Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Та Ха 20:117–127
20:117–119Страница 320
فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧
Мы сказали: «О Адам! Это - враг тебе и твоей жене. Пусть же он не выведет вас из Рая, а не то ты станешь несчастным.
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ١١٨
В нем ты не будешь голодным и нагим.
وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ١١٩
В нем ты не будешь страдать от жажды и зноя».
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾
قِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ وإباءِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّجُودِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ ما اخْتُصَّتْ بِهِ هاتِهِ السُّورَةُ مِنَ الأفانِينِ والتَّراكِيبِ.
فَقَوْلُهُ: ”إنَّ هَذا“ إشارَةٌ إلى الشَّيْطانِ إشارَةً مُرادًا مِنها التَّحْقِيرُ، كَما حَكى اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ هو كَقَوْلِهِ: في الأعْرافِ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فَذُكِرَتْ عَداوَتُهُ لَهُما جُمْلَةً هُنالِكَ
صفحة ٣٢١
وذُكِرَتْ تَفْصِيلًا هُنا، فابْتُدِئَ في ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ عَداوَتِهِ بِآدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ هو مَنشَأُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِحَسَدِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ زَوْجِهِ؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ إيّاها تَبَعٌ لِعَداوَتِهِ آدَمَ زَوْجَها، وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِكِلَيْهِما لِاتِّحادِ عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي حَسَدُهُ إيّاهُما عَلى ما وهَبَهُما اللَّهُ مِن عِلْمِ الأسْماءِ الَّذِي هو عُنْوانُ الفِكْرِ المُوَصِّلِ إلى الهُدى وعُنْوانُ التَّعْبِيرِ عَنِ الضَّمِيرِ المُوَصِّلِ لِلْإرْشادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ عَمَلَ الشَّيْطانِ ويَشُقُّ عَلَيْهِ في اسْتِهْوائِهِما واسْتِهْواءِ ذَرِّيَّتِهِما؛ ولِأنَّ الشَّيْطانَ رَأى نَفْسَهُ أجْدَرَ بِالتَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ، فَحَنَقَ لَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
* * *
﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وإنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإخْبارِ بِعَداوَةِ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجِهِ بِأنْ نُهِيا نَهْيَ تَحْذِيرٍ عَنْ أنْ يَتَسَبَّبَ إبْلِيسُ في خُرُوجِهِما مِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَرُوقُهُ صَلاحُ حالِ عَدُّوِهُ. ووَقَعَ النَّهْيُ في صُورَةِ نَهْيٍ عَنْ عَمَلٍ هو مِن أعْمالِ الشَّيْطانِ لا مِن أعْمالِ آدَمَ كِنايَةً عَنْ نَهْيِ آدَمَ عَنِ التَّأثُّرِ بِوَسائِلِ إخْراجِهِما مِنَ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، كِنايَةً عَنْ: لا تَفْعَلْ، أيْ لا تَفْعَلْ كَذا حَتّى أعْرِفَهُ مِنكَ. ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَبْلُغَ إلى المُتَكَلِّمِ خَبَرَ فِعْلِ المُخاطَبِ؛ وأُسْنِدَ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ إلى آدَمَ خاصَّةً دُونَ زَوْجِهِ إيجازًا؛ لِأنَّ في شَقاءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَقاءَ الآخَرِ؛ لِتَلازُمِهِما في الكَوْنِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ شَقاءَ الذَّكَرِ أصْلُ شَقاءِ المَرْأةِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ،
صفحة ٣٢٢
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِلشَّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمَتَّعًا في الجَنَّةِ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ ومَشْرَبٍ واعْتِدالِ جَوٍّ مُناسِبٍ لِلْمِزاجِ كانَ الخُرُوجُ مِنها مُقْتَضِيًا فِقْدانَ ذَلِكَ.
و”تَضْحى“ مُضارِعُ ضَحِيَ - كَرَضِيَ - إذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ في وقْتِ الضُّحى. ومَصْدَرُهُ الضَّحْوُ، وحَرُّ الشَّمْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هو مَبْدَأُ شِدَّتِهِ. والمَعْنى: لا يُصِيبُكَ ما يُنافِرُ مِزاجَكَ، فالِاقْتِصارَ عَلى انْتِفاءِ الضَّحْوِ هُنا اكْتِفاءٌ، أيْ ولا تَصْرَدَ. وآدَمُ لَمْ يَعْرَفِ الجُوعَ والعُرْيَ والظَّمَأ والضَّحْوَ بِالوِجْدانِ، وإنَّما عَرَفَها بِحَقائِقِها ضِمْنَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كُلَّها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمِعَ لَهُ في هَذا الخَبَرِ أصُولُ كَفافِ الإنْسانِ في مَعِيشَتِهِ إيماءً إلى أنَّ الِاسْتِكْفاءَ مِنها سَيَكُونُ غايَةَ سَعْيِ الإنْسانِ في حَياتِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الَّتِي تُصاحِبُ التَّكْوِينَ تَكُونُ إشْعارًا بِخَصائِصِ المُكَوِّنِ في مُقَوِّماتِهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن تَوْفِيقِ النَّبِيءِ ﷺ لِاخْتِيارِ اللَّبَنِ عَلى الخَمْرِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اخْتَرْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ؛ وقَدْ قَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الجُوعِ واللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾، وقَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الظَّمَأِ وألَمِ الجِسْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ الجُوعِ والعُرْيِ، في أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ باطِنِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وذَلِكَ هو الطَّعامُ، وأنَّ العُرْيَ خُلُوُّ ظاهِرِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وهو لَفْحُ الحَرِّ وقَرْصُ البَرْدِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الظَّمَأِ وبَيْنَ حَرارَةِ الشَّمْسِ في أنَّ الأوَّلَ ألَمُ حَرارَةِ الباطِنِ، والثّانِي ألَمُ حَرارَةِ الظّاهِرِ، فَهَذا اقْتَضى عَدَمَ اقْتِرانِ ذِكْرِ الظَّمَأِ والجُوعِ، وعَدَمِ اقْتِرانِ ذِكْرِ العُرْيِ بِألَمِ
صفحة ٣٢٣
الحَرِّ، وإنْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ جَمْعُ النَّظِيرَيْنِ في كِلَيْهِما، إذْ جَمْعُ النَّظائِرِ مِن أسالِيبِ البَدِيعِ في نَظْمِ الكَلامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَوْلا أنْ عَرَضَ هُنا ما أوْجَبَ تَفْرِيقَ النَّظائِرِ.
ومِن هَذا القَبِيلِ في تَفْرِيقِ النَّظائِرِ قِصَّةٌ أدَبِيَّةٌ طَرِيفَةٌ جَرَتْ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وبَيْنَ أبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، ذَكَرَها المَعَرِّي في ”مُعْجِزِ أحْمَدَ“ شَرَحِهِ عَلى دِيوانِ أبِي الطَّيِّبِ إجْمالًا، وبَسَطَها الواحِدِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الدِّيوانِ، وهي أنَّ أبا الطَّيِّبِ لَمّا أنْشَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي طالِعُها:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزائِمُ
قالَ في أثْنائِها يَصِفُ مَوْقِعَةً بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ والرُّومِ في ثَغْرِ الحَدَثِ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فاسْتَعادَها سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْشَدَهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: إنَّ صَدْرَيِ البَيْتَيْنِ لا يُلائِمانِ عَجُزَيْهِما، وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
وأنْتَ في هَذا مِثْلَ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ؛ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ
صفحة ٣٢٤
الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونَ سِباءُ الخَمْرِ لِلَّذَّةِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ. فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: أدامَ اللَّهُ عِزَّ الأمِيرِ، إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا يَعْرِفُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مُعْرِفَةَ الحائِكِ؛ لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ. وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ، وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المَهْزُومِ لا يَخْلُو أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: .
. . . . . . . . .
ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
ومَعْنى هَذا أنَّ امْرَأ القَيْسِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في جَمْعِ شَيْئَيْنِ مُشْتَهِرَيِ المُناسَبَةِ، فَجَمَعَ شَيْئَيْنِ مُتَناسِبَيْنِ مُناسَبَةً دَقِيقَةً، وأنَّ أبا الطَّيِّبِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن جَمْعِ النَّظِيرَيْنِ، فَفَرَّقَهُما لِسُلُوكِ طَرِيقَةٍ أبْدَعَ، وهي طَرِيقَةُ الطِّباقِ بِالتَّضادِّ، وهو أعْرَقُ في صِناعَةِ البَدِيعِ، وجُعِلَتِ المِنَّةُ عَلى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ مَسُوقَةً في سِياقِ انْتِفاءِ أضَدادِها؛ لِيُطْرَقَ سَمْعُهُ بِأسامِي أصْنافِ الشَّقْوَةِ تَحْذِيرًا مِنها لِكَيْ يَتَحامى مَن يَسْعى إلى إرْزائِهِ مِنها.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنَّكَ لا تَظْمَأُ“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“ عَطْفًا لِلْجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ. وقَرَأ الباقُونَ ”وأنَّكَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ”ألّا تَجُوعَ“ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، أيْ إنَّ لَكَ نَفْيَ الجُوعِ والعُرْيِ ونَفْيَ الظَّمَأِ والضَّحْوِ. وقَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُ الجَمِيعِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِـ ”إنْ“ وبِأُخْتِها، وبَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ.
20:120Страница 320
فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ ١٢٠
Но дьявол стал нашептывать ему и сказал: «О Адам! Показать ли тебе дерево вечности и непреходящей власти?».
صفحة ٣٢٥
﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في الأعْرافِ. والفاءُ لِتَعْقِيبِ مَضْمُونِ جُمْلَتِها عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، وهو تَعْقِيبٌ نِسْبِيٌّ بِما يُناسِبُ مُدَّةً تَقَلُّبٍ في خِلالِها بِخَيْراتِ الجَنَّةِ حَتّى حَسَدَهُ الشَّيْطانُ واشْتَدَّ حَسَدُهُ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”وسْوَسَ“ هُنا بِحَرْفِ ”إلى“ وبِاللّامِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ تَعْلِيقِ المَجْرُورِ بِذَلِكَ الفِعْلِ في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ، فَإنَّهُ فِعْلٌ قاصِرٌ لا غِنًى لَهُ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالحَرْفِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”إلى“ هُنا بِاعْتِبارِ انْتِهاءِ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ وبُلُوغِها إيّاهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ في الأعْرافِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَسْوَسَةَ كانَتْ لِأجْلِهِما. وجُمْلَةُ ”قالَ يا آدَمُ“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]“ . وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ لِلْجُمْلَةِ المُبَيِّنَةِ لِغَيْرِها في عِلْمِ المَعانِي، وهَذا القَوْلُ خاطِرٌ ألْقاهُ الشَّيْطانُ في نَفْسِ آدَمَ بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ، وهي الكَلامُ الخَفِيُّ، إمّا بِألْفاظٍ نَطَقَ بِها الشَّيْطانُ سِرًّا لِآدَمَ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ فَيُحَذِّرُوا آدَمَ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ. فَيَكُونَ إطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً؛ وإمّا بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهٍ أرادَهُ الشَّيْطانُ كَما يُوَسْوِسُ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ إطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ مَجازًا بِاعْتِبارِ المُشابَهَةِ.
و”هَلْ أُدُلُّكَ“ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، وهو انْسَبُ المَعانِي المَجازِيَّةِ لِلِاسْتِفْهامِ لِقُرْبِهِ مِن حَقِيقَتِهِ.
والِافْتِتاحُ بِالنِّداءِ لِيَتَوَجَّهَ إلَيْهِ.
والشَّجَرَةُ هي الَّتِي نَهاهُ اللَّهُ عَنِ الأكْلِ مِنها دُونَ جَمِيعِ شَجَرِ الجَنَّةِ، ولَمْ يُذْكَرِ النَّهْيُ عَنْها هُنا وذُكِرَ في قِصَّةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا العَرْضُ مُتَقَدِّمٌ
صفحة ٣٢٦
عَلى الإغْراءِ بِالأكْلِ مِنها المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ولَمْ يَدُلُّهُ الشَّيْطانُ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ بَلْ كَذَّبَهُ ودَلَّهُ عَلى شَجَرَةٍ أُخْرى بِآيَةِ أنَّ آدَمَ لَمْ يُخَلَّدْ،، فَحَصَلَ لِآدَمَ تَوَهُّمُ أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي دَلَّهُ عَلَيْها الشَّيْطانُ أنْ يَخْلُدَ في الحَياةِ.
والدَّلالَةُ: الإرْشادُ إلى شَيْءٍ مَطْلُوبٍ غَيْرِ ظاهِرٍ لِطالِبِهِ، والدَّلالَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لِقَصْدِ الأكْلِ مِن ثَمَرَتِها. وسَمّاها هُنا ”شَجَرَةِ الخُلْدِ“ بِالإجْمالِ؛ لِلتَّشْوِيقِ إلى تَعْيِينِها حَتّى يُقْبِلَ عَلَيْها، ثُمَّ عَيَّنَها لَهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ”فَأكَلا مِنها“ . وقَدْ أفْصَحَ هَذا عَنِ اسْتِقْرارِ مَحَبَّةِ الحَياةِ في جِبِلَّةِ البَشَرِ.
والمُلْكُ: التَّحَرُّرُ مِن حُكْمِ الغَيْرِ، وهو يُوهِمُ آدَمَ أنَّهُ يَصِيرُ هو المالِكُ لِلْجَنَّةِ المُتَصَرِّفُ فِيها غَيْرَ مَأْمُورٍ لِآمِرٍ.
واسْتُعْمِلَ البِلى مَجازًا في الِانْتِهاءِ؛ لِأنَّ الثَّوْبَ إذا بَلِيَ فَقَدِ انْتَهى لُبْسُهُ.
20:121–122Страница 320
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١
Они оба поели с него, и тогда им стали видны их срамные места. Они стали прилеплять на себе райские листья. Адам ослушался своего Господа и впал в заблуждение.
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Потом Господь избрал его, принял его покаяние и наставил на прямой путь.
﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها العَرْضُ، أيْ فَعَمِلَ آدَمُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وأكَلَتْ حَوّاءُ مَعَهُ.
صفحة ٣٢٧
واقْتِصارُ الشَّيْطانِ عَلى التَّسْوِيلِ لِآدَمَ وهو يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ آدَمُ وحَوّاءُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اقْتِداءَ المَرْأةِ بِزَوْجِها مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ عَطَفٌ عَلى ”فَأكَلا مِنها“، أيْ أكَلا مَعًا، وتَعَمَّدَ آدَمُ مُخالَفَةَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنِ الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دُونَ زَوْجِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ كانَ قُدْوَةً لِزَوْجِهِ، فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَبِعَتْهُ زَوْجُهُ. وفي هَذا المَعْنى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] .
والغِوايَةُ: ضِدُّ الرُّشْدِ، فَهي عَمَلٌ فاسِدٌ أوِ اعْتِقادٌ باطِلٌ. وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَبِيئًا. وأنَّهُ كانَ في عالَمٍ غَيْرِ عالَمِ التَّكْلِيفِ وكانَتِ الغَوايَةُ كَذَلِكَ، فالعِصْيانُ والغِوايَةُ يَوْمَئِذٍ: الخُرُوجُ عَنِ الِامْتِثالِ في التَّرْبِيَةُ كَعِصْيانِ بَعْضِ العائِلَةِ أمْرَ كَبِيرِها، وإنَّما كانَ شَنِيعًا؛ لِأنَّهُ عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ.
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَنَدٌ لِتَجْوِيزِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ ولا لِمَنعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ العالَمَ لَمْ يَكُنْ عالَمَ تَكْلِيفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وعَصى آدَمُ وجُمْلَةِ ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ والتَّوْبَةَ عَلَيْهِ كانا بَعْدَ أنْ عُوقِبَ آدَمُ وزَوْجُهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو المُناسِبُ لِتَرَتُّبِ الإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ دُونَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى التَّوْبَةِ. وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ التَّعْجِيلُ بِبَيانِ مَآلِ آدَمَ إلى صَلاحٍ.
صفحة ٣٢٨
والِاجْتِباءُ: الِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] في النَّحْلِ.
والهِدايَةُ: الإرْشادُ إلى النَّفْعِ. والمُرادُ بِها إذا ذُكِرَتْ مَعَ الِاجْتِباءِ في القُرْآنِ النُّبُوءَةُ كَما في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ.
20:123–127Страница 320
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
Он сказал: «Низвергнитесь отсюда вместе, и одни из вас будут врагами других. Если же к вам явится от Меня верное руководство, то всякий, кто последует Моему верному руководству, не окажется заблудшим и несчастным.
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
А кто отвернется от Моего Напоминания, того ожидает тяжкая жизнь, а в День воскресения Мы воскресим его слепым».
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
И скажет он: «Господи! Почему Ты воскресил меня слепым, если раньше я был зрячим?».
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
Аллах скажет: «Вот так! Наши знамения явились к тебе, но ты предал их забвению. Таким же образом сегодня ты сам будешь предан забвению».
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
Так Мы воздаем тем, кто излишествовал и не уверовал в знамения своего Господа. А мучения в Последней жизни будут еще более тяжкими и длительными.
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии