Ибн АшурАль‑Анбия · 21:83–91

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Анбия 21:83–91

21:83–84Страница 329

۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣

Помяни также Айюба (Иова), который воззвал к своему Господу: «Воистину, меня коснулось зло, а ведь Ты - Милосерднейший из милосердных».

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤

Мы ответили на его мольбу, устранили постигшее его зло и даровали ему его семью и вдобавок еще столько же в качестве милости от Нас и в назидание тем, кто поклоняется.

﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ أيْ وآتَيْنا أيُّوبَ حُكْمًا وعِلْمًا إذْ نادى رَبَّهُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ لِما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ حَتّى كانَ مَثَلًا فِيهِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ أيُّوبَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١٢٦

وأمّا القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها هَذِهِ الآيَةُ فَهي المُفَصَّلَةُ في السِّفْرِ الخاصِّ بِأيُّوبَ مِن أسْفارِ النَّبِيئِينَ الإسْرائِيلِيَّةِ. وحاصِلُها أنَّهُ كانَ نَبِيئًا وذا ثَرْوَةٍ واسِعَةٍ وعائِلَةٍ صالِحَةٍ مُتَواصِلَةٍ، ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصاباتٍ لَحِقَتْ أمْوالَهُ مُتَتابِعَةً فَأتَتْ عَلَيْها، وفَقَدَ أبْناءَهُ السَّبْعَةَ وبَناتِهِ الثَّلاثَ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتَلَقّى ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصابَةِ قُرُوحٍ في جَسَدِهِ وتَلَقّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِصَبْرٍ وحِكْمَةٍ وهو يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ بِالتَّمْجِيدِ والدُّعاءِ بِكَشْفِ الضُّرِّ، وتَلَقّى رِثاءَ أصْحابِهِ لِحالِهِ بِكَلامٍ عَزِيزِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِمَواعِظَ، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ وأخْلَفَهُ مالًا أكْثَرَ مِن مالِهِ ووَلَدَتْ لَهُ زَوْجُهُ أوْلادًا وبَناتٍ بِعَدَدِ مَن هَلَكُوا لَهُ مِن قَبْلُ. وقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ بِأبْسَطَ مِن هُنا في سُورَةِ ص. ولِأهْلِ القَصَصِ فِيها مُبالَغاتٌ لا تَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوءَةِ.

و(إذْ) ظَرْفٌ قُيِّدَ بِهِ إيتاءُ أيُّوبَ رِباطَةَ القَلْبِ وحِكْمَةَ الصَّبْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ أجْلى مَظاهِرِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَما أشارَتْ إلَيْهِ القِصَّةُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فَصارَ أيُّوبُ مَضْرِبَ المَثَلِ في الصَّبْرِ. وقَوْلِهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ، أيْ نادى رَبَّهُ بِأنْ مَسَّنِيَ الضُّرُّ.

والمَسُّ: الإصابَةُ الخَفِيفَةُ. والتَّعْبِيرُ بِهِ حِكايَةً لِما سَلَكَهُ أيُّوبُ في دُعائِهِ مِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ إذْ جَعَلَ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الضُّرِّ كالمَسِّ الخَفِيفِ.

والضُّرُّ: بِضَمِّ الضّادِ ما يَتَضَرَّرُ بِهِ المَرْءُ في جَسَدِهِ مِن مَرَضٍ أوْ هَزَلٍ، أوْ في مالِهِ مِن نَقْصٍ ونَحْوِهِ.

صفحة ١٢٧

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ التَّعْرِيضُ بِطَلَبِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ بِدُونِ سُؤالٍ فَجَعَلَ وصْفَ نَفْسِهِ بِما يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ لَهُ، ووَصْفَ رَبِّهِ بِالأرْحَمِيَّةِ تَعْرِيضًا بِسُؤالِهِ، كَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ

وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى أرْحَمَ الرّاحِمِينَ لِأنَّ رَحْمَتَهُ أكْمَلُ الرَّحَماتِ لِأنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَإمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا أوْ لِلثَّوابِ في الآخِرَةِ أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنَّفْسِ مِن مُشاهَدَةِ مَن تَحِقُّ الرَّحْمَةُ لَهُ فَلَمْ يَخْلُ مِن قَصْدِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ، وأمّا رَحْمَتُهُ تَعالى عِبادَهُ فَهي خَلِيَّةٌ عَنِ اسْتِجْلابِ فائِدَةٍ لِذاتِهِ العَلِيَّةِ، ولِكَوْنِ ثَناءِ أيُّوبَ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ . والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الإجابَةِ، أيِ اسْتَجَبْنا دَعْوَتَهُ العُرْضِيَّةَ بِإثْرِ كَلامِهِ وكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ، إشارَةً إلى سُرْعَةِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. وهو ما تَقْتَضِيهِ العادَةُ في البُرْءِ وحُصُولِ الرِّزْقِ ووِلادَةِ الأوْلادِ.

والكَشْفُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإزالَةِ السَّرِيعَةِ. شُبِّهَتْ إزالَةُ الأمْراضِ والأضْرارِ المُتَمَكِّنَةِ الَّتِي يُعْتادُ أنَّها لا تَزُولُ إلّا بِطُولٍ بِإزالَةِ الغِطاءِ عَنِ الشَّيْءِ في السُّرْعَةِ.

والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ الإبْهامُ. ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِـ (مِنَ) البَيانِيَّةِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ذَلِكَ الضُّرِّ لِكَثْرَةِ أنْواعِهِ بِحَيْثُ يَطُولُ عَدُّها. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] إشارَةً إلى تَكْثِيرِها. ألا تَرى إلى مُقابَلَتِهِ ضِدَّها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، لِإفادَةِ أنَّهم يُهْرَعُونَ إلى اللَّهِ في أقَلِّ ضُرٍّ ويَنْسَوْنَ شُكْرَهُ عَلى عَظِيمِ النِّعَمِ، أيْ كَشَفْنا ما حَلَّ بِهِ مِن ضُرٍّ في جَسَدِهِ ومالِهِ فَأُعِيدَتْ صِحَّتُهُ وثَرْوَتُهُ.

صفحة ١٢٨

والإيتاءُ: عَطاءٌ، أيْ أعْطَيْناهُ أهْلَهُ، وأهْلُ الرَّجُلِ أهْلُ بَيْتِهِ وقَرابَتُهُ. وفُهِمَ مِن تَعْرِيفِ الأهْلِ بِالإضافَةِ أنَّ الإيتاءَ إرْجاعُ ما سُلِبَ مِنهُ مِن أهْلٍ، يَعْنِي بِمَوْتِ أوْلادِهِ وبَناتِهِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَيِّنٍ مِنَ السِّياقِ، أيْ مِثْلَ أهْلِهِ بِأنْ رُزِقَ أوْلادًا بِعَدَدِ ما فَقَدَ، وزادَهُ مِثْلَهم فَيَكُونُ قَدْ رُزِقَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ابْنًا وسِتَّ بَناتٍ مِن زَوْجِهِ الَّتِي كانَتْ بَلَغَتْ سِنَّ العُقْمِ.

وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. ووُصِفَتِ الرَّحْمَةُ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها بِذِكْرِ العِنْدِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُرْبِ المُرادِ بِهِ التَّفْضِيلُ. والمُرادُ رَحْمَةً بِأيُّوبَ إذْ قالَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.

والذِّكْرى: التَّذْكِيرُ بِما هو مَظِنَّةُ أنْ يُنْسى أوْ يُغْفَلَ عَنْهُ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى رَحْمَةٍ فَهو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ وتَنْبِيهًا لِلْعابِدِينَ بِأنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ عِنايَتَهُ بِهِمْ. وبِما في (العابِدِينَ) مِنَ العُمُومِ صارَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.

21:85–86Страница 329

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥

Помяни также Исмаила (Измаила), Идриса, Зулькифла. Все они были из числа терпеливых.

وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦

Мы ввели их в Нашу милость, поскольку они были одними из праведников.

﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى (وأيُّوبَ)؛ أيْ وآتَيْنا إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ حُكْمًا وعِلْمًا. وجَمَعَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإشْراكِهِمْ في خَصِيصِيَّةِ الصَّبْرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ . جَرى ذَلِكَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَثَلِ الأشْهَرِ في الصَّبْرِ وهو أيُّوبُ.

صفحة ١٢٩

فَأمّا صَبْرُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ تَقَرَّرَ بِصَبْرِهِ عَلى الرِّضى بِالذَّبْحِ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿إنِّيَ أرى في المَنامِ أنِّيَ أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وتَقَرَّرَ بِسُكْناهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ امْتِثالًا لِأمْرِ أبِيهِ المُتَلَقِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إسْماعِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأمّا إدْرِيسُ فَهو اسْمُ ”أُخْنُوخَ“ عَلى أرْجَحِ الأقْوالِ. وقَدْ ذُكِرَ أُخْنُوخُ في التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّكْوِينِ جَدًّا لِنُوحٍ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ووُصِفَ هُنالِكَ بِأنَّهُ صِدِّيقٌ نَبِيءٌ وقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى هُنا لِيُعَدَّ في صَفِّ الصّابِرِينَ. والظّاهِرُ أنَّ صَبْرَهُ كانَ عَلى تَتَبُّعِ الحِكْمَةِ والعُلُومِ وما لَقِيَ في رَحَلاتِهِ مِنَ المَتاعِبِ. وقَدْ عُدَّتْ مِن صَبْرِهِ قِصَصٌ، مِنها أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ الطَّعامَ والنَّوْمَ مُدَّةً طَوِيلَةً لِتَصْفُوَ نَفْسُهُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحِكْمَةِ والعِلْمِ.

وأمّا ذُو الكِفْلِ فَهو نَبِيءٌ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ هو ”إلْياسُ“ المُسَمّى في كُتُبِ اليَهُودِ ”إيلِيا“، وقِيلَ: هو خَلِيفَةُ اليَسَعَ في نُبُوَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّهُ ”عُوبَدْيا“ الَّذِي لَهُ كِتابٌ مِن كُتُبِ أنْبِياءِ اليَهُودِ وهو الكِتابُ الرّابِعُ مِنَ الكُتُبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وتُعْرَفُ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ الصِّغارِ.

والكِفْلُ: بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ أصْلُهُ النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ، مُشْتَقٌّ مِن كَفَلَ إذا تَعَهَّدَ؛ لُقِّبَ بِهَذا لِأنَّهُ تَعَهَّدَ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْيَسَعَ. وذَلِكَ أنَّ اليَسَعَ لَمّا كَبِرَ أرادَ أنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: مَن يَتَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ أسْتَخْلِفْهُ: أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، ولا يَغْضَبَ. فَلَمْ يَتَكَفَّلْ لَهُ بِذَلِكَ إلّا شابٌّ اسْمُهُ ”عُوبَدْيا“، وأنَّهُ ثَبَتَ عَلى ما تَكَفَّلَ بِهِ فَكانَ لِذَلِكَ مِن أفْضَلِ الصّابِرِينَ. وقَدْ عُدَّ عُوبَدْيا مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى إجْمالٍ في خَبَرِهِ انْظُرْ سِفْرَ المُلُوكِ

صفحة ١٣٠

الأوَّلَ الإصْحاحَ ١٨ . ورُؤْيا عُوبَدْيا صَفْحَةَ ٨٩١ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

ورَوى العِبْرِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إلْياسَ واليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإدْخالِهِمْ في الرَّحْمَةِ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ جَمِيعِ الصّالِحِينَ.

21:87–88Страница 329

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧

Помяни также человека в рыбе (Иунуса), который ушел в гневе и подумал, что Мы не справимся с ним. Он воззвал из мрака: «Нет божества, кроме Тебя! Пречист Ты! Воистину, я был одним из беззаконников!».

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

Мы ответили на его мольбу и спасли его от печали. Так Мы спасаем верующих.

﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى وذا الكِفْلِ. وذِكْرُ ذِي النُّونِ في جُمْلَةِ مَن خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنَ الأنْبِياءِ لِأجْلِ ما قَصَّتْهُ مِنَ الآياتِ في الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والنَّدَمِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الجَزَعِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ.

و(ذُو النُّونِ) وصْفٌ، أيْ صاحِبُ الحُوتِ. لُقِّبَ بِهِ يُونُسُ بْنُ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ قَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. وذَهابُهُ مُغاضِبًا: قِيلَ خُرُوجُهُ غَضْبانَ مِن قَوْمِهِ أهْلِ ”نِينَوى“ إذْ أبَوْا أنْ يُؤْمِنُوا بِما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِهِ وهم غاضِبُونَ مِن دَعْوَتِهِ، فالمُغاضَبَةُ مُفاعَلَةٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَمّا أشْرَفَتِ المُدَّةُ عَلى الِانْقِضاءِ آمَنُوا فَخَرَجَ غَضْبانَ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ما أنْذَرَهم بِهِ، فالمُغاضَبَةُ حِينَئِذٍ

صفحة ١٣١

لِلْمُبالَغَةِ في الغَضَبِ لِأنَّهُ غَضَبٌ غَرِيبٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ ”مُغاضِبًا“ حالًا مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ، أيْ خَرَجَ كالمُغاضِبِ. وسَيَأْتِي هَذا المَعْنى في سُورَةِ الصّافّاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ خَرَجَ خُرُوجًا غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ. ظَنَّ أنَّهُ إذا ابْتَعَدَ عَنِ المَدِينَةِ المُرْسَلِ إلَيْها يُرْسِلُ اللَّهُ غَيْرَهُ إلَيْهِمْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ حَزْقِيالَ مَلِكَ إسْرائِيلَ كانَ في زَمَنِهِ خَمْسَةُ أنْبِياءَ مِنهم يُونُسُ، فاخْتارَهُ المَلِكُ لِيَذْهَبَ إلى أهْلِ ”نِينَوى“ لِدَعْوَتِهِمْ فَأبى وقالَ: هاهُنا أنْبِياءُ غَيْرِي وخَرَجَ مُغاضِبًا المَلِكَ. وهَذا بَعِيدٌ مِنَ القُرْآنِ في آياتٍ أُخْرى ومِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعْيِينِ القِصَّةِ.

ومَعْنى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ: نَقْدِرُ مُضارِعُ قَدَرَ عَلَيْهِ أمْرًا بِمَعْنى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ تَحْتِيمَ الإقامَةِ مَعَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوْ تَحْتِيمَ قِيامِهِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن ذَلِكَ المَكانِ سَقَطَ تَعَلُّقُ تَكْلِيفِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ اجْتِهادًا مِنهُ، فَعُوتِبَ بِما حَلَّ بِهِ إذْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَمّا يُرِيدُ فِعْلَهُ.

وفِي الكَشّافِ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ دَخَلَ عَلى مُعاوِيَةَ فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةُ فَغَرِقْتُ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ. فَقالَ: وما هي ؟ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: أوَ يَظُنُّ نَبِيءُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ؛ يَعْنِي التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ.

صفحة ١٣٢

وقِيلَ (نَقْدِرَ) هُنا بِمَعْنى نَحُكْمَ؛ مَأْخُوذٌ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُؤاخِذَهُ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ دُونَ إذْنٍ. ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ يُونُسُ اجْتَهَدَ وأخْطَأ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ خُطُورِ هَذا الظَّنِّ في نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ كانَ الخُرُوجُ مِنهُ بادِرَةً بِدافِعِ الغَضَبِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في لَوازِمِهِ وعَواقِبِهِ، قالُوا: وكانَ في طَبْعِهِ ضِيقُ الصَّدْرِ. وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ؟ ونُسِبَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ أوْ أبِي المُعْتَمِرِ. قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

وعِنْدِي فِيهِ تَأْوِيلانِ آخَرانِ وهُما أنَّهُ ظَنَّ وهو في جَوْفِ الحُوتِ أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُخَلِّصِهِ في بَطْنِ الحُوتِ لِأنَّهُ رَأى ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا عادَةً، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ بِحَسَبِ الواقِعَةِ، أيْ ظَنَّ بَعْدَ أنِ ابْتَلَعَهُ الحُوتُ. وأمّا نِداؤُهُ رَبَّهُ فَذَلِكَ تَوْبَةٌ صَدَرَتْ مِنهُ عَنْ تَقْصِيرِهِ أوْ عَجَلَتِهِ أوْ خَطَأِ اجْتِهادِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مُبالَغَةً في اعْتِرافِهِ بِظُلْمِ نَفْسِهِ، فَأسْنَدَ إلَيْهِ فِعْلَ الكَوْنِ الدّالَّ عَلى رُسُوخِ الوَصْفِ، وجَعَلَ الخَبَرَ أنَّهُ واحِدٌ مِن فَرِيقِ الظّالِمِينَ وهو أدَلُّ عَلى أرْسَخِيَّةِ الوَصْفِ، أوْ أنَّهُ ظَنَّ بِحَسَبِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن دارِ قَوْمِهِ، ولَمْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ.

و(إنِّي) مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ (نادى) . وتَقْدِيمُهُ الِاعْتِرافَ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ التَّسْبِيحِ كَنّى بِهِ عَنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّدْبِيرِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

صفحة ١٣٣

والظُّلُماتُ: جَمْعُ ظُلْمَةٍ. والمُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ قَعْرِ البَحْرِ. وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ مُبالَغَةٌ في شِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَدْ تَقَدَّمَ أنّا نَظُنُّ أنَّ الظَّلَمَةَ لَمْ تَرِدْ مُفْرَدَةً في القُرْآنِ.

والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ. وهي إجابَةُ تَوْبَتِهِ مِمّا فَرَّطَ مِنهُ. والإنْجاءُ وقَعَ حِينَ الِاسْتِجابَةِ إذِ الصَّحِيحُ أنَّهُ ما بَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلّا ساعَةً قَلِيلَةً. وعَطَفَ بِالواوِ هُنا بِخِلافِ عَطْفِ (فَكَشَفْنا) عَلى (فاسْتَجَبْنا) . وإنْجاؤُهُ هو بِتَقْدِيرٍ وتَكْوِينٍ في مِزاجِ الحُوتِ حَتّى خَرَجَ الحُوتُ إلى قُرْبِ الشّاطِئِ فَتَقَيَّأهُ فَخَرَجَ يَسْبَحُ إلى الشّاطِئِ.

وهَذا الحُوتُ هو مِن صِنْفِ الحُوتِ العَظِيمِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الأشْياءَ الضَّخْمَةَ ولا يَقْضِمُها بِأسْنانِهِ. وشاعَ بَيْنَ النّاسِ تَسْمِيَةُ صِنْفٍ مِنَ الحُوتِ بِحُوتِ يُونُسَ رَجْمًا بِالغَيْبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإنْجاءِ الَّذِي أنْجى بِهِ يُونُسَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِن غُمُومٍ يَحْسَبُ مَن يَقَعُ فِيها أنَّ نَجاتَهُ عَسِيرَةٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِنَ الغَمِّ والنَّكَدِ الَّذِي يُلاقُونَهُ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم في بِلادِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (نُنْجِي) كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ كَما كُتِبَتْ بِنُونٍ واحِدَةٍ في قَوْلِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَنُنْجِي مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الرَّسْمَ بِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ لَمّا كانَتْ ساكِنَةً وكانَ وُقُوعُ الجِيمِ بَعْدَها يَقْتَضِي إخْفاءَها لِأنَّ النُّونَ السّاكِنَةَ تُخْفى مَعَ الأحْرُفِ الشَّجَرِيَّةِ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ فَلَمّا أُخْفِيَتْ حُذِفَتْ في النُّطْقِ فَشابَهَ إخْفاؤُها حالَةَ الإدْغامِ فَحَذَفَها كاتِبُ المُصْحَفِ في الخَطِّ لِخَفاءِ

صفحة ١٣٤

النُّطْقِ بِها في اللَّفْظِ، أيْ كَما حَذَفُوا نُونَ (إنْ) مَعَ (لا) في نَحْوِ (إلّا تَفْعَلُوهُ) مِن حَيْثُ إنَّها تُدْغَمُ في اللّامِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِإثْباتِ النُّونَيْنِ في النُّطْقِ فَيَكُونُ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ في الخَطِّ مُجَرَّدَ تَنْبِيهٍ عَلى اعْتِبارٍ مِنِ اعْتِباراتِ الأداءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ وبِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى اعْتِبارِ إدْغامِ النُّونِ في الجِيمِ كَما تُدْغَمُ في اللّامِ والرّاءِ. وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْها أبُو حاتِمٍ والزَّجّاجُ وقالا: هو لَحْنٌ. ووَجَّهَ أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ قِراءَتَها بِأنَّ (نُجِي) سُكِّنَتْ ياؤُهُ ولَمْ تُحَرَّكْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ بَقِي ورَضِي فَيُسَكِّنُ الياءَ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ (وذَرُوا ما بَقِي مِنَ الرِّبا) بِتَسْكِينِ ياءِ (بَقِي) . وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ والقُتَبِيِّ أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أُدْغِمَتْ في الجِيمِ.

ووَجَّهَ ابْنُ جِنِّي مُتابِعًا لِلْأخْفَشِ الصَّغِيرِ بِأنَّ أصْلَ هَذِهِ القِراءَةِ: نُنَجِّي بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ فَصارَ نُجِّيَ. وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ تَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ نُجِّيَ فِعْلُ مُضِيٍّ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ وأنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى النِّجاءِ المَأْخُوذِ مِنَ الفِعْلِ، أوِ المَأْخُوذِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (وكَذَلِكَ) . وانْتَصَبَ (المُؤْمِنِينَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إنابَةَ المَصْدَرِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ. كَما في قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ (لِيُجْزى - بِفَتْحِ الزّايِ - قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)؛ بِتَقْدِيرِ لِيُجْزى الجَزاءَ قَوْمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ بارِدُ التَّعَسُّفِ.

21:89Страница 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

Помяни также Закарию (Захарию), который воззвал к своему Господу: «Господи! Не оставляй меня одиноким, и Ты - Наилучший из наследников».

صفحة ١٣٥

﴿وزَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]

كانَ أمْرُ زَكَرِيّاءَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣] آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ في عِنايَتِهِ بِأوْلِيائِهِ المُنْقَطِعِينَ لِعِبادَتِهِ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ. والقَوْلُ في عَطْفِ (وزَكَرِيّاءَ) كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ السّابِقَةِ. وجُمْلَةُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ نادى رَبَّهُ. وأُطْلِقَ الفَرْدُ عَلى مَن لا ولَدَ لَهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمُنْفَرِدِ الَّذِي لا قَرِينَ لَهُ. قالَ تَعالى ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، ويُقالُ مِثْلَهُ: الواحِدُ لِلَّذِي لا رَفِيقَ لَهُ، قالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ:

وعَلِمْتُ أنِّي إنْ أُقاتِـلْ واحِـدًا أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي

فَشُبِّهَ مَن لا ولَدَ بِالمُفْرَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يُصَيِّرُ أباهُ كالشَّفْعِ لِأنَّهُ كَجُزْءٍ مِنهُ. ولا يُقالُ لِذِي الوَلَدِ زَوْجٌ ولا شَفْعٌ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ثَناءٌ لِتَمْهِيدِ الإجابَةِ، أيْ أنْتَ الوارِثُ الحَقُّ فاقْضِ عَلَيَّ مِن صِفَتِكَ العَلِيَّةِ شَيْئًا. وقَدْ شاعَ في الكِتابِ والسُنَّةِ ذِكْرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ عِنْدَ سُؤالِهِ إعْطاءَ ما هو مِن جِنْسِها، كَما قالَ أيُّوبُ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، ودَلَّ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ لِأجْلِ أنْ يَرِثَهُ كَما في آيَةِ سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] حُذِفَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِدَلالَةِ المَحْكِيِّ هُنا عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ: يَرِثُنِي الإرْثَ الَّذِي لا يُدانِي إرْثَكَ عِبادَكَ، أيْ بَقاءَ ما تَرَكُوهُ في الدُّنْيا لِتَصَرُّفِ قُدْرَتِكَ، أوْ يَرِثُنِي مالِي وعِلْمِي وأنْتَ تَرِثُ نَفْسِي

صفحة ١٣٦

كُلَّها بِالمَصِيرِ إلَيْكَ مَصِيرًا أبَدِيًّا فَإرْثُكَ خَيْرُ إرْثٍ لِأنَّهُ أشْمَلُ وأبْقى وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ في تَحَقُّقِ هَذا الوَصْفِ.

وإصْلاحُ زَوْجِهِ: جَعَلَها صالِحَةً لِلْحَمْلِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عاقِرًا وتَقَدَّمَ ذِكْرُ زَكَرِيّاءَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذِكْرُ زَوْجِهِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

21:90Страница 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

Мы ответили на его мольбу, даровали ему Йахью (Иоанна) и сделали его жену способной на это. Воистину, они спешили творить добро, взывали к Нам с чаянием и страхом и были смиренны перед Нами.

﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾

جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ في الثَّناءِ عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وما أُوتُوهُ مِنَ النَّصْرِ، واسْتِجابَةِ الدَّعَواتِ، والإنْجاءِ مِن كَيْدِ الأعْداءِ، وما تَبِعَ ذَلِكَ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] . فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى المَذْكُورِينَ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مُفِيدٌ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ، أيْ ما اسْتَحَقُّوا ما أُوتُوهُ إلّا لِمُبادَرَتِهِمْ إلى مَسالِكِ الخَيْرِ وجِدِّهِمْ في تَحْصِيلِها. وأفادَ فِعْلُ الكَوْنِ أنَّ ذَلِكَ كانَ دَأْبَهم وهَجِيراهم.

والمُسارَعَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلْحِرْصِ وصَرْفِ الهِمَّةِ والجِدِّ لِلْخَيْراتِ، أيْ لِفِعْلِها، تَشْبِيهًا لِلْمُداوَمَةِ والِاهْتِمامِ بِمُسارَعَةِ السّائِرِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ الجادِّ في مَسالِكِهِ.

والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الياءِ وهو جَمْعٌ بِالألِفِ والتّاءِ عَلى خِلافِ القِياسِ فَهو مِثْلُ سُرادِقاتٍ وحَمّاماتٍ واصْطَبْلاتٍ. والخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ، فَهو ما فِيهِ نَفْعٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]

صفحة ١٣٧

فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ مِثْلُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَمْعُ خَيْرَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الَّذِي هو مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ المُشَدِّدِ الياءِ، وهي المَرْأةُ ذاتُ الأخْلاقِ الخَيْرِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (الخَيْراتِ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم يَدْعُونَ اللَّهَ رَغْبَةً في ثَوابِهِ ورَهْبَةً مِن غَضَبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] . والرَّغَبُ والرَّهَبُ بِفَتْحِ ثانِيهِما مَصْدَرانِ مِن رَغِبَ ورَهِبَ. وهُما وصْفٌ لِمَصْدَرِ يَدْعُونَنا لِبَيانِ نَوْعِ الدُّعاءِ بِما هو أعَمُّ في جِنْسِهِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ ذَوِي رَغَبٍ ورَهَبٍ، فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأخَذَ إعْرابَهُ. وذُكِرَ فِعْلُ الكَوْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ مِثْلَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانُوا يُسارِعُونَ﴾ .

والخُشُوعُ: خَوْفُ القَلْبِ بِالتَّفَكُّرِ دُونَ اضْطِرابِ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ.

21:91Страница 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

Помяни также ту, которая сохранила свое целомудрие (Марьям). Мы вдохнули в нее посредством Нашего духа (Джибрила) и сделали ее и ее сына (Ису) знамением для миров.

﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾

لَمّا انْتَهى التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ رِجالٍ مِنَ الأنْبِياءِ أعْقَبَ بِالثَّناءِ عَلى امْرَأةٍ نَبِيئَةٍ إشارَةً إلى أنَّ أسْبابَ الفَضْلِ غَيْرُ مَحْجُورَةٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيَةَ. هَذِهِ هي مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ. وعَبَّرَ عَنْها بِالمَوْصُولِ دَلالَةً عَلى أنَّها قَدِ اشْتُهِرَتْ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ كَما هو شَأْنُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّهِ غالِبًا، وأيْضًا لِما في الصِّلَةِ مِن مَعْنى تَسْفِيهِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَوَّلُوا عَنْها إفْكًا وزُورًا، ولِيُبْنى عَلى تِلْكَ الصِّلَةِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ الَّذِي هو في حُكْمِ

صفحة ١٣٨

الصِّلَةِ أيْضًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّتِي نَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا،؛ لِأنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مُوجِبُ ثَناءٍ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إكْرامَها بِأنْ تَكُونَ مَظْهَرَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ في مُخالَفَةِ السُّنَّةِ البَشَرِيَّةِ لِحُصُولِ حَمْلِ أُنْثى دُونَ قُرْبانِ ذَكَرٍ، لِيَرى النّاسُ مِثالًا مِنَ التَّكْوِينِ الأوَّلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .

والنَّفْخُ، حَقِيقَتُهُ: إخْراجُ هَواءِ الفَمِ بِتَضْيِيقِ الشَّفَتَيْنِ. وأُطْلِقَ هُنا تَمْثِيلًا لِإلْقاءِ رُوحِ التَّكْوِينِ لِلنَّسْلِ في رَحِمِ المَرْأةِ دَفْعَةً واحِدَةً بِدُونِ الوَسائِلِ المُعْتادَةِ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ التَّكْوِينِ السَّرِيعِ بِهَيْئَةِ النَّفْخِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَلَكَ نَفَخَ مِمّا هو لَهُ كالفَمِ.

والظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ بِـ (في) كَوْنُ مَرْيَمَ ظَرْفًا لِحُلُولِ الرُّوحِ المَنفُوخِ فِيها إذْ كانَتْ وِعاءَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ (فِيها) ولِمَ قِيلَ (فِيهِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَمْلَ الَّذِي كُوِّنَ في رَحِمِها حَمْلٌ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَنَفَخْنا في بَطْنِها. وذَلِكَ أعْرَقُ في مُخالَفَةِ العادَةِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ تَقْوى دَلالَتُهُ بِمِقْدارِ ما يَضْمَحِلُّ فِيهِ مِنَ الوَسائِلِ المُعْتادَةِ.

والرُّوحُ: هو القُوَّةُ الَّتِي بِها الحَياةُ؛ قالَ تَعالى ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، أيْ جَعَلْتُ آدَمَ رُوحًا فَصارَ حَيًّا. وحَرْفُ (مِن) تَبْعِيضِيٌّ، والمَنفُوخُ رُوحٌ لِأنَّهُ جُعِلَ بَعْضَ رُوحِ اللَّهِ، أيْ بَعْضَ جِنْسِ الرُّوحِ الَّذِي بِهِ يَجْعَلُ اللَّهُ الأجْسامَ ذاتَ حَياةٍ. وإضافَةُ الرُّوحِ إلى اللَّهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِأنَّهُ رُوحٌ مَبْعُوثٌ مِن لَدُنِ

صفحة ١٣٩

اللَّهِ تَعالى بِدُونِ وساطَةِ التَّطَوُّراتِ الحَيَوانِيَّةِ لِلتَّكْوِينِ النَّسْلِيِّ. وجَعْلُها وابْنِها آيَةً هو مِن أسْبابِ تَشْرِيفِهِما والتَّنْوِيهِ بِهِما إذْ جَعَلَهُما اللَّهُ وسِيلَةً لِلْيَقِينِ بِقُدْرَتِهِ ومُعْجِزاتِ أنْبِيائِهِ كَما قالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] . وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَصَلَ تَشْرِيفُ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها نَحْوَ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ١] . وإفْرادُ الآيَةِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الجِنْسُ. وحَيْثُ كانَ المَذْكُورُ ذاتَيْنِ فَأخْبَرَ عَنْهُما بِأنَّهُما آيَةٌ عُلِمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ آيَةٌ خاصَّةٌ. ومِن لَطائِفِ هَذا الإفْرادِ أنَّ بَيْنَ مَرْيَمَ وابْنِها حالَةً مُشْتَرَكَةً هي آيَةٌ واحِدَةٌ. ثُمَّ في كُلٍّ مِنهُما آيَةٌ أُخْرى مُسْتَقِلَّةٌ بِاخْتِلافِ حالِ النّاظِرِ المُتَأمِّلِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English