Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:89–91
2:89Страница 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
К ним явилось от Аллаха Писание, подтверждающее правдивость того, что было у них. Прежде они молили о победе над неверующими. Когда же к ним явилось то, что они узнали, они отказались уверовать в него. Да пребудет проклятие Аллаха над неверующими!
﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبِيخِ فَإنَّهم لَوْ أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ إعْراضًا مُجَرَّدًا عَنِ الأدِلَّةِ لَكانَ في إعْراضِهِمْ مَعْذِرَةٌ ما ولَكِنَّهم أعْرَضُوا وكَفَرُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم والَّذِي كانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ. فَقَوْلُهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ ”بِجاءَهم“ ولَيْسَ صِفَةً لِأنَّهُ لَيْسَ أمْرًا مُشاهَدًا مَعْلُومًا حَتّى يُوصَفَ بِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ وصْفُ شَأْنٍ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالمَذَمَّةِ في هَذا الكُفْرِ والقَوْلُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] والِاسْتِفْتاحُ ظاهِرُهُ طَلَبُ الفَتْحِ أيِ النَّصْرِ قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] وقَدْ فَسَّرُوهُ بِأنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا قاتَلُوا المُشْرِكِينَ أيْ مِن أهْلِ المَدِينَةِ اسْتَنْصَرُوا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ في التَّوْراةِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَسْتَفْتِحُونَ بِمَعْنى يَفْتَحُونَ أيْ يَعْلَمُونَ ويُخْبِرُونَ كَما يُقالُ فَتَحَ عَلى القارِئِ أيْ عَلَّمَهُ الآيَةَ الَّتِي يَنْساها فالسِّينُ والتّاءُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَتِهِما في اسْتَعْصَمَ واسْتَصْرَخَ واسْتَعْجَبَ. والمُرادُ كانُوا يُخْبِرُونَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ رَسُولًا سَيُبْعَثُ فَيُؤَيِّدُ المُؤْمِنِينَ ويُعاقِبُ المُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ أيْ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ أيْ لَمّا جاءَ الكِتابُ الَّذِي عَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ وقَدْ عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ فَلَمّا جاءَهُمُ الكِتابُ لِيَكُونَ اللَّفْظُ أشْمَلَ فَيَشْمَلَ الكِتابَ والرَّسُولَ الَّذِي جاءَ بِهِ
صفحة ٦٠٢
فَإنَّهُ لا يَجِيءُ كِتابٌ إلّا مَعَ رَسُولٍ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ بِما المَوْصُولَةِ دُونَ مَن لِأجْلِ هَذا الشُّمُولِ ولِأنَّ الإبْهامَ يُناسِبُهُ المَوْصُولُ الَّذِي هو أعَمُّ فَإنَّ الحَقَّ أنَّ ما تَجِيءُ لِما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ.
والمُرادُ بِما عَرَفُوا القُرْآنَ أيْ أنَّهم عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ المُتَحَقِّقَةِ في الخارِجِ وإنْ جَهِلُوا انْطِباقَها عَلى القُرْآنِ لِضَلالِهِمْ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ أكْثَرُهم يَعْتَقِدُ صِدْقَ القُرْآنِ وصِدْقَ الرَّسُولِ، وبَعْضُهم كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَتَناسى ويَتَغافَلُ حَسَدًا قالَ تَعالى ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] ويَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ وعَرَفُوا أنَّهُ الَّذِي كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وفائِدَتُها هُنا اسْتِحْضارُ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وهي أنَّهم كَذَّبُوا بِالكِتابِ والرَّسُولِ في حالِ تَرَقُّبِهِمْ لِمَجِيئِهِ وانْتِظارِ النَّصْرِ بِهِ وهَذا مُنْتَهى الخِذْلانِ والبُهْتانِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ بِالفاءِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ و(لَمّا) الثّانِيَةُ تَتَنازَعُ مَعَ (لَمّا) الأوْلى الجَوابَ وهو قَوْلُهُ كَفَرُوا بِهِ؛ فَكانَ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ”وكانُوا. . . إلَخْ“ بِالنِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الكِتابِ مُصَدِّقًا مَوْقِعَ الحالِ لِأنَّ الِاسْتِنْصارَ بِهِ أوِ التَّبْشِيرَ بِهِ يُناسِبُ اعْتِقادَ كَوْنِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] ومَوْقِعُها بِالنِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الكِتابِ والرَّسُولِ مَعْرُوفَيْنِ لَهم بِالأماراتِ والدَّلائِلِ مَوْقِعَ المُنْشِئِ مِنَ المُتَفَرِّعِ عَنْهُ مَعَ أنَّ مَفادَ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ إلَخْ واحِدٌ. وإعادَةُ (لَمّا) في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ أنْ يَقُولَ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ إلَخْ قَصَدَ إظْهارَ اتِّحادِ مَفادِ الجُمْلَتَيْنِ المُفْتَتَحَتَيْنِ بَلَمّا وزِيادَةَ الرَّبْطِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنَ؛ حَيْثُ انْفَصَلَ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ نَظْمٌ عَجِيبٌ وإيجازٌ بَدِيعٌ وطَرِيقَةُ تَكْرِيرِ العامِلِ مَعَ كَوْنِ المَعْمُولِ واحِدًا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ فُصْحى، قالَ تَعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وقالَ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فَأعادَ أنَّكم قَبْلَ خَبَرِ الأُولى. وقَدْ عَدَلْنا في هَذا البَيانِ عَنْ طَرِيقَةِ الزَّجّاجِ وطَرِيقَةِ المُبَرِّدِ وطَرِيقَةِ الفَرّاءِ المَذْكُوراتِ في حاشِيَةِ الخَفاجِيِّ وعَبْدِ الحَكِيمِ وصُغْناهُ مِن مَحاسِنِ تِلْكَ الطَّرائِقِ كُلِّها لِما في كُلِّ طَرِيقَةٍ مِنها مِن مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ دُعاءٍ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْثالِهِمْ. والدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٦٠٣
تَقْدِيرٌ وقَضاءٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولَيْسَ غَيْرُهُ مَطْلُوبًا بِالأدْعِيَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ التَّسَبُّبُ الذِّكْرِيُّ بِمَعْنى أنَّ ما قَبْلَها وهو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ يُسَبِّبُ أنْ يَنْطِقَ المُتَكَلِّمُ بِما بَعْدَها كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
وكُنْتُ امْرَءًا لا أسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً أُسَبُّ بِها إلّا كَشَفْتُ غِطاءَها
فَإنِّي في الحَرْبِ الضَّرُوسِ مُوَكَّلٌ ∗∗∗ بِإقْدامِ نَفْسٍ ما أُرِيدُ بَقاءَها
فَعَطَفَ قَوْلَهُ ”فَإنِّي“ عَلى قَوْلِهِ ”كَشَفْتُ غِطاءَها“ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ يُوجِبُ بَيانَ أنَّهُ في الحَرْبِ مِقْدامٌ. واللّامُ في الكافِرِينَ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الدُّعاءِ يَشْمَلُ المُتَحَدَّثَ عَنْهم لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ أفْرادِ هَذا العُمُومِ بَلْ هم أوَّلُ أفْرادِهِ سَبْقًا لِلذِّهْنِ لِأنَّ سَبَبَ وُرُودِ العامِّ قَطْعِيُّ الدُّخُولِ ابْتِداءً في العُمُومِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ فَصِيحَةٌ في إسْنادِ الحُكْمِ إلى العُمُومِ والمُرادُ ابْتِداءُ بَعْضِ أفْرادِهِ لِأنَّ دُخُولَ المُرادِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِطَرِيقَةٍ بُرْهانِيَّةٍ كَما تَدْخُلُ النَّتِيجَةُ في القِياسِ قالَ بَشّامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا مُحَيُّوكِ يا سَلْمى فَحَيِّينا ∗∗∗ وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا
أرادَ الكِنايَةَ عَنْ كَرَمِهِمْ بِأنَّهم يُسْقَوْنَ حِينَ يُسْقى كِرامُ النّاسِ.
2:90Страница 14
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠
Скверно то, что они купили за свои души, не уверовав в ниспосланное Аллахом и завидуя тому, что Аллах ниспосылает Свою милость тому из Своих рабов, кому пожелает. Они навлекли на себя гнев, один поверх другого. Неверующим уготованы унизительные мучения.
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
اسْتِئْنافٌ لِذَمِّهِمْ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ إذْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ الوَعْدِ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، إرْضاءً لِداعِيَةِ الحَسَدِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدِ اسْتَبْقَوْا أنْفُسَهم عَلى الحَقِّ إذْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ فَهَذا إيقاظٌ لَهم نَحْوَ مَعْرِفَةِ داعِيهِمْ إلى الكُفْرِ وإشْهارٌ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.
و(بِئْسَما) مُرَكَّبٌ مِن (بِئْسَ) و(ما) الزّائِدَةِ. وفي (بِئْسَ) وضِدِّها (نِعْمَ) خِلافٌ في كَوْنِهِما فِعْلَيْنِ أوِ اسْمَيْنِ والأصَحُّ أنَّهُما فِعْلانِ وفي (ما) المُتَّصِلَةِ بِهِما مَذاهِبُ أحَدُها أنَّها مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ أيْ تُفَسَّرُ بِاسْمٍ مُعَرَّفٍ
صفحة ٦٠٤
بِلامِ التَّعْرِيفِ وغَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى صِلَةٍ احْتِرازًا عَنْ ما المَوْصُولَةِ فَقَوْلُهُ (بِئْسَما) يُفَسَّرُ بِبِئْسَ الشَّيْءِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ. والآخَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ وهَذانِ هُما أوْضَحُ الوُجُوهِ فَإذا وقَعَتْ بَعْدَها ما وحْدَها كانَتْ ما مَعْرِفَةً تامَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] أيْ نِعْمَ الشَّيْءُ هي، وإنْ وقَعَتْ بَعْدَ (ما) جُمْلَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ صِلَةً كانَتْ ما مَعْرِفَةً ناقِصَةً أيْ مَوْصُولَةً نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ و(ما) فاعِلُ بِئْسَ.
وقَدْ يُذْكَرُ بَعْدَ بِئْسَ ونِعْمَ اسْمٌ يُفِيدُ تَعْيِينَ المَقْصُودِ بِالذَّمِّ أوِ المَدْحِ ويُسَمّى في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ المَخْصُوصَ وقَدْ لا يُذْكَرُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ أوْ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَقَوْلُهُ (أنْ يَكْفُرُوا) هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ والتَّقْدِيرُ كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ خَبَرًا مَحْذُوفَ المُبْتَدَأِ أوْ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن (ما) وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى (اشْتَرَوْا) إمّا صِفَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ أوْ صِلَةٌ لِلْمَوْصُولَةِ و”أنْ يَكْفُرُوا“ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ نِعْمَ الرَّجُلُ فُلانٌ.
والِاشْتِراءُ الِابْتِياعُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ مُجازٌ أُطْلِقَ فِيهِ الِاشْتِراءُ عَلى اسْتِبْقاءِ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ تَشْبِيهًا لِاسْتِبْقائِهِ بِابْتِياعِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَهم قَدْ آثَرُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَأبْقَوْا عَلَيْها بِأنْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ حَسَدًا. فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالتَّوْراةِ وأنَّ قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] بِمَعْنى جاءَهم ما عَرَفُوا صِفَتَهُ وإنْ فَرَّطُوا في تَطْبِيقِها عَلى المَوْصُوفِ. فَمَعْنى اشْتِراءِ أنْفُسِهِمْ جارٍ عَلى اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم نَجَّوْها مِنَ العَذابِ في اعْتِقادِهِمْ فَقَوْلُهُ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ بِئْسَما هو في الواقِعِ وأمّا كَوْنُهُ اشْتِراءً فَبِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو أيْضًا بِحَسَبِ الواقِعِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ وهي أنَّهم كَفَرُوا بِرَسُولٍ مُرْسَلٍ إلَيْهِمْ لِلدَّوامِ عَلى شَرِيعَةٍ نُسِخَتْ.
وإنْ كانُوا مُعْتَقِدِينَ صِدْقَ الرَّسُولِ وكانَ إعْراضُهم لِمُجَرَّدِ المُكابَرَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ فالِاشْتِراءُ بِمَعْنى الِاسْتِبْقاءِ الدُّنْيَوِيِّ أيْ بِئْسَ العِوَضُ بِذْلُهُمُ الكُفْرَ ورِضاهم بِهِ لِبَقاءِ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ وعَدَمُ الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ الصّادِقِ؛ فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]
صفحة ٦٠٥
وقِيلَ إنَّ اشْتَرَوْا بِمَعْنى باعُوا أيْ بَذَلُوا أنْفُسَهم والمُرادُ بَذْلُها لِلْعَذابِ في مُقابَلَةِ إرْضاءِ مُكابَرَتِهِمْ وحَسَدِهِمْ وهَذا الوَجْهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وهو بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ لِأنَّ اسْتِعْمالَ الِاشْتِراءِ بِمَعْنى البَيْعِ مَجازٌ بَعِيدٌ إذْ هو يُفْضِي إلى إدْخالِ الغَلَطِ عَلى السّامِعِ، وإفْسادِ ما أحْكَمَتْهُ اللُّغَةُ مِنَ التَّفْرِقَةِ وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَصْدُ قائِلِهِ إلى بَيانِ حاصِلِ المَعْنى. عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ إمْكانَ الجَمْعِ بَيْنَ مُقْتَضى قَوْلِهِ ما عَرَفُوا وقَوْلِهِ هُنا ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ فَأنْتَ في غِنًى عَنِ التَّكَلُّفِ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ يَكُونُ اشْتَرَوْا مَعَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن حاوَلَ تِجارَةً لِيَرْبَحَ فَأصابَهُ خُسْرانٌ وهو تَمْثِيلٌ يَقْبَلُ بَعْضُ أجْزائِهِ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (أنْ يَكْفُرُوا) ولَمْ يُؤْتَ بِهِ عَلى ما يُناسِبُ المُبَيَّنَ وهو (ما اشْتَرَوْا) المُقْتَضِي أنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ مَضى لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم صَرَّحُوا بِالكُفْرِ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ اشْتِراءَ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ عَمَلٌ اسْتَقَرَّ ومَضى. ثُمَّ لَمّا أُرِيدَ بَيانُ ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم نُبِّهَ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا يَكْفُرُونَ ويُعْلَمُ أنَّهم كَفَرُوا فِيما مَضى أيْضًا إذْ كانَ المُبَيَّنُ بِأنْ يَكْفُرُوا مُعَبَّرًا عَنْهُ بِالماضِي بِقَوْلِهِ (ما اشْتَرَوْا) . وقَوْلُهُ (بَغْيًا) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أنْ يَكْفُرُوا لِأنَّهُ الأقْرَبُ إلَيْهِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِاشْتَرَوْا لِأنَّ الِاشْتِراءَ هَنا صادِقٌ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ المَخْصُوصُ بِحُكْمِ الذَّمِّ وهو عَيْنُ المَذْمُومِ، والبَغْيُ هُنا مَصْدَرُ بَغى يَبْغِي إذا ظَلَمَ وأرادَ بِهِ هُنا ظُلْمًا خاصًّا وهو الحَسَدُ. وإنَّما جُعِلَ الحَسَدُ ظُلْمًا لِأنَّ الظُّلْمَ هو المُعامَلَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ. والحَسَدَ تَمَنِّي زَوالَ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ ولا حَقَّ لِلْحاسِدِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَنالُهُ مِن زَوالِها نَفْعٌ، ولا مِن بَقائِها ضُرٌّ، ولَقَدْ أجادَ أبُو الطَّيِّبِ إذْ أخَذَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ:
وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ
وقَوْلُهُ ”أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ”بَغْيًا“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَأْوِيلِ بَغْيًا بِمَعْنى حَسَدًا.
فاليَهُودُ كَفَرُوا حَسَدًا عَلى خُرُوجِ النُّبُوءَةِ مِنهم إلى العَرَبِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ أيْ فَرَجَعُوا مِن تِلْكَ الصَّفْقَةِ وهي اشْتِراءُ أنْفُسِهِمْ بِالخُسْرانِ المُبِينِ وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ الخارِجِ بِسِلْعَتِهِ لِتِجارَةٍ فَأصابَتْهُ خَسارَةٌ فَرَجَعَ
صفحة ٦٠٦
إلى مَنزِلِهِ خاسِرًا. شَبَّهَ مَصِيرَهم إلى الخُسْرانِ بِرُجُوعِ التّاجِرِ الخاسِرِ بَعْدَ ضَمِيمَةِ قَوْلِهِ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ”بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ“ الغَضَبُ الشَّدِيدُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] أيْ نُورٌ عَظِيمٌ. وقَوْلِهِ ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠] وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ
أرَقٌ عَلى أرَقٍ ومِثْلِيَ يَأْرَقُ
وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ التَّكْرِيرِ بِاخْتِلافِ صِيغَةٍ في مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
أتَتْ آلُ شَمّاسِ بْنِ لَأْيٍ وإنَّما ∗∗∗ أتاهم بِها الأحْلامُ والحَسَبُ العَدُّ
أيِ الكَثِيرُ العَدَدِ أيِ العَظِيمُ وقالَ المَعَرِّيُّ
بَنِي الحَسَبِ الوَضّاحِ والمَفْخَرِ الجَمِّ
أيِ العَظِيمِ. قالَ القُرْطُبِيُّ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ شِدَّةُ الحالِ لا أنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ وهُما غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِلْكُفْرِ ولِلْحَسَدِ أوْ لِلْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ هو كَقَوْلِهِ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] أيْ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ لِأنَّهم مِنَ الكافِرِينَ. والمَهِينُ المُذِلُّ أيْ فِيهِ كَيْفِيَّةُ احْتِقارِهِمْ.
2:91Страница 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
Когда им говорят: «Уверуйте в то, что ниспослал Аллах», - они отвечают: «Мы веруем в то, что было ниспослано нам». Они не веруют в то, что явилось впоследствии, хотя это является истиной, подтверждающей правдивость того, что есть у них. Скажи: «Почему же раньше вы убивали пророков Аллаха, если вы являетесь верующими?».
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ اعْتِبارُهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] عَلى المَعْرُوفِ في اعْتِبارِ العَطْفِ عَلى ما هو مَعْطُوفٌ وهَذا كُلُّهُ مِن عَطْفِ حِكاياتِ أحْوالِهِمْ في مَعاذِيرِهِمْ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ فَإذا دُعُوا قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، وإذا سَمِعُوا الكِتابَ أعْرَضُوا عَنْهُ بَعْدَ أنْ كانُوا مُنْتَظِرِيهِ حَسَدًا أنْ نَزَلَ عَلى رَجُلٍ مِن غَيْرِهِمْ، وإذا وُعِظُوا وأُنْذِرُوا ودُعُوا إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ وبِأنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ وأنْ يَنْظُرُوا في دَلائِلِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أعْرَضُوا وقالُوا ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِنا مُوسى، وهَذا هو مَجْمَعُ ضَلالاتِهِمْ ومَنبَعُ عِنادِهِمْ فَلِذَلِكَ تَصَدّى القُرْآنُ لِتَطْوِيلِ المُحاجَّةِ فِيهِ بِما هُنا وما بَعْدَهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ الآتِي ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآياتِ.
صفحة ٦٠٧
وقَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أرادُوا بِهِ الِاعْتِذارَ وتَعِلَّةَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلِمُوا أنَّهم إنِ امْتَنَعُوا امْتِناعًا مُجَرَّدًا عُدَّتْ عَلَيْهِمْ شَناعَةُ الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ بِما يُدَّعى أنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ فَقالُوا في مَعْذِرَتِهِمْ ولِإرْضاءِ أنْفُسِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أيْ أنَّ فَضِيلَةَ الِانْتِسابِ لِلْإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ قَدْ حَصَلَتْ لَهم أيْ فَنَحْنُ نَكْتَفِي بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وزادُوا إذْ تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَرْفُضُوهُ. وهَذا وجْهُ التَّعْبِيرِ في الحِكايَةِ عَنْهم بِلَفْظِ المُضارِعِ نُؤْمِنُ أيْ نَدُومُ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وقَدْ عَرَّضُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِغَيْرِهِ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِنُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا في جَوابِ مَن قالَ لَهم ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُرادَ القائِلِ الإيمانُ بِالقُرْآنِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ لِأنَّهم يَرَوْنَ الإيمانَ بِغَيْرِهِ مُقْتَضِيًا الكُفْرَ بِهِ فَها هُنا مُسْتَفادٌ مِن مَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ وجَوابِها بِقَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ جِيءَ بِالمُضارِعِ مُحاكاةً لِقَوْلِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وتَصْرِيحًا بِما لَوَّحُوا إلَيْهِ ورَدًّا عَلَيْهِمْ أيْ يَدُومُونَ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ويَكْفُرُونَ كَذَلِكَ بِما وراءَهُ فَهم يَرَوْنَ أنَّ الإيمانَ بِهِ مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ بِغَيْرِهِ عَلى أنَّ لِلْمُضارِعِ تَأْثِيرًا في مَعْنى التَّعَجُّبِ والغَرابَةِ. وفي قَرْنِهِ بِواوِ الحالِ إشْعارٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ والوَراءُ في الأصْلِ اسْمُ مَكانٍ لِلْجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ الشَّيْءِ وهو عَرِيقٌ في الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ أصْلُهُ مَصْدَرًا. جُعِلَ الوَراءُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ الغائِبِ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُهُ الشَّخْصُ واسْتُعْمِلَ أيْضًا مَجازًا عَنِ المُجاوِزِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ أمامَ السّائِرِ فَهو صائِرٌ إلَيْهِ فَإذا صارَ وراءَهُ فَقَدْ تَجاوَزَهُ وتَباعَدَ عَنْهُ قالَ النّابِغَةُ
ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ
. واسْتُعْمِلَ أيْضًا بِمَعْنى الطَّلَبِ والتَّعَقُّبِ تَقُولُ ورائِي فُلانٌ بِمَعْنى يَتَعَقَّبُنِي ويَطْلُبُنِي ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] وقَوْلُ لَبِيدٍ
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
فَمِن ثَمَّ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الوَراءَ يُطْلَقُ عَلى الخَلْفِ والأمامِ إطْلاقَ اسْمِ الضِّدَّيْنِ واحْتَجَّ بِبَيْتِ لَبِيدٍ وبِقُرْآنِ وكانَ أمامَهم مَلِكٌ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ ولِذَلِكَ أنْكَرَ الآمِدِيُّ في المُوازَنَةِ كَوْنَهُ ضِدًّا.
فالمُرادُ بِما وراءَهُ في الآيَةِ بِما عَداهُ وتَجاوَزَهُ أيْ بِغَيْرِهِ والمَقْصُودُ بِهَذا الغَيْرِ هُنا خُصُوصُ
صفحة ٦٠٨
القُرْآنِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ وجُمْلَةُ ”وهو الحَقُّ“ حالِيَّةٌ واللّامُ في الحَقِّ لِلْجِنْسِ والمَقْصُودُ اشْتِهارُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِهَذا الجِنْسِ أيْ وهو المُشْتَهِرُ بِالحَقِّيَّةِ المُسَلَّمِ ذَلِكَ لَهُ عَلى حَدِّ قَوْلِ حَسّانَ:
وإنَّ سَنامَ المَجْدِ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ ووالِدُكَ العَبْدُ
لَمْ يُرِدْ حَسّانُ انْحِصارَ العُبُودِيَّةِ في الوالِدِ وإنَّما أرادَ أنَّهُ المَعْرُوفُ بِذَلِكَ المُشْتَهِرُ بِهِ فَلَيْسَتِ اللّامُ هُنا مُفِيدَةً لِلْحَصْرِ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ بِاللّامِ لا تَطَّرِدُ إفادَتُهُ الحَصْرَ عَلى ما في دَلائِلِ الإعْجازِ.
وقِيلَ يُفِيدُ الحَصْرَ بِاعْتِبارِ القَيْدِ أعْنِي قَوْلَهُ مُصَدِّقًا أيْ هو المُنْحَصِرُ في كَوْنِهِ حَقًّا مَعَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا فَإنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ حَقٌّ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم ولَعَلَّ صاحِبَ هَذا التَّفْسِيرِ يَعْتَبِرُ الإنْجِيلَ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِتَصْدِيقِ التَّوْراةِ بَلْ مُقْتَصِرًا عَلى تَحْلِيلِ بَعْضِ المُحَرَّماتِ وذَلِكَ يُشْبِهُ عَدَمَ التَّصْدِيقِ.
فَفِي الآيَةِ صَدٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ مُقابَلَةِ القُرْآنِ بِمِثْلِ ما قابَلُوا بِهِ الإنْجِيلَ وزِيادَةٌ في تَوْبِيخِهِمْ.
وقَوْلُهُ ”مُصَدِّقًا“ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ (وهو الحَقُّ) . وهَذِهِ الآيَةُ عَلَمٌ في التَّمْثِيلِ لِلْحالِ المُؤَكِّدَةِ وعِنْدِي أنَّها حالٌ مُؤَسِّسَةٌ لِأنَّ قَوْلَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مُشْعِرٌ بِوَصْفٍ زائِدٍ عَلى مَضْمُونٍ وهو الحَقُّ إذْ قَدْ يَكُونُ الكِتابُ حَقًّا ولا يُصَدِّقُ كِتابًا آخَرَ ولا يُكَذِّبُهُ وفي مَجِيءِ الحالِ مِنَ الحالِ زِيادَةٌ في اسْتِحْضارِ شُئُونِهِمْ وهَيْئاتِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَصَلَهُ عَمّا قَبْلَهُ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ في أثْناءِ ذِكْرِ أحْوالِهِمْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في مَعْذِرَتِهِمْ هَذِهِ لِإظْهارِ أنَّ مُعاداةَ الأنْبِئاءِ دَأْبٌ لَهم وأنَّ قَوْلَهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ كَذِبٌ إذْ لَوْ كانَ حَقًّا لَما قَتَلَ أسْلافُهُمُ الأنْبِئاءَ الَّذِينَ هم مِن قَوْمِهِمْ ودَعَوْهم إلى تَأْيِيدِ التَّوْراةِ والأمْرِ بِالعَمَلِ بِها، ولَكِنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ ما لا يُوافِقُ أهْواءَهم. وهَذا إلْزامٌ لِلْحاضِرِينَ بِما فَعَلَهُ أسْلافُهم لِأنَّهم يَرَوْنَهم عَلى حَقٍّ فِيما فَعَلُوا مِن قَتْلِ الأنْبِئاءِ.
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَقْتُلُونَ) مَعَ أنَّ القَتْلَ قَدْ مَضى لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ”مِن قَبْلُ“ فَذَلِكَ كَما جاءَ الحُطَيْئَةُ بِالماضِي مُرادًا بِهِ الِاسْتِقْبالُ في قَوْلِهِ:
شَهِدَ الحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ
بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ.
والمُرادُ بِأنْبِئاءِ اللَّهِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии