Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:166–169
2:166–167Страница 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
Когда те, за кем следовали, отрекутся от тех, кто следовал за ними, и увидят мучения, связи между ними оборвутся.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Те, которые следовали за другими, скажут: «Если бы у нас был еще один шанс, то мы отреклись бы от них, подобно тому, как они отреклись от нас». Таким же образом Аллах покажет им их деяния, чтобы это опечалило их. Они никогда не выйдут из Огня.
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾
إذْ ظَرْفٌ وقَعَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ظَرْفِ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أيْ لَوْ تَراهم في هَذَيْنِ الحالَيْنِ حالَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وهي حالَةٌ فَظِيعَةٌ، وتَشْتَمِلُ عَلى حالِ اتِّخاذٍ لَهم وتَبْرِيءِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وهي حالَةٌ شَنِيعَةٌ وهُما حاصِلانِ في زَمَنٍ واحِدٍ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ ”إذْ“ هُنا ماضِيًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ في المَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّ ”إذْ“ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها ظَرْفًا لِلْماضِي عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ النُّحاةِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ الفِعْلِ الماضِي الَّذِي مَعَها فَتَكُونُ تَرْشِيحًا لِلتَّبَعِيَّةِ، وإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّها تَرِدُ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو الأصَحُّ ونَسَبَهُ في التَّسْهِيلِ إلى بَعْضِ النُّحاةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] عَلى أنْ يَكُونَ إذْ تَحُسُّونَهم هو المَوْعُودَ بِهِ، وقالَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، فَيَكُونُ المَجازُ في فِعْلِ تَبَرَّأ خاصَّةً.
صفحة ٩٧
والتَّبَرُّؤُ تَكَلُّفُ البَراءَةِ وهي التَّباعُدُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِ قُرْبِهِ أنْ يَكُونَ مُضِرًّا ولِذَلِكَ يُقالُ: تَبارّا إذا أبْعَدَ كُلٌّ الآخَرَ مِن تَبِعَةٍ مُحَقَّقَةٍ أوْ مُتَوَقَّعَةٍ.
والَّذِينَ اتُّبِعُوا بِالبِناءِ إلى المَجْهُولِ هُمُ الَّذِينَ ضَلَّلُوا المُشْرِكِينَ ونَصَّبُوا لَهُمُ الأنْصابَ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ اتُّبِعُوا أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ إلى مُتابَعَتِهِمْ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ أيْ نُجازِيهِمْ عَلى إخْلافِهِمْ.
ومَعْنى بَراءَتِهِمْ مِنهم تَنَصُّلُهم مِن مَواعِيدِ نَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي وعَدُوهم في الدُّنْيا والشَّفاعَةِ فِيهِمْ، وصَرَفُهم عَنِ الِالتِحاقِ بِهِمْ حِينَ هُرِعُوا إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ورَأوُا العَذابَ حالِيَّةٌ أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رَأوْا أسْبابَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ أُعِدَّ لِمَن أضَلَّ النّاسَ فَجَعَلُوا يَتَباعَدُونَ مِن أتْباعِهِمْ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ المُضَلِّلِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ العَذابِ مَجازًا في إحْساسِ التَّعْذِيبِ كالمَجازِ في قَوْلِهِ تَعالى يَمَسُّهُمُ العَذابُ، فَمَوْقِعُ الحالِ هَنا حَسَنٌ جِدًّا وهي مُغْنِيَةٌ عَنِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقامُ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ مُوجِبِ هَذا التَّبَرُّؤِ فَإنَّهُ غَرِيبٌ فَيُقالُ: رَأوُا العَذابَ، فَلَمّا أُرِيدَ تَصْوِيرُ الحالِ وتَهْوِيلُ الِاسْتِفْظاعِ عُدِلَ عَنِ الِاسْتِئْنافِ إلى الحالِ قَضاءً لِحَقِّ التَّهْوِيلِ واكْتِفاءً بِالحالِ عَنِ الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَوْقِعَهُما مُتَقارِبٌ، ولا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ لِأنَّ مَعْناها حِينَئِذٍ يَصِيرُ إعادَةً لِمَعْنى جُمْلَةِ ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ( فَتَصِيرُ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَها ويَفُوتُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ. وضَمِيرُ رَأوُا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ عائِدٌ إلى فَرِيقَيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا والَّذِينَ اتُّبِعُوا.
وجُمْلَةُ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ أيْ وإذْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى كِلا الفَرِيقَيْنِ.
والتَّقَطُّعُ الِانْقِطاعُ الشَّدِيدُ لِأنَّ أصْلَهُ مُطاوِعُ قَطَّعَهُ بِالتَّشْدِيدِ مُضاعِفُ قَطَعَ بِالتَّخْفِيفِ.
والأسْبابُ جَمْعُ سَبَبٍ وهو الحَبْلُ الَّذِي يُمَدُّ لِيُرْتَقى عَلَيْهِ في النَّخْلَةِ أوِ السَّطْحِ، وقَوْلُهُ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ هَيْئَتَهم عِنْدَ خَيْبَةِ أمَلِهِمْ حِينَ لَمْ يَجِدُوا النَّعِيمَ الَّذِي تَعِبُوا لِأجْلِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ وقَدْ جاءَ إبّانَهُ في ظَنِّهِمْ فَوَجَدُوا عِوَضَهُ العَذابَ، بِحالِ المُرْتَقِي إلى النَّخْلَةِ لِيَجْتَنِيَ الثَّمَرَ الَّذِي كَدَّ لِأجْلِهِ طُولَ السَّنَةِ فَتَقَطَّعَ بِهِ السَّبَبُ عِنْدَ ارْتِقائِهِ فَسَقَطَ هالِكًا، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمَ كُلُّهم حِينَئِذٍ أنْ لا نَجاةَ لَهم فَحالُهم كَحالِ السّاقِطِ مِن عُلْوٍ لا تُرْجى لَهُ
صفحة ٩٨
سَلامَةٌ، وهي تَمْثِيلِيَّةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّها الهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ تَشْتَمِلُ عَلى سَبْعَةِ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِواحِدٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها وهي: تَشْبِيهُ المُشْرِكِ في عِبادَتِهِ الأصْنامَ واتِّباعِ دِينِها بِالمُرْتَقِي بِجامِعِ السَّعْيِ، وتَشْبِيهُ العِبادَةِ وقَبُولِ الآلِهَةِ مِنهُ بِالحَبْلِ المُوَصِّلِ، وتَشْبِيهُ النَّعِيمِ والثَّوابِ بِالثَّمَرَةِ في أعْلى النَّخْلَةِ لِأنَّها لا يَصِلُ لَها المَرْءُ إلّا بَعْدَ طُولٍ وهو مُدَّةُ العُمُرِ، وتَشْبِيهُ العُمُرِ بِالنَّخْلَةِ في الطُّولِ، وتَشْبِيهُ الحِرْمانِ مِنَ الوُصُولِ لِلنَّعِيمِ بِتَقْطِيعِ الحَبْلِ، وتَشْبِيهُ الخَيْبَةِ بِالبُعْدِ عَنِ الثَّمَرَةِ، وتَشْبِيهُ الوُقُوعِ في العَذابِ بِالسُّقُوطِ المُهْلِكِ. وقَلَّما تَأْتِي في التَّمْثِيلِيَّةِ صُلُوحِيَّةِ أجْزاءِ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ فِيها لِأنْ تَكُونَ تَشْبِيهاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والوارِدُ في ذَلِكَ يَكُونُ في أشْياءَ قَلِيلَةٍ كَقَوْلِ بِشارٍ الَّذِي يُعَدُّ مِثالًا في الحُسْنِ:
كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهُ
فَلَيْسَ في البَيْتِ أكْثَرُ مِن تَشْبِيهاتٍ ثَلاثَةٍ.
فالباءُ في بِهِمْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ أيْ فَسَقَطُوا، وهَذا المَعْنى هو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ لِأنَّ الحَبْلَ لَوْ تَقَطَّعَ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْمُرْتَقِي عَلَيْهِ لَما كانَ في ذَلِكَ ضُرٌّ إذْ يُمْسِكُ بِالنَّخْلَةِ ويَتَطَلَّبُ سَبَبًا آخَرَ يَنْزِلُ فِيهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُهم أوْ نَحْوَهُ، فَمَن قالَ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى عَنْ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوِ التَّعْدِيَةِ فَقَدْ بَعُدَ عَنِ البَلاغَةِ، وبِهَذِهِ الباءِ تَقُومُ مَعْنى التَّمْثِيلِيَّةِ بِالصّاعِدِ إلى النَّخْلَةِ بِحَبْلٍ، وهَذا المَعْنى فائِتٌ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
تَقَطَّعَ أسْبابُ اللُّبانَةِ والهَوى ∗∗∗ عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَماةَ وشَيْزَرا
وقَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أظْهَرُ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ ضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ عائِدانِ إلى مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّ في صِلَةِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا تَنْبِيهًا عَلى إغاظَةِ المَتْبُوعِينَ وإثارَةِ حَسْرَتِهِمْ وذَلِكَ عَذابٌ نَفْسانِيٌّ يُضاعِفُ العَذابَ الجُثْمانِيَّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
و”لَوْ“ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لِحَرْفِ ”لَوْ“ وأصْلُها الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَ شَرْطُها وجَوابُها واسْتُعِيرَتْ لِلتَّمَنِّي بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ الشَّيْءَ العَسِيرَ المَنالِ يَكْثُرُ تَمَنِّيهِ، وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ الشَّرْطِ والجَوابِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْ ثَبَتَتْ لَنا كَرَّةٌ لَتَبَرَّأْنا مِنهم، وانْتَصَبَ ما كانَ جَوابًا عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي وشاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ مِن مَعانِي ”لَوْ“ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ وأصْلُهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ، وهو في الآيَةِ مُرَشَّحٌ بِنَصْبِ الجَوابِ.
صفحة ٩٩
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ إلى مَحَلٍّ كانَ فِيهِ الرّاجِعُ وهي مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ ولِذَلِكَ تُطْلَقُ في القُرْآنِ عَلى الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لِأنَّهُ رُجُوعٌ لِمَكانٍ سابِقٍ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الكَرَّةِ هُنا لِظُهُورِهِ.
والكافُ في كَما تَبَرَّءُوا لِلتَّشْبِيهِ اسْتُعْمِلَتْ في المُجازاةِ لِأنَّ شَأْنَ الجَزاءِ أنْ يُماثِلَ الفِعْلَ المَجازى قالَ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، وهَذِهِ الكافُ قَرِيبَةٌ مِن كافِ التَّعْلِيلِ أوْ هي أصْلُها، وأحْسَنُ ما يَظْهَرُ فِيهِ مَعْنى المُجازاةِ في غَيْرِ القُرْآنِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:
أهُزُّ بِهِ في نَدْوَةِ الحَيَّ عِطْفَهُ ∗∗∗ كَما هَزَّ عِطْفِي بِالهِجانِ الأوارِكِ
ويُمْكِنُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الكافِ وبَيْنَ كافِ التَّعْلِيلِ أنَّ المَذْكُورَ بَعْدَها إنْ كانَ مِن نَوْعِ المُشَبَّهِ كَما في الآيَةِ وبَيْتِ أبِي كَبِيرٍ جُعِلَتْ لِلْمُجازاةِ، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ وما بَعْدَ الكافِ باعِثٌ عَلى المُشَبَّهِ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
والمَعْنى أنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَما عَلِمُوا الحَقِيقَةَ وانْكَشَفَ لَهم سُوءُ صَنِيعِهِمْ فَيَدْعُوهُمُ الرُّؤَساءُ إلى دِينِهِمْ فَلا يُجِيبُونَهم لِيُشْفُوا غَيْظَهم مِن رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ خَذَلُوهم ولِتَحْصُلَ لِلرُّؤَساءِ خَيْبَةٌ وانْكِسارٌ كَما خَيَّبُوهم في الآخِرَةِ.
فَإنْ قُلْتَ: هم إذا رَجَعُوا رَجَعُوا جَمِيعًا عالِمِينَ بِالحَقِّ فَلا يَدْعُوهُمُ الرُّؤَساءُ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ حَتّى يَمْتَنِعُوا مِن إجابَتِهِمْ، قُلْتُ بابُ التَّمَنِّي واسْعٌ، فالأتْباعُ تَمَنَّوْا أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا عالِمِينَ بِالحَقِّ ويَعُودَ المَتْبُوعُونَ في ضَلالِهِمُ السّابِقِ وقَدْ يُقالُ اتَّهَمَ الأتْباعُ مَتْبُوعِيهِمْ بِأنَّهم أضَلُّوهم عَلى بَصِيرَةٍ لِعِلْمِهِمْ غالِبًا والأتْباعُ مَغْرُورُونَ لِجَهْلِهِمْ فَهم إذا رَجَعُوا جَمِيعًا إلى الدُّنْيا رَجَعَ المَتْبُوعُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّضْلِيلِ عَلى عِلْمٍ بِناءً عَلى أنَّ ما رَأوْهُ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَرُعْهم لِأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ مُوقِنِينَ بِالمَصِيرِ إلَيْهِ ورَجَعَ الأتْباعُ عالِمِينَ بِمَكْرِ المَتْبُوعِينَ فَلا يُطِيعُونَهم.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِقِصَّةِ تَبَرِّي المَتْبُوعِينَ مِن أتْباعِهِمْ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ لِلْإراءَةِ المَأْخُوذَةِ مِن يُرِيهِمْ عَلى أُسْلُوبِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
صفحة ١٠٠
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُرِيهِمْ عَواقِبَ أعْمالِهِمْ إراءً مِثْلَ هَذا الإراءِ إذْ لا يَكُونُ إراءٌ لِأعْمالِهِمْ أوْقَعَ مِنهُ فَهو تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ يُرامُ أنْ يُرِيَهم أعْمالَهم في كَيْفِيَّةٍ شَنِيعَةٍ فَلَمْ يُوجَدْ أشْنَعُ مِن هَذِهِ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ في نَحْوِ شِعْرِي شِعْرِي، أوْ بِمُرادِفِهِ نَحْوُ والسَّفاهَةُ كاسْمِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ (﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾) حالٌ مِن أعْمالِهِمْ ومَعْنى ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ يُرِيهِمْ ما هو عَواقِبُ أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأعْمالَ لا تُدْرَكُ بِالبَصَرِ لِأنَّها انْقَضَتْ فَلا يُحِسُّونَ بِها.
والحَسْرَةُ حُزْنٌ في نَدامَةٍ وتَلَهُّفٍ وفِعْلُهُ كَفَرِحَ، واشْتِقاقُها مِنَ الحَسْرِ وهو الكَشْفُ لِأنَّ الكَشْفَ عَنِ الواقِعِ هو سَبَبُ النَّدامَةِ عَلى ما فاتَ مِن عَدَمِ الحَيْطَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ لِقَصْدِ التَّذْيِيلِ لِمَضْمُونِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ تَعَيَّنَ أنَّ تَمَنِّيَهُمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا وحُدُوثَ الخَيْبَةِ لَهم مَن صُنْعِ رُؤَسائِهِمْ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا إدْخالُ ألَمِ الحَسَراتِ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَهم باقُونَ في النّارِ عَلى كُلِّ حالٍ.
وعُدِلَ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: (( وما يَخْرُجُونَ) ) . إلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ أنَّهُ مِن صِفاتِهِمْ، ولَيْسَ لِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا نُكْتَةٌ، إلّا أنَّهُ الأصْلُ في التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في مِثْلِ هَذا إذْ لا تَتَأتّى بِسِوى هَذا التَّقْدِيمِ، فَلَيْسَ في التَّقْدِيمِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصٍ لِما عَلِمْتَ ولِأنَّ التَّقْدِيمَ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ المَعانِي، بَلِ الِاخْتِصاصُ مَفْرُوضٌ في تَقْدِيمِهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ خاصَّةً، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ بِأنَّ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ هُنا كَمَوْقِعِهِ في قَوْلِ المُعَذَّلِ البَكْرِيِّ:
هم يَفْرِشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ∗∗∗ وأجْرَدَ سَبّاقٍ يَبُذُّ المَغالِيا
فِي دَلالَتِهِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ لا عَلى الِاخْتِصاصِ اهـ.
وادَّعى صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ قَدْ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ
صفحة ١٠١
كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] فالوَجْهُ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ لا يُفِيدُ بِذاتِهِ التَّخْصِيصَ وقَدْ يُسْتَفادُ مِن بَعْضِ مَواقِعِهِ مَعْنى التَّخْصِيصِ بِالقَرائِنِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ما يُفِيدُ التَّخْصِيصَ ولا ما يَدْعُو إلَيْهِ.
2:168–169Страница 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
О люди! Вкушайте на земле то, что дозволено и чисто, и не следуйте по стопам дьявола. Воистину, он для вас - явный враг.
إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩
Воистину, он велит вам творить зло и мерзость и наговаривать на Аллаха то, чего вы не знаете.
﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو كالخاتِمَةِ لِتَشْوِيهِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أُصُولِ دِينِهِمْ وفُرُوعِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الكَلامُ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] الآيَةَ، إذْ ذَكَرَ كُفْرَهم إجْمالًا ثُمَّ أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] واسْتَدَلَّ عَلى إبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآياتِ ثُمَّ وصَفَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ووَصَفَ حالَهم وحَسْرَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَوَصَفَ هُنا بَعْضَ مَساوِئِ دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا أخْرَجَ اللَّهُ لَهم مِنَ الأرْضِ، وناسَبَ ذِكْرَهُ هُنا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ والِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيَةَ، وهو تَمْهِيدٌ وتَلْخِيصٌ لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ شَرائِعِ الإسْلامِ في الأطْعِمَةِ وغَيْرِها الَّتِي سَتَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] .
فالخِطابُ بِـ ”يا أيُّها النّاسُ“ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما هو شَأْنُ خِطابِ القُرْآنِ بِـ ”﴿يا أيُّها النّاسُ﴾“ .
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ ولَيْسَ لِلْوُجُوبِ ولا لِلْإباحَةِ، إذْ لَيْسَ الكُفّارُ بِأهْلٍ لِلْخِطابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَوْلُهُ ”كُلُوا“ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾) .
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ حَلالًا طَيِّبًا تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ فِيما أعْنَتُوا بِهِ أنْفُسَهم فَحَرَمُوها مِن نِعَمٍ طَيِّبَةٍ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ إباحَتِهِ في الإسْلامِ وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأوْصافِ الأفْعالِ الَّتِي هي مَناطُ الحِلِّ والتَّحْرِيمِ.
والمَقْصُودُ إبْطالُ ما اخْتَلَقُوهُ مِن مَنعِ أكْلِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِي، وما حَكى اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآياتِ.
قِيلَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ أيْ مِمّا ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِمّا في الأرْضِ“ لِلتَّبْعِيضِ، فالتَّبْعِيضُ راجِعٌ إلى كَوْنِ المَأْكُولِ بَعْضًا مِن كُلِّ نَوْعٍ، ولَيْسَ راجِعًا إلى كَوْنِ المَأْكُولِ أنْواعًا دُونَ أنْواعٍ، لِأنَّهُ يُفَوِّتُ غَرَضَ الآيَةِ، فَما في الأرْضِ عامٌّ خَصَّصَهُ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ فَخَرَجَتِ المُحَرَّماتُ الثّابِتُ تَحْرِيمُها بِالكِتابِ أوِ السُّنَّةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ حالانِ مِن ما المَوْصُولَةِ، أوَّلُهُما لِبَيانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ والثّانِي لِبَيانِ عِلَّتِهِ، لِأنَّ الطَّيِّبَ مِن شَأْنِهِ أنْ تَقْصِدَهُ النُّفُوسُ لِلِانْتِفاعِ بِهِ فَإذا ثَبَتَ الطَّيِّبُ ثَبَتَتِ الحِلِّيَةُ لِأنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِعِبادِهِ لَمْ يَمْنَعْهم مِمّا فِيهِ نَفْعُهُمُ الخالِصُ أوِ الرّاجِحُ.
والمُرادُ بِالطَّيِّبِ هُنا ما تَسْتَطِيعُهُ النُّفُوسُ بِالإدْراكِ المُسْتَقِيمِ السَّلِيمِ مِنَ الشُّذُوذِ وهي النُّفُوسُ الَّتِي تَشْتَهِي المُلائِمَ الكامِلَ أوِ الرّاجِحَ بِحَيْثُ لا يَعُودُ تَناوُلُهُ بِضُرٍّ جُثْمانِيٍّ أوْ رُوحانِيٍّ وسَيَأْتِي مَعْنى الطَّيِّبِ لُغَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.
وفِي هَذا الوَصْفِ مَعْنًى عَظِيمٌ مِنَ الإيماءِ إلى قاعِدَةِ الحَلالِ والحَرامِ، فَلِذَلِكَ قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ حُكْمَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ الشَّرْعُ فِيها بِشَيْءٍ أنْ أصْلَ المَضارِّ مِنها التَّحْرِيمُ وأصْلَ المَنافِعِ الحِلُّ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِ الشَّيْءِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَوارِضِهِ كَتَعَلُّقِ حَقِّ الغَيْرِ بِهِ المُوجِبِ تَحْرِيمَهُ، إذِ التَّحْرِيمُ حِينَئِذٍ حُكْمٌ لِلْعارِضِ لا لِلْمَعْرُوضِ.
وقَدْ فُسِّرَ الطَّيِّبُ هُنا بِما يُبِيحُهُ الشَّرْعُ وهو بَعِيدٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى التَّكْرارِ، ولِأنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِعْمالَ لَفْظٍ في مَعْنًى غَيْرِ مُتَعارَفٍ عِنْدَهم.
وقَوْلُهُ (﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾) الضَّمِيرُ لِلنّاسِ لا مَحالَةَ وهُمُ المُشْرِكُونَ المُتَلَبِّسُونَ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ دَوْمًا، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَحَظُّهم مِنهُ التَّحْذِيرُ والمَوْعِظَةُ.
صفحة ١٠٣
واتِّباعُ الخُطْواتِ تَمْثِيلِيَّةٌ، أصْلُها أنَّ السّائِرَ إذا رَأى آثارَ خُطْواتِ السّائِرِينَ تَبِعَ ذَلِكَ المَسْلَكَ عِلْمًا مِنهُ بِأنَّهُ ما سارَ فِيهِ السّائِرُ قَبْلَهُ إلّا لِأنَّهُ مُوَصِّلٌ لِلْمَطْلُوبِ، فَشَبَّهَ المُقْتَدِي الَّذِي لا دَلِيلَ لَهُ سِوى المُقْتَدى بِهِ وهو يَظُنُّ مَسْلَكَهُ مُوَصِّلًا، بِالَّذِي يَتَّبِعُ خُطْواتِ السّائِرِينَ، وشاعَتْ هاتِهِ التَّمْثِيلِيَّةُ حَتّى صارُوا يَقُولُونَ هو يَتَّبِعُ خُطا فُلانٍ بِمَعْنى يَقْتَدِي بِهِ ويَمْتَثِلُ لَهُ.
والخُطْواتُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ خُطْوَةٍ مِثْلُ الغُرْفَةِ والقُبْضَةِ بِضَمِّ أوَّلَهِما بِمَعْنى المَخْطُوِّ والمَغْرُوفِ والمَقْبُوضِ، فَهي بِمَعْنى مَخْطُوَّةٍ اسْمٌ لِمَسافَةٍ ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ عِنْدَ مَشْيِ الماشِي فَهو يَخْطُوها، وأمّا الخَطْوَةُ بِفَتْحِ الخاءِ فَهي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ الخَطْوِ وتُطْلَقُ عَلى المَخْطُوِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (خُطْواتِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلى أصْلِ جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ عَلى الإتْباعِ، والإتْباعُ يُساوِي السُّكُونَ في الخِفَّةِ عَلى اللِّسانِ.
والِاقْتِداءُ بِالشَّيْطانِ إرْسالُ النَّفْسِ عَلى العَمَلِ بِما يُوَسْوِسُهُ لَها مِنَ الخَواطِرِ البَشَرِيَّةِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ مَوْجُوداتٌ مُدْرَكَةٌ لَها اتِّصالٌ بِالنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ لَعَلَّهُ كاتِّصالِ الجاذِبِيَّةِ بِالأفْلاكِ والمِغْناطِيسِ بِالحَدِيدِ، فَإذا حَصَلَ التَّوَجُّهُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ بِأسْبابٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ حَدَثَتْ في النَّفْسِ خَواطِرُ سَيِّئَةٌ، فَإنْ أرْسَلَ المُكَلَّفُ نَفْسَهُ لِاتِّباعِها ولَمْ يَرْدَعْها بِما لَهُ مِنَ الإرادَةِ والعَزِيمَةِ حَقَّقَها في فِعْلِهِ، وإنْ كَبَحَها وصَدَّها عَنْ ذَلِكَ غَلَبَها. ولِذَلِكَ أوْدَعَ اللَّهُ فِينا العَقْلَ والإرادَةَ والقُدْرَةَ وكَمَّلَ لَنا ذَلِكَ بِالهُدى الدِّينِيِّ عَوْنًا وعِصْمَةً عَنْ تَلْبِيَتِها لِئَلّا تُضِلَّنا الخَواطِرُ الشَّيْطانِيَّةُ حَتّى نَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً» لِأنَّهُ لَمّا هَمَّ بِها فَذَلِكَ حِينَ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ القُوَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ ولَمّا عَدَلَ عَنْها فَذَلِكَ حِينَ غَلَّبَ الإرادَةَ الخَيْرِيَّةَ عَلَيْها، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في الخَواطِرِ الخَيْرِيَّةِ وهي النّاشِئَةُ عَنِ التَّوَجُّهاتِ المَلَكِيَّةِ، فَإذا تَنازَعَ الدّاعِيانِ في نُفُوسِنا احْتَجْنا في التَّغَلُّبِ إلى الِاسْتِعانَةِ بِعُقُولِنا وآرائِنا، وقُدْرَتِنا، وهُدى اللَّهِ تَعالى إيّانا. وذَلِكَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ بِالكَسْبِ، وعَنْهُ يَتَرَتَّبُ الثَّوابُ والعِقابُ.
واللّامُ في الشَّيْطانِ لِلْجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، ويَكُونَ المُرادُ إبْلِيسَ وهو أصْلُ الشَّياطِينِ وآمِرُهم فَكُلُّ ما يَنْشَأُ مِن وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِ لِأنَّهُ الَّذِي خَطا الخُطْواتِ الأُولى.
صفحة ١٠٤
وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَ الشَّيْطانِ والنّاسِ مَعْلُومَةٌ مُتَقَرِّرَةٌ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، وقَدْ كانُوا في الحَجِّ يَرْمُونَ الجِمارَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّهم يَرْجُمُونَ الشَّيْطانَ، أوْ تُجْعَلُ إنَّ لِلتَّأْكِيدِ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ المُتَرَدِّدِ في الحُكْمِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ أوِ المُنْكَرِ لِأنَّهم لِاتِّباعِهِمُ الإشاراتِ الشَّيْطانِيَّةَ بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُ عَداوَتَهُ كَما قالَ عَبْدَةُ:
إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وأيًّا ما كانَ فَإنَّ تُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ في مِثْلِ هَذا وتُغْنِي غَناءَ الفاءِ وهو شَأْنُها بَعْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلى ما في دَلائِلِ الإعْجازِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ بَشّارٍ:
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وإنَّما كانَ عَدُوًّا لِأنَّ عُنْصُرَ خِلْقَتِهِ مُخالِفٌ لِعُنْصُرِ خِلْقَةِ الإنْسانِ فاتِّصالُهُ بِالإنْسانِ يُؤْثِرُ خِلافَ ما يُلائِمُهُ، وقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ تَمْثِيلُ الشَّيْطانِ في صُورَةِ العَدُوِّ المُتَرَبِّصِ بِنا الدَّوائِرَ لِإثارَةِ داعِيَةِ مُخالَفَتِهِ في نُفُوسِنا كَيْ لا نَغْتَرَّ حِينَ نَجِدُ الخَواطِرَ الشِّرِّيرَةَ في أنْفُسِنا فَنَظُنُّها ما نَشَأتْ فِينا إلّا وهي نافِعَةٌ لَنا لِأنَّها تَوَلَّدَتْ مِن نُفُوسِنا، ولِأجْلِ هَذا أيْضًا صُوِّرَتْ لَنا النَّفْسُ في صُورَةِ العَدُوِّ في مِثْلِ هاتِهِ الأحْوالِ.
ومَعْنى المُبِينِ: الظّاهِرُ العَداوَةِ مِن أبانَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ ولَيْسَ مِن أبانَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ بِمَعْنى أظْهَرَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يُظْهِرُ لَنا العَداوَةَ بَلْ يُلَبِّسُ لَنا وسْوَسَتَهُ في لِباسِ النَّصِيحَةِ أوْ جَلْبِ المُلائِمِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ ولِيًّا فَقالَ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، إلّا أنَّ اللَّهَ فَضَحَهُ فَلَمْ يَبْقَ مُسْلِمٌ تَرُوجُ عَلَيْهِ تَلْبِيساتُهُ حَتّى في حالِ اتِّباعِهِ لِخُطْواتِهِ فَهو يَعْلَمُ أنَّها وساوِسُهُ المُضِرَّةُ إلّا أنَّهُ تَغْلِبُهُ شَهْوَتُهُ وضَعْفُ عَزِيمَتِهِ ورِقَّةُ دِيانَتِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فَيَئُولُ إلى كَوْنِهِ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ إذْ يَسْألُ السّامِعُ عَنْ ثُبُوتِ العَداوَةِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ المَعْرِفَةِ ومَعَ بُعْدِ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَقِيلَ إنَّما يَأْمُرُكم أيْ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُكم إلّا بِالسُّوءِ إلَخْ أيْ يُحَسِّنُ لَكم ما فِيهِ مَضَرَّتُكم لِأنَّ عَداوَتَهُ أمْرٌ خَفِيٌّ عَرَفْناهُ مِن آثارِ أفْعالِهِ.
والأمْرُ في الآيَةِ مَجازٌ عَنِ الوَسْوَسَةِ والتَّزْيِينِ إذْ لا يَسْمَعُ أحَدٌ صِيَغَ أمْرٍ مِنَ الشَّيْطانِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ إنَّما يَأْمُرُكم تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حالِهِ وحالِهِمْ في التَّسْوِيلِ والوَسْوَسَةِ وفي تَلَقِّيهِمْ
صفحة ١٠٥
ما يُوَسْوِسُ لَهم بِحالِ الآمِرِ والمَأْمُورِ ويَكُونُ لَفْظُ يَأْمُرُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ مُفِيدًا مَعَ ذِكْرِ الرَّمْزِ إلى أنَّهم لا إرادَةَ لَهم ولا يَمْلِكُونَ أمْرَ أنْفُسِهِمْ وفي هَذا زِيادَةُ تَشْنِيعٍ لِحالِهِمْ وإثارَةٌ لِلْعَداوَةِ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَهم.
والسُّوءُ: الضُّرُّ مِن ساءَهُ سَوْءًا، فالمَصْدَرُ بِفَتْحِ السِّينِ، وأمّا السُّوءُ - بِضَمِّ السِّينِ - فاسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.
والفَحْشاءُ: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن فَحُشَ إذا تَجاوَزَ الحَدَّ المَعْرُوفَ في فِعْلِهِ أوْ قَوْلِهِ، واخْتُصَّ في كَلامِ العَرَبِ بِما تَجاوَزَ حَدَّ الآدابِ وعَظُمَ إنْكارُهُ، لِأنَّ وساوِسَ النَّفْسِ تَئُولُ إلى مَضَرَّةٍ كَشُرْبِ الخَمْرِ والقَتْلِ المُفْضِي لِلثَّأْرِ أوْ إلى سَوْأةٍ وعارٍ كالزِّنا والكَذِبِ، فالعَطْفُ هُنا عَطْفٌ لِمُتَغايِرَيْنِ بِالمَفْهُومِ والذّاتِ لا مَحالَةَ بِشَهادَةِ اللُّغَةِ وإنْ كانا مُتَّحِدَيْنِ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِدُخُولِ كِلَيْهِما تَحْتَ وصْفِ الحَرامِ أوِ الكَبِيرَةِ، وأمّا تَصادُقُهُما مَعًا في بَعْضِ الذُّنُوبِ كالسَّرِقَةِ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ كَسائِرِ الكُلِّيّاتِ المُتَصادِقَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يُشِيرُ إلى ما اخْتَلَقَهُ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الضَّلالِ مِن رُسُومِ العِباداتِ ونِسْبَةِ أشْياءَ لِدِينِ اللَّهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِها. وخَصَّهُ بِالعَطْفِ مَعَ أنَّهُ بَعْضُ السُّوءِ والفَحْشاءِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أكْبَرِ الكَبائِرِ وهو الشِّرْكُ والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ.
ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما وهو رابِطُ الصِّلَةِ، ومَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ: لا تَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَلى اللَّهِ أيْ لا تَعْلَمُونَ أنَّهُ يُرْضِيهِ ويَأْمُرُ بِهِ، وطَرِيقُ مَعْرِفَةِ رِضا اللَّهِ وأمْرِهِ هو الرُّجُوعُ إلى الوَحْيِ وإلى ما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنَ القِياسِ وأدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ المُسْتَقْراةِ مِن أدِلَّتِها. ولِذَلِكَ قالَ الأُصُولِيُّونَ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَقُولَ فِيما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ بِطَرِيقِ القِياسِ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ قالَهُ اللَّهُ، لِأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مُقَدِّمَةٌ قَطْعِيَّةٌ مُسْتَقْراةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلَيْها وهي وُجُوبُ عَمَلِهِ بِما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ بِأنْ يَعْمَلَ بِهِ في الفَتْوى والقَضاءِ وخاصَّةِ نَفْسِهِ فَهو إذا أفْتى بِهِ وأخْبَرَ فَقَدْ قالَ عَلى اللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ يُرْضِي اللَّهَ تَعالى بِحَسَبِ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ الظَّنِّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии