَ اللَّهِ، بِقَرِينَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مُقْتَضى المُضارِعِ مِن إعادَةِ التَّجَدُّدِ، وبَيْنَ مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ مِنِ انْحِصارِ الدُّعاءِ في الكَوْنِ بِاسْمِهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ إلى البَرِّ عُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى)؛لِتَضْمِينِ نَجّاكم مَعْنى أبْلَغَكم وأوْصَلَكم.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ اعْتِراضٌ، وتَذْيِيلٌ؛ لِزِيادَةِ التَّعَجُّبِ مِنهم، ومِن أمْثالِهِمْ، والكَفُورُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، أيْ كَثِيرُ الكُفْرِ، والكُفْرُ ضِدُّ الشُّكْرِ.

والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْراقِ، فَهَذا الِاسْتِغْراقُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا بِحَمْلِهِ عَلى غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ، وهم أهْلُ الإشْراكِ، وهم أكْثَرُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، فَتَكُونُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ مِن قَوْلِهِ كَفُورًا راجِعَةً إلى قُوَّةِ صِفَةِ الكُفْرانِ، أوْ عَدَمِ الشُّكْرِ فَإنَّ أعْلاهُ إشْراكُ غَيْرِ المُنْعِمِ مَعَ المُنْعِمِ في نِعْمَةٍ لا حَظَّ لَهُ فِيها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْراقُ حَقِيقِيًّا، أيْ كانَ نَوْعُ الإنْسانِ كَفُورًا، أيْ غَيْرَ خالٍ مِنَ الكُفْرانِ، فَتَكُونُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ راجِعَةً إلى كَثْرَةِ أحْوالِ الكُفْرانِ مَعَ تَفاوُتِها، وكَثْرَةُ كُفْرانِ الإنْسانِ هي تَكَرُّرُ إعْراضِهِ عَنِ الشُّكْرِ في مَوْضِعِ

صفحة ١٦١

الشُّكْرِ ضَلالًا أوْ سَهْوًا أوْ غَفْلَةً؛ لِإسْنادِهِ النِّعَمَ إلى أسْبابِها المُقارِنَةِ دُونَ مُنْعِمِها، ولِفَرْضِهِ مُنْعِمِينَ وهْمِيِّينَ لا حَظَّ لَهم في الإنْعامِ.

وذِكْرُ فِعْلِ (كانَ) إشارَةٌ إلى أنَّ الكُفْرانَ مُسْتَقِرٌّ في جِبِلَّةِ هَذا الإنْسانِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَشْعُرُ بِما وراءَ عالَمِ الحِسِّ فَإنَّ الحَواسَّ تَشْغَلُهُ بِمُدْرِكاتِها عَنْ التَّفَكُّرِ فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ المَعانِي المُسْتَقِرَّةِ في الحافِظَةِ، والمُسْتَنْبَطَةِ بِالفِكْرِ.

ولَمّا كانَ الشُّكْرُ عَلى النِّعْمَةِ مُتَوَقِّفًا عَلى تَذَكُّرِ النِّعْمَةِ، كانَتْ شَواغِلُهُ عَنْ تَذَكُّرِ النِّعَمِ الماضِيَةِ مُغَطِّيَةً عَلَيْها، ولِأنَّ مُدْرَكاتِ الحَواسِّ مِنها المُلائِمُ لِلنَّفْسِ، وهو الغالِبُ، ومِنها المُنافِرُ لَها، فالإنْسانُ إذا أدْرَكَ المُلائِمَ لَمْ يَشْعُرْ بِقُدْرَةٍ عِنْدَهُ؛ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ حَتّى صارَ عادَةً فَذُهِلَ عَمّا فِيهِ مِن نَفْعٍ، فَإذا أدْرَكَ المُنافِرَ اسْتَذْكَرَ فُقْدانَ المُلائِمِ فَضَجَّ وضَجِرَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، ولِهَذا قالَ الحُكَماءُ: العافِيَةُ تاجٌ عَلى رُءُوسِ الأصِحّاءِ لا يَراهُ إلّا المَرْضى، فَهَذا الِاعْتِبارُ هو الَّذِي أشارَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الَّتِي بَعْدَها، وهي ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] الآيَةَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ مِن آدابِ النَّفْسِ في الشَّرِيعَةِ تَذْكِيرُها بِنِعَمِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: (﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]) . لِيَقُومَ ذِكْرُ النِّعْمَةِ مَقامَ مُعاهِدَتِها.

17:68–69Страница 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Неужели вы не опасаетесь того, что Он может заставить часть суши поглотить вас или низринуть на вас ураган с камнями? Ведь тогда вы не найдете себе попечителя и хранителя!

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Или же вы уверены в том, что Он не вернет вас в море еще раз, чтобы наслать на вас ураганный ветер и потопить вас за неверие? Ведь тогда никто не станет мстить Нам за вас!

﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ أعْرَضْتُمْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وفُرِّعَ الِاسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِيُّ عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ الشُّكْرِ وعَوْدِهِمْ إلى الكُفْرِ.

صفحة ١٦٢

والخَسْفُ: انْقِلابُ ظاهِرِ الأرْضِ في باطِنِها مِنَ الزِّلْزالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وفِي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ السَّلامَةَ في البَرِّ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَنْسَوْنَها فَلَوْ حَدَثَ لَكم خَسْفٌ لَهَلَكْتُمْ هَلاكًا لا نَجاةَ لَكم مِنهُ، بِخِلافِ هَوْلِ البَحْرِ، ولَكِنْ لَمّا كانَتِ السَّلامَةُ في البَرِّ غَيْرُ مُدْرَكٍ قَدْرُها قَلَّ أنْ تَشْعُرَ النُّفُوسُ بِنِعْمَتِها، وتَشْعُرَ بِخَطَرِ هَوْلِ البَحْرِ، فَيَنْبَغِي التَّدَرُّبُ عَلى تَذَكُّرِ نِعْمَةِ السَّلامَةِ مِنَ الضُّرِّ، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ السَّلامَةِ مُعَرَّضٌ إلى الأخْطارِ.

والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ أفَأمِنتُمْ إنْكارِي وتَوْبِيخِي.

والجانِبُ: هو الشِّقُّ، وجَعْلُ البَرِّ جانِبًا؛ لِإرادَةِ الشِّقِّ الَّذِي يُنْجِيهِمْ إلَيْهِ، وهو الشّاطِئُ الَّذِي يَرْسُونَ عَلَيْهِ، إشارَةً إلى إمْكانِ حُصُولِ الخَوْفِ لَهم بِمُجَرَّدِ حُلُولِهِمْ بِالبَرِّ بِحَيْثُ يَخْسِفُ بِهِمْ ذَلِكَ الشّاطِئَ، أيْ أنَّ البَرَّ والبَحْرَ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سِيّانِ، فَعَلى العاقِلِ أنْ يَسْتَوِيَ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَةُ الجانِبِ إلى البِرِّ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ.

والباءُ في (﴿يَخْسِفَ بِكُمْ﴾) لِتَعْدِيَةِ يَخْسِفَ بِمَعْنى المُصاحَبَةِ.

والحاصِبُ: الرّامِي بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ، يُقالُ: حَصَبَهُ، وهو هُنا صِفَةٌ، أيْ يُرْسِلُ عَلَيْكم عارِضًا حاصِبًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِالَّذِي يَرْمِي الحَصْباءَ، أيْ مَطَرَ حِجارَةٍ، أيْ بَرَدٌ يُشْبِهُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: الحاصِبُ هُنا بِمَعْنى ذِي الحَصْباءِ، فَصُوغَ اسْمُ فاعِلٍ لَهُ مِن بابِ فاعِلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى النَّسَبِ مِثْلُ لِابْنٍ وتامِرٍ.

والوَكِيلُ: المُوَكَّلُ إلَيْهِ القِيامُ بِمُهِمِّ مُوَكِّلِهِ، والمُدافِعُ عَنْ حَقِّ مُوَكِّلِهِ، أيْ لا تَجِدُوا لِأنْفُسِكم مَن يُجادِلُنا عَنْكم، أوْ يُطالِبُنا بِما ألْحَقْناهُ بِكم مِنَ الخَسْفِ أوِ الإهْلاكِ بِالحاصِبِ، أيْ لا تَجِدُوا مِن قَوْمِكم وأوْلِيائِكم مَن يَثْأرُ لَكم

صفحة ١٦٣

كَشَأْنِ مَن يَلْحَقُهُ ضُرٌّ في قَوْمِهِ أنْ يُدافِعَ عَنْهُ، ويُطالِبَ بِدَمِهِ أوْلِياؤُهُ وعِصابَتُهُ، وهَذا المَعْنى مُناسِبٌ لِما يَقَعُ في البَرِّ مِنَ الحَدَثانِ.

و(أمْ) عاطِفَةُ الِاسْتِفْهامِ، وهي لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، أيْ بَلْ أ أمِنتُمْ، فالِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ مَعَ (أمْ)؛ لِأنَّها خاصَّةٌ بِهِ، أيْ أوْ هَلْ كُنْتُمْ آمَنِينَ مِنَ العَوْدِ إلى رُكُوبِ البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ.

والتّارَةُ: المَرَّةُ المُتَكَرِّرَةُ، قِيلَ عَيْنُهُ هَمْزَةٌ ثُمَّ خُفِّفَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقِيلَ: هي واوٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِوُجُودِهِ مَهْمُوزًا، وهم لا يَهْمِزُونَ حَرْفَ العِلَّةِ في اللُّغَةِ الفُصْحى، وأمّا تَخْفِيفُ المَهْمُوزِ فَكَثِيرٌ مِثْلُ: فَأْسٍ وفاسٍ، وكَأْسٍ وكاسٍ.

ومَعْنى ﴿أنْ يُعِيدَكُمْ﴾ أنْ يُوجِدَ فِيكُمُ الدَّواعِيَ إلى العَوْدِ تَهْيِئَةً لِإغْراقِكم، وإرادَةً لِلِانْتِقامِ مِنكم، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ وتَفْرِيعٌ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِ.

والقاصِفُ: الَّتِي تَقْصِفُ، أيْ تَكْسِرُ، وأصْلُ القَصْفِ: الكَسْرُ، وغَلَبَ وصْفُ الرِّيحِ بِهِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ الصِّفاتِ المُخْتَصَّةِ بِالمُؤَنَّثِ فَلَمْ يُلْحِقُوهُ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ، مِثْلَ عاصِفٍ في قَوْلِهِ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ، والمَعْنى: فَيُرْسِلُ عَلَيْكم رِيحًا قاصِفًا، أيْ تَقْصِفُ الفُلْكَ، أيْ تُعْطِبُهُ بِحَيْثُ يَغْرَقُ، ولِذَلِكَ قالَ (فَيُغْرِقَكم) .

قَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الرِّيحِ بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِكُفْرِكم، أيْ شِرْكِكم.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِها الجُمَلَ، وهو ارْتِقاءٌ في التَّهْدِيدِ بِعَدَمِ وُجُودِ مُنْقِذٍ لَهم، بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِالغَرَقِ؛ لِأنَّ الغَرِيقَ قَدْ يَجِدُ مُنْقِذًا.

والتَّبِيعُ: مُبالَغَةٌ في التّابِعِ، أيِ المُتَتَبِّعُ غَيْرَهُ المُطالِبُ لِاقْتِضاءِ شَيْءٍ مِنهُ، أيْ لا تَجِدُوا مَن يَسْعى إلَيْهِ، ولا مَن يُطالِبُ لَكم بِثَأْرٍ.

صفحة ١٦٤

ووَصْفُ (تَبِيعٍ) يُناسِبُ حالَ الضُّرِّ الَّذِي يَلْحَقُهم في البَحْرِ؛ لِأنَّ البَحْرَ لا يَصِلُ إلَيْهِ رِجالُ قَبِيلَةِ القَوْمِ وأوْلِياؤُهم، فَلَوْ رامُوا الثَّأْرَ لَهم لَرَكِبُوا البَحْرَ لِيُتابِعُوا آثارَ مَن ألْحَقَ بِهِمْ ضُرًّا، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا تَبِيعًا وقِيلَ في الَّتِي قَبْلَها وكِيلًا كَما تَقَدَّمَ.

وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إمّا إلى الإغْراقِ المَفْهُومِ مِن يُغْرِقُكم، وإمّا إلى المَذْكُورِ مِن إرْسالِ القاصِفِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ألْفاظَ (يَخْسِفَ و يُرْسِلَ و يُعِيدَكم و فَيُرْسِلَ و فَيُغْرِقَكم) خَمْسَتُها بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٧] إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَتُغْرِقَكم) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرِّيحِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ، أوْ (عَلى الرِّياحِ) عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ.

17:70Страница 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

Мы почтили сынов Адама и позволяем им передвигаться по суше и морю. Мы наделили их благами и даровали им явное превосходство над многими другими тварями.

﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾

اعْتِراضٌ جاءَ بِمُناسَبَةِ العِبْرَةِ والمِنَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ، فاعْتَرَضَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ فَأشْبَهَ التَّذْيِيلَ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ بِهِ ما يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ.

والمُرادُ بِبَنِي آدَمَ جَمِيعُ النَّوْعِ، فالأوْصافُ المُثْبَتَةُ هُنا إنَّما هي أحْكامٌ لِلنَّوْعِ مِن حَيْثُ هو، كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى الجَماعاتِ.

وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ خَمْسَ مِنَنٍ: التَّكْرِيمَ، وتَسْخِيرَ المَراكِبِ في البَرِّ، وتَسْخِيرَ المَراكِبِ في البَحْرِ، والرِّزْقَ مِنَ الطَّيِّباتِ، والتَّفْضِيلَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ.

صفحة ١٦٥

فَأمّا مِنَّةُ التَّكْرِيمِ فَهي مَزِيَّةٌ خَصَّ بِها اللَّهُ بَنِي آدَمَ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.

والتَّكْرِيمُ: جَعْلُهُ كَرِيمًا، أيْ نَفِيسًا غَيْرَ مَبْذُولٍ ولا ذَلِيلٍ في صُورَتِهِ، ولا في حَرَكَةِ مَشْيِهِ وفي بَشَرَتِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ الحَيَوانِ لا يَعْرِفُ النَّظافَةَ، ولا اللِّباسَ، ولا تَرْفِيهَ المَضْجَعِ، والمَأْكَلِ، ولا حُسْنَ كَيْفِيَّةِ تَناوُلِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ولا الِاسْتِعْدادَ لِما يَنْفَعُهُ، ودَفْعَ ما يَضُرُّهُ، ولا شُعُورَهُ بِما في ذاتِهِ وعَقْلِهِ مِنَ المَحاسِنِ فَيَسْتَزِيدُ مِنها والقَبائِحَ فَيَسْتُرُها ويَدْفَعُها، بَلْهُ الخُلُوَّ عَنِ المَعارِفِ والصَّنائِعِ، وعَنْ قَبُولِ التَّطَوُّرِ في أسالِيبِ حَياتِهِ وحَضارَتِهِ، وقَدْ مَثَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ لِلتَّكْرِيمِ بِأنَّ الإنْسانَ يَأْكُلُ بِأصابِعِهِ، يُرِيدُ أنَّهُ لا يَنْتَهِشُ الطَّعامَ بِفَمِهِ بَلْ يَرْفَعُهُ إلى فِيهِ بِيَدِهِ ولا يَكْرَعُ في الماءِ بَلْ يَرْفَعُهُ إلى فِيهِ بِيَدِهِ، فَإنَّ رَفْعَ الطَّعامِ بِمِغْرَفَةٍ، والشَّرابِ بِقَدَحٍ فَذَلِكَ مِن زِيادَةِ التَّكْرِيمِ، وهو تَناوُلٌ بِاليَدِ.

والحَمْلُ: الوَضْعُ عَلى المَرْكَبِ مِنَ الرَّواحِلِ، فالرّاكِبُ مَحْمُولٌ عَلى المَرْكُوبِ، وأصْلُهُ في رُكُوبِ البَرِّ، وذَلِكَ بِأنْ سَخَّرَ لَهُمُ الرَّواحِلَ، وألْهَمَهُمُ اسْتِعْمالَها.

وأمّا الحَمْلُ في البَحْرِ فَهو الحُصُولُ في داخِلِ السَّفِينَةِ، وإطْلاقُ الحَمْلِ عَلى ذَلِكَ الحُصُولِ اسْتِعارَةٌ مِنَ الحَمْلِ عَلى الرّاحِلَةِ وشاعَتْ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ، قالَ تَعالى ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ومَعْنى حَمْلِ اللَّهِ النّاسَ في البَحْرِ: إلْهامُهُ إيّاهُمُ اسْتِعْمالَ السُّفُنِ والقُلُوعِ والمَجاذِيفِ، فَجُعِلَ تَيْسِيرُ ذَلِكَ كالحَمْلِ.

وأمّا الرِّزْقُ مِنَ الطَّيِّباتِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ الإنْسانَ أنْ يَطْعَمَ ما يَشاءُ مِمّا يَرُوقُ لَهُ، وجَعَلَ في الطُّعُومِ أماراتٍ عَلى النَّفْعِ، وجَعَلَ ما يَتَناوَلُهُ الإنْسانُ مِنَ الطُّعُوماتِ أكْثَرَ جِدًّا مِمّا يَتَناوَلُهُ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لا يَأْكُلُ إلّا أشْياءَ اعْتادَها، عَلى أنَّ أقْرَبَ الحَيَوانِ إلى الإنْسِيَّةِ والحَضارَةِ أكْثَرُها اتِّساعًا في تَناوُلِ الطُّعُومِ.

صفحة ١٦٦

وأمّا التَّفْضِيلُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فالمُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ المُشاهَدُ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الِامْتِنانِ، وذَلِكَ الَّذِي جِماعُهُ تَمْكِينُ الإنْسانِ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ بِرَأْيِهِ وحِيلَتِهِ، وكَفى بِذَلِكَ تَفْضِيلًا عَلى البَقِيَّةِ.

والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْضِيلِ والتَّكْرِيمِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ؛ فالتَّكْرِيمُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَكْرِيمِهِ في ذاتِهِ، والتَّفْضِيلُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَشْرِيفِهِ فَوْقَ غَيْرِهِ، عَلى أنَّهُ فَضَّلَهُ بِالعَقْلِ الَّذِي بِهِ اسْتِصْلاحُ شُئُونِهِ، ودَفْعُ الأضْرارِ عَنْهُ وبِأنْواعِ المَعارِفِ والعُلُومِ، هَذا هو التَّفْضِيلُ المُرادُ.

وأمّا نِسْبَةُ التَّفاضُلِ بَيْنَ نَوْعِ الإنْسانِ، وأنْواعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الخَفِيِّ عَنّا كالمَلائِكَةِ والجِنِّ فَلَيْسَتْ هُنا، وإنَّما تُعْرَفُ بِأدِلَّةٍ تَوْقِيفِيَّةٍ مِن قِبَلِ الشَّرِيعَةِ، فَلا تُفْرَضُ هُنا مَسْألَةُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ المُخْتَلَفِ في تَفاصِيلِها بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، وقَدْ فَرَضَها الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا عَلى عادَتِهِ مِن التَّحَكُّكِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والتَّعَسُّفِ لِإرْغامِ القُرْآنِ عَلى تَأْيِيدِ مَذْهَبِهِ، وقَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الأدَبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ في هَذا المَقامِ، فاسْتَوْجَبَ الغَضاضَةَ والمَلامَ.

ولا شَكَّ أنَّ إقْحامَ لَفْظِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ مُرادٌ مِنهُ التَّقَيُّدُ والِاحْتِرازُ والتَّعْلِيمُ الَّذِي لا غُرُورَ فِيهِ، فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ ثَمَّ مَخْلُوقاتٍ غَيْرَ مُفَضَّلٍ عَلَيْها بَنُو آدَمَ تَكُونُ مُساوِيَةً أوْ أفْضَلَ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا، وتَبْيِينُهُ يُتَلَقّى مِنَ الشَّرِيعَةِ فِيما بَيَّنَتْهُ مِن ذَلِكَ، وما سَكَتَتْ فَلا نَبْحَثُ عَنْهُ.

والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ في قَوْلِهِ تَفْضِيلًا لِإفادَةِ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ أيْ تَفْضِيلًا كَبِيرًا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English