Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анбия 21:42–46
21:42–43Страница 325
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Скажи: «Кто способен защитить вас от Милостивого днем или ночью?». Но они отворачиваются от поминания своего Господа.
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Или же у них есть боги, которые могут защитить их от Нас? Они не способны помочь самим себе, и никто не защитит их от Нас.
﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]
بَعْدَ أنْ سُلِّيَ الرَّسُولُ ﷺ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعِيدِ أُمِرَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأنَّ غُرُورَهم بِالإمْهالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ كَشَأْنِهِ في الرَّحْمَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ - بِأنَّهم إذا نَزَلَ بِهِمْ عَذابُهُ لا يَجِدُونَ حافِظًا لَهم مِنَ العَذابِ غَيْرَهُ ولا تَمْنَعُهم مِنهُ آلِهَتُهم، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ لا يَكْلَؤُكم مِنهُ أحَدٌ، فَكَيْفَ تَجْهَلُونَ ذَلِكَ، تَنْبِيهًا لَهم إذْ نَسُوا نِعَمَهُ.
وذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِاسْتِيعابِ الأزْمِنَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَكْلَؤُكم في جَمِيعِ الأوْقاتِ،
صفحة ٧٤
وقُدِّمَ اللَّيْلُ لِأنَّهُ زَمَنُ المَخاوِفِ؛ لِأنَّ الظَّلامَ يُعِينُ أسْبابَ الضُّرِّ عَلى الوُصُولِ إلى مُبْتَغاها مِن إنْسانٍ وحَيَوانٍ وعِلَلِ الأجْسامِ.
وذِكْرُ النَّهارِ بَعْدَهُ لِلِاسْتِيعابِ.
ومَعْنى ”مِنَ الرَّحْمَنِ“ مِن بَأْسِهِ وعَذابِهِ، وجِيءَ بَعْدَ هَذا التَّفْرِيعِ بِإضْراباتٍ ثَلاثَةٍ انْتِقالِيَّةٍ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ الَّذِي هو شَأْنُ الإضْرابِ.
فالإضْرابُ الأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهو ارْتِقاءٌ مِنَ التَّقْرِيعِ المَجْعُولِ لِلْإصْلاحِ إلى التَّأْيِيسِ مِن صَلاحِهِمْ بِأنَّهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ، فَلا يُرْجى مِنهُمُ الِانْتِفاعُ بِالقَوارِعِ، أيْ أخِّرِ السُّؤالَ والتَّقْرِيعَ واتْرُكْهم حَتّى إذا تَوَرَّطُوا في العَذابِ عَرَفُوا أنْ لا كالِئَ لَهم.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثانِيًا بِـ ”أمْ“ المُنْقَطِعَةِ الَّتِي هي أُخْتُ ”بَلْ“ مَعَ دَلالَتِها عَلى الِاسْتِفْهامِ؛ لِقَصْدِ التَّقْرِيعِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾، أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ ما لَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم مِن دُونِنا، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأصْنامَ شُفَعاءَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. وضَمِيرُ ”يَسْتَطِيعُونَ“ عائِدٌ إلى آلِهَةٍ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ العُقَلاءِ مُجاراةً لِما يُجْرِيهِ العَرَبُ في كَلامِهِمْ. والمَعْنى: كَيْفَ يَنْصُرُونَهم وهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ، ولا هم مُؤَيَّدُونَ مِنَ اللَّهِ بِالقَبُولِ.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثالِثًا انْتَقَلَ بِهِ إلى كَشْفِ سَبَبِ غُرُورِهِمُ الَّذِي مِن جَهْلِهِمْ بِهِ حَسِبُوا أنْفُسَهم آمِنِينَ مِن أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ فَجَرَّأهم
صفحة ٧٥
ذَلِكَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالوَعِيدِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، أيْ فَما هم مُسْتَمِرُّونَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ إنَّما هو تَمْتِيعٌ وإمْهالٌ كَما مَتَّعْنا آباءَهم مِن قَبْلُ، وكَما كانَ لِآبائِهِمْ آجالٌ انْتَهَوْا إلَيْها كَذَلِكَ يَكُونُ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ الآجالَ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ ما عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الحِكْمَةِ في مَداها حَتّى طالَتْ أعْمارُ آياتِهِمْ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ أعْمارَ هَؤُلاءِ لا تَبْلُغُ أعْمارَ آبائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ يُحِلُّ بِهِمُ الهَلاكَ لِتَكْذِيبِهِمْ إلى أمَدٍ عَلِمَهُ.
وقَدْ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمُ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهم مِن طَرِيقِ الخِطابِ إلى طَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ ما وُجِّهَ إلَيْهِمْ مِن إنْكارِ أنْ يَكْلَأهم أحَدٌ مِن عَذابِ اللَّهِ جَعَلَهم أحْرِياءَ بِالإعْراضِ عَنْهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
و”يُصْحَبُونَ“ إمّا مُضارِعُ صَحِبَهُ إذا خالَطَهُ ولازَمَهُ، والصُّحْبَةُ تَقْتَضِي النَّصْرَ والتَّأْيِيدَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الَّذِي نابَ عَنْهُ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلنّائِبِ مُرادًا بِهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ لا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ، أيْ لا يُؤَيِّدُهُمْ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الِاتِّصالِيَّةِ، أيْ صُحْبَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِنا بِمَعْنى صُحْبَةٍ مَتِينَةٍ. وهَذا نَفْيٌ لِما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ لا يَصْحَبُهم صاحِبٌ، أيْ لا يُجِيرُهم جارٌ، فَإنَّ الجِوارَ يَقْتَضِي حِمايَةَ الجارِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الَّتِي بِمَعْنى ”عَلى“، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافر: ٢٩] وإمّا مُضارِعٌ أصْحَبَهُ المَهْمُوزُ بِمَعْنى حِفْظَهُ ومَنعِهِ، أيْ مِنَ السُّوءِ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ لِحاضِرِينَ في الأذْهانِ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.
صفحة ٧٦
وقَدِ اسْتَقْرَبْتُ أنَّ القُرْآنَ إذا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الإشارَةُ دُونَ وُجُودِ مُشارٍ إلَيْهِ في الكَلامِ فَهو يَعْنِي بِها كُفّارَ قُرَيْشٍ.
21:44Страница 325
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
Мы позволили им и их отцам пользоваться благами, так что их жизнь затянулась. Неужели они не видят, что Мы уменьшаем землю по краям (отдаем ее во владение верующим)? Неужели это они одержат верх?
﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى إحالَتِهِمْ نَصْرَ المُسْلِمِينَ وعَدِّهِمْ تَأْخِيرَ الوَعْدِ بِهِ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِ وُقُوعِهِ حَتّى قالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] تَهَكُّمًا وتَكْذِيبًا، فَلَمّا أنْذَرَهم بِما سَيَحُلُّ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنبياء: ٤١] فَرْعٌ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتِفْهامًا تَعْجِيبِيًّا مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى أماراتِ اقْتِرانِ الوَعْدِ بِالمَوْعُودِ اسْتِدْلالًا عَلى قُرْبِهِ بِحُصُولِ أماراتِهِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وسَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، أيِ اعْجَبُوا مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى نُقْصانِ أرْضِهِمْ مِن أطْرافِها، وأنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى بِتَوَجُّهِ عِنايَةٍ خاصَّةٍ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ جارٍ عَلى مُقْتَضى الغالِبِ المُعْتادِ، فَمَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّهُ مِن عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وكَفى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلى صِدْقِ ما وعَدَهم بِهِ وعِنايَةِ رَبِّهِ بِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ ”نَأْتِي“، فالإتْيانُ تَمْثِيلٌ بِحالِ الغازِي الَّذِي يَسْعى إلى أرْضِ قَوْمٍ فَيَقْتُلُ ويَأْسِرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] . والتَّعْرِيفُ في ”الأرْضِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ أرْضَ العَرَبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] أيْ أرْضَ مِصْرَ.
صفحة ٧٧
والنُّقْصانُ: تَقْلِيلُ كَمِّيَّةِ شَيْءٍ.
والأطْرافُ: جَمْعُ طَرْفٍ بِفَتْحِ الطّاءِ والرّاءِ. وهو ما يَنْتَهِي بِهِ الجِسْمُ مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِهِ. وضِدُّهُ الوَسَطُ.
والمُرادُ بِنُقْصانِ الأرْضِ: نُقْصانُ مَن عَلَيْها مِنَ النّاسِ لا نُقْصانُ مِساحَتِها؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ فَلَمْ يَكُنْ ساعَتَئِذٍ شَيْءٌ مِن أرْضِ المُشْرِكِينَ في حَوْزَةِ المُسْلِمِينَ، والقَرِينَةُ المُشاهَدَةُ.
والمُرادُ: نُقْصانُ عَدَدِ المُشْرِكِينَ بِدُخُولِ كَثِيرٍ مِنهم في الإسْلامِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَن هاجَرَ مِنهم إلى الحَبَشَةِ، ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ إنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ إسْلامِ أهْلِ العَقَبَةِ الأُولى أوِ الثّانِيَةِ، فَكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَتَجاوَزُ المِائَتَيْنِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في خِتامِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
وجُمْلَةُ ”أفَهُمُ الغالِبُونَ“ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى هَذِهِ الحالَةِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ فَكَيْفَ يَحْسَبُونَ أنَّهم غَلَبُوا المُسْلِمِينَ وتَمَكَّنُوا مِنَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَهُمُ الغالِبُونَ“ دُونَ الفِعْلِيَّةِ لِدَلالَتِها بِتَعْرِيفِ جُزْأيْها عَلى القَصْرِ، أيْ ما هُمُ الغالِبُونَ بَلِ المُسْلِمُونَ الغالِبُونَ، إذْ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ الغالِبِينَ لَما كانَ عَدَدُهم في تَناقُصٍ، ولَما خَلَتْ بَلْدَتُهم مِن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنهم.
21:45Страница 326
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Скажи: «Я предостерегаю вас посредством откровения». Но глухие не слышат зова, даже когда их предостерегают.
﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَقْصُودٌ مِنهُ الإتْيانُ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِعْجابِهِمْ بِالوَعْدِ تَهَكُّمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٣٨]،
صفحة ٧٨
ومِنَ التَّهْدِيدِ الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلَخْ، ومِن تَذْكِيرِهِمْ بِالخالِقِ وتَنْبِيهِهِمْ إلى بُطْلانِ آلِهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، ومِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِظُهُورِ بِوارِقِ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، واقْتِرابِ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] - عُقِّبَ بِهِ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ أنْ يُخاطِبَهم بِتَعْرِيفِ كُنْهِ دَعْوَتِهِ، وهي قَصْرُهُ عَلى الإنْذارِ بِما سَيَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْذارًا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو القُرْآنُ، أيْ فَلا تُعْرِضُوا عَنْهُ، ولا تَتَطَلَّبُوا مِنِّي آيَةً غَيْرَ ذَلِكَ، ولا تَسْألُوا عَنْ تَعْيِينِ آجالِ حُلُولِ الوَعِيدِ، ولا تَحْسَبُوا أنَّكم تَغِيظُونَنِي بِإعْراضِكم والتَّوَغُّلِ في كُفْرِكم.
فالكَلامُ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، وقَصْرُهُ عَلى المُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ تَبَعًا لِمُتَعَلِّقِهِ فَهو قائِمٌ مَقامَ قَصْرَيْنِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي مِثالٌ لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وهَذا الكَلامُ يَسْتَلْزِمُ مُتارَكَةً لَهم بَعْدَ الإبْلاغِ في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ عَطْفُ اسْتِئْنافٍ عَلى اسْتِئْنافٍ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ.
والتَّعْرِيفُ في ”الصُّمِّ“ لِلِاسْتِغْراقِ. والصَّمَمُ مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالكَلامِ المُفِيدِ، تَشْبِيهًا لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعِ بِعَدَمِ وُلُوجِ الكَلامِ صِماخَ المُخاطَبِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ودَخَلَ في عُمُومِهِ المُشْرِكُونَ المُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ وهُمُ المَقْصُودُ مِن سُوقِ التَّذْيِيلِ لِيَكُونَ دُخُولُهم في الحُكْمِ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالعُمُومِ عَلى الخُصُوصِ.
وتَقْيِيدُ عَدَمِ السَّماعِ بِوَقْتِ الإعْراضِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ لِتَفْظِيعِ إعْراضِهِمْ عَنِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ إعْراضٌ يُفْضِي بِهِمْ إلى الهَلاكِ فَهو أفْظَعُ مِن
صفحة ٧٩
عَدَمِ سَماعِ البِشارَةِ أوِ التَّحْدِيثِ؛ ولِأنَّ التَّذْيِيلَ مَسُوقٌ عَقِبَ إنْذاراتٍ كَثِيرَةٍ.
واخْتِيرَ لَفْظُ الدُّعاءِ لِأنَّهُ المُطابِقُ لِلْغَرَضِ؛ إذْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ داعِيًا كَما قالَ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، والأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ كَلامٌ مُخاطَبٌ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ولَيْسَ مِن جُمْلَةِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقَوْلَهُ: لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا يَسْمَعُ“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ ورَفْعِ ”الصُّمُّ“ . وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”ولا تُسْمِعُ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ ”الصُّمَّ“ - خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ، وهَذِهِ القِراءَةُ نَصٌّ في انْفِصالِ الجُمْلَةِ عَنِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ لَهم.
21:46Страница 326
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
А если их коснется дуновение кары твоего Господа, то они непременно скажут: «О горе нам! Воистину, мы были несправедливы!».
﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لِيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ أنْذِرْهم بِأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عِنْدَما يَنالُهم أوَّلُ العَذابِ في الآخِرَةِ، وهَذا انْتِقالٌ مِن إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا إلى إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأُكِّدَ الشَّرْطُ بِلامِ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الجَزاءِ.
والمَسُّ: اتِّصالٌ بِظاهِرِ الجِسْمِ.
والنَّفْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الرَّضْخِ في العَطِيَّةِ، يُقالُ: نَفَحَهُ بِشَيْءٍ إذا أعْطاهُ.
صفحة ٨٠
وفِي مادَّةِ ”النَّفْحِ“ أنَّهُ عَطاءٌ قَلِيلٌ نَزْرٌ. وبِصَمِيمَةِ بِناءِ المَرَّةِ فِيها، والتَّنْكِيرِ، وإسْنادِ المَسِّ إلَيْها دُونَ فِعْلٍ آخَرَ - أرْبَعُ مُبالَغاتٍ في التَّقْلِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِعَذابٍ يَدْفَعُ قَلِيلُهُ مَن حَلَّ بِهِ إلى الإقْرارِ بِاسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ وإنْشاءِ تُعَجُّبِهِ مِن سُوءِ حالِ نَفْسِهِ.
والوَيْلُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى ”إنّا كُنّا ظالِمِينَ“ إنّا كُنّا مُعْتَدِينَ عَلى أنْفُسِنا؛ إذْ أعْرَضْنا عَنِ التَّأمُّلِ في صِدْقِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ . فالظُّلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الإشْراكُ؛ لِأنَّ إشْراكَهم مَعْرُوفٌ لَدَيْهِمْ، فَلَيْسَ مِمّا يَعْرِفُونَهُ إذا مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِنَ العَذابِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии