Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анбия 21:62–75
21:62–67Страница 327
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
Они сказали: «О Ибрахим (Авраам)! Ты ли поступил таким образом с нашими богами?».
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
Он сказал: «Нет! Это содеял их старший, вот этот. Спросите их самих, если они способны разговаривать».
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
Обратившись друг к другу, они сказали: «Воистину, вы сами являетесь беззаконниками!».
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Затем они принялись за свое и сказали: «Ты же знаешь, что они не способны разговаривать».
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
Он сказал: «Неужели вы поклоняетесь вместо Аллаха тому, что ничем не способно помочь или навредить вам?
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Тьфу на вас и на то, чему вы поклоняетесь вместо Аллаха! Неужели же вы не образумитесь?».
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
21:68–69Страница 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
Они сказали: «Сожгите его и помогите вашим богам, если вы будете действовать!».
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
Мы сказали: «О огонь! Стань для Ибрахима (Авраама) прохладой и спасением!».
﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾
لَمّا غَلَبَهم بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ لَمْ يَجِدُوا مُخَلِّصًا إلّا بِإهْلاكِهِ، وكَذَلِكَ المُبْطِلُ إذا قَرَعَتْ باطِلَهُ حُجَّةُ فَسادِهِ غَضِبَ عَلى المُحِقِّ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَفْزَعٌ إلّا مُناصَبَتُهُ والتَّشَفِّي مِنهُ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، واخْتارَ قَوْمُ إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ إهْلاكُهُ بِالإحْراقِ لِأنَّ النّارَ أهْوَلُ ما يُعاقَبُ بِهِ وأفْظَعُهُ.
والتَّحْرِيقُ: مُبالَغَةٌ في الحَرْقِ، أيْ حَرْقًا مُتْلِفًا.
وأُسْنِدَ قَوْلُ الأمْرِ بِإحْراقِهِ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم قَبِلُوا هَذا القَوْلَ وسَألُوا مَلِكَهم، وهو النُّمْرُوذُ إحْراقَ إبْراهِيمَ فَأمَرَ بِإحْراقِهِ لِأنَّ العِقابَ بِإتْلافِ النُّفُوسِ لا يَمْلِكُهُ إلّا وُلاةُ أُمُورِ الأقْوامِ. قِيلَ الَّذِي أشارَ بِالرَّأْيِ بِإحْراقِ إبْراهِيمَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كُرْدِيٌّ اسْمُهُ هِينُونُ، واسْتَحْسَنَ القَوْمُ ذَلِكَ، والَّذِي أمَرَ بِالإحْراقِ نُمْرُوذُ، فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) مُسْتَعْمَلٌ في المُشاوَرَةِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُؤامَرَةً سِرِّيَّةً بَيْنَهم دُونَ حَضْرَةِ إبْراهِيمَ، وأنَّهم دَبَّرُوهُ لِيَبْغَتُوهُ بِهِ خَشْيَةَ هُرُوبِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الأنبياء: ٧٠] .
ونُمْرُوذُ هَذا يَقُولُونَ: إنَّهُ ابْنُ كُوشَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ. ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ زَمَنِ إبْراهِيمَ وزَمَنِ كُوشَ. فالصَّوابُ أنَّ نُمْرُوذَ
صفحة ١٠٦
مِن نَسْلِ (كُوشَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (نُمْرُوذَ) لَقَبًا لِمَلِكِ الكَلْدانِ ولَيْسَتْ عَلَمًا، والمُقَدَّرُ في التّارِيخِ أنَّ مَلِكَ مَدِينَةِ أُورَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ هو (ألْغى بْنُ أُورَخَ) وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونَصْرُ الآلِهَةِ بِإتْلافِ عَدُوِّها.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ النَّصْرَ. وهَذا تَحْرِيضٌ وتَلْهِيبٌ لِحَمِيَّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها: إمّا لِأنَّها وقَعَتْ كالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) فَأشْبَهَتْ جُمَلَ المُحاوَرَةِ، وإمّا لِأنَّها اسْتِئْنافٌ عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قِصَّةِ التَّآمُرِ عَلى الإحْراقِ، وبِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ أُخْرى، أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِإبْراهِيمَ إذْ وجَّهَ إلى النّارِ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِسَلْبِ قُوَّةِ الإحْراقِ، وأنْ تَكُونَ بَرْدًا وسَلامًا إنْ كانَ الكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ أزالَ عَنْ مِزاجِ إبْراهِيمَ التَّأثُّرَ بِحَرارَةِ النّارِ إنْ كانَ الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كُونِي كَبَرْدٍ في عَدَمِ تَحْرِيقِ المُلْقى فِيكِ بِحَرِّكِ.
وأمّا كَوْنُها سَلامًا فَهو حَقِيقَةٌ لا مَحالَةَ، وذِكْرُ (سَلامًا) بَعْدَ ذِكْرِ البَرْدِ كالِاحْتِراسِ لِأنَّ البَرْدَ مُؤْذٍ بِدَوامِهِ رُبَّما إذا اشْتَدَّ، فَعَقَّبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ السَّلامِ لِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَأهْلَكَتْهُ بِبَرْدِها، وإنَّما ذَكَرَ (بَرْدًا) ثُمَّ أتْبَعَ بِـ (سَلامًا) ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى (بَرْدًا) لِإظْهارِ عَجِيبِ صُنْعِ القُدْرَةِ إذْ صَيَّرَ النّارَ بَرْدًا، و(عَلى إبْراهِيمَ) يَتَنازَعُهُ (بَرْدًا وسَلامًا) . وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في حُصُولِ نَفْعِهِما لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الكَوْنِ.
21:70Страница 327
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
Они хотели навредить ему, но Мы сделали так, что они оказались в наибольшем убытке.
صفحة ١٠٧
﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾
تَسْمِيَةُ عَزْمِهِمْ عَلى إحْراقِهِ كَيْدًا يَقْتَضِي أنَّهم دَبَّرُوا ذَلِكَ خُفْيَةً مِنهُ، ولَعَلَّ قَصْدَهم مِن ذَلِكَ أنْ لا يَفِرَّ مِنَ البَلَدِ فَلا يَتِمُّ الِانْتِصارُ لِآلِهَتِهِمْ.
والأخْسَرُ: مُبالَغَةٌ في الخاسِرِ، فَهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّ خَسارَتَهم لا تُدانِيها خَسارَةٌ وكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِوَصْفِ الأخْسَرِينَ فَلا يَصْدُقُ هَذا الوَصْفُ عَلى غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالخَسارَةِ الخَيْبَةُ، وسُمِّيَتْ خَيْبَتُهم خَسارَةً عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِخَيْبَةِ قَصْدِهِمْ إحْراقَهُ بِخَيْبَةِ التّاجِرِ في تِجارَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾، أيْ فَخابُوا خَيْبَةً عَظِيمَةً. وذَلِكَ أنَّ خَيْبَتَهم جُمِعَ لَهم بِها سَلامَةُ إبْراهِيمَ مِن أثَرِ عِقابِهِمْ وإنْ صارَ ما أعَدُّوهُ لِلْعِقابِ مُعْجِزَةً وتَأْيِيدًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وأمّا شِدَّةُ الخَسارَةِ الَّتِي اقْتَضاها اسْمُ التَّفْضِيلِ فَهي بِما لَحِقَهم عَقِبَ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ إذْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، وقَدْ عُدَّ فِيهِمْ قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولَمْ أرَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ الأخْذَ بِوَجْهٍ مَقْبُولٍ. والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الآشُورِيِّينَ فَأخَذُوا بِلادَهم، وانْقَرَضَ مُلْكُهم وخَلَفَهُمُ الأشُورِيُّونَ، وقَدْ أثْبَتَ التّارِيخُ أنَّ العِيلامِيِّينَ مِن أهْلِ السُّوسِ تَسَلَّطُوا عَلى بِلادِ الكَلْدانِ في حَياةِ إبْراهِيمَ في حُدُودِ سَنَةِ ٢٢٨٦ قَبْلَ المَسِيحِ.
21:71–73Страница 327
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
Мы спасли его и Лута (Лота) и привели их на землю, которую Мы сделали благословенной для миров.
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
Мы даровали ему Исхака (Исаака), а вдобавок - Йакуба (Иакова), и сделали их всех праведниками.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣
Мы сделали их вождями, которые по Нашему велению указывали на прямой путь. Мы внушили им вершить добрые дела, совершать намаз и выплачивать закят, и они поклонялись Нам.
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾
صفحة ١٠٨
هَذِهِ نَجاةٌ ثانِيَةٌ بَعْدَ نَجاتِهِ مِن ضُرِّ النّارِ، هي نَجاتُهُ مِنَ الحُلُولِ بَيْنَ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَهُ كافِرِينَ بِرَبِّهِ ورَبِّهِمْ، وهي نَجاةٌ مِن دارِ الشِّرْكِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. وتِلْكَ بِأنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ المُهاجَرَةَ مِن بِلادِ الكَلْدانِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وهي بِلادُ كَنْعانَ.
وهِجْرَةُ إبْراهِيمَ هي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الأرْضِ لِأجْلِ الدِّينِ، واسْتَصْحَبَ إبْراهِيمُ مَعَهُ لُوطًا ابْنَ أخِيهِ (هارانَ) لِأنَّهُ آمَنَ بِما جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وكانَتْ سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ مَعَهُما، وقَدْ فُهِمَتْ مَعِيَّتُها مِن أنَّ المَرْءَ لا يُهاجِرُ إلّا ومَعَهُ امْرَأتُهُ.
وانْتَصَبَ لُوطًا عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ لا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِأنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مُهَدَّدًا مِنَ الأعْداءِ لِذاتِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ فِعْلُ الإنْجاءِ.
وضَمِنَ (نَجَّيْناهُ) مَعْنى الإخْراجِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) .
والأرْضُ: هي أرْضُ فِلَسْطِينَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّهُ بارَكَها لِلْعالَمِينَ، أيْ لِلنّاسِ، يَعْنِي السّاكِنِينَ بِها لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَها أرْضَ خِصْبٍ ورَخاءِ عَيْشٍ وأرْضَ أمْنٍ. ووَرَدَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنَّها تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا.
والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ والنَّفْعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وهِبَةُ إسْحاقَ لَهُ ازْدِيادُهُ لَهُ عَلى الكِبَرِ وبَعْدَ أنْ يَئِسَتْ زَوْجُهُ سارَةُ مِنَ الوِلادَةِ.
صفحة ١٠٩
وهِبَةُ يَعْقُوبَ ازْدِيادٌ لِإسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ في حَياةِ إبْراهِيمَ ورُؤْيَتُهُ إيّاهُ كَهْلًا صالِحًا.
والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ غَيْرُ المَوْعُودَةِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أرادَ الوَلَدَ فَوُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ، كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ فَكانَ نافِلَةً، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ فَكانَ أيْضًا نافِلَةً.
وانْتَصَبَ (نافِلَةً) عَلى الحالِ الَّتِي عامِلُها (وهَبْنا) فَتَكُونُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ شَأْنُ الحالِ الوارِدَةِ بَعْدَ المُفْرَداتِ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.
وتَنْوِينُ (كُلًّا) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: وكُلُّهم جَعَلْنا صالِحِينَ، أيْ أصْلَحْنا نُفُوسَهم. والمُرادُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ الأخِيرُ عَنْهم. وأمّا لُوطٌ فَإنَّما ذُكِرَ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وسَيُخَصُّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأئِمَّةٌ يَهْدُونَ، بِعَطْفِ (أئِمَّةً) عَلى (الصّالِحِينَ)، اهْتِمامًا بِهَذا الجَعْلِ الشَّرِيفِ، وهو جَعْلُهم هادِينَ لِلنّاسِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهم صالِحِينَ في أنْفُسِهِمْ فَأُعِيدَ الفِعْلُ لِيَكُونَ لَهُ مَزِيدَ اسْتِقْرارٍ، ولِأنَّ في إعادَةِ الفِعْلِ إعادَةَ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَكانَتْ إعادَتُهُ وسِيلَةً إلى إعادَةِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وفي تِلْكَ الإعادَةِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَما يَظْهَرُ بِالذَّوْقِ.
والأئِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو القُدْوَةُ والَّذِي يَعْمَلُ كَعَمَلِهِ. وأصْلُ الإمامِ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ الشَّيْءُ عَلى صُورَتِهِ في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ.
صفحة ١١٠
وجُمْلَةُ (يَهْدُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مُقَيِّدَةٌ لِمَعْنى الإمامَةِ، أيْ أنَّهم أئِمَّةُ هُدًى وإرْشادٍ. وقَوْلُهُ (لِأمْرِنا) أيْ كانُوا هادِينَ بِأمْرِ اللَّهِ، وهو الوَحْيُ زِيادَةً عَلى الجَعْلِ.
وفِي الكَشّافِ: فِيهِ أنَّ مَن صَلَحَ لِيَكُونَ قُدْوَةً في دِينِ اللَّهِ فالهِدايَةُ مَحْتُومَةٌ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ هو بِها لَيْسَ لَهُ أنْ يُخِلَّ بِها ويَتَثاقَلَ عَنْها، وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ يَهْتَدِيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِهُداهُ أعَمُّ والنُّفُوسُ إلى الِاهْتِداءِ بِالمَهْدِيِّ أمْيَلُ اهـ. وهَذا الهَدْيُ هو تَزْكِيَةُ نُفُوسِ النّاسِ وإصْلاحُها وبَثُّ الإيمانِ. ويَشْمَلُ هَذا شُؤُونَ الإيمانِ وشُعَبَهُ وآدابَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَذَلِكَ إقامَةُ شَرائِعِ الدِّينِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ العِباداتِ والمُعامَلاتِ. وقَدْ شَمِلَها قَوْلُهُ تَعالى (فِعْلَ الخَيْراتِ) .
و(فِعْلَ الخَيْراتِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى (الخَيْراتِ)، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِأنَّ الخَيْراتِ مَفْعُولَةٌ ولَيْسَتْ فاعِلَةً فالمَصْدَرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو مَفْعُولُهُ، وأمّا الفاعِلُ فَتَبَعٌ لَهُ، أيْ أنْ يَفْعَلُوا هم ويَفْعَلَ قَوْمُهُمُ الخَيْراتِ، حَتّى تَكُونَ الخَيْراتُ مَفْعُولَةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَحَذَفَ الفاعِلَ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصارِ لِاقْتِضاءِ المَفْعُولِ إيّاهُ، واعْتِبارُ المَصْدَرِ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلنّائِبِ جائِزٌ إذا قامَتِ القَرِينَةُ. وهَذا ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ. عَلى أنَّ الأخْفَشَ أجازَهُ بِدُونِ شَرْطٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِعْلَ الخَيْراتِ) هو المُوحى بِهِ، أيْ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، فَيَكُونَ المَصْدَرُ قائِمًا مَقامَ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ الطَّلَبُ، والتَّقْدِيرُ: افْعَلُوا الخَيْراتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]،
صفحة ١١١
وتَخْصِيصُ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ شُمُولِ الخَيْراتِ إيّاهُما تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِما؛ لِأنَّ بِالصَّلاةِ صَلاحَ النَّفْسِ إذِ الصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِالزَّكاةِ صَلاحُ المُجْتَمَعِ لِكِفايَةِ عَوَزِ المُعْوِزِينَ، وهَذا إشارَةٌ إلى أصْلِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى الوَحْيِ بِفِعْلِ الخَيْراتِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمُ الأمْرُ بِذَلِكَ كَما هو بَيِّنٌ، ثُمَّ خَصَّهم بِذِكْرِ ما كانُوا مُتَمَيِّزِينَ بِهِ عَلى بَقِيَّةِ النّاسِ مِن مُلازَمَةِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ المُفِيدُ تَمَكُّنَ الوَصْفِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ إلى أنَّهم أفْرَدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ قَطُّ كَما تَقْتَضِيهِ رُتْبَةُ النُّبُوءَةِ مِنَ العِصْمَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مِن وقْتِ التَّكْلِيفِ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] وقالَ تَعالى في الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .
21:74–75Страница 328
وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤
Помяни также Лута (Лота), которому Мы даровали власть (мудрость или пророчество) и знание и которого Мы спасли от селения, жители которого совершали отвратительные поступки. Воистину, они были злодеями и нечестивцами.
وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
Мы ввели его в Нашу милость, поскольку он был одним из праведников.
﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . وقَدَّمَ مَفْعُولَ (آتَيْناهُ) اهْتِمامًا بِهِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ العِنايَةِ إذْ كانَ قَدْ تَأخَّرَ ذِكْرُ قِصَّتِهِ بَعْدَ أنْ جَرى ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ إبْراهِيمَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وإلى قَوْمٍ غَيْرِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ إبْراهِيمُ، وإلى أنَّهُ كانَ في مُواطِنَ غَيْرِ المَواطِنِ الَّتِي حَلَّ فِيها إبْراهِيمُ، بِخِلافِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
صفحة ١١٢
ولِأجْلِ البُعْدِ أُعِيدَ فِعْلُ الإيتاءِ لِيَظْهَرَ عَطْفُهُ عَلى ﴿آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . ولَمْ يُعَدْ في قِصَّةِ نُوحٍ عَقِبَ هَذِهِ.
وأُعْقِبَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ بِقِصَّةِ لُوطٍ لِلْمُناسَبَةِ. وخُصَّ لُوطٌ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِأنَّ أحْوالَهُ تابِعَةٌ لِأحْوالِ إبْراهِيمَ في مُقاوَمَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والفَسادِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما هم عَلَيْهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الشِّرْكِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ الفَواحِشِ الفَظِيعَةِ الَّتِي كانَتْ لَهم سُنَّةً فَإنَّها أثَرٌ مِنَ الشِّرْكِ.
والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، وهو النُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] .
والعِلْمُ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، والتَّنْوِينُ فِيهِما لِلتَّعْظِيمِ.
والقَرْيَةُ سَدُومُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ. والمُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والخَبائِثُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ بِتَأْوِيلِ الفِعْلَةِ، أيِ الشَّنِيعَةِ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ مَصْدَرٌ، أيِ القَبِيحُ المَكْرُوهُ، وأمّا بِضَمِّ السِّينِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِما ذُكِرَ وهو أغَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ لِأنَّ الوَصْفَ بِالِاسْمِ أضْعَفُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии