Ибн АшурАль‑Анбия · 21:98–106

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Анбия 21:98–106

21:98–100Страница 330

إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨

Вы и те, чему вы поклоняетесь вместо Аллаха, являетесь растопкой для Геенны, в которую вы войдете.

لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩

Если бы они были богами, то не вошли бы туда. Но все они останутся там навечно.

لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠

Там они будут стенать при выдохе, но ничего не услышат.

﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إلى آخِرِهِ. فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. فالتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. وهو ارْتِقاءٌ في ثُبُورِهِمْ فَهم قالُوا ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَأخْبَرُوا بِأنَّ آلِهَتَهم وهم أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأبْعَدُ في أنْظارِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم سُوءٌ صائِرُونَ إلى مَصِيرِهِمْ مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا بِحَيْثُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما يَكُونُ فِيهِ صاحِبُ الصِّلَةِ غَيْرَ عاقِلٍ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والجِنِّ والشَّياطِينِ تَغْلِيبًا، عَلى أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ فِيما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ وغَيْرِهِ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ.

صفحة ١٥٣

وكانَتْ أصْنامُهم ومَعْبُوداتُهم حاضِرَةً في ذَلِكَ المَشْهَدِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ .

والحَصَبُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَحْصُوبِ بِهِ. أيِ المَرْمِيِّ بِهِ. ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَصْباءَ لِأنَّها حِجارَةٌ يُرْمى بِها، أيْ يُرْمَوْنَ في جَهَنَّمَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] . أيِ الكُفّارُ وأصْنامُهم. وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . والمَقْصُودُ مِنهُ: تَقْرِيبُ الحَصَبِ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وارِدُونَ) مِنَ الِاتِّصافِ بِوُرُودِ النّارِ في الحالِ كَما هو شَأْنُ الخَبَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ مَجازٌ في الِاسْتِقْبالِ.

وقَدْ زِيدَ في نِكايَتِهِمْ بِإظْهارِ خَطَئِهِمْ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ بِأنْ أُشْهِدُوا إيرادَها النّارَ وقِيلَ لَهم: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . وذُيِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ هم وأصْنامُهم.

والزَّفِيرُ: النَّفَسُ يَخْرُجُ مِن أقْصى الرِّئَتَيْنِ لِضَغْطِ الهَواءِ مِنَ التَّأثُّرِ بِالغَمِّ. وهو هُنا مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ دُونَ الأصْنامِ. وقَرِينَةُ مُعادِ الضَّمائِرِ واضِحَةٌ. وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ لِأنَّ شَأْنَ الزَّفِيرِ أنْ يُسْمَعَ فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَذابِ يَفْقِدُونَ السَّمْعَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ. فالآيَةُ واضِحَةُ السِّياقِ في المَقْصُودِ مِنها غَنِيَّةٌ عَنِ التَّلْفِيقِ. وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَجاءَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَجَلَسَ مَعَهم في مَجْلِسٍ مِن رِجالِ قُرَيْشٍ، فَتَلا رَسُولُ

صفحة ١٥٤

اللَّهِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى السَّهْمِيُّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَحَدَّثَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِما جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: أما واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فاسْألُوا مُحَمَّدًا أكُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مَعَ مَن عَبَدُوهم ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ، واليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، والنَّصارى تَعْبُدُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَحُكِيَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ كُلَّ مَن أحَبَّ أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو مَعَ مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّيْطانَ الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء»: ١٠١] اهـ.

وقَرِيبٌ مِن هَذا في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وفي الكَشّافِ مَعَ زِياداتٍ «أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ هَذا وزادَ فَقالَ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، وهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، وهَذِهِ اليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ» أيْ فَرَحًا وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خُصِمَ. ورُوِيَتِ القِصَّةُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ «وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِابْنِ الزِّبَعْرى: ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إنِّي قُلْتُ (وما تَعْبُدُونَ)، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ ولَمْ أقُلْ (ومَن تَعْبُدُونَ» ) . وإنَّ الآيَةَ حَكَتْ ما يَجْرِي يَوْمَ الحَشْرِ ولَيْسَ سِياقُها إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَخْصِيصًا لَها، أوْ تَكُونَ القِصَّةُ سَبَبًا لِنُزُولِهِ.

21:101–103Страница 330

إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١

А те, кому Мы изначально определили наилучшее, будут отдалены от нее.

لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢

Они не услышат даже малейшего ее звука и вечно пребудут среди того, что возжелали их души.

لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣

Их не опечалит величайший испуг, а ангелы встретят их словами: «Вот ваш день, который был вам обещан!».

صفحة ١٥٥

﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعا إلَيْهِ مُقابَلَةُ حِكايَةِ حالِ الكافِرِينَ وما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحِكايَةِ ما يَلْقاهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ وما يُقالُ لَهم. فالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِفَرِيقِ القَرْيَةِ الَّتِي سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ إهْلاكُها، ولَمّا كانَ فَرِيقُ القَرْيَةِ هُمُ المُشْرِكِينَ فالفَرِيقُ المُقابِلُ لَهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ولا هي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ عامٌّ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ ماتَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: تَجاوُزُ الغَيْرِ في السَّيْرِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ. ومِنهُ سِباقُ الخَيْلِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في ثُبُوتِ الأمْنِ في الماضِي، يُقالُ كانَ هَذا في العُصُورِ السّابِقَةِ، أيِ الَّتِي مَضَتْ أزْمانُها لِما بَيْنَ السَّبْقِ وبَيْنَ التَقَدُّمِ في المُلازَمَةِ، أيِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ الحُسْنى في الدُّنْيا، أيْ حَصَلَ لَهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ اللَّهِ، أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما حَصَلَ الإهْلاكُ لِأضْدادِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الخِذْلانِ.

والحُسْنى: الحالَةُ الحَسَنَةُ في الدِّينِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أوِ المَوْعِدَةُ الحُسْنى، أيْ تَقَرَّرَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِالمُعامَلَةِ الحُسْنى. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ.

صفحة ١٥٦

وذُكِرَ المَوْصُولُ في تَعْرِيفِهِمْ لِأنَّ المَوْصُولَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ فَوْزِهِمْ هو سَبْقُ تَقْدِيرِ الهِدايَةِ لَهم. وذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلى اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ، وهو سَبْقُ الحُسْنى مِنَ اللَّهِ.

واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلْإيماءِ إلى رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، والرِّفْعَةُ تُشَبَّهُ بِالبُعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ بَيانٌ لِمَعْنى مُبْعَدُونَ، أيْ مُبْعَدُونَ عَنْها بُعْدًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا يَلْفَحُهم حَرُّها ولا يَرُوعُهم مَنظَرُها ولا يَسْمَعُونَ صَوْتَها، والصَّوْتُ يَبْلُغُ إلى السَّمْعِ مِن أبْعَدِ ما يَبْلُغُ مِنهُ المَرْئِيُّ.

والحَسِيسُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَبْلُغُ الحِسَّ، أيِ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ، أيْ لا يَقْرُبُونَ مِنَ النّارِ ولا تَبْلُغُ أسْماعَهم أصْواتُها، فَهم سالِمُونَ مِنَ الفَزَعِ مِن أصْواتِها فَلا يَقْرَعُ أسْماعَهم ما يُؤْلِمُها. وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما هو أخَصُّ مِنَ السَّلامَةِ وهو النَّعِيمُ المُلائِمُ. وجِيءَ فِيهِ بِما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وهو ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ وما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ وهو (خالِدُونَ) .

والشَّهْوَةُ: تَشَوُّقُ النَّفْسِ إلى ما يَلَذُّ لَها.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المَوْصُولِ.

والفَزَعُ: نَفْرَةُ النَّفْسِ وانْقِباضُها مِمّا تَتَوَقَّعُ أنْ يَحْصُلَ لَها مِنَ الألَمِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَزَعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا فَزَعُ الحَشْرِ حِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، فَيَكُونُونَ في أمْنٍ مِن ذَلِكَ بِطَمْأنَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم.

صفحة ١٥٧

وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] .

والتَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ عِنْدَ حُلُولِهِ تَعَرُّضَ كَرامَةٍ. والصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِتَكَلُّفِ لِقائِهِ وهو تَكَلُّفُ تَهَيُّؤٍ واسْتِعْدادٍ. وجُمْلَةُ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يَقُولُونَ لَهم: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، تَذْكِيرًا لَهم بِما وُعِدُوا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ، لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَوْعُودَ بِهِ يَقَعُ في يَوْمٍ آخَرَ. أيْ هَذا يَوْمُ تَعْجِيلِ وعْدِكم. والإشارَةُ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ لِتَعْيِينِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ بِأنَّهُ اليَوْمُ الحاضِرُ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِ فائِدَتِهِمْ حاصِلَةً فِيهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ هَذا زَمانُكَ إنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي

أيْ هَذا الزَّمَنُ المُخْتَصُّ بِكَ، أيْ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ.

21:104Страница 331

يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤

В тот день Мы свернем небо, как сворачивают свитки для книг. Мы воссоздадим творения подобно тому, как начали творить их в первый раз. Так было обещано Нами. Воистину, Мы сделаем это.

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ قُصِدَ مِنها إعادَةُ ذِكْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالُ عَلى وُقُوعِهِ وإمْكانِهِ إبْطالًا لِإحالَةِ المُشْرِكِينَ وُقُوعَهُ بِعِلَّةِ أنَّ الأجْسادَ الَّتِي يُدَّعى بَعْثُها قَدِ انْتابَها الفَناءُ العَظِيمُ (﴿قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) .

صفحة ١٥٨

والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ هو ما جَرى مِن ذِكْرِ الحَشْرِ والعِقابِ والثَّوابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ. وقَدْ رُتِّبَ نَظْمُ الجُمْلَةِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِأغْراضٍ بَلِيغَةٍ. وأصْلُ الجُمْلَةِ: نُعِيدُ الخَلْقَ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ وعْدًا عَلَيْنا. فَحُوِّلَ النَّظْمُ فَقُدِّمَ الظَّرْفُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ لِلتَّشْوِيقِ إلى مُتَعَلِّقِهِ، ولِما في الجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ مِنَ الغَرابَةِ والطِّباقِ إذْ جُعِلَ ابْتِداءُ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البَعْثُ مُؤَقَّتًا بِوَقْتِ نَقْضِ خَلْقٍ قَدِيمٍ وهو طَيُّ السَّماءِ. وقُدِّمَ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ﴾ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نُعِيدُهُ) لِلتَّعْجِيلِ بِإيرادِ الدَّلِيلِ قَبْلَ الدَّعْوى لِتَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. وكُلُّ ذَلِكَ وُجُوهٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] . وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُفِيدُ تَحْقِيقَ حُصُولِ البَعْثِ مِن كَوْنِهِ وعْدًا عَلى اللَّهِ بِتَضْمِينِ الوَعْدِ مَعْنى الإيجابِ، فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى وعْدًا عَلَيْنا؛ أيْ حَقًّا واجِبًا. وجُمْلَةُ إنّا كُنّا فاعِلِينَ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوُا البَعْثَ بِعِلَّةِ تَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ فَنائِها فَقَدْ لَزِمَهم إحالَتُهم ذَلِكَ في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ (فاعِلِينَ) أنَّهُ الفاعِلُ لِما وعَدَ بِهِ، أيِ القادِرُ. والمَعْنى: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ذَلِكَ. وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ إفادَةُ أنَّ قُدْرَتَهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلُ قَوْلِهِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ .

صفحة ١٥٩

والطَّيُّ: رَدُّ بَعْضِ أجْزاءِ الجِسْمِ اللَّيِّنِ المَطْلُوقِ عَلى بَعْضِهِ الآخَرِ، وضِدُّهُ النَّشْرُ.

والسِّجِلُّ: بِكَسْرِ السِّينِ وكَسْرِ الجِيمِ هُنا، وفِيهِ لُغاتٌ. يُطْلَقُ عَلى الوَرَقَةِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها، ويُطْلَقُ عَلى كاتِبِ الصَّحِيفَةِ، ولَعَلَّهُ تَسْمِيَةٌ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: صاحِبُ السِّجِلِّ، وقِيلَ: سِجِلٌّ: اسْمُ مَلَكٍ في السَّماءِ تُرْفَعُ إلَيْهِ صَحائِفُ أعْمالِ العِبادِ فَيَحْفَظُها. ولا يَحْسُنُ حَمْلُهُ هُنا عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُلائِمُ إضافَةَ الطَّيِّ إلَيْهِ ولا يُرادِفُهُ لِقَوْلِهِ (لِلْكِتابِ) أوْ (لِلْكُتُبِ)، ولا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى المَلَكِ المُوَكَّلِ بِصَحائِفِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِفِعْلِهِ. فالوَجْهُ: أنْ يُرادَ بِالسِّجِلِّ الكاتِبُ الَّذِي يَكْتُبُ الصَّحِيفَةَ ثُمَّ يَطْوِيها عِنْدَ انْتِهاءِ كِتابَتِها، وذَلِكَ عَمَلٌ مَعْرُوفٌ. فالتَّشْبِيهُ بِعَمَلِهِ رَشِيقٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِلْكِتابِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (لِلْكُتُبِ) بِضَمِّ الكافِ وضَمِّ التّاءِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. ولَمّا كانَ تَعْرِيفُ السِّجِلِّ وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفَ جِنْسٍ اسْتَوى في المُعَرَّفِ الإفْرادُ والجَمْعُ. فَأمّا قِراءَتُهُما بِصِيغَةِ الإفْرادِ فَفِيها مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ في الصِّيغَةِ، وأمّا قِراءَةُ الكُتُبِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ كَوْنِ السِّجِلِّ مُفْرَدًا فَفِيها حُسْنُ التَّفَنُّنِ بِالتَّضادِّ. ورَسْمُها في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ يَحْتَمِلُ القِراءَتَيْنِ لِأنَّ الألِفَ قَدْ يُحْذَفُ في مِثْلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلْكِتابِ) لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَهي داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولِ (طَيِّ) .

ومَعْنى طَيِّ السَّماءِ تَغْيِيرُ أجْرامِها مِن مَوْقِعٍ إلى مَوْقِعٍ أوِ اقْتِرابُ بَعْضِها مِن بَعْضٍ كَما تَتَغَيَّرُ أطْرافُ الوَرَقَةِ المَنشُورَةِ حِينَ تُطْوى لِيَكْتُبَ

صفحة ١٦٠

الكاتِبُ في إحْدى صَفْحَتَيْها. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ انْقِراضِ النِّظامِ الحالِيِّ، وهو انْقِراضٌ لَهُ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ وُصِفَ بَعْضُها في سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ.

ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى اضْمِحْلالِ السَّماواتِ بَلْ عَلى اخْتِلالِ نِظامِها، وفي سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . ومَسْألَةُ دُثُورِ السَّماواتِ (أيِ اضْمِحْلالُها) فَرَضَها الحُكَماءُ المُتَقَدِّمُونَ ومالَ إلى القَوْلِ بِاضْمِحْلالِها في آخِرِ الأمْرِ أنِكْسِمائِسُ المَلْطِيُّ وفِيثاغُورْسُ وأفْلاطُونُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَطْوِي) بِنُونِ العَظَمَةِ وكَسْرِ الواوِ ونَصْبِ (السَّماءَ) . وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ تاءِ مُضارَعَةِ المُؤَنَّثِ وفَتْحِ الواوِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ وبِرَفْعِ (السَّماءُ) .

والبَدْءُ: الفِعْلُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ مُماثِلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى فاعِلٍ أوْ إلى زَمانٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وبَدْءُ الخَلْقِ كَوْنُهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، أيْ كَما جَعَلْنا خَلْقًا مَبْدُوءًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ في نَوْعِهِ.

وخَلْقٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

ومَعْنى إعادَةِ الخَلْقِ إعادَةُ مُماثِلِهِ في صُورَتِهِ فَإنَّ الخَلْقَ أيِ المَخْلُوقَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ فَرْدٌ مِن جِنْسٍ إذا اضْمَحَلَّ فَقِيلَ فَإنَّما يُعادُ مِثْلُهُ لِأنَّ الأجْناسَ لا تَحَقُّقَ لَها في الخارِجِ إلّا في ضِمْنِ أفْرادِها كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ مِثْلَ سِيرَتِها في جِنْسِها، أيْ في أنَّها عَصًا مِنَ العِصِيِّ. وظاهِرُ ما أفادَهُ الكافُ مِنَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أنَّ إعادَةَ خَلْقِ الأجْسامِ شُبِّهَتْ بِابْتِداءِ خَلْقِها. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو إمْكانُ كِلَيْهِما والقُدْرَةُ عَلَيْهِما وهو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ،

صفحة ١٦١

عَلى أنَّ التَّشْبِيهَ صالِحٌ لِلْمُاثَلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ. رَوى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ بِمَوْعِظَةٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ» الحَدِيثَ. فَهَذا تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ ما أفادَهُ التَّشْبِيهُ وهو مِن طَرِيقِ الوَحْيِ واللَّفْظُ لا يَأْباهُ فَيَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ مَعْنًى لِلْكافِ مَعَ المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ بِظاهِرِ السِّياقِ. وهَذا مِن تَفارِيعِ المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ تَفْسِيرِنا هَذا.

وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (نُعِيدُهُ) لِأنَّ الإخْبارَ بِالإعادَةِ في مَعْنى الوَعْدِ بِذَلِكَ فانْتَصَبَ عَلى بَيانِ النَّوْعِ لِلْإعادَةِ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ .

21:105–106Страница 331

وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥

Мы уже записали в Писаниях после того, как это было записано в Напоминании (Хранимой скрижали), что землю унаследуют Мои праведные рабы.

إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ ١٠٦

Воистину, в этом - послание для тех, кто поклоняется.

﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾

إنْ كانَ المُرادُ بِالأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها ظاهِرَةٌ. ولَها ارْتِباطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] . وإنْ كانَ المُرادُ أرْضًا مِنَ الدُّنْيا، أيْ مَصِيرَها بِيَدِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَسُوقَةً لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِمِيراثِ الأرْضِ الَّتِي لَقُوا فِيها الأذى، وهي أرْضُ مَكَّةَ وما حَوْلَها، فَتَكُونُ بِشارَةً بِصَلاحِ حالِهِمْ في الدُّنْيا بَعْدَ بِشارَتِهِمْ بِحُسْنِ مَآلِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٦٢

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .

عَلى أنَّ في إطْلاقِ اسْمِ الأرْضِ ما يَصْلُحُ لِإرادَةِ أنَّ سُلْطانَ العالَمِ سَيَكُونُ بِيَدِ المُسْلِمِينَ ما اسْتَقامُوا عَلى الإيمانِ والصَّلاحِ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في الحالَيْنِ وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وفي حَدِيثِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها» .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (في الزَّبُورِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ وهو اسْمُ المَزْبُورِ، أيِ المَكْتُوبِ، فَعُولٌ مَعْنى مَفْعُولٍ، مِثْلَ: ناقَةٌ حَلُوبٌ ورَكُوبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ زَبُورٌ بِوَزْنِ فَعُولٍ؛ جَمْعُ زِبْرٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أيْ مَزْبُورٌ، فَوَزْنُهُ مِثْلَ قِشْرٍ وقُشُورٍ، أيْ في الكُتُبِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو غالِبٌ في الإطْلاقِ عَلى كِتابِ داوُدَ قالَ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] في سُورَةِ النِّساءِ وفي سُورَةِ الإسْراءِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ هَذا الوَعْدِ بِكِتابِ داوُدَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وعْدٌ عامٌّ لِلصّالِحِينَ بِهَذا الإرْثِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ قَبْلَهُ. وما ورَدَ في التَّوْراةِ فِيما حَكاهُ القُرْآنُ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - (﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]) فَذَلِكَ خاصٌّ بِأرْضِ المَقْدِسِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ.

والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ وهو مَبْثُوثٌ في الكِتابِ المُسَمّى بِالمَزامِيرِ مِن كُتُبِ اليَهُودِ. ولَمْ أذْكُرِ الآنَ الجُمْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذا الوَعْدَ في المَزامِيرِ. ووَجَدُتْ في مُحاضَرَةٍ لِلْإيطالِيِّ المُسْتَعْرِبِ ”فُوِيدُو“ أنَّ نَصَّ هَذا الوَعْدِ مِنَ الزَّبُورِ بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ هَكَذا (صَدِّيقِينَ يَرْشُونَ أرِصْ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ في يَرْشُونَ وبِصادٍ مُهْمَلَةٍ في أرِصْ، أيِ الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأرْضَ. والمَقْصُودُ: الشَّهادَةُ عَلى هَذا الوَعْدِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ

صفحة ١٦٣

يَجِيءَ مِثْلُ هَذا الوَعْدِ في القُرْآنِ في سُورَةِ النُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] .

وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ أنَّ هَذا الوَعْدَ تَكَرَّرَ لِفِرَقٍ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ ورَدَ في الزَّبُورِ عَقِبَ تَذْكِيرٍ ووَعْظٍ لِلْأُمَّةِ. فَبَعْدَ أنْ أُلْقِيَتْ إلَيْهِمُ الأوامِرُ وُعِدُوا بِمِيراثِ الأرْضِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ (الذِّكْرِ) كِتابُ الشَّرِيعَةِ وهو التَّوْراةُ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَيَكُونُ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الزَّبُورِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ الإيماءُ إلى أنَّ الوَعْدَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُنا هو غَيْرُ ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى مِن إعْطائِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ. وهو الوَعْدُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وأنَّهُ غَيْرُ الإرْثِ الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ لِأنَّ ذَلِكَ وعْدٌ كانَ قَبْلَ داوُدَ، فَإنَّ مُلْكَ داوُدَ أحَدُ مَظاهِرِهِ. بَلِ المُرادُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وعْدٌ وعَدَهُ اللَّهُ قَوْمًا صالِحِينَ بَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسُوا إلّا المُسْلِمِينَ الَّذِينَ صَدَقَهُمُ اللَّهُ وعْدَهُ فَمَلَكُوا الأرْضَ بِبَرَكَةِ رَسُولِهِمْ ﷺ وأصْحابِهِ واتَّسَعَ مُلْكُهم وعَظُمَ سُلْطانُهم حَسْبَ ما أنْبَأ بِهِ نَبِيئُهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وإعْلانٌ بِأنْ قَدْ آنَ أوانُهُ وجاءَ إبّانُهُ. فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ داوُدَ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ ورِثُوا الأرْضَ، فَما جاءَ الإسْلامُ وآمَنَ النّاسُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ بَلَّغَ البَلاغَ إلَيْهِمْ.

صفحة ١٦٤

فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (إنَّ في هَذا) إلى الوَعْدِ المَوْعُودِ في الزَّبُورِ والمُبَلَّغِ في القُرْآنِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ العابِدِينَ مَن شَأْنُهُمُ العِبادَةُ لا يَنْحَرِفُونَ عَنْها قَيْدَ أُنْمُلَةٍ كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ جَرَيانُ وصْفِ العابِدِينَ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) المُشْعِرِ بِأنَّ العِبادَةَ هي قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَقَدْ أبْلَغْتُكُمُ الوَعْدَ فاجْتَهِدُوا في نَوالِهِ. والقَوْمُ العابِدُونَ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والمَوْجُودُونَ يَوْمَئِذٍ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ.

والعِبادَةُ: الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ. قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقَدْ ورِثُوا هَذا المِيراثَ العَظِيمَ وتَرَكُوهُ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهم، فَهم فِيهِ أطْوارٌ كَشَأْنِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ الرُّشْدِ والسَّفَهِ في التَّصَرُّفِ في مَوارِيثِ الأسْلافِ. وما أشْبَهَ هَذا الوَعْدَ المَذْكُورَ هُنا ونَوْطَهُ بِالعِبادَةِ بِالوَعْدِ الَّذِي وُعِدَتْهُ هَذِهِ الأُمَّةُ في القُرْآنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English