Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:269–271
2:269Страница 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
Он дарует мудрость, кому пожелает, и тот, кому дарована мудрость, награжден великим благом. Однако поминают назидание только обладающие разумом.
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ آياتُ الإنْفاقِ مِنَ المَواعِظِ والآدابِ وتَلْقِينِ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، مِمّا يُكْسِبُ العامِلِينَ بِهِ رَجاحَةَ العَقْلِ واسْتِقامَةَ العَمَلِ.
صفحة ٦١
فالمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ إلى نَفاسَةِ ما وعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وتَنْبِيهُهم إلى أنَّهم قَدْ أصْبَحُوا بِهِ حُكَماءَ بَعْدَ أنْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ جُهَلاءَ، فالمَعْنى: هَذا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي آتاكُمُ اللَّهُ، فَهو يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
قالَ الفَخْرُ: نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والحِسُّ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ هو الحُكْمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ يُوقِعُ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما وعَدَ بِهِ تَعالى مِنَ المَغْفِرَةِ والفَضْلِ مِنَ الحِكْمَةِ وأنَّ الحِكْمَةَ كُلَّها مِن عَطاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ.
والحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ وإجْراءُ الفِعْلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: نَزَلَتِ الحِكْمَةُ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ وعُقُولِ اليُونانِ، وأيْدِي الصِّينِيِّينَ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُكْمِ وهو المَنعُ لِأنَّها تَمْنَعُ صاحِبَها مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَدِيدَةُ الَّتِي في اللِّجامِ وتُجْعَلُ في فَمِ الفَرَسِ حَكَمَةً.
ومَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إيتاءَهُ الحِكْمَةَ هو الَّذِي يَخْلُقُهُ مُسْتَعِدًّا إلى ذَلِكَ مِن سَلامَةِ عَقْلِهِ واعْتِدالِ قُواهُ، حَتّى يَكُونَ قابِلًا لِفَهْمِ الحَقائِقِ مُنْقادًا إلى الحَقِّ إذا لاحَ لَهُ، لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ هَوًى ولا عَصَبِيَّةٌ ولا مُكابَرَةٌ ولا أنَفَةٌ، ثُمَّ يُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ مِن حُضُورِ الدُّعاةِ وسَلامَةِ البُقْعَةِ مِنَ العُتاةِ، فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَوَجُّهُهُ إلى اللَّهِ بِأنْ يَزِيدَ أسْبابَهُ تَيْسِيرًا ويَمْنَعَ عَنْهُ ما يَحْجُبُ الفَهْمَ فَقَدْ كَمُلَ لَهُ التَّيْسِيرُ، وفُسِّرَتِ الحِكْمَةُ بِأنَّها مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِما تَبْلُغُهُ الطّاقَةُ، أيْ بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ الحَقائِقُ المُتَشابِهَةُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ولا يَغْلَطُ في العِلَلِ والأسْبابِ.
والحِكْمَةُ قُسِّمَتْ أقْسامًا مُخْتَلِفَةَ المَوْضُوعِ اخْتِلافًا بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأقالِيمِ، ومَبْدَأُ ظُهُورِ عِلْمِ الحِكْمَةِ في الشَّرْقِ عِنْدَ الهُنُودِ البَراهِمَةِ والبُوذِيِّينَ، وعِنْدَ أهْلِ الصِّينِ
صفحة ٦٢
البُوذِيِّينَ وفي بِلادِ فارِسَ في حِكْمَةِ زَرادِشْتَ، وعِنْدَ القِبْطِ في حِكْمَةِ الكَهَنَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ حِكْمَةُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الشَّرْقِيَّةِ إلى اليُونانِ وهُذِّبَتْ وصُحِّحَتْ وفُرِّعَتْ وقُسِّمَتْ عِنْدَهم إلى قِسْمَيْنِ: حِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ، وحِكْمَةٍ نَظَرِيَّةٍ.
فَأمّا الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ فَهي المُتَعَلِّقَةُ بِما يَصْدُرُ مِن أعْمالِ النّاسِ، وهي تَنْحَصِرُ في تَهْذِيبِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِ العائِلَةِ وتَهْذِيبِ الأُمَّةِ.
والأوَّلُ عِلْمُ الأخْلاقِ، وهو التَّخَلُّقُ بِصِفاتِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، فِيما يَصْدُرُ عَنْهُ كَمالٌ في الإنْسانِ.
والثّانِي: عِلْمُ تَدْبِيرِ المَنزِلِ.
والثّالِثُ عِلْمُ السِّياسَةِ المَدَنِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ.
وأمّا الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ فَهي الباحِثَةُ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي تُعْلَمُ ولَيْسَتْ مِنَ الأعْمالِ، وإنَّما تُعْلَمُ لِتَمامِ اسْتِقامَةِ الأفْهامِ والأعْمالِ، وهي ثَلاثَةُ عُلُومٍ: عِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأسْفَلِ وهو الطَّبِيعِيُّ، وعِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأوْسَطِ وهو الرِّياضِيُّ، وعِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأعْلى وهو الإلَهِيُّ.
فالطَّبِيعِيُّ يَبْحَثُ عَنِ الأُمُورِ العامَّةِ لِلتَّكْوِينِ والخَواصِّ والكَوْنِ والفَسادِ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ حَوادِثُ الجَوِّ وطَبَقاتُ الأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الطِّبُّ والكِيمْياءُ والنُّجُومُ.
والرِّياضِيُّ الحِسابُ والهَنْدَسَةُ والهَيْئَةُ والمُوسِيقى ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الجَبْرُ والمِساحَةُ والحِيَلُ المُتَحَرِّكَةُ (الماكِينِيَّةُ) وجَرُّ الأثْقالِ.
وأمّا الإلَهِيُّ فَهو خَمْسَةُ أقْسامٍ: مَعانِي المَوْجُوداتِ، وأُصُولٌ ومَبادِئُ وهي المَنطِقُ ومُناقَضَةُ الآراءِ الفاسِدَةِ، وإثْباتُ واجِبِ الوُجُودِ وصِفاتِهِ، وإثْباتُ الأرْواحِ والمُجَرَّداتِ، وإثْباتُ الوَحْيِ والرِّسالَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ وأبُو عَلِيٍّ ابْنُ سِينا.
فَأمّا المُتَأخِّرُونَ مِن حُكَماءِ الغَرْبِ فَقَدْ قَصَرُوا الحِكْمَةَ في الفَلْسَفَةِ عَلى ما وراءَ الطَّبِيعَةِ وهو ما يُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ بِالإلَهِيّاتِ.
صفحة ٦٣
والمُهِمُّ مِنَ الحِكْمَةِ في نَظَرِ الدِّينِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: أحَدُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وهو عِلْمُ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، ويُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ العِلْمُ الإلَهِيُّ أوْ ما وراءَ الطَّبِيعَةِ.
الثّانِي ما يَصْدُرُ عَنِ العِلْمِ بِهِ كَمالُ نَفْسِيَّةِ الإنْسانِ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ.
الثّالِثُ: تَهْذِيبُ العائِلَةِ، وهو المُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ عَلَمُ تَدْبِيرِ المَنزِلِ.
الرّابِعُ: تَقْوِيمُ الأُمَّةِ وإصْلاحُ شُئُونِها وهو المُسَمّى عِلْمُ السِّياسَةِ المَدَنِيَّةِ، وهو مُنْدَرِجٌ في أحْكامِ الإمامَةِ والأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ، ودَعْوَةُ الإسْلامِ في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ لا تَخْلُو عَنْ شُعْبَةٍ مِن شُعَبِ هَذِهِ الحِكْمَةِ.
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الحِكْمَةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ مُرادًا بِها ما فِيهِ صَلاحُ النُّفُوسِ، مِنَ النُّبُوءَةِ والهُدى والإرْشادِ، وقَدْ كانَتِ الحِكْمَةُ تُطْلَقُ عِنْدَ العَرَبِ عَلى الأقْوالِ الَّتِي فِيها إيقاظٌ لِلنَّفْسِ ووِصايَةٌ بِالخَيْرِ، وإخْبارٌ بِتَجارِبِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وكُلِّيّاتٌ جامِعَةٌ لِجِماعِ الآدابِ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ حِكْمَةَ لُقْمانَ ووَصاياهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] الآياتِ، وقَدْ كانَتْ لِشُعَراءِ العَرَبِ عِنايَةٌ بِإيداعِ الحِكْمَةِ في شِعْرِهِمْ وهي إرْسالُ الأمْثالِ، كَما فَعَلَ زُهَيْرٌ في الأبْياتِ الَّتِي أوَّلُها:
رَأيْتُ المَنايا خَبْطَ عَشْواءٍ. . . . . . .، والَّتِي افْتَتَحَها بِـ (مَن ومَن) في مُعَلَّقَتِهِ، وقَدْ كانَتْ بِيَدِ بَعْضِ الأحْبارِ صَحائِفُ فِيها آدابٌ ومَواعِظُ مِثْلُ شَيْءٍ مِن جامِعَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْثالِهِ، فَكانَ العَرَبُ يَنْقُلُونَ مِنها أقْوالًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ الحَياءِ مِن كِتابِ الأدَبِ أنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَياءُ لا يَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ»، فَقالَ بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ العَدَوِيُّ، مَكْتُوبٌ في الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقارًا وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً، فَقالَ لَهُ عِمْرانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ.
والحَكِيمُ هو النّابِغُ في هاتِهِ العُلُومِ أوْ بَعْضِها فَبِحِكْمَتِهِ يَعْتَصِمُ مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ بِمِقْدارِ مَبْلَغِ حِكْمَتِهِ، وفي الغَرَضِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ حِكْمَتُهُ.
وعُلُومُ الحِكْمَةِ هي مَجْمُوعُ ما أرْشَدَ إلَيْهِ هُدى الهُداةِ مِن أهْلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو أصْلُ إصْلاحِ عُقُولِ البَشَرِ، فَكانَ مَبْدَأُ ظُهُورِ الحِكْمَةِ في الأدْيانِ ثُمَّ أُلْحِقَ بِها ما
صفحة ٦٤
أنْتَجَهُ ذَكاءُ أهْلِ العُقُولِ مِن أنْظارِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى أُصُولِ الهُدى الأوَّلِ، وقَدْ مَهَّدَ قُدَماءُ الحُكَماءِ طَرائِقَ مِنَ الحِكْمَةِ فَنَبَعَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ كانَتْ فِيها مَخْلُوطَةً بِالأوْهامِ والتَّخَيُّلاتِ والضَّلالاتِ، بَيْنَ الكَلْدانِيِّينَ والمِصْرِيِّينَ والهُنُودِ والصِّينِ، ثُمَّ دَرَسَها حُكَماءُ اليُونانِ فَهَذَّبُوا وأبْدَعُوا، ومَيَّزُوا عِلْمَ الحِكْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وتَوَخَّوُا الحَقَّ ما اسْتَطاعُوا فَأزالُوا أوْهامًا عَظِيمَةً وأبْقَوْا كَثِيرًا، وانْحَصَرَتْ هَذِهِ العُلُومُ في طَرِيقَتَيْ سُقْراطَ وهي نَفْسِيَّةٌ، وفِيثاغُورْسَ وهي رِياضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، والأُولى يُونانِيَّةٌ والثّانِيَةٌ لِإيطاليا اليُونانِيَّةِ، وعَنْهُما أخَذَ أفْلاطُونُ، واشْتُهِرَ أصْحابُهُ بِالإشْراقِيِّينَ، ثُمَّ أخَذَ عَنْهُ أفْضَلُ تَلامِذَتِهِ وهو أرِسْطَطالِيسُ وهَذَّبَ طَرِيقَتَهُ ووَسَّعَ العُلُومَ، وسُمِّيَتْ أتْباعُهُ بِالمَشّائِينَ، ولَمْ تَزَلِ الحِكْمَةُ مِن وقْتِ ظُهُورِهِ مُعَوِّلَةً عَلى أُصُولِهِ إلى يَوْمِنا هَذا.
﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وهو الَّذِي شاءَ اللَّهُ إيتاءَهُ الحِكْمَةَ، والخَيْرُ الكَثِيرُ مُنْجَرٌّ إلَيْهِ مِن سَدادِ الرَّأْيِ والهُدى الإلَهِيِّ، ومِن تَفارِيعِ قَواعِدِ الحِكْمَةِ الَّتِي تَعْصِمُ مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ بِمِقْدارِ التَّوَغُّلِ في فَهْمِها واسْتِحْضارِ مُهِمِّها، لِأنَّنا إذا تَتَبَّعْنا ما يَحِلُّ بِالنّاسِ مِنَ المَصائِبِ نَجِدُ مُعْظَمَها مِن جَرّاءِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ وأفَنِ الرَّأْيِ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ نَجِدُ ما يَجْتَنِيهِ النّاسُ مِنَ المَنافِعِ والمُلائِماتِ مُنْجَرًّا مِنَ المَعارِفِ والعِلْمِ بِالحَقائِقِ، ولَوْ أنَّنا عَلِمْنا الحَقائِقَ كُلَّها لاجْتَنَبْنا كُلَّ ما نَراهُ مُوقِعًا في البُؤْسِ والشَّقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ومَن يُؤْتَ“ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلنّائِبِ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”يُؤْتَ“ نائِبُ فاعِلٍ عائِدٌ عَلى (مَن) المَوْصُولَةِ وهو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بِكَسْرِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الَّذِي في فِعْلِ ”يُؤْتِ“ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ فالعائِدُ ضَمِيرُ نَصْبٍ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن شاءَ اللَّهُ إيتاءَهُ الحِكْمَةَ هو ذُو اللُّبِّ، وأنَّ تَذَكُّرَ الحِكْمَةِ واسْتِصْحابَ إرْشادِهِمْ بِمِقْدارِ اسْتِحْضارِ اللُّبِّ وقُوَّتِهِ، واللُّبُّ في الأصْلِ خُلاصَةُ الشَّيْءِ وقَلَبُهُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى عَقْلِ الإنْسانِ لِأنَّهُ أنْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ.
2:270Страница 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
Что бы вы ни потратили, какой бы обет вы ни дали, Аллах знает об этом. Но для беззаконников нет помощников.
صفحة ٦٥
﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ .
تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ المَسُوقِ لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ وصِفاتِهِ المَقْبُولَةِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المُثَبِّطاتِ عَنْهُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّفَقاتِ وصِفاتِها، وأُدْمِجَ النَّذْرُ مَعَ الإنْفاقِ فَكانَ الكَلامُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا.
والنَّذْرُ التِزامُ قُرْبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ بِصِيغَةِ الإيجابِ عَلى النَّفْسِ؛ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ صَدَقَةٌ وعَلَيَّ تَجْهِيزُ غازٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكُونُ مُطْلَقًا ومُعَلَّقًا عَلى شَيْءٍ، وقَدْ عَرَفَتِ العَرَبُ النَّذْرَ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَقَدْ نَذَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أنَّهُ إنْ رُزِقَ عَشَرَةُ أوْلادٍ لَيَذْبَحَنَّ عاشِرَهم قُرْبانًا لِلْكَعْبَةِ، وكانَ ابْنُهُ العاشِرُ هو عَبْدَ اللَّهِ ثانِيَ الذَّبِيحَيْنِ، وأكْرِمْ بِها مَزِيَّةً، ونَذَرَتْ نَتِيلَةُ زَوْجُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَمّا افْتَقَدَتِ ابْنَها العَبّاسَ - وهو صَغِيرٌ - أنَّها لَوْ وجَدَتْهُ لَتَكْسُوَنَّ الكَعْبَةَ الدِّيباجَ. فَفَعَلَتْ، وهي أوَّلُ مَن كَسا الكَعْبَةَ الدِّيباجَ، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَقالَ: أوْفِ بِنَذْرِكَ» .
وفِي الأُمَمِ السّابِقَةِ كانَ النَّذْرُ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ امْرَأةِ عِمْرانَ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] والآيَةُ دَلَّتْ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ في الإسْلامِ، ورَجاءِ ثَوابِهِ، لِعَطْفِهِ عَلى ما هو مِن فِعْلِ الخَيْرِ سَواءٌ كانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أمْ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّ الآيَةَ أطْلَقَتْ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ مُرادٌ بِهِ الوَعْدُ بِالثَّوابِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُ، ولا يَرُدُّ شَيْئًا، ولا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» .
ومَساقُهُ التَّرْغِيبُ في النَّذْرِ غَيْرِ المُعَلَّقِ لا إبْطالُ فائِدَةِ النَّذْرِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبادَهُ فَقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وفي المُوَطَّأِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» .
و(مِن) في قَوْلِهِ: ”مِن نَفَقَةٍ“ و”مِن نَذْرٍ“ بَيانٌ لِـ ”ما أنْفَقْتُمْ“ و”نَذَرْتُمْ“، ولَمّا كانَ شَأْنُ البَيانِ أنْ يُفِيدَ مَعْنًى زائِدًا عَلى مَعْنى المُبَيَّنِ، وكانَ مَعْنى البَيانِ هَنا عَيْنَ مَعْنى المُبَيَّنِ، تَعَيَّنَ
صفحة ٦٦
أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانَ المُنْفَقِ والمَنذُورِ بِما في تَنْكِيرِ مَجْرُورَيْ ”مِن“ مِن إرادَةِ أنْواعِ النَّفَقاتِ والمَنذُوراتِ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ العُمُومِ ما أفادَتْهُ ”ما“ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ العُمُومِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: ”مِثْلُ هَذا البَيانِ يَكُونُ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ ومَنعِ الخُصُوصِ“ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالكائِناتِ لا يَشُكُّ فِيهِ السّامِعُونَ فَأُرِيدَ لازِمُ مَعْناهُ، وإنَّما كانَ لازِمًا لَهُ؛ لِأنَّ القادِرَ لا يَصُدُّهُ عَنِ الجَزاءِ إلّا عَدَمُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ المُحْسِنُ أوِ المُسِيءُ.
* * *
﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
هَذا وعِيدٌ قُوبِلَ بِهِ الوَعْدُ الَّذِي كَنى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ عَلَنًا والمُنافِقُونَ لِأنَّهم إنْ مَنَعُوا الصَّدَقاتِ الواجِبَةَ فَقَدْ ظَلَمُوا مَصارِفَها في حَقِّهِمْ في المالِ وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِإلْقائِها في تَبِعاتِ المَنعِ، وإنْ مَنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فَقَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِحِرْمانِها مِن فَضائِلِ الصَّدَقاتِ وثَوابِها في الآخِرَةِ.
والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، ونَفْيُ الأنْصارِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ النَّصْرِ والغَوْثِ في الآخِرَةِ، وهو ظاهِرٌ، وفي الدُّنْيا لِأنَّهم لَمّا بَخِلُوا بِنَصْرِهِمُ الفَقِيرَ بِأمْوالِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ يُعْدِمُهُمُ النَّصِيرَ في المَضائِقِ، ويُقَسِّي عَلَيْهِمْ قُلُوبَ عِبادِهِ، ويُلْقِي عَلَيْهِمُ الكَراهِيَةَ مِنَ النّاسِ.
2:271Страница 46
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
Если вы раздаете милостыню открыто, то это прекрасно. Но если вы скрываете это и раздаете ее неимущим, то это еще лучше для вас. Он простит вам некоторые из ваших прегрешений. Аллах ведает о том, что вы совершаете.
﴿إنْ تَبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكم ونُكَفِّرْ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ أشْعَرَ تَعْمِيمَ ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] بِحالِ الصَّدَقاتِ الخَفِيَّةِ، فَيَتَساءَلُ السّامِعُ في نَفْسِهِ هَلْ إبْداءُ الصَّدَقاتِ يُعَدُّ رِياءً وقَدْ سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]
صفحة ٦٧
ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] قَدْ كانَ قَوْلًا فَصْلًا في اعْتِبارِ نِيّاتِ المُتَصَدِّقِينَ وأحْوالِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنها وما يُخْفُونَهُ مِن صَدَقاتِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ يَدْفَعُ تَوَهُّمًا مِن شَأْنِهِ تَعْطِيلُ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ، وهو أنْ يُمْسِكَ المَرْءُ عَنْها إذا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن ظُهُورِها فَيَخْشى أنْ يُصِيبَهُ الرِّياءُ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ”الصَّدَقاتِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ومَحْمَلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ الصَّدَقاتِ فَرْضَها ونَفْلَها، وهو المُناسِبُ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أنْواعِ النَّفَقاتِ.
وجاءَ الشَّرْطُ بِـ ”إنْ“ في الصَّدَقَتَيْنِ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الأصْلِ، إذْ كِلْتا الصَّدَقَتَيْنِ مُرْضٍ لِلَّهِ تَعالى، وتَفْضِيلُ صَدَقَةِ السِّرِّ قَدْ وفى بِهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ”فَنِعِمّا“ أصْلُهُ فَنِعْمَ ما، فَأُدْغِمَ المِثْلانِ وكُسِرَتْ عَيْنُ (نِعْمَ) لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و(ما) في مِثْلِهِ نَكِرَةٌ تامَّةٌ أيْ مُتَوَغِّلَةٌ في الإبْهامِ لا يُقْصَدُ وصْفُها بِما يُخَصِّصُها، فَتَمامُها مِن حَيْثُ عَدَمِ إتْباعِها بِوَصْفٍ لا مِن حَيْثُ إنَّها واضِحَةُ المَعْنى، ولِذَلِكَ تُفَسَّرُ بِـ (شَيْءٍ) ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ لِضَمِيرِ (نِعْمَ) المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ، فالقَصْدُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القَصْدِ إلى عَدَمِ التَّمْيِيزِ حَتّى إنَّ المُتَكَلِّمَ - إذا مَيَّزَ - لا يُمَيِّزُ إلّا بِمِثْلِ المُمَيَّزِ.
وقَوْلُهُ (هي) مَخْصُوصٌ بِالمَدْحِ أيِ الصَّدَقاتُ. وقَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّها الصَّدَقاتُ المُبْداةُ، بِقَرِينَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ المَعْنى فَنِعِمّا إبْداؤُها.
وقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ ”فَنِعِمّا“ - بِكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن (نِعْمَ) مَعَ مِيمِ (ما) وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ واخْتِلاسِ حَرَكَةِ العَيْنِ بَيْنَ الكَسْرِ والسُّكُونِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ مَعَ بَقاءِ تَشْدِيدِ المِيمِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنْ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَفْضِيلٌ لِصَدَقَةِ السِّرِّ لِأنَّ فِيها إبْقاءً عَلى ماءِ وجْهِ الفَقِيرِ، حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُ المُعْطِي، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَدَّ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ بِظِلِّهِ: «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ
صفحة ٦٨
شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ» يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ القُرْبِ بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّ حِسابَ الدَّراهِمِ ومُناوَلَةَ الأشْياءِ بِتَعاوُنِهِما، فَلَوْ كانَتِ الشِّمالُ مِن ذَواتِ العِلْمِ لَما أُطْلِعَتْ عَلى ما أنْفَقَتْهُ اليَمِينُ.
وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَدَقَةَ السِّرِّ عَلى صَدَقَةِ العَلانِيَةِ عَلى الإطْلاقِ، فَإنْ حُمِلَتِ الصَّدَقاتُ عَلى العُمُومِ - كَما هو الظّاهِرُ - إجْراءً لِلَفْظِ الصَّدَقاتِ مَجْرى لَفْظِ الإنْفاقِ في الآيِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، كانَ إخْفاءُ صَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ أفْضَلَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وعَنِ ألْكِيا الطَّبَرِيِّ أنَّ هَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وعَنِ المَهْدَوِيِّ: كانَ الإخْفاءُ أفْضَلَ فِيهِما في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ النّاسِ بِالنّاسِ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ صَدَقَةِ الفَرْضِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْآثارِ أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ، فَيَكُونُ عُمُومُ الصَّدَقاتِ في الآيَةِ مَخْصُوصًا بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومُخَصِّصُ العُمُومِ الإجْماعُ، وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ الإجْماعَ عَلَيْهِ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَّدَقاتِ في الآيَةِ غَيْرُ الزَّكاةِ كانَ المُرادُ بِها أخَصَّ مِنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ مِنَ الآيِ قَبْلَها وبَعْدَها، وكانَ تَفْضِيلُ الإخْفاءِ مُخْتَصًّا بِالصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إظْهارُ الزَّكاةِ أفْضَلُ، وإخْفاءُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ تَوَقَّفَ المُفَسِّرُونَ في حِكْمَةِ ذِكْرِهِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تَكُونُ إلّا لِلْفُقَراءِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ المُبْداةَ أيْضًا تُعْطى لِلْفُقَراءِ.
فَقالَ العِصامُ: كَأنَّ نُكْتَةَ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ الإبْداءَ لا يَنْفَكُّ عَنْ إيتاءِ الفُقَراءِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ يَظْهَرُ فِيهِ ويَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ إذْ يَعْلَمُهُ النّاسُ بِحالِهِ، بِخِلافِ الإخْفاءِ، فاشْتُرِطَ مَعَهُ إيتاؤُها لِلْفَقِيرِ حَثًّا عَلى الفَحْصِ عَنْ حالِ مَن يُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ، أيْ لِأنَّ الحَرِيصِينَ مِن غَيْرِ الفُقَراءِ يَسْتَحْيُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِلصَّدَقاتِ الظّاهِرَةِ ولا يَصُدُّهم شَيْءٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَقاتِ الخَفِيَّةِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: لَمْ يَذْكُرِ الفُقَراءَ مَعَ المُبْداةِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الزَّكاةُ ومَصارِفُها الفُقَراءُ وغَيْرُهم، وأمّا الصَّدَقَةُ المُخْفاةُ فَهي صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ومَصارِفُها الفُقَراءُ فَقَطْ.
وهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لا وجْهَ لِقَصْرِ الصَّدَقَةِ المُبْداةِ عَلى الفَرِيضَةِ، ولا قائِلَ بِهِ، بَلِ الخِلافُ في أنَّ تَفْضِيلَ الإخْفاءِ هَلْ يَعُمُّ الفَرِيضَةَ أوْ لا، الثّانِي أنَّ الصَّدَقَةَ المُتَطَوَّعَ بِها لا يَمْتَنِعُ صَرْفُها لِغَيْرِ الفُقَراءِ كَتَجْهِيزِ الجُيُوشِ.
صفحة ٦٩
وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ عاشُورٍ جَدِّي في تَعْلِيقٍ لَهُ عَلى حَدِيثِ فَضْلِ إخْفاءِ الصَّدَقَةِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَطْفُ إيتاءِ الفُقَراءِ عَلى الإخْفاءِ المَجْعُولِ شَرْطًا لِلْخَيْرِيَّةِ في الآيَةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَراءِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ الخَيْرِيَّةَ لِإخْفاءِ حالِ الفَقِيرِ وعَدَمِ إظْهارِ اليَدِ العُلْيا عَلَيْهِ، أيْ فَهو إيماءٌ إلى العِلَّةِ وأنَّها الإبْقاءُ عَلى ماءِ وجْهِ الفَقِيرِ، وهو القَوْلُ الفَصْلُ لِانْتِفاءِ شائِبَةِ الرِّياءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونُكَفِّرْ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِنُونِ العَظَمَةِ، وبِجَزْمِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جُمْلَةِ الجَوابِ وهي جُمْلَةُ ”فَهو خَيْرٌ لَكم“، فَيَكُونُ التَّكْفِيرُ مُعَلَّقًا عَلى الإخْفاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ أيْضًا وبِرَفْعِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وعْدٌ عَلى إعْطاءِ الصَّدَقاتِ ظاهِرَةً أوْ خَفِيَّةً، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ وبِالرَّفْعِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии