Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:282, продолжение
وأمّا القِياسُ فَلِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ في المُجْتَمَعِ لِأنَّ حالَةَ الرِّقِّ تَقْطَعُهم عَنْ غَيْرِ شُئُونِ مالِكِيهِمْ فَلا يَضْبِطُونَ أحْوالَ المُعامَلاتِ غالِبًا؛ ولِأنَّهم يَنْشَؤُونَ عَلى عَدَمِ العِنايَةِ بِالمُرُوءَةِ، فَتَرْكُ اعْتِبارِ شَهادَةِ العَبْدِ مَعْلُولٌ لِلْمَظِنَّةِ، وفي النَّفْسِ عَدَمُ انْثِلاجٍ لِهَذا التَّعْلِيلِ.
واشْتُرِطَ العَدَدُ في الشّاهِدِ ولَمْ يُكْتَفَ بِشَهادَةِ عَدْلٍ واحِدٍ لِأنَّ الشَّهادَةَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِحَقٍّ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ اتُّهِمَ الشّاهِدُ بِاحْتِمالِ أنْ يَتَوَسَّلَ إلَيْهِ الظّالِمُ الطّالِبُ لِحَقٍّ مَزْعُومٍ فَيَحْمِلَهُ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، فاحْتِيجَ إلى حَيْطَةٍ تَدْفَعُ التُّهْمَةَ فاشْتُرَطَ فِيهِ الإسْلامُ وكَفى بِهِ وازِعًا والعَدالَةُ لِأنَّها تَزَعُ مِن حَيْثُ الدِّينُ والمُرُوءَةُ، وزِيدَ انْضِمامُ ثانٍ إلَيْهِ لِاسْتِبْعادِ أنْ يَتَواطَأ كِلا الشّاهِدَيْنِ عَلى الزُّورِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّعَدُّدَ شَرْطٌ في الشَّهادَةِ مِن حَيْثُ هي، بِخِلافِ الرِّوايَةِ لِانْتِفاءِ التُّهْمَةِ فِيها إذْ لا تَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ مُعَيَّنٍ، ولِهَذا لَوْ رَوى راوٍ حَدِيثًا هو حُجَّةٌ في قَضِيَّةٍ لِلرّاوِي فِيها حَقٌّ لَما قُبِلَتْ رِوايَتُهُ، وقَدْ كَلَّفَ عُمَرُ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ أنْ يَأْتِيَ بِشاهِدٍ مَعَهُ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكُمَ ثَلاثًا ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» إذْ كانَ ذَلِكَ في ادِّعاءِ أبِي مُوسى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ عُمَرُ في الثّالِثَةِ رَجَعَ، فَشَهِدَ لَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ في مَلَأٍ مِنَ الأنْصارِ.
والعَدَدُ هو اثْنانِ في المُعامَلاتِ المالِيَّةِ كَما هُنا.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنِ الشّاهِدانِ رَجُلَيْنِ، أيْ بِحَيْثُ لَمْ يَحْضُرِ المُعامَلَةَ رَجُلانِ بَلْ حَضَرَ رَجُلٌ واحِدٌ، ”فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ“ يَشْهَدانِ، فَقَوْلُهُ ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾
صفحة ١٠٩
جَوابُ الشَّرْطِ، وهو جُزْءُ جُمْلَةٍ حُذِفَ خَبَرُها لِأنَّ المُقَدَّرَ أنْسَبُ بِالخَبَرِيَّةِ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ وقَدْ فُهِمَ المَحْذُوفُ فَكَيْفَما قَدَّرْتَهُ ساغَ لَكَ.
وجِيءَ في الآيَةِ بَـ (كانَ) النّاقِصَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن أنْ يُقالَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلانِ. لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّ شَهادَةَ المَرْأتَيْنِ لا تُقْبَلُ إلّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّجُلَيْنِ كَما تَوَهَّمَهُ قَوْمٌ، وهو خِلافُ قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ الشّارِعِ التَّوْسِعَةُ عَلى المُتَعامِلِينَ، وفِيهِ مَرْمًى آخَرُ وهو تَعْوِيدُهم بِإدْخالِ المَرْأةِ في شُئُونِ الحَياةِ إذْ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تَشْتَرِكُ في هَذِهِ الشُّئُونِ فَجَعَلَ اللَّهُ المَرْأتَيْنِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ وهَذِهِ حَيْطَةٌ أُخْرى مِن تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ وهي خَشْيَةُ الِاشْتِباهِ والنِّسْيانِ لِأنَّ المَرْأةَ أعَفُّ مِنَ الرَّجُلِ بِأصْلِ الجِبِلَّةِ بِحَسَبِ الغالِبِ، والضَّلالُ هُنا بِمَعْنى النِّسْيانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنْ“ عَلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ مِنهُ لامُ التَّعْلِيلِ كَما هو الغالِبُ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مَعَ ”أنْ“ والتَّعْلِيلُ في هَذا الكَلامِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُعَلَّلَ لِقَصْدِ إقْناعِ المُكَلَّفِينَ، إذْ لا نَجِدُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمًا قَدْ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النُّفُوسُ إلّا جَعْلَ عِوَضِ الرَّجُلِ الواحِدِ بِامْرَأتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَصُرِّحَ بِتَعْلِيلِهِ، واللّامُ المُقَدَّرَةُ قَبْلَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدانِ، أوْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وقَرَءُوهُ بِنَصْبِ ”فَتُذَكِّرَ“ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ تَضِلَّ﴾، وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ ”إنْ“ شَرْطِيَّةً و”تَضِلَّ“ فِعْلَ الشَّرْطِ، وبِرَفْعِ ”تُذَكِّرُ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ الفاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ تُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ مَجْزُومٍ والتَّقْدِيرُ فَهي تُذَكِّرُها الأُخْرى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] .
ولَمّا كانَ ”أنْ تَضِلَّ“ في مَعْنى لِضَلالِ إحْداهُما. صارَتِ العِلَّةُ في الظّاهِرِ هي الضَّلالَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الضَّلالِ مِن إضاعَةِ المَشْهُودِ بِهِ، فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ لِأنَّ (فَتُذَكِّرَ) مَعْطُوفٌ عَلى ”تَضِلَّ“ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَهو مِن تَكْمِلَتِهِ، والعِبْرَةُ بِآخِرِ الكَلامِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ونَظِيرُهُ كَما في الكَشّافِ أنْ تَقُولَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ، وأعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعَهُ، وفي هَذا الِاسْتِعْمالِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وهو أنْ يُقالَ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى عِنْدَ نِسْيانِها. ووَجَّهَهُ صاحِبُ
صفحة ١١٠
الكَشّافِ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ التَّذْكِيرِ حَتّى صارَ المُتَكَلِّمُ يُعَلِّلُ بِأسْبابِهِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ لِأجْلِ تَحْصِيلِهِ، وادَّعى ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِالقاهِرَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمِائَةٍ: أنَّ مِن شَأْنِ لُغَةِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا عِلَّةً - وكانَ لِلْعِلَّةِ عِلَّةٌ - قَدَّمُوا ذِكْرَ عِلَّةِ العِلَّةِ وجَعَلُوا العِلَّةَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها بِالفاءِ لِتَحْصُلَ الدَّلالاتانِ مَعًا بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ، ومَثَّلُهُ بِالمِثالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ الكَشّافُ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ ذَلِكَ مُلْتَزَمٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.
والَّذِي أراهُ أنَّ سَبَبَ العُدُولِ في مِثْلِهِ أنَّ العِلَّةَ تارَةً تَكُونُ بَسِيطَةً كَقَوْلِكَ: فَعَلْتُ كَذا إكْرامًا لَكَ، وتارَةً تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن دَفْعِ ضُرٍّ وجَلْبِ نَفْعٍ بِدَفْعِهِ، فَهُنالِكَ يَأْتِي المُتَكَلِّمُ في تَعْلِيلِهِ بِما يَدُلُّ عَلى الأمْرَيْنِ في صُورَةِ عِلَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا في الكَلامِ كَما في الآيَةِ والمِثالَيْنِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّعَدُّدِ خَشْيَةَ حُصُولِ النِّسْيانِ لِلْمَرْأةِ المُنْفَرِدَةِ، فَلِذا أُخِذَ بِقَوْلِها حَقُّ المَشْهُودِ عَلَيْهِ وقُصِدَ تَذْكِيرُ المَرْأةِ الثّانِيَةِ إيّاها، وهَذا أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: فَتُذَكِّرَها الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الإحْدى والأُخْرى وصْفانِ مُبْهَمانِ لا يَتَعَيَّنُ شَخْصُ المَقْصُودِ بِهِما، فَكَيْفَما وضَعْتَهُما في مَوْضِعَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كانَ المَعْنى واحِدًا، فَلَوْ أضْمَرَ لِلْإحْدى ضَمِيرَ المَفْعُولِ لَكانَ المَعادُ واضِحًا سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ (إحْداهُما) - المُظْهَرُ - فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا بِهِ، فَلا يُظَنُّ أنْ كَوْنَ لَفْظِ (إحْداهُما) المُظْهَرِ في الآيَةِ فاعِلًا يُنافِي كَوْنَهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ لَكانَ الضَّمِيرُ مَفْعُولًا، والمَفْعُولُ غَيْرَ الفاعِلِ، كَما قَدْ ظَنَّهُ التَّفْتازانِيُّ لِأنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ في اعْتِبارِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هو تَأتِّي الإضْمارِ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى، وهو مَوْجُودٌ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى.
ثُمَّ نُكْتَةُ الإظْهارِ هُنا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِيها أفْكارُ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها المُتَقَدِّمُونَ، قالَ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ: وجْهُ تَكْرِيرِ لَفْظِ ”إحْداهُما“، ولا خَفاءَ في أنَّهُ لَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ لَيْسَتِ المُذَكِّرَةُ هي النّاسِيَةَ إلّا أنْ يُجْعَلَ (إحْداهُما) الثّانِيَةُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ في مَوْضِعِ الإلْباسِ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: فَتُذَكِّرَها الأُخْرى، فَلا بُدَّ لِلْعُدُولِ مِن نُكْتَةٍ، وقالَ العِصامُ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ: نُكْتَةُ التَّكْرِيرِ أنَّهُ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى
صفحة ١١١
إنْ ضَلَّتْ، فَلَمّا قُدِّمَ (إنْ ضَلَّتْ) وأُبْرِزَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ لَمْ يَصِحَّ الإضْمارُ، أيْ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ المَعادِ، ولَمْ يَصِحَّ: أنْ تَضِلَّ الأُخْرى. لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَبْلَ ذِكْرِ (إحْداهُما) أيْ لِأنَّ (الأُخْرى) لا يَكُونُ وصْفًا إلّا في مُقابَلَةِ وصْفِ مُقابِلٍ مَذْكُورٍ، فَأُبْدِلَ بِـ (إحْداهُما) أيْ أُبْدِلَ مَوْقِعُ لَفْظِ (الأُخْرى) بِلَفْظِ (إحْداهُما) ولَمْ يُغَيَّرْ ما هو أصْلُ العِلَّةِ عَنْ هَيْئَتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ يَعْنِي فَهَذا وجْهُ الإظْهارِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَةِ التَّفْسِيرِ: قالُوا: إنَّ النُّكْتَةَ الإبْهامُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ المَرْأتَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْها ما يَجُوزُ عَلى صاحِبَتِها مِنَ الضَّلالِ والتَّذْكِيرِ، فَدَخَلَ الكَلامُ في مَعْنى العُمُومِ، يَعْنِي أنَّهُ أظْهَرَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ إحْدى المَرْأتَيْنِ لا تَكُونُ إلّا مُذَكِّرَةً الأُخْرى، فَلا تَكُونُ شاهِدَةً بِالأصالَةِ، وأصْلُ هَذا الجَوابِ لِشِهابِ الدِّينِ الغَزْنَوِيِّ عَصْرِيِّ الخَفاجِيِّ عَنْ سُؤالٍ وجَّهَهُ إلَيْهِ الخَفاجِيُّ وهَذا السُّؤالُ:
يا رَأْسَ أهْلِ العُلُومِ السّادَةِ البَرَرَهْ ∗∗∗ ومَن نَداهُ عَلى كُلِّ الوَرى نَشَرَهْ
ما سِرُّ تَكْرارِ إحْدى دُونَ تُذْكِرُها ∗∗∗ في آيَةٍ لِذَوِي الأشْهادِ في البَقَرَهْ
وظاهِرُ الحالِ إيجازُ الضَّمِيرِ عَلى ∗∗∗ تَكْرارِ إحْداهُما لَوْ أنَّهُ ذَكَرَهْ
وحَمْلُ الإحْدى عَلى نَفْسِ الشَّهادَةِ في ∗∗∗ أُولاهُما لَيْسَ مَرْضِيًّا لَدى المَهَرَهْ
فَغُصْ بِفِكْرِكَ لِاسْتِخْراجِ جَوْهَرِهِ ∗∗∗ مِن بَحْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ ابْعَثْ لَنا دُرَرَهْ
فَأجابَ الغَزْنَوِيُّ:
يا مَن فَوائِدُهُ بِالعِلْمِ مُنْتَشِرَهْ ∗∗∗ ومَن فَضائِلُهُ في الكَوْنِ مُشْتَهِرَهْ
تَضِلَّ إحْداهُما فالقَوْلُ مُحْتَمِلٌ ∗∗∗ كِلَيْهِما فَهْيَ لِلْإظْهارِ مُفْتَقِرَهْ
ولَوْ أتى بِضَمِيرٍ كانَ مُقْتَضِيًا ∗∗∗ تَعْيِينَ واحِدَةٍ لِلْحُكْمِ مُعْتَبَرَهْ
ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ فَهْوَ كَما ∗∗∗ أشَرْتُمُ لَيْسَ مَرْضِيًّا لِمَن سَبَرَهْ
هَذا الَّذِي سَمَحَ الذِّهْنُ الكَلِيلُ بِهِ ∗∗∗ واللَّهُ أعْلَمُ في الفَحْوى بِما ذَكَرَهْ
وقَدْ أشارَ السُّؤالُ والجَوابُ إلى رَدٍّ عَلى جَوابٍ لِأبِي القاسِمِ المَغْرِبِيِّ في تَفْسِيرِهِ إذْ جَعَلَ (إحْداهُما) الأوَّلَ مُرادًا بِهِ إحْدى الشَّهادَتَيْنِ، وجَعَلَ (تَضِلَّ) بِمَعْنى تَتْلَفُ بِالنِّسْيانِ،
صفحة ١١٢
وجَعَلَ (إحْداهُما) الثّانِيَ مُرادًا بِهِ إحْدى المَرْأتَيْنِ، ولَمّا اخْتَلَفَ المَدْلُولُ لَمْ يَبْقَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، وهو تَكَلُّفٌ وتَشْتِيتٌ لِلضَّمائِرِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَيُنَزَّهُ تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي عَناهُ الغَزْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ: ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ. . . إلخ.
والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا الإظْهارَ في مَقامِ الإضْمارِ لِنُكْتَةٍ هي قَصْدُ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِمَدْلُولِها كَيْلا تَحْتاجَ إلى كَلامٍ آخَرَ فِيهِ مَعادُ الضَّمِيرِ لَوْ أُضْمِرَ، وذَلِكَ يُرَشِّحُ الجُمْلَةَ لِأنْ تَجْرِيَ مَجْرى المَثَلِ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الإيماءُ إلى أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ تَعَدُّدِ المَرْأةِ في الشَّهادَةِ، فالمَرْأةُ مُعَرَّضَةٌ لِتَطَرُّقِ النِّسْيانِ إلَيْها وقِلَّةِ ضَبْطِ ما يَهُمُّ ضَبْطُهُ، والتَّعَدُّدُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلافِ مَوادِّ النَّقْصِ والخَلَلِ، فَعَسى ألّا تَنْسى إحْداهُما ما نَسِيَتْهُ الأُخْرى فَقَوْلُهُ: ”أنْ تَضِلَّ“، تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِإشْهادِ امْرَأةٍ ثانِيَةٍ حَتّى لا تَبْطُلَ شَهادَةُ الأُولى مِن أصْلِها.
* * *
﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ .
عُطِفَ ”لا يَأْبَ“ عَلى ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُتَعاقِدَيْنِ بِاسْتِشْهادِ شاهِدَيْنِ نَهى مَن يُطْلَبُ إشْهادُهُ عَنْ أنْ يَأْبى لِيَتِمَّ المَطْلُوبُ وهو الإشْهادُ.
وإنَّما جِيءَ في خِطابِ المُتَعاقِدَيْنِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وجِيءَ في خِطابِ الشُّهَداءِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ اهْتِمامًا بِما فِيهِ التَّفْرِيطُ، فَإنَّ المُتَعاقِدَيْنِ يُظَنُّ بِهِما إهْمالُ الإشْهادِ فَأُمِرا بِهِ، والشُّهُودُ يُظَنُّ بِهِمُ الِامْتِناعُ فَنُهُوا عَنْهُ، وكُلٌّ يَسْتَلْزِمُ ضِدَّهُ.
وتَسْمِيَةُ المَدْعُوِّينَ شُهَداءَ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ القَرِيبِ، وهو المُشارَفَةُ، وكَأنَّ في ذَلِكَ نُكْتَةً عَظِيمَةً، وهي الإيماءُ إلى أنَّهم بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إلى الإشْهادِ، قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ الإجابَةُ، فَصارُوا شُهَداءَ.
وحُذِفَ مَعْمُولُ ”دُعُوا“ إمّا لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ - قَبْلَهُ - ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ أيْ إذا ما دُعُوا إلى الشَّهادَةِ أيِ التَّحَمُّلِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمانَ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالنَّهْيُ عَنِ الإبايَةِ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى الشَّهادَةِ حاصِلٌ بِالأوْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ
صفحة ١١٣
حَذْفُ المَعْمُولِ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: إذا ما دُعُوا لِلتَّحَمُّلِ والأداءِ مَعًا. قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ وقالَ مُجاهِدٌ: إذا ما دُعُوا إلى الأداءِ خاصَّةً، ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ هو قَوْلُهُ ”الشُّهَداءُ“ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ شُهَداءَ حَقِيقَةً إلّا بَعْدَ التَّحَمُّلِ ويُبْعِدُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الإبايَةِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِلْأداءِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ ”دُعُوا“ لِإفادَةِ شُمُولِ ما يُدْعَونَ لِأجْلِهِ في التَّعاقُدِ: مِن تَحَمُّلٍ عِنْدَ قَصْدِ الشَّهادَةِ، ومِن أداءٍ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلى البَيِّنَةِ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: والتَّحَمُّلُ حَيْثُ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ فَرْضُ كِفايَةٍ والأداءُ مِن نَحْوِ البَرِيدَيْنِ - إنْ كانا اثْنَيْنِ - فَرْضُ عَيْنٍ، ولا تَحِلُّ إحالَتُهُ عَلى اليَمِينِ.
والقَوْلُ في مُقْتَضى النَّهْيِ هُنا كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ ويَظْهَرُ أنَّ التَّحَمُّلَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مِنَ الإمامِ، أوْ بِما يُعَيِّنُهُ، وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ إلّا لِضَرُورَةٍ فَيَنْتَقِلُ المُتَعاقِدانِ الآخَرانِ، وأمّا الأداءُ فَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ كانَ لا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلى الشّاهِدِ في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ الأداءُ فَرْضُ كِفايَةٍ إلّا إذا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِأنْ لا يُوجَدَ بَدَلُهُ. وإنَّما يَجِبُ بِشَرْطِ عَدالَةِ القاضِي وقُرْبِ المَكانِ بِأنْ يَرْجِعَ الشّاهِدُ إلى مَنزِلِهِ في يَوْمِهِ، وعِلْمِهِ بِأنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ وطَلَبِ المُدَّعِي. وفي هَذِهِ التَّعْلِيقاتِ رَدٌّ بِالشَّهادَةِ إلى مُخْتَلِفِ اجْتِهاداتِ الشُّهُودِ، وذَلِكَ بابٌ مِنَ التَّأْوِيلاتِ لا يَنْبَغِي فَتْحُهُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُقِيمَ لِلنّاسِ شُهُودًا، ويَجْعَلَ لَهم كِفايَتَهم مِن بَيْتِ المالِ، فَلا يَكُونُ لَهم شُغْلٌ إلّا تَحَمُّلُ حُقُوقِ النّاسِ حِفْظًا لَها، قُلْتُ: وقَدْ أحْسَنَ قُضاةُ تُونُسَ المُتَقَدِّمُونَ وأُمَراؤُها، في تَعْيِينِ شُهُودٍ مُنْتَصِبِينَ لِلشَّهادَةِ بَيْنَ النّاسِ، يُؤْخَذُونَ مِمَّنْ يَقْبَلُهُمُ القُضاةُ ويَعْرِفُونَهم بِالعَدالَةِ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الأنْدَلُسِ، وذَلِكَ مِن حُسْنِ النَّظَرِ لِلْأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَّبَعًا في بِلادِ المَشْرِقِ، بَلْ كانُوا يَكْتَفُونَ بِشُهْرَةِ عَدالَةِ بَعْضِ الفُقَهاءِ وضَبْطِهِمْ لِلشُّرُوطِ وكَتْبِ الوَثائِقِ فَيَعْتَمِدُهُمُ القُضاةُ، ويَكِلُونَ إلَيْهِمْ ما يَجْرِي في النَّوازِلِ مِن كِتابَةِ الدَّعْوى والأحْكامِ، وكانَ مِمّا يُعَدُّ في تَرْجَمَةِ بَعْضِ العُلَماءِ أنْ يُقالَ: كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ القاضِي فُلانٍ.
صفحة ١١٤
(﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾) تَعْمِيمٌ في أكْوانِ أوْ أحْوالِ الدُّيُونِ المَأْمُورِ بِكِتابَتِها، فالصَّغِيرُ والكَبِيرُ هُنا مَجازانِ في الحَقِيرِ والجَلِيلِ. والمُعامَلاتُ الصَّغِيرَةُ أكْثَرُ مِنَ الكَبِيرَةِ، فَلِذَلِكَ نُهُوا عَنِ السَّآمَةِ هُنا، والسَّآمَةُ: المَلَلُ مِن تَكْرِيرِ فِعْلٍ ما.
والخِطابُ لِلْمُتَدايِنَيْنِ أصالَةً، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ خِطابَ الكاتِبِ؛ لِأنَّ المُتَدايِنَيْنِ إذا دَعَواهُ لِلْكِتابَةِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ.
والنَّهْيُ عَنْها نَهْيٌ عَنْ أثَرِهِ، وهو تَرْكُ الكِتابَةِ لِأنَّ السَّآمَةَ تَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، فَلا يُنْهى عَنْها في ذاتِها، وقِيلَ السَّآمَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الكَسَلِ والتَّهاوُنِ، وانْتَصَبَ (﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (﴿تَكْتُبُوهُ﴾) أوْ عَلى حَذْفِ (كانَ) مَعَ اسْمِها. وتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ عَلى الكَبِيرِ هُنا، مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ العَكْسُ كَتَقْدِيمِ السِّنَةِ عَلى النَّوْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لِأنَّهُ قَصَدَ هُنا إلى التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ لِدَفْعِ ما يَطْرَأُ مِنَ التَّوَهُّماتِ في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالصَّغِيرِ، وهو أكْثَرُ، أوِ اعْتِقادِ عَدَمِ وُجُوبِ كِتابَةِ الكَبِيرِ، لَوِ اقْتُصِرَ في اللَّفْظِ عَلى الصَّغِيرِ.
وجُمْلَةُ (﴿إلى أجَلِهِ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (﴿تَكْتُبُوهُ﴾) أيْ مُغَيّى الدَّيْنِ إلى أجْلِهِ الَّذِي تَعاقَدا عَلَيْهِ، والمُرادُ التَّغْيِيَةُ في الكِتابَةِ.
* * *
﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِالعِلَّةِ لِتَشْرِيعِ الأمْرِ بِالكِتابَةِ: بِأنَّ الكِتابَةَ فِيها زِيادَةُ التَّوَثُّقِ، وهو أقْسَطُ أيْ أشَدُّ قِسْطًا، أيْ عَدْلًا، لِأنَّهُ أحْفَظُ لِلْحَقِّ وأقَوْمُ لِلشَّهادَةِ، أيْ أعْوَنُ عَلى إقامَتِها، وأقْرَبُ إلى نَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ، فَهَذِهِ ثَلاثُ عِلَلٍ، ويُسْتَخْرَجُ مِنها أنَّ المَقْصِدَ الشَّرْعِيَّ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ في الحُقُوقِ بَيِّنَةً واضِحَةً، بَعِيدَةً عَنِ الِاحْتِمالاتِ والتَّوَهُّماتِ، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَذْكُورٌ، فَلِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ إشارَةِ الواحِدِ.
صفحة ١١٥
وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ لِجَوازِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ وهَذا لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ فِيهِ.
واشْتِقاقُ أقْسَطُ مِن: أقْسَطَ، بِمَعْنى: عَدَلَ، وهو رُباعِيٌّ، ولَيْسَ مِن: قَسَطَ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى جارَ، وكَذا اشْتِقاقُ ”أقْوَمَ“ مِن أقامَ الشَّهادَةَ: إذا أظْهَرَها. جارٍ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بِجَوازِ صَوْغِ التَّفْضِيلِ والتَّعَجُّبِ مِنَ الرُّباعِيِّ المَهْمُوزِ، سَواءٌ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ نَحْوَ أعْطى، أمْ لِغَيْرِ التَّعْدِيَةِ نَحْوَ أفْرَطَ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ”أقْسَطُ“ مُشْتَقًّا مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ أيْ صِيغَةِ نَسَبٍ، وهو مُشْكِلٌ؛ إذْ لَيْسَ لِهَذِهِ الزِّنَةِ فِعْلٌ، واسْتُشْكِلَ أيْضًا بِأنَّ صَوْغَهُ مِنَ الجامِدِ أشَدُّ مِن صَوْغِهِ مِنَ الرُّباعِيِّ، والجَوابُ عِنْدِي أنَّ النَّسَبَ هُنا لَمّا كانَ إلى المَصْدَرِ شابَهَ المُشْتَقَّ؛ إذِ المَصْدَرُ أصْلُ الِاشْتِقاقِ، وأنْ يَكُونَ (أقْوَمُ) مُشْتَقًّا مِن: قامَ، الَّذِي هو مُحَوَّلٌ إلى وزْنِ فَعُلَ - بِضَمِّ العَيْنِ - الدّالِّ عَلى السَّجِيَّةِ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ (قَوِيمٌ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
* * *
﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ أوِ الأكْوانِ في قَوْلِهِ (صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا) وهو اسْتِثْناءٌ قِيلَ: مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ التِّجارَةَ الحاضِرَةَ لَيْسَتْ مِنَ الدَّيْنِ في شَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: إلّا كَوْنَ تِجارَةٍ حاضِرَةٍ.
والحاضِرَةُ: النّاجِزَةُ، الَّتِي لا تَأْخِيرَ فِيها، إذِ الحاضِرُ والعاجِلُ والنّاجِزُ، مُتَرادِفَةٌ، والدَّيْنُ والأجْلُ والنَّسِيئَةُ مُتَرادِفَةٌ.
وقَوْلُهُ: تُدِيرُونَها بَيْنَكم بَيانٌ لِجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً بَلِ البَيانُ في مِثْلِ هَذا أقْرَبُ مِنهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ مِمّا أنْشَدَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ في نَوادِرِهِ، وقالَ العَيْنِيُّ: يُنْسَبُ إلى الفَرَزْدَقِ:
إلى اللَّهِ أشْكُو بِالمَدِينَةِ حاجَةً وبِالشّامِ أُخْرى كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
صفحة ١١٦
إذْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”كَيْفَ يَلْتَقِيانِ“ بَيانًا لِـ (حاجَةٍ وأُخْرى) أوْ تَجْعَلُ ”تُدِيرُونَها“ صِفَةً ثانِيَةً لِـ (تِجارَةً) في مَعْنى البَيانِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ ذِكْرِهِ: الإيماءُ إلى تَعْلِيلِ الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الكِتابَةِ، لِأنَّ إدارَتَها أغْنَتْ عَنِ الكِتابَةِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمُرادُ بِالتِّجارَةِ الحاضِرَةِ: المُؤَجَّلَةُ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، فَهي مِن جُمْلَةِ الدُّيُونِ، رَخَّصَ فِيها تَرْكَ الكِتابَةِ بِها، وهَذا بَعِيدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ، مَعَ ما في زِيادَةِ قَوْلِهِ (جُناحٌ) مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحُكْمَ رُخْصَةٌ، لِأنَّ رَفْعَ الجُناحِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الكِتابَةَ أوْلى وأحْسَنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تِجارَةٌ“ بِالرَّفْعِ: عَلى أنَّ ”تَكُونَ“ تامَّةٌ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ: عَلى أنَّ ”تَكُونَ“ ناقِصَةٌ، وأنَّ في فِعْلِ ”تَكُونَ“ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا عائِدًا عَلى ما يُفِيدُهُ خَبَرُ كانَ، أيْ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ شاسٍ - أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -:
بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا
تَقْدِيرُهُ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا ذا كَواكِبَ.
وقَوْلُهُ: ”إلّا“ أصْلُهُ إنْ لا، فَرُسِمَ مُدْغَمًا.
* * *
﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ تَشْرِيعٌ لِلْإشْهادِ عِنْدَ البَيْعِ ولَوْ بِغَيْرِ دَيْنٍ إذا كانَ البَيْعُ غَيْرَ تِجارَةٍ حاضِرَةٍ، وهَذا إكْمالٌ لِصُوَرِ المُعامَلَةِ، فَإنَّها إمّا تَدايُنٌ، أوْ آيِلٌ إلَيْهِ كالبَيْعِ بِدَيْنٍ، وإمّا تَناجُزٌ في تِجارَةٍ وإمّا تَناجُزٌ في غَيْرِ تِجارَةٍ كَبَيْعِ العَقارِ والعُرُوضِ في غَيْرِ التَّجْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (تَبايَعْتُمْ) التِّجارَةُ، فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الكِتابَةِ مَعَ بَقاءِ الإشْهادِ بِدُونِ كِتابَةٍ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الكِتابَةَ ما شُرِعَتْ إلّا لِأجْلِ الإشْهادِ والتَّوَثُّقِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ”وأشْهِدُوا“ أمْرٌ: قِيلَ هو لِلْوُجُوبِ، وهَذا قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ،
صفحة ١١٧
وعَطاءٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والنَّخَعِيِّ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، والطَّبَرِيِّ، وقَدْ أشْهَدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى بَيْعِ عَبْدٍ باعَهُ لِلْعَدّاءِ بْنِ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ وكَتَبَ في ذَلِكَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذا ما اشْتَرى العَدّاءُ بْنُ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ اشْتَرى مِنهُ عَبْدًا لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ»، وقِيلَ: هو لِلنَّدْبِ وذَهَبَ إلَيْهِ مِنَ السَّلَفِ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وتَمَسَّكُوا بِالسُّنَّةِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ باعَ ولَمْ يُشْهِدْ»، قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، وجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ في مَواضِعِ الِائْتِمانِ وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا الآيَةَ وقَدْ تَقَدَّمَ ما لِابْنِ عَطِيَّةَ في تَوْجِيهِ عَدَمِ الوُجُوبِ ورَدُّنا لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فاكْتُبُوهُ﴾“ .
* * *
﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ .
نَهْيٌ عَنِ المُضارَّةِ وهي تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ والشَّهِيدُ مَصْدَرًا لِلْإضْرارِ، أوْ أنْ يَكُونَ المَكْتُوبُ لَهُ والمَشْهُودُ لَهُ مَصْدَرًا لِلْإضْرارِ، لِأنَّ ”يُضارَّ“ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْمَعْلُومِ ولِلْمَجْهُولِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذِهِ المادَّةِ هُنا مَقْصُودٌ، لِاحْتِمالِها حُكْمَيْنِ، لِيَكُونَ الكَلامُ مُوَجَّهًا فَيُحْمَلُ عَلى كِلا مَعْنَيَيْهِ لِعَدَمِ تَنافِيهِما، وهَذا مِن وجْهِ الإعْجازِ.
والمُضارَّةُ: إدْخالُ الضَّرَرِ بِأنْ يُوقِعَ المُتَعاقِدانِ الشّاهِدَيْنِ والكاتِبَ في الحَرَجِ والخَسارَةِ، أوْ ما يَجُرُّ إلى الشَّهادَةِ، وقَدْ أخَذَ فُقَهاؤُنا مِن هاتِهِ الآيَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً تَتَفَرَّعُ عَنِ الإضْرارِ، مِنها رُكُوبُ الشّاهِدِ مِنَ المَسافَةِ البَعِيدَةِ، ومِنها تَرْكُ اسْتِفْسارِهِ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ النِّسْيانِ، ومِنها اسْتِفْسارُهُ اسْتِفْسارًا يُوقِعُهُ في الِاضْطِرابِ، ويُؤْخَذُ مِنها أنَّهُ يَنْبَغِي لِوُلاةِ الأُمُورِ جَعْلُ جانِبٍ مِن مالِ بَيْتِ المالِ لِدَفْعِ مَصارِيفِ انْتِقالِ الشُّهُودِ وإقامَتِهِمْ في غَيْرِ بَلَدِهِمْ وتَعْوِيضِ ما سَيَنالُهم مِن ذَلِكَ الِانْتِقالِ مِنَ الخَسائِرِ المالِيَّةِ في إضاعَةِ عائِلاتِهِمْ، إعانَةً عَلى إقامَةِ العَدْلِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ والسَّعَةِ.
صفحة ١١٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ ”تَفْعَلُوا“ وهو مَعْلُومٌ لِأنَّهُ الإضْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”لا يُضارَّ“ مِثْلُ ”اعْدِلُوا هو أقْرَبُ“ والفُسُوقُ الإثْمُ العَظِيمُ قالَ تَعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ.
* * *
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
أمَرَ بِالتَّقْوى لِأنَّها مِلاكُ الخَيْرِ، وبِها يَكُونُ تَرْكُ الفُسُوقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ الَّذِي أخْرَجَهم مِنَ الجَهالَةِ إلى العِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، ونِظامِ العالَمِ، وهو أكْبَرُ العُلُومِ وأنْفَعُها، ووَعْدٌ بِدَوامِ ذَلِكَ لِأنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِالمُضارِعِ، وفي عَطْفِهِ عَلى الأمْرِ بِالتَّقْوى إيماءٌ إلى أنَّ التَّقْوى سَبَبُ إفاضَةِ العُلُومِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ الواوَ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِيُعَلِّمَكم، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن مَعانِي الواوِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في الجُمَلِ الثَّلاثِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِكُلِّ جُمْلَةٍ مِنها حَتّى تَكُونَ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى غَيْرِهِ المُشْتَمِلِ عَلى مَعادِ ضَمِيرِها، حَتّى إذا سَمِعَ السّامِعُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ، وقَدْ لا يَسْمَعُ إحْداها فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ في فَهْمِ أُخْراها، ونَظِيرُ هَذا الإظْهارِ قَوْلُ الحَماسِيِّ:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِدِهِ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
واللُّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلُونَ بِهِ ∗∗∗ لا يُقْتَلُونَ بِداءٍ غَيْرِهِ أبَدًا
فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ التَّشْنِيعَ بِالقَبِيلَةِ ومَن ولَدَها، وما ولَدَتْهُ، أظْهَرَ اللُّؤْمَ في الجُمَلِ الثَّلاثِ ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ الرّابِعَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلثّالِثَةِ لَمْ يُظْهِرِ اسْمَ اللُّؤْمِ بِها، هَذا، ولِإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي التَّهْوِيلُ، ولِلتَّكْرِيرِ مَواقِعُ يَحْسُنُ فِيها، ومَواقِعُ لا يَحْسُنُ فِيها، قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، في الخاتِمَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها أنَّ الذَّوْقَ قَدْ يُدْرِكُ أشْياءَ لا يُهْتَدى لِأسْبابِها، وأنَّ بَعْضَ الأئِمَّةِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ الخَطَأُ في التَّأْوِيلِ: ومِن ذَلِكَ
صفحة ١١٩
ما حُكِيَ عَنِ الصّاحِبِ أنَّهُ قالَ: كانَ الأُسْتاذُ ابْنُ العَمِيدِ يَخْتارُ مِن شِعْرِ ابْنِ الرُّومِيِّ ويُنَقِّطُ عَلى ما يَخْتارُهُ، قالَ الصّاحِبُ فَدَفَعَ إلَيَّ القَصِيدَةَ الَّتِي أوَّلُها:
أتَحْتَ ضُلُوعِي جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ ∗∗∗ عَلى ما مَضى أمْ حَسْرَةٌ تَتَجَدَّدُ
وقالَ لِي تَأمَّلْها، فَتَأمَّلْتُها فَوَجَدْتُهُ قَدْ تَرَكَ خَيْرَ بَيْتٍ لَمْ يُنَقِّطْ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ:
بِجَهْلٍ كَجَهْلِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُنْتَضًى ∗∗∗ وحِلْمٍ كَحِلْمِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُغْمَدُ
فَقُلْتُ: لِمَ تَرَكَ الأُسْتاذُ هَذا البَيْتَ ؟ فَقالَ: لَعَلَّ القَلَمَ تَجاوَزَهُ، ثُمَّ رَآنِي مِن بَعْدُ فاعْتَذَرَ بِعُذْرٍ كانَ شَرًّا مِن تَرْكِهِ، فَقالَ: إنَّما تَرَكْتُهُ لِأنَّهُ أعادَ السَّيْفَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، قالَ الصّاحِبُ: لَوْ لَمْ يُعِدْهُ لَفَسَدَ البَيْتُ، قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ: والأمْرُ كَما قالَ الصّاحِبُ. ثُمَّ قالَ: قالَهُ أبُو يَعْقُوبَ: إنَّ الكِنايَةَ والتَّعْرِيضَ لا يَعْمَلانِ في العُقُولِ عَمَلَ الإفْصاحِ والتَّكْشِيفِ؛ لِأجْلِ ذَلِكَ كانَ لِإعادَةِ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١] عَمَلٌ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَدِ اسْتَكْرَهُوا التَّكْرِيرَ في قَوْلِهِ:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии