Ибн АшурАль‑Бакара · 2:213–214

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:213–214, продолжение

والمَعِيَّةُ مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ أُرِيدَ بِها مُقارَنَةُ الزَّمانِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعِيَّةِ هي المُقارَنَةُ في المَكانِ وهي المُصاحَبَةُ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ المَعِيَّةِ هُنا لِما تُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والنَّصْرِ قالَ تَعالى ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وفي الحَدِيثِ: ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلِاسْتِغْراقِ: أيْ وأنْزَلَ مَعَ النَّبِيئِينَ الكُتُبَ الَّتِي نَزَلَتْ كُلَّها

صفحة ٣٠٨

وهُوَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ، فالمَعْنى أنْزَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيءٍ كِتابَهُ، وقَرِينَةُ التَّوْزِيعِ مَوْكُولَةٌ لِعِلْمِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِ ذَلِكَ.

وإنَّما أفْرَدَ الكِتابَ ولَمْ يَقُلِ الكُتُبَ، لِأنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ في مَقامِ الِاسْتِغْراقِ سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ ما في الإفْرادِ مِنِ الإيجازِ ودَفْعِ احْتِمالِ العَهْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ كِتابٌ واحِدٌ مَعَ جَمِيعِ النَّبِيئِينَ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِغْراقَ لا العَهْدَ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ كَوْنَ اللّامِ لِلْعَهْدِ والمَعْنى أنَزَلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ كِتابَهُ.

والضَّمِيرُ في لِيَحْكُمَ راجِعٌ إلى الكِتابِ فَإسْنادُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّهُ مُبَيِّنُ ما بِهِ الحُكْمُ، أوْ فِعْلُ ”يَحْكُمُ“ مَجازٌ في البَيانِ.

ويَجُوزُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ أيْ أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم، وإسْنادُ الحُكْمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّهُ المُسَبِّبُ لَهُ والآمِرُ بِالقَضاءِ بِهِ، وتَعْدِيَةُ يَحْكُمُ بِبَيْنَ لِأنَّهُ لَمْ يُعَيَّنْ فِيهِ مَحْكُومٌ لَهُ أوْ عَلَيْهِ.

وحُكْمُ الكِتابِ بَيْنَ النّاسِ بَيانُ الحَقِّ والرُّشْدِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ إلّا عَنْ ضَلالٍ أوْ خَطَأٍ، ولِهَذا قالَ جُمْهُورُ عُلَمائِنا إنَّ المُصِيبَ في الِاجْتِهادِيّاتِ واحِدٌ.

* * *

﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ لِبَيانِ حَقِيقَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ اخْتِلافِ الأُمَمِ وهو الِاخْتِلافُ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ الواحِدِ مَعَ تَلَقِّيهِمْ دِينًا واحِدًا، والمَعْنى: وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ فاخْتُلِفَ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] .

والمَعْنى وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا أقْوامُهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا كُتُبَهم فاسْتَغْنى بِجُمْلَةِ القَصْرِ عَنِ الجُمْلَةِ الأُخْرى لِتَضَمُّنِ جُمْلَةِ القَصْرِ إثْباتًا ونَفْيًا.

صفحة ٣٠٩

فاللَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ لِإبْطالِ الضَّلالِ الحاصِلِ مِن جَهْلِ البَشَرِ بِصَلاحِهِمْ فَجاءَتِ الرُّسُلُ بِالهُدى، اتَّبَعَهم مَنِ اتَّبَعَهم فاهْتَدى وأعْرَضَ عَنْهم مَن أعْرَضَ فَبَقِيَ في ضَلالَةٍ، فَإرْسالُ الرُّسُلِ لِإبْطالِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ثُمَّ أحْدَثَ اتِّباعُ الرُّسُلِ بِعْدَهُمُ اخْتِلافًا آخَرَ وهو اخْتِلافُ كُلِّ قَوْمٍ في نَفْسِ شَرِيعَتِهِمْ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا بَيانُ عَجِيبِ حالِ البَشَرِ في تَسَرُّعِهِمْ إلى الضَّلالِ، وهي حَقِيقَةٌ تارِيخِيَّةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ، وتَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

والتَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ وهم أشْهَرُ أهْلِ الشَّرائِعِ يَوْمَئِذٍ فِيما صَنَعُوا بِكُتُبِهِمْ مِنَ الِاخْتِلافِ فِيها، وهَذا مِن بَدِيعِ اسْتِطْرادِ القُرْآنِ في تَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وخاصَّةً اليَهُودَ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ بَلِيغَةٌ قالَ زُهَيْرٌ:

إنَّ البَخِيلَ مَلُومٌ حِينَ كانَ ولَكِنَّ الجَوادَ عَلى عِلّاتِهِ هَرَمُ

وقالَ الفَرَزْدَقُ يَمْدَحُ الخَلِيفَةَ ويَسْتَطْرِدُ بِهِجاءِ جَرِيرٍ:

إلى مَلِكٍ ما أُمُّهُ مِن مُحارِبٍ ∗∗∗ أبُوهُ ولا كانَتْ كُلَيْبٌ تُصاهِرُهُ

والضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ فِيهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ وأنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الكِتابُ، والمَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ واحِدٌ، لِأنَّ الكِتابَ أُنْزِلَ مُلابِسًا لِلْحَقِّ ومُصاحِبًا لَهُ فَإذا اخْتُلِفَ في الكِتابِ اخْتُلِفَ في الحَقِّ الَّذِي فِيهِ وبِالعَكْسِ عَلى طَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في المَنطِقِ.

والِاخْتِلافُ في الكِتابِ ذَهابُ كُلِّ فَرِيقٍ في تَحْرِيفِ المُرادِ مِنهُ مَذْهَبًا يُخالِفُ مَذْهَبَ الآخَرِ في أُصُولِ الشَّرْعِ لا في الفُرُوعِ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ في أُصُولِهِ يُعَطِّلُ المَقْصُودَ مِنهُ.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المُعَرِّفاتِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الأمْرِ العَجِيبِ وهو أنْ يَكُونَ المُخْتَلِفُونَ في مَقْصِدِ الكِتابِ هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا الكِتابَ لِيُزِيلُوا بِهِ الخِلافَ بَيْنَ النّاسِ فَأصْبَحُوا هم سَبَبَ خِلافٍ فِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ المُرادَ مِنهُ.

والمَعْنى تَشْنِيعُ حالِ الَّذِينَ أُوتُوهُ بِأنْ كانُوا أسْوَأ حالًا مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرائِعِ، لِأنَّ أُولَئِكَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ بِخِلافِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا بَعْدَ كَوْنِ الكِتابِ بِأيْدِيهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتَلَفَ، والبَيِّناتُ جَمْعُ بَيِّنَةٍ وهي الحُجَّةُ والدَّلِيلُ.

صفحة ٣١٠

والمُرادُ بِالبَيِّناتِ هُنا الدَّلائِلُ الَّتِي مِن شَأْنِها الصَّدُّ عَنِ الِاخْتِلافِ في مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وهي النُّصُوصُ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ مَدْلُولاتِها أعْنِي قَواطِعَ الشَّرِيعَةِ، والظَّواهِرَ المُتَعاضِدَةَ الَّتِي التَحَقَتْ بِالقَواطِعِ، والظَّواهِرَ الَّتِي لَمْ يَدْعُ داعٍ إلى تَأْوِيلِها ولا عارَضَها مُعارِضٌ.

والظَّواهِرُ المُتَعارِضَةُ الَّتِي دَلَّ تَعارُضُها عَلى أنَّ مَحْمَلَ كُلٍّ مِنها عَلى حالَةٍ لا تُعارِضُ حالَةَ مَحْمَلِ الآخَرِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُصُولِ بِالجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ وتَوارِيخِ التَّشْرِيعِ الدّالَّةِ عَلى نَسْخِ حُكْمٍ حُكْمًا آخَرَ، أوْ ما يَقُومُ مَقامَ التّارِيخِ مِن نَحْوِ: هَذا ناسِخٌ، أوْ كانَ الحُكْمُ كَذا فَصارَ كَذا، فَهَذِهِ بَيِّناتٌ مانِعَةٌ مِنَ الِاخْتِلافِ لَوْ كانَ غَرَضُ الأُمَمِ اتِّباعَ الحَقِّ. ومَجِيءُ البَيِّناتِ بُلُوغُ ما يَدُلُّ عَلَيْها وظُهُورُ المُرادِ مِنها.

والبَعْدِيَّةُ هُنا: بَعْدِيَّةُ اعْتِبارٍ لَمْ يُقْصَدْ مِنها تَأخُّرُ زَمانِ الِاخْتِلافِ عَنْ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإنْ كانَ هو كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ أنَّ الخِلافَ كانَ في حالَةٍ تَقَرَّرَتْ فِيها دَلائِلُ الحَقِّ في نُفُوسِ المُخْتَلِفِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِاخْتَلَفُوا، والبَغْيُ: الظُّلْمُ وأصْلُ البَغْيِ في كَلامِ العَرَبِ الطَّلَبُ، ثُمَّ شاعَ في طَلَبِ ما لِلْغَيْرِ بِدُونِ حَقٍّ فَصارَ بِمَعْنى الظُّلْمِ مَعْنًى ثانِيًا وأُطْلِقَ هُنا عَلى الحَسَدِ لِأنَّ الحَسَدَ ظُلْمٌ.

والمَعْنى أنَّ داعِيَ الِاخْتِلافِ هو التَّحاسُدُ وقَصْدُ كُلِّ فَرِيقٍ تَغْلِيطَ الآخَرِ فَيُحَمِّلُ الشَّرِيعَةَ غَيْرَ مَحامِلِها لِيُفْسِدَ ما حَمَلَها عَلَيْهِ الآخَرُ فَيُفْسِدُ كُلُّ فَرِيقٍ صَوابَ غَيْرِهِ، وأمّا خَطَؤُهُ فَأمْرُهُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ بَيْنَهم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَغْيًا لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ البَغْيَ بِمَعْنى الحَسَدِ، وأنَّهُ ظُلْمٌ في نَفْسِ الأُمَّةِ ولَيْسَ ظُلْمًا عَلى عَدُوِّها.

واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنَ المَجْرُورِ وهو مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ وتَعَلُّقَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وهو ”بَغْيًا“ بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ الَّذِي هو مَحْصُورٌ بِالِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، ويَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَحْصُورًا في فاعِلِ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقا بِهِ، فَلا يَتَأتّى فِيهِ الخِلافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ بَيْنَ النُّحاةِ في جَوازِ اسْتِثْناءِ شَيْئَيْنِ بَعْدَ أداةِ اسْتِثْناءٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ ما هُنا لَيْسَ اسْتِثْناءَ أشْياءَ بَلِ اسْتِثْناءُ شَيْءٍ واحِدٍ وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوهُ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ هُما ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ و(بَغْيًا)

صفحة ٣١١

إذِ المَقْصُودُ أنَّ الخِلافَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أهْلِ الدِّينِ ومُعانِدِيهِ، ولا كانَ بَيْنَ أهْلِ الدِّينِ قَبْلَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ الصّارِفَةِ عَنِ الخِلافِ، ولا كانَ ذَلِكَ الخِلافُ عَنْ مَقْصِدٍ حَسَنٍ بَلْ كانَ بَيْنَ أهْلِ الدِّينِ الواحِدِ، مَعَ قِيامِ الدَّلائِلِ وبِدافِعِ البَغْيِ والحَسَدِ.

والآيَةُ تَقْتَضِي تَحْذِيرَ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِنَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ أيْ في أُصُولِ الإسْلامِ، فالخِلافُ الحاصِلُ بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ لَيْسَ اخْتِلافًا في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّها إجْماعِيَّةٌ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم يُرِيدُونَ تَحْقِيقَها، ولِذَلِكَ اتَّفَقَتْ أُصُولُهم في البَحْثِ عَنْ مُرادِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ لِلِاسْتِدْلالِ عَنْ مَقْصِدِ الشّارِعِ وتَصَرُّفاتِهِ، واتَّفَقُوا في أكْثَرِ الفُرُوعِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ الوُصُولِ إلى مَقْصِدِ الشّارِعِ، وقَدِ اسْتَبْرَءُوا لِلدِّينِ فَأعْلَنُوا جَمِيعًا: أنَّ لِلَّهِ تَعالى حُكْمًا في كُلِّ مَسْألَةٍ، وأنَّهُ حُكْمٌ واحِدٌ، وأنَّهُ كَلَّفَ المُجْتَهِدِينَ بِإصابَتِهِ وأنَّ المُصِيبَ واحِدٌ، وأنَّ مُخْطِئَهُ أقَلُّ ثَوابًا مِن مُصِيبِهِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في طَلَبِهِ إثْمٌ.

فالِاخْتِلافُ الحاصِلُ بَيْنَ عُلَمائِنا اخْتِلافٌ جَلِيلُ المِقْدارِ مُوَسِّعٌ لِلْأنْظارِ. أمّا لَوْ جاءَ أتْباعُهم فانْتَصَرُوا لِآرائِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ ضَعْفِ المُدْرِكِ أوْ خَطَئِهِ لَقَصْدِ تَرْوِيجِ المَذْهَبِ وإسْقاطِ رَأْيِ الغَيْرِ فَذَلِكَ يُشْبِهُ الِاخْتِلافَ الَّذِي شَنَّعَهُ اللَّهُ تَعالى وحَذَّرَنا مِنهُ فَكُونُوا مِن مِثْلِهِ عَلى حَذَرٍ ولا تَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْلِ المُعَرِّيِّ:

فَمُجادِلٌ وصَلَ الجِدالَ وقَدْ دَرى ∗∗∗ أنَّ الحَقِيقَةَ فِيهِ لَيْسَ كَما زَعَمْ

عَلِمَ الفَتى النَّظّارُ أنَّ بَصائِرًا ∗∗∗ عَمِيَتْ فَكَمْ يُخْفى اليَقِينُ وكَما يُعَمْ

وقَوْلُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذا العَطْفُ يَحْتَمِلُ أنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ عَلى ﴿اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ القَصْرِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَطْفٌ بِالفاءِ إشارَةً إلى سُرْعَةِ هِدايَتِهِ المُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الِاخْتِلافِ اهـ.، يُرِيدُ أنَّهُ تَعْقِيبٌ بِحَسَبِ ما يُناسِبُ سُرْعَةَ مِثْلِهِ، وإلّا فَهُدى المُسْلِمِينَ وقَعَ بَعْدَ أزْمانٍ مَضَتْ، حَتّى تَفاقَمَ اخْتِلافُ اليَهُودِ واخْتِلافُ النَّصارى، وفِيهِ بُعْدٌ لا يَخْفى، فالظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ لِما عُلِمَ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ التَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ في الِاخْتِلافِ ضَرُورَةَ أنَّ القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ لِهُدى المُسْلِمِينَ لِلْحَقِّ في كُلِّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكُتُبِ السّالِفَةِ فَكَأنَّ السّامِعَ تَرَقَّبَ العِلْمَ بِعاقِبَةِ هَذا الِاخْتِلافِ فَقِيلَ: دامَ هَذا الِاخْتِلافُ إلى مَجِيءِ الإسْلامِ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، فَقَدْ أفْصَحَتْ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ وهو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ المَحْذُوفُ كَقَوْلِهِ تَعالى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ.

صفحة ٣١٢

والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا المُسْلِمُونَ لا مَحالَةَ، والضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ لِلْمُخْتَلِفِينَ كُلِّهِمْ، سَواءٌ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ والَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الشَّرائِعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ والبَيِّناتِ؛ ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ مِنَ الحَقِّ وهو الحَقُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ فَإنَّ اخْتِلافَ الفَرِيقَيْنِ راجِعٌ إلى الِاخْتِلافِ في تَعْيِينِ الحَقِّ إمّا عَنْ جَهْلٍ أوْ عَنْ حَسَدٍ وبَغْيٍ.

والإذْنُ: الخِطابُ بِإباحَةِ فِعْلٍ وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ أذِنَ إذا أصْغى أُذُنَهُ إلى كَلامِ مَن يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الخِطابِ بِإباحَةِ فِعْلٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ الإصْغاءَ إلى كَلامِ المُتَكَلِّمِ يَسْتَلْزِمُ الإقْبالَ عَلَيْهِ وإجابَةَ مَطْلَبِهِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ الإذْنُ أشْيَعَ في مَعْنى الخِطابِ بِإباحَةِ الفِعْلِ، وبِذَلِكَ صارَ لَفْظُ الإذْنِ قابِلًا لِأنْ يُسْتَعْمَلَ مَجازًا في مَعانٍ مِن مُشابِهاتِ الخِطابِ بِالإباحَةِ، فَأُطْلِقَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّمْكِينِ مِنَ الِاهْتِداءِ وتَيْسِيرِهِ بِما في الشَّرائِعِ مِن بَيانِ الهُدى والإرْشادِ إلى وسائِلِ الِاهْتِداءِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ مَن يُيَسِّرُ لَكَ شَيْئًا فَكَأنَّهُ أباحَ لَكَ تَناوُلَهُ.

وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ بَعَثَ بِالإسْلامِ لِإرْجاعِ النّاسِ إلى الحَقِّ وإلى التَّوْحِيدِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، أوْ لِإرْجاعِهِمْ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَتِ الرُّسُلُ لِتَحْصِيلِهِ، فاخْتَلَفَ أتْباعُهم فِيهِ بَدَلًا مِن أنْ يُحَقِّقُوا بِأفْهامِهِمْ مَقاصِدَ ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، فَحَصَلَ بِما في الإسْلامِ مِن بَيانِ القُرْآنِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ وُضُوحُ الحَقِّ والإرْشادُ إلى كَيْفِيَّةِ أخْذِهِ، فَحَصَلَ بِمَجِيءِ الإسْلامِ إتْمامُ مُرادٍ مِمّا أُنْزِلَ مِنَ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُعْطِيهِ مَن يَشاءُ، وهَذا إجْمالٌ، وتَفْصِيلُهُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ أنْ يَتَأخَّرَ تَمامُ الهُدى إلى وقْتِ مَجِيءِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ لِما تَهَيَّأ البَشَرُ بِمَجِيءِ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ لِقَبُولِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، كانَتِ الشَّرائِعُ السّابِقَةُ تَمْهِيدًا وتَهْيِئَةً لِقَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، فَكَما كانَ البَشَرُ في أوَّلِ أمْرِهِ أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى بَسِيطٍ ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ الضَّلالاتُ عِنْدَ تَحَرُّكِ الأفْكارِ البَشَرِيَّةِ، رَجَعَ البَشَرُ إلى دِينٍ واحِدٍ في حالَةِ ارْتِقاءِ الأفْكارِ، وهَذا اتِّحادٌ عَجِيبٌ، لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ تَشَتُّتِ الآراءِ والمَذاهِبِ، ولِذا قالَ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]،

صفحة ٣١٣

وفِي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إلى اللَّيْلِ عَلى أجْرٍ مَعْلُومٍ فَعَمِلُوا لَهُ نِصْفَ النَّهارِ، فَقالُوا لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنا وما عَمِلْنا باطِلٌ، فَقالَ لَهم لا تَفْعَلُوا أكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكم وخُذُوا أجْرَكم كامِلًا فَأبَوْا وتَرَكُوا، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ لَهم: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم هَذا ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم مِنَ الأجْرِ فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: تِلْكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا فِيهِ، فَقالَ لَهم أكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكم فَإنَّما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَأبَوْا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَذَلِكَ مَثَلُهم ومَثَلُ ما قَبِلُوا مِن هَذا النُّورِ، فَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى ما لَنا أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ عَطاءً، قالَ هَلْ ظَلَمْتُكم مِن حَقِّكم شَيْئًا ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ» .

2:214Страница 33

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤

Или вы полагали, что войдете в Рай, не испытав того, что постигло ваших предшественников? Их поражали нищета и болезни. Они переживали такие потрясения, что Посланник и уверовавшие вместе с ним говорили: «Когда же придет помощь Аллаха?». Воистину, помощь Аллаха близка.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

إضْرابٌ انْتِقالِيٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فاحْتاجَ إلى وجْهِ مُناسَبَةٍ بِهِ، فَقالَ الطِّيبِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] كَلامٌ ذُكِرَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ وذُكِرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مِنَ الشَّدائِدِ، ومُدْمَجٌ لِتَشْجِيعِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ كَما قالَ ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَمِن هَذا الوَجْهِ كانَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ مُرادِينَ مِن ذَلِكَ الكَلامِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] وهو المُضْرَبُ عَنْهُ بِبَلِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها ”أمْ“ أيْ دَعْ ذَلِكَ، أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ اهـ. وبَيانُهُ أنَّ القَصْدَ مِن ذِكْرِ الأُمَمِ السّالِفَةِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ هو العِبْرَةُ والمَوْعِظَةُ والتَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسُوءِ عَمَلِهِمْ والِاقْتِداءُ في المَحامِدِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآيَةَ إجْمالًا لِذَلِكَ وقَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ولَمّا كانَ هَذا الخِتامُ مَنقَبَةً

صفحة ٣١٤

لِلْمُسْلِمِينَ أُوقِظُوا أنْ لا يُزْهَوْا بِهَذا الثَّناءِ فَيَحْسَبُوا أنَّهم قَضَوْا حَقَّ شُكْرِ النِّعْمَةِ فَعُقِّبَ بِأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَصْبِرُوا لِما عَسى أنْ يَعْتَرِضَهم في طَرِيقِ إيمانِهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ اقْتِداءً بِصالِحِي الأُمَمِ السّالِفَةِ، فَكَما حَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ الضّالُّونَ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ حَرَّضَهم هُنا عَلى الِاقْتِداءِ بِهُدى المُهْتَدِينَ مِنهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ وعَكْسِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَصْبِيرًا لَهم عَلى ما نالَهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن تَطاوُلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بِمَنعِهِمْ مِنَ العُمْرَةِ وما اشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ لِلْعامِ القابِلِ، ويَكُونَ أيْضًا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ والشَّدائِدِ فَتَكُونُ تِلْكَ الحادِثَةُ زِيادَةً في المُناسَبَةِ. و(أمْ) في الإضْرابِ كَبَلْ إلّا أنَّ ”أمْ“ تُؤْذِنُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو هُنا تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ وإنْكارُهُ إنْ كانَ حاصِلًا؛ أيْ بَلْ أحَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا دُونَ بَلْوى وهو حُسْبانٌ باطِلٌ لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ.

وحَسِبَ بِكَسْرِ السِّينِ في الماضِي: فِعْلٌ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أخَواتِ ظَنَّ، وفي مُضارِعِهِ وجْهانِ كَسْرُ السِّينِ وهو أجْوَدُ وفَتْحُها وهو أقْيَسُ وقَدْ قُرِئَ بِهِما في المَشْهُورِ، ومَصْدَرُهُ الحِسْبانُ بِكَسْرِ الحاءِ وأصْلُهُ مِنَ الحِسابِ بِمَعْنى العَدِّ فاسْتُعْمِلَ في الظَّنِّ تَشْبِيهًا لِجَوَلانِ النَّفْسِ في اسْتِخْراجِ عِلْمِ ما يَقَعُ بِجَوَلانِ اليَدِ في الأشْياءِ لِتَعْيِينِ عَدَدِها ومِثْلُهُ في ذَلِكَ فِعْلُ عَدَّ بِمَعْنى ظَنَّ.

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ وهو إقْبالٌ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ عَلى غَيْرِهِمْ فَلَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ التِفاتًا بِناءً عَلى تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: أمْ حَسِبُوا أيِ الَّذِينَ آمَنُوا، والأظْهَرُ أنَّهُ لَمّا وقَعَ الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِالإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ الحاصِلِ بِأمْ، صارَ الكَلامُ افْتِتاحًا مَحْضًا وبِذَلِكَ يُتَأكَّدُ اعْتِبارُ الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، فالِالتِفاتُ هُنا غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ عَلى التَّحْقِيقِ.

ودُخُولُ الجَنَّةِ هُنا دُخُولُها بِدُونِ سَبْقِ عَناءٍ وبَلْوى، وهو دُخُولُ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا كُلَّ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَصِّرُوا في شَيْءٍ مِنهُ، وإلّا فَإنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مَحْسُوبٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ولَوْ لَمْ تَأْتِهِ البَأْساءُ والضَّرّاءُ أوْ أتَتْهُ ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْها، بِمَعْنى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ذَلِكَ وعَدَمَ الضَّجَرِ

صفحة ٣١٥

مِنهُ مُوجِبٌ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ، أوِ المُرادُ مِن ذَلِكَ أنْ نالَهُمُ البَأْساءُ فَيَصْبِرُوا ولا يَرْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ، لِذَلِكَ فَيَكُونُ دُخُولُ الجَنَّةِ مُتَوَقِّفًا عَلى الصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ بِهَذا المَعْنى، وتَطَرُّقُ هاتِهِ الحالَةِ سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في أتْباعِ الرُّسُلِ في أوَّلِ ظُهُورِ الدِّينِ وذَلِكَ مِن أسْبابِ مَزِيدِ فَضائِلِ اتِّباعِ الرُّسُلِ، فَلِذَلِكَ هُيِّئَ المُسْلِمُونَ لِتَلَقِّيهِ مِن قَبْلِ وُقُوعِهِ لُطْفًا بِهِمْ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ لَقِيَ المُسْلِمُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن أذى المُشْرِكِينَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وتَحَمَّلُوا مَضَضَ الغُرْبَةِ، فَلَمّا ورَدُوا المَدِينَةَ لَقُوا مِن أذى اليَهُودِ في أنْفُسِهِمْ وأذى المُشْرِكِينَ في قَرابَتِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ ما كَدَّرَ عَلَيْهِمْ صَفْوَ حَفاوَةِ الأنْصارِ بِهِمْ، كَما أنَّ الأنْصارَ لَقُوا مِن ذَلِكَ شِدَّةَ المُضايَقَةِ في دِيارِهِمْ بَلْ وفي أمْوالِهِمْ فَقَدْ كانَ الأنْصارُ يَعْرِضُونَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَتَنازَلُوا لَهم عَنْ حَظٍّ مِن أمْوالِهِمْ.

و(لَمّا) أُخْتُ ”لَمْ“ في الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ ولَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لَمْ وما النّافِيَةِ فَأفادَتْ تَوْكِيدَ النَّفْيِ، لِأنَّها رُكِّبَتْ مِن حَرْفَيْ نَفْيٍ، ومِن هَذا كانَ النَّفْيُ بِها مُشْعِرًا بِأنَّ السّامِعَ كانَ يَتَرَقَّبُ حُصُولَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها فَيَكُونُ النَّفْيُ بِها نَفْيًا لِحُصُولِ قَرِيبٍ، وهو يُشْعِرُ بِأنَّ حُصُولَ المَنفِيِّ بِها يَكُونُ بَعْدَ مُدَّةٍ، وهَذا اسْتِعْمالٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ واحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِ النّابِغَةِ:

أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزُلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ

فَنَفى بِلَمّا ثُمَّ قالَ: وكَأنْ قَدِ؛ أيْ وكَأنَّهُ قَدْ زالَتْ.

والواوُ لِلْحالِ؛ أيْ أحَسِبْتُمْ دُخُولَ الجَنَّةِ في حالَةِ انْتِفاءِ ما يُتَرَقَّبُ حُصُولُهُ لَكم مِن مَسِّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَإنَّكم لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ذَلِكَ الدُّخُولَ السّالِمَ مِنَ المِحْنَةِ إذا تَحَمَّلْتُمْ ما هو مِن ذَلِكَ القَبِيلِ.

والإتْيانُ مَجازٌ في الحُصُولِ، لِأنَّ الشَّيْءَ الحاصِلَ بَعْدَ العَدَمِ يُجْعَلُ كَأنَّهُ أتى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.

والمَثَلُ: المُشابِهُ في الهَيْئَةِ والحالَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] .

والَّذِينَ خَلَوْا: هُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ مَضَوْا وانْقَرَضُوا وأصْلُ خَلَوْا: خَلا مِنهُمُ المَكانُ فَبُولِغَ في إسْنادِ الفِعْلِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ ما هو مِن صِفاتِ مَكانِهِمْ.

صفحة ٣١٦

و(مِن) قَبْلِكم مُتَعَلِّقٌ بَخَلَوْا لِمُجَرَّدِ البَيانِ وقَصْدِ إظْهارِ المُلابَسَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.

والمَسُّ حَقِيقَتُهُ: اتِّصالُ الجِسْمِ بِجِسْمٍ آخَرَ وهو مَجازٌ في إصابَةِ الشَّيْءِ وحُلُولِهِ، فَمِنهُ مَسُّ الشَّيْطانِ أيْ حُلُولُ ضُرِّ الجِنَّةِ بِالعَقْلِ، ومَسُّ سَقَرٍ: ما يُصِيبُ مِن نارِها، ومَسَّهُ الفَقْرُ والضُّرُّ: إذا حَلَّ بِهِ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ في إصابَةِ الشَّرِّ قالَ تَعالى ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ [يونس: ١٢] ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] فالمَعْنى هُنا: حَلَّتْ بِهِمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .

وقَوْلُهُ وزُلْزِلُوا أيْ أُزْعِجُوا أوِ اضْطَرَبُوا، وإنَّما الَّذِي اضْطَرَبَ نِظامُ مَعِيشَتِهِمْ قالَ تَعالى ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]، والزَّلْزَلَةُ تَحَرُّكُ الجِسْمُ مِن مَكانِهِ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ زِلْزالُ الأرْضِ، فَوَزْنُ زُلْزِلَ فُعْفِلَ، والتَّضْعِيفُ فِيهِ دالٌّ عَلى تَكَرُّرٍ كَما قالَ تَعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] وقالُوا: لَمْلَمَ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ نُزُولَ إقامَةٍ.

و”حَتّى“ غايَةٌ لِلْمَسِّ والزَّلْزالِ، أيْ بَلَغَ بِهِمُ الأمْرُ إلى غايَةٍ يَقُولُ عِنْدَها الرَّسُولُ والَّذِينَ مَعَهُ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ .

ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً عَنْ مَسٍّ حَلَّ بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ومُنْذِرَةً بِحُلُولِ مِثْلِهِ بِالمُخاطَبِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، جازَ في فِعْلِ ”يَقُولُ“ أنْ يُعْتَبَرَ قَوْلَ رَسُولِ أُمَّةٍ سابِقَةٍ أيْ زُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ رَسُولُ المُزَلْزَلِينَ فَـ ”ال“ لِلْعَهْدِ، أوْ حَتّى يَقُولَ كُلُّ رَسُولٍ لِأُمَّةٍ سَبَقَتْ، فَتَكُونَ ”ال“ لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَكُونَ الفِعْلُ مَحْكِيًّا بِهِ تِلْكَ الحالَةُ العَجِيبَةُ فَيُرْفَعُ بَعْدَ ”حَتّى“؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُرادَ بِهِ الحالُ يَكُونُ مَرْفُوعًا، وبِرَفْعِ الفِعْلِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ، وجازَ فِيهِ أنْ يُعْتَبَرَ قَوْلُ رَسُولِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ فـَ ”ال“ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى: وزُلْزِلُوا مِثْلَهم حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ الفِعْلُ مَنصُوبًا؛ لِأنَّ القَوْلَ لَمّا يَقَعْ وقْتَئِذٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ، فَقِراءَةُ الرَّفْعِ أنْسَبُ بِظاهِرِ السِّياقِ وقِراءَةُ النَّصْبِ أنْسَبُ بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وبِكِلْتا القِراءَتَيْنِ يَحْصُلُ كِلا الغَرَضَيْنِ. ومَتى: اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في اسْتِبْطاءِ زَمانِ النَّصْرِ.

وقَوْلُهُ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بِقَرِينَةِ افْتِتاحِهِ بِألا، وهو بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ بِقُرْبِ النَّصْرِ بَعْدَ أنْ حَصَلَ لَهم مِن قَوارِعِ صَدْرِ الآيَةِ ما مَلَأ القُلُوبَ

صفحة ٣١٧

رُعْبًا، والقَصْدُ مِنهُ إكْرامُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّها لا يَبْلُغُ ما يَمَسُّها مَبْلَغَ ما مَسَّ مَن قَبْلَها. وإكْرامٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِألّا يَحْتاجَ إلى قَوْلِ ما قالَتْهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنِ اسْتِبْطاءِ نَصْرِ اللَّهِ بِأنْ يَجِيءَ نَصْرُ اللَّهِ لَهاتِهِ الأُمَّةِ قَبْلَ اسْتِبْطائِهِ، وهَذا يُشِيرُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English