Ибн АшурАль‑Анбия · 21:107–111

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Анбия 21:107–111

21:107Страница 331

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧

Мы отправили тебя только в качестве милости к мирам.

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾

أُقِيمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى عِمادِ إثْباتِ الرِّسالَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِ دَعْوَتِهِ. فافْتُتِحَتْ بِإنْذارِ المُعانِدِينَ بِاقْتِرابِ

صفحة ١٦٥

حِسابِهِمْ ووَشْكِ حُلُولِ وعْدِ اللَّهِ فِيهِمْ وإثْباتِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وذُكِرُوا إجْمالًا، ثُمَّ ذُكِرَتْ طائِفَةٌ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ بِمَواعِظَ ودَلائِلَ. وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أُوتُوا حُكْمًا وعِلْمًا وذِكْرِ ما أُوتُوهُ مِنَ الكَراماتِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى وصْفٍ جامِعٍ لِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ومَزِيَّتُها عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ مَزِيَّةٌ تُناسِبُ عُمُومَها ودَوامَها؛ وذَلِكَ كَوْنُها رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] خِتامًا لِمَناقِبِ الأنْبِياءِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ. ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالٌ بِآيَةِ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] . ووِزانُها في وصْفِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وِزانُ آيَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وآيَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] والآياتِ الَّتِي بَعْدَها في وصْفِ ما أُوتِيَهُ الرُّسُلُ السّابِقُونَ. وصِيغَتْ بِأبْلَغِ نَظْمٍ إذِ اشْتَمَلَتْ هاتِهِ الآيَةُ بِوَجازَةِ ألْفاظِها عَلى مَدْحِ الرَّسُولِ ﷺ ومَدْحِ مُرْسِلِهِ تَعالى، ومَدْحِ رِسالَتِهِ بِأنْ كانَتْ مَظْهَرَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ كافَّةً وبِأنَّها رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِهِ. فَهي تَشْتَمِلُ عَلى أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ حَرْفًا بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي عُطِفَتْ بِهِ. وذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ، ومُرْسِلُهُ، والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ، والرِّسالَةُ، وأوْصافُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ، مَعَ إفادَةِ عُمُومِ الأحْوالِ، واسْتِغْراقِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وخُصُوصِيَّةِ الحَصْرِ، وتَنْكِيرُ (رَحْمَةً) لِلتَّعْظِيمِ؛ إذْ لا مُقْتَضى

صفحة ١٦٦

لِإيثارِ التَّنْكِيرِ في هَذا المَقامِ غَيْرُ إرادَةِ التَّعْظِيمِ وإلّا لَقِيلَ: إلّا لِنَرْحَمَ العالَمِينَ، أوْ إلّا أنَّكَ الرَّحْمَةُ لِلْعالَمِينَ. ولَيْسَ التَّنْكِيرُ لِلْإفْرادِ قَطْعًا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ جِنْسُ الرَّحْمَةِ وتَنْكِيرُ الجِنْسِ هو الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ قَصْدُ إرادَةِ التَّعْظِيمِ. فَهَذِهِ اثْنا عَشَرَ مَعْنًى خُصُوصِيًّا، فَقَدْ فاقَتْ أجَمْعَ كَلِمَةٍ لِبُلَغاءِ العَرَبِ، وهي:

قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ

إذْ تِلْكَ الكَلِمَةُ قُصاراها كَما قالُوا: أنَّهُ وقَفَ واسْتَوْقَفَ وبَكى واسْتَبْكى وذَكَرَ الحَبِيبَ والمَنزِلَ دُونَ خُصُوصِيَّةٍ أزْيَدَ مِن ذَلِكَ فَجَمَعَ سِتَّةَ مَعانٍ لا غَيْرَ وهي غَيْرُ خُصُوصِيَّةٍ؛ إنَّما هي وفْرَةُ مَعانٍ. ولَيْسَ تَنْكِيرُ حَبِيبٍ ومَنزِلٍ إلّا لِلْوَحْدَةِ لِأنَّهُ أرادَ فَرْدًا مُعَيَّنًا مِن جِنْسِ الأحْبابِ وفَرْدًا مُعَيَّنًا مِن جِنْسِ المَنازِلِ، وهُما حَبِيبُهُ صاحِبُ ذَلِكَ المَنزِلِ، ومَنزِلُهُ. واعْلَمْ أنَّ انْتِصابَ (رَحْمَةً) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ يَجْعَلُهُ وصْفًا مِن أوْصافِهِ فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ انْحِصارُ المَوْصُوفِ في هَذِهِ الصِّفَةِ صارَ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ. فَفِيهِ إيماءٌ لَطِيفٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ اتَّحَدَ بِالرَّحْمَةِ وانْحَصَرَ فِيها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عُنْوانَ الرَّسُولِيَّةِ مُلازِمٌ لَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، فَصارَ وُجُودُهُ رَحْمَةً وسائِرُ أكْوانِهِ رَحْمَةً. ووُقُوعُ الوَصْفِ مَصْدَرًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في هَذا الِاتِّحادِ بِحَيْثُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ صِفَةً مُتَمَكِّنَةً مِن إرْسالِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى ما أشارَ إلى شَرْحِهِ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» . وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَظْهَرُ في مَظْهَرَيْنِ: الأوَّلُ تَخَلُّقُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ بِخُلُقِ الرَّحْمَةِ، والثّانِي إحاطَةُ الرَّحْمَةِ بِتَصارِيفِ شَرِيعَتِهِ. فَأمّا المَظْهَرُ الأوَّلُ فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ القَيْسِيُّ الإشْبِيلِيُّ أحَدُ تَلامِذَةِ أبِي عَلِيٍّ الغَسّانِيِّ ومِمَّنْ أجازَ لَهم أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِن رِجالِ القَرْنِ الخامِسِ: زَيَّنَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ

صفحة ١٦٧

بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً وجَمِيعُ شَمائِلِهِ رَحْمَةً وصِفاتُهُ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ اهـ. ذَكَرَهُ عَنْهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ. قُلْتُ: يَعْنِي أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فُطِرَ عَلى خُلُقِ الرَّحْمَةِ في جَمِيعِ أحْوالِ مُعامَلَتِهِ الأُمَّةَ لِتَتَكَوَّنَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ وبَيْنَ ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي رَحْمَةٌ حَتّى يَكُونَ تَلَقِّيهِ الشَّرِيعَةَ عَنِ انْشِراحِ نَفْسٍ أنْ يَجِدَ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ مُلائِمًا رَغْبَتَهُ وخُلُقَهُ. قالَتْ عائِشَةُ ”«كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» “ . ولِهَذا خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يَصِفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وكَذَلِكَ في القُرْآنِ كُلِّهِ؛ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقالَ تَعالى ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ بِرَحْمَةٍ جَبَلَكَ عَلَيْها وفَطَرَكَ بِها فَكُنْتَ لَهم لَيِّنًا. وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأمّا المَظْهَرُ الثّانِي مِن مَظاهِرِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فَهو مَظْهَرُ تَصارِيفِ شَرِيعَتِهِ. أيْ ما فِيها مِن مُقَوِّماتِ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى (لِلْعالَمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (رَحْمَةً) . والتَّعْرِيفُ في (العالَمِينِ) لِاسْتِغْراقِ كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العالَمِ.

والعالَمُ: الصِّنْفُ مِن أصْنافِ ذَوِي العِلْمِ، أيِ الإنْسانُ، أوِ النَّوْعُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ذاتِ الحَياةِ كَما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . فَإنْ أُرِيدَ أصْنافُ ذَوِي العِلْمِ فَمَعْنى كَوْنِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُنْحَصِرَةً في الرَّحْمَةِ - أنَّها أوْسَعُ الشَّرائِعِ رَحْمَةً بِالنّاسِ فَإنَّ الشَّرائِعَ السّالِفَةَ وإنْ كانَتْ مَمْلُوءَةً بِرَحْمَةٍ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ فِيها غَيْرُ عامَّةٍ إمّا لِأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ، فالحَنِيفِيَّةُ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ رَحْمَةً خاصَّةً بِحالَةِ الشَّخْصِ

صفحة ١٦٨

فِي نَفْسِهِ ولَيْسَ فِيها تَشْرِيعٌ عامٌّ، وشَرِيعَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِنها في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّها قَدْ تَشْتَمِلُ في غَيْرِ القَلِيلِ مِن أحْكامِها عَلى شِدَّةٍ اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في سِياسَةِ الأُمَمِ المَشْرُوعَةِ هي لَها مِثْلَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَإنَّها أوْسَعُ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ لِتَعَلُّقِها بِأكْثَرِ أحْوالِ الأفْرادِ والجَماعاتِ، وهي رَحْمَةٌ كَما وصَفَها اللَّهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] فَإنَّ كَثِيرًا مِن عُقُوباتِ أُمَّتِها جُعِلَتْ في فَرْضِ أعْمالٍ شاقَّةٍ عَلى الأُمَّةِ بِفُرُوضٍ شاقَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ؛ قالَ تَعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وقالَ ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إلى آياتٍ كَثِيرَةٍ.

لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ الكامِلَةِ. وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما حَكاهُ خِطابًا مِنهُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - (﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦]) الآيَةَ. فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ رَحْمَةٌ هي عامَّةٌ فامْتازَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُلازِمَةٌ لِلنّاسِ بِها في سائِرِ أحْوالِهِمْ وأنَّها حاصِلَةٌ بِها لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِأُمَّةٍ خاصَّةٍ. وحِكْمَةُ تَمْيِيزِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِهَذِهِ المَزِيَّةِ أنَّ أحْوالَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مَضَتْ عَلَيْها عُصُورٌ وأطْوارٌ تَهَيَّأتْ بِتَطَوُّراتِها لِأنْ تُساسَ بِالرَّحْمَةِ وأنْ تُدْفَعَ عَنْها المَشَقَّةُ إلّا بِمَقادِيرَ ضَرُورِيَّةٍ لا تُقامُ المَصالِحُ بِدُونِها، فَما في الشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِنِ اخْتِلاطِ الرَّحْمَةِ بِالشِّدَّةِ وما في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن تَمَحُّضِ الرَّحْمَةِ لَمْ يَجُرْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أسْعَدَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ والَّذِي جاءَ بِها والأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لَها بِمُصادَفَتِها لِلزَّمَنِ والطَّوْرِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ في سِياسَةِ البَشَرِ أنْ يَكُونَ التَّشْرِيعُ لَهم تَشْرِيعَ رَحْمَةٍ إلى انْقِضاءِ العالَمِ.

صفحة ١٦٩

فَأُقِيمَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ عَلى دَعائِمِ الرَّحْمَةِ والرِّفْقِ واليُسْرِ. قالَ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقالَ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» . وما يُتَخَيَّلُ مِن شِدَّةٍ في نَحْوِ القِصاصِ والحُدُودِ فَإنَّما هو لِمُراعاةِ تَعارُضِ الرَّحْمَةِ والمَشَقَّةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . فالقِصاصُ والحُدُودُ شِدَّةٌ عَلى الجُناةِ ورَحْمَةٌ بِبَقِيَّةِ النّاسِ. وأمّا رَحْمَةُ الإسْلامِ بِالأُمَمِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ فَإنَّما نَعْنِي بِهِ رَحْمَتَهُ بِالأُمَمِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ سُلْطانِهِ وهم أهْلُ الذِّمَّةِ. ورَحْمَتُهُ بِهِمْ عَدَمُ إكْراهِهِمْ عَلى مُفارَقَةِ أدْيانِهِمْ. وإجْراءُ العَدْلِ بَيْنَهم في الأحْكامِ بِحَيْثُ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْهِمْ في الحُقُوقِ العامَّةِ. هَذا وإنْ أُرِيدَ بِـ (العالَمِينَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ النَّوْعُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ذاتِ الحَياةِ فَإنَّ الشَّرِيعَةَ تَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الحَيَوانِ في مُعامَلَةِ الإنْسانِ إيّاهُ وانْتِفاعِهِ بِهِ. إذْ هو مَخْلُوقٌ لِأجْلِ الإنْسانِ قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقالَ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] .

وقَدْ أذِنَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ لِلنّاسِ في الِانْتِفاعِ بِما يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الحَيَوانِ ولَمْ تَأْذَنْ في غَيْرِ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ كُرِهَ صَيْدُ اللَّهْوِ وحُرِّمَ تَعْذِيبُ الحَيَوانِ لِغَيْرِ أكْلِهِ، وعَدَّ فُقَهاؤُنا سِباقَ الخَيْلِ رُخْصَةً لِلْحاجَةِ في الغَزْوِ ونَحْوِهِ. ورَغَّبَتِ الشَّرِيعَةُ في رَحْمَةِ الحَيَوانِ فَفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِرَجُلٍ وجَدَ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ

صفحة ١٧٠

فِي بِئْرٍ فَمَلَأ خُفَّهُ ماءً وأمْسَكَهُ بِفَمِهِ حَتّى رَقِيَ فَسَقى الكَلْبَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» .

أمّا المُؤْذِي والمُضِرُّ مِنَ الحَيَوانِ فَقَدْ أُذِنَ في قَتْلِهِ وطَرْدِهِ لِتَرْجِيحِ رَحْمَةِ النّاسِ عَلى رَحْمَةِ البَهائِمِ. وفي تَفاصِيلِ الأحْكامِ مِن هَذا القَبِيلِ كَثْرَةٌ لا يُعْوِزُ الفَقِيهَ تَتَبُّعُها.

21:108Страница 331

قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨

Скажи: «Мне внушено в откровении, что ваш Бог - Бог Единственный. Не станете ли вы мусульманами?».

﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

عَقَّبَ الوَصْفَ الجامِعَ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن حَيْثُ ما لَها مِنَ الأثَرِ في أحْوالِ البَشَرِ بِوَصْفٍ جامِعٍ لِأصْلِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ في ذاتِها الواجِبِ عَلى كُلِّ مُتَّبِعٍ لَها وهو الإيمانُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وإبْطالِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ، لِنَبْذِ الشِّرْكِ المَبْثُوثِ بَيْنَ الأُمَمِ يَوْمَئِذٍ. ولِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ صُدِّرَتْ جُمْلَتُهُ بِالأمْرِ بِأنْ يَقُولَ لَهم لِاسْتِصْغاءِ أسْماعِهِمْ. وصِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ حَصْرِ الوَحْيِ إلَيْهِ في مَضْمُونِها لِأنَّ مَضْمُونَها هو أصْلُ الشَّرِيعَةِ الأعْظَمُ، وكُلُّ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، فالدَّعْوَةُ إلَيْهِ هي مَقادَةُ الِاجْتِلابِ إلى الشَّرِيعَةِ كُلِّها، إذْ كانَ أصْلُ الخِلافِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُعانِدِيهِ هو قَضِيَّةَ الوَحْدانِيَّةِ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] . وما كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوهُ في دِينِ شِرْكِهِمْ إذْ كانَ الَّذِينَ وضَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ لا يُحَدِّثُونَهم إلّا عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَما كانَ تَصَلُّبُهم في إنْكارِ البَعْثِ إلّا شُعْبَةً مِن شُعَبِ الشِّرْكِ. فَلا جَرَمَ كانَ الِاهْتِمامُ بِتَقْرِيرِ الوَحْدانِيَّةِ تَضْيِيقًا لِشُقَّةِ الخِلافِ بَيْنَ النَّبِيءِ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المُعْرِضِينَ الَّذِينَ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِوَصْفِ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٧١

﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] . وأفادَتْ (إنَّما) المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ وإتْلاؤُها بِفِعْلِ (يُوحى) قَصْرَ الوَحْيِ إلى الرَّسُولِ عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . وهو قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ. و(أنَّما) المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ هي أُخْتُ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في إفادَةِ القَصْرِ لِأنَّ (أنَّما) المَفْتُوحَةَ مُرَكَّبَةٌ مِن ”أنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ و”ما“ الكافَّةِ. كَما رُكِّبَتْ (إنَّما) المَكْسُورَةُ مِن ”إنَّ“ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ و”ما“ الكافَّةِ. وإذْ كانَتْ ”أنَّ“ المَفْتُوحَةَ أُخْتُ ”إنَّ“ المَكْسُورَةِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ فَكَذَلِكَ كانَتْ عِنْدَ اتِّصالِها بِـ ”ما“ الكافَّةِ أُخْتًا لَها في إفادَةِ القَصْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] في سُورَةِ العُقُودِ. وإذْ قَدْ أتُلِيَتْ (أنَّما) المَفْتُوحَةُ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِحَقِيقَةِ الإلَهِ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ فَقَدْ أفادَتْ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ مُسْتَأْثِرٌ بِالوَحْدانِيَّةِ فَلا يَكُونُ في هَذِهِ الحَقِيقَةِ تَعَدُّدُ أفْرادٍ فَأفادَتْ قَصْرًا ثانِيًا، وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ. والقَصْرُ الأوَّلُ إضافِيٌّ؛ أيْ ما يُوحى إلَيَّ في شَأْنِ الإلَهِ إلّا أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ. والقَصْرُ الثّانِي أيْضًا إضافِيٌّ. أيْ في شَأْنِ الإلَهِ مِن حَيْثُ الوَحْدانِيَّةُ. ولَمّا كانَ القَصْرُ الإضافِيُّ مِن شَأْنِهِ رَدُّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ بِجُمْلَةِ القَصْرِ لَزِمَ اعْتِبارُ رَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِالقَصْرَيْنِ. فالقَصْرُ الأوَّلُ لِإبْطالِ ما يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلى النّاسِ مِن أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ والرَّحْمَنَ. ويُلِّبِسُونَ تارَةً بِأنَّهُ ساحِرٌ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى ما لا يُعْقَلُ. قالَ تَعالى ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]

صفحة ١٧٢

وقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . ثُمَّ إنَّ كِلا القَصْرَيْنِ كانَ كَلِمَةً جامِعَةً لِدَعْوَةِ الإسْلامِ تَقْرِيبًا لِشُقَّةِ الخِلافِ والتَّشْعِيبِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَفَرَّعَ عَلَيْها جُمْلَةُ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ؛ أيْ فَهَلْ تُسْلِمُونَ بَعْدَ هَذا البَيانِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا في مَعْنًى كِنائِيٍّ وهو التَّحْرِيضُ عَلى نَبْذِ الإشْراكِ وعَلى الدُّخُولِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ.

واسْمُ الفاعِلِ مُسْتَعْمَلٌ في الحالِ عَلى أصْلِهِ؛ أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ الآنَ اسْتِبْطاءً لِتَأخُّرِ إسْلامِهِمْ. وصِيغَ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ دُونَ أنْ يُقالَ: فَهَلْ تُسْلِمُونَ، لِإفادَةِ أنَّ المَطْلُوبَ مِنهم إسْلامٌ ثابِتٌ. وكَأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم في رَيْبٍ يَتَرَدَّدُونَ.

21:109Страница 331

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩

Если они отвернутся, то скажи: «Я предупреждаю всех вас в равной мере, и я не знаю, рано или поздно настанет то, что вам обещано.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾

أيْ فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذا التَّبْيِينِ المُفَصَّلِ والجامِعِ فَأبْلِغْهُمُ الإنْذارَ بِحُلُولِ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ.

والإيذانُ: الإعْلامُ، وهو بِوَزْنِ أفْعَلَ مِن أذِنَ لِكَذا بِمَعْنى سَمِعَ. واشْتِقاقُهُ مِنِ اسْمِ الأُذُنِ، وهي جارِحَةُ السَّمْعِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى العِلْمِ بِالسَّمْعِ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في العِلْمِ مُطْلَقًا. وأمّا (آذَنَ) فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الصِّيغَتَيْنِ في مَعْنى الإنْذارِ وهو الإعْلامُ المَشُوبُ بِتَحْذِيرٍ. فَمِنِ اسْتِعْمالِ أذِنَ قَوْلُهُ

صفحة ١٧٣

تَعالى ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . ومِنِ اسْتِعْمالِ (آذَنَ) قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ

وحُذِفَ مَفْعُولُ (آذَنْتُكم) الثّانِي لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى (ما تُوعَدُونَ) عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ: آذَنْتُكم ما يُوحى إلَيَّ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ. والأظْهَرُ تَقْدِيرُ ما يَشْمَلُ المَعْنَيَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧] . وقَوْلُهُ تَعالى (عَلى سَواءٍ) (عَلى) فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو قُوَّةُ المُلابَسَةِ وتَمَكُّنُ الوَصْفِ مِن مَوْصُوفِهِ. و(سَواءٍ) اسْمٌ مَعْناهُ مُسْتَوٍ. والِاسْتِواءُ: المُماثَلَةُ في شَيْءٍ ويُجْمَعُ عَلى أسَواءٍ. وأصْلُهُ مَصْدَرٌ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ فَجَمَعُوهُ لِذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ لا يُجْمَعَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَلى سَواءٍ) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا هو حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى (آذَنْتُكم) أيْ أنْذَرْتُكم مُسْتَوِينَ في إعْلامِكم بِهِ لا يَدَّعِي أحَدٌ مِنكم أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الإنْذارُ. وهَذا إعْذارٌ لَهم وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ في خُطْبَتِهِ (ألا هَلْ بَلَّغْتُ) . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِفِعْلِ (آذَنْتُكم) قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الإيذانُ عَلى السَّواءِ: الدُّعاءُ إلى الحَرْبِ مُجاهَرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] اهـ.

يُرِيدُ أنَّ هَذا مَثَلٌ بِحالِ النَّذِيرِ بِالحَرْبِ إذْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ دُعاءٌ إلى حَرْبٍ حَقِيقِيَّةٍ. وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَلى سَواءٍ) حالًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (آذَنْتُكم) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ عَلَيْهِ، ولِأنَّ السِّياقَ يُؤْذِنُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ ياجُوجُ وماجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) الآيَةَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] في سُورَةِ الأنْفالِ.

صفحة ١٧٤

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُوعَدُونَهُ مِن عِقابٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ عاشُوا أوْ ماتُوا. و(إنْ) نافِيَةٌ وعُلِّقَ فِعْلُ (أدْرِي) عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَ العائِدُ. وتَقْدِيرُهُ: ما تُوعَدُونَ بِهِ.

21:110Страница 331

إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠

Воистину, Он ведает о словах, которые произносят вслух, и ведает о том, что вы утаиваете.

﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ المَقامِ. والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ الإنْذارِ بِتَحْقِيقِ حُلُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ وتَعْلِيلُ عَدَمِ العِلْمِ بِقُرْبِهِ أوْ بُعْدِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ جَهْرَهم وسِرَّهم وهو الَّذِي يُؤاخِذُهم عَلَيْهِ وهو الَّذِي يَعْلَمُ مَتى يَحِلُّ بِهِمْ عَذابُهُ. وعائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى (ما تَكْتُمُونَ) ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ.

21:111Страница 331

وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١

Я не знаю, может быть, это - искушение для вас или же возможность пользоваться благами до определенного времени».

﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] . والضَّمِيرُ الَّذِي هو اسْمُ (لَعَلَّ) عائِدٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] مِن أنَّهُ أمْرٌ مُنْتَظَرُ الوُقُوعِ وأنَّهُ تَأخَّرَ عَنْ وُجُودِ مُوجِبِهِ، والتَّقْدِيرُ: لَعَلَّ تَأْخِيرَهُ فِتْنَةٌ لَكم، أوْ لَعَلَّ تَأْخِيرَ ما تُوعَدُونَ فِتْنَةٌ لَكم، أيْ ما أدْرِي حِكْمَةَ هَذا التَّأْخِيرِ فَلَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم أرادَها اللَّهُ لِيُمْلِيَ لَكم، إذْ بِتَأْخِيرِ الوَعْدِ يَزْدادُونَ في التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي وذَلِكَ فِتْنَةٌ.

والفِتْنَةُ: اخْتِلالُ الأحْوالِ المُفْضِي إلى ما فِيهِ مَضَرَّةٌ.

صفحة ١٧٥

والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ مُدَّةً قَلِيلَةً. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والحِينُ: الزَّمانُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English