Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Нур 24:11–15
24:11Страница 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Те, которые возвели навет на мать правоверных Аишу, являются группой из вас самих. Не считайте это злом для вас. Напротив, это является добром для вас. Каждому мужу из них достанется заработанный им грех. А тому из них, кто взял на себя большую часть этого, уготованы великие мучения.
﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ العَشْرَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] نَزَلَتْ في زَمَنٍ بَعِيدٍ عَنْ زَمَنِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَما سَتَعْرِفُهُ.
والإفْكُ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلى كَذِبٍ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَهو بُهْتانٌ يَفْجَأُ النّاسَ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأفْكِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو قَلْبُ الشَّيْءِ، ومِنهُ سُمِّيَ أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورَةَ وأُدَمَةَ وصَبُويِيمَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ أصْحابَ المُؤْتَفِكَةِ؛ لِأنَّ قُراهُمُ ائْتَفَكَتْ، أيْ: قُلِبَتْ وخُسِفَ بِها فَصارَ أعْلاها أسْفَلَها فَكانَ الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ حالَتِهِ الواقِعِيَّةِ قَلْبًا لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَسُمِّيَ إفْكًا. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(جاءُوا بِالإفْكِ) مَعْناهُ: قَصَدُوا واهْتَمُّوا. وأصْلُهُ: أنَّ الَّذِي يُخْبِرُ بِخَبَرٍ غَرِيبٍ يُقالُ لَهُ: جاءَ بِخَبَرٍ كَذا، ولِأنَّ شَأْنَ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ أنْ تَكُونَ مَعَ الوافِدِينَ مِن
صفحة ١٧٠
أسْفارٍ أوِ المُبْتَعِدِينَ عَنِ الحَيِّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]؛ فَشَبَّهَ الخَبَرَ بِقُدُومِ المُسافِرِ أوِ الوافِدِ عَلى وجْهِ المَكْنِيَّةِ وجَعَلَ المَجِيءَ تَرْشِيحًا وعُدِّيَ بِباءِ المُصاحَبَةِ تَكْمِيلًا لِلتَّرَشُّحِ.
والإفْكُ: حَدِيثٌ اخْتَلَقَهُ المُنافِقُونَ وراجَ عِنْدَ المُنافِقِينَ ونَفَرٍ مِن سُذَّجِ المُسْلِمِينَ إمّا لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ النَّعِيقِ، وإمّا لِإحْداثِ الفِتْنَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وحاصِلُ هَذا الخَبَرِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا قَفَلَ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ، وتُسَمّى غَزْوَةَ المُرَيْسِيعِ ولَمْ تَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ إلّا مَرْحَلَةٌ، آذَنَ بِالرَّحِيلِ آخِرَ اللَّيْلِ. فَلَمّا عَلِمَتْ عائِشَةُ بِذَلِكَ خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها وابْتَعَدَتْ عَنِ الجَيْشِ لِقَضاءِ شَأْنِها كَما هو شَأْنُ النِّساءِ قَبْلَ التَّرَحُّلِ فَلَمّا فَرَغَتْ أقْبَلَتْ إلى رَحْلِها فافْتَقَدَتْ عِقْدًا مِن جَزْعِ ظَفارٍ كانَ في صَدْرِها فَرَجَعَتْ عَلى طَرِيقِها تَلْتَمِسُهُ فَحَبَسَها طَلَبُهُ وكانَ لَيْلٌ. فَلَمّا وجَدَتْهُ رَجَعَتْ إلى حَيْثُ وُضِعَ رَحْلُها فَلَمْ تَجِدِ الجَيْشَ ولا رَحْلَها، وذَلِكَ أنَّ الرِّجالَ المُوَكَّلِينَ بِالتَّرَحُّلِ قَصَدُوا الهَوْدَجَ فاحْتَمَلُوهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ عائِشَةَ فِيهِ وكانَتْ خَفِيفَةً قَلِيلَةَ اللَّحْمِ فَرَفَعُوا الهَوْدَجَ وسارُوا فَلَمّا لَمْ تَجِدْ أحَدًا اضْطَجَعَتْ في مَكانِها رَجاءَ أنْ يَفْتَقِدُوها فَيَرْجِعُوا إلَيْها فَنامَتْ وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ (بِكَسْرِ الطّاءِ) السُّلَمِيُّ (بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ نِسْبَةً إلى بَنِي سُلَيْمٍ وكانَ مُسْتَوْطِنًا المَدِينَةَ مِن مُهاجِرَةِ العَرَبِ) قَدْ أوْكَلَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ حِراسَةَ ساقَةِ الجَيْشِ، فَلَمّا عَلِمَ بِابْتِعادِ الجَيْشِ وأمِنَ عَلَيْهِ مِن غَدْرِ العَدُوِّ رَكِبَ راحِلَتَهُ لِيَلْتَحِقَ بِالجَيْشِ فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي كانَ بِهِ الجَيْشُ بَصُرَ بِسَوادِ إنْسانٍ فَإذا هي عائِشَةُ وكانَ قَدْ رَآها قَبْلَ الحِجابِ فاسْتَرْجَعَ، واسْتَيْقَظَتْ عائِشَةُ بِصَوْتِ اسْتِرْجاعِهِ ونَزَلَ عَنْ ناقَتِهِ وأدْناها مِنها وأناخَها فَرَكِبَتْها عائِشَةُ وأخَذَ يَقُودُها حَتّى لَحِقَ بِالجَيْشِ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ رَأْسَ المُنافِقِينَ في الجَيْشِ فَقالَ: واللَّهِ ما نَجَتْ مِنهُ ولا نَجا مِنها. فَراجَ قَوْلُهُ عَلى حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ بِكَسْرِ مِيمِ مِسْطَحٍ وفَتْحِ طائِهِ وضَمِّ هَمْزَةِ أُثاثَةَ وحِمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أُخْتِ زَيْنَبَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ
صفحة ١٧١
حَمَلَتْها الغَيْرَةُ لِأُخْتِها ضَرَّةِ عايِشَةَ وساعَدَهم في حَدِيثِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ» .
فالإفْكُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الِاخْتِلاقِ.
والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ كَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: العُصْبَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ (عُصْبَةٌ أرْبَعَةٌ مِنكم) . وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ويُقالُ: عِصابَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.
و(عُصْبَةٌ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (جاءُوا) .
وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ خَبَرُ (إنَّ) والمَعْنى: لا تَحْسَبُوا إفْكَهم شَرًّا لَكُمْ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ مِن (تَحْسَبُوهُ) لَمّا عادَ إلى الإفْكِ وكانَ الإفْكُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (جاءُوا) صارَ الضَّمِيرُ في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ. فالتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبُوا الإفْكَ المَذْكُورَ شَرًّا لَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (إنَّ) قَوْلَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ (لا تَحْسَبُوهُ) مُعْتَرِضَةً.
ويَجُوزُ جَعْلُ (عُصْبَةٌ) خَبَرَ (إنَّ) ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن فِعْلِهِمْ مَعَ أنَّهم عُصْبَةٌ مِنَ القَوْمِ أشَدُّ نُكْرًا، كَما قالَ طَرَفَةُ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
وذِكْرُ (عُصْبَةٌ) تَحْقِيرٌ لَهم ولِقَوْلِهِمْ، أيْ لا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِمْ في جانِبِ تَزْكِيَةِ جَمِيعِ الأُمَّةِ لِمَن رَمَوْهُما بِالإفْكِ. ووَصْفُ العُصْبَةِ بِكَوْنِهِمْ (مِنكم) يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم حادُوا عَنْ خُلُقِ الإسْلامِ حَيْثُ تَصَدَّوْا لِأذى المُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِإزالَةِ ما حَصَلَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأسَفِ مِنِ اجْتِراءِ عُصْبَةٍ عَلى هَذا البُهْتانِ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ فَضَمِيرُ (تَحْسَبُوهُ) عائِدٌ إلى الإفْكِ.
صفحة ١٧٢
والشَّرُّ المَحْسُوبُ: أنَّهُ أحْدَثَ في نَفَرٍ مَعْصِيَةَ الكَذِبِ والقَذْفِ والمُؤْمِنُونَ يَوَدُّونَ أنْ تَكُونَ جَماعَتُهم خالِصَةً مِنَ النَّقائِصِ (فَإنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ) . فَلَمّا حَدَثَ فِيهِمُ الِاضْطِرابُ حَسِبُوهُ شَرًّا نَزَلَ بِهِمْ.
ومَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرًّا لَهم؛ لِأنَّهُ يَضِيرُهم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ الأسَفِ الزّائِلِ وهو دُونَ الشَّرِّ؛ لِأنَّهُ آيِلٌ إلى تَوْبَةِ المُؤْمِنِينَ مِنهم فَيَتَمَحَّضُ إثْمُهُ لِلْمُنافِقِينَ وهم جَماعَةٌ أُخْرى لا يَضُرُّ ضَلالُهُمُ المُسْلِمِينَ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ: حَقِيقَةُ الخَيْرِ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ وحَقِيقَةُ الشَّرِّ ما زادَ ضَرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، وإنَّ خَيْرًا لا شَرَّ فِيهِ هو الجَنَّةُ، وشَرًّا لا خَيْرَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ. فَنَبَّهَ اللَّهُ عائِشَةَ ومَن ماثَلَها مِمَّنْ نالَهُ هَمٌّ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ ما أصابَهم مِنهُ شَرٌّ بَلْ هو خَيْرٌ عَلى ما وضَعَ اللَّهُ الشَّرَّ والخَيْرَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الدُّنْيا مِنَ المُقابَلَةِ بَيْنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ، ورُجْحانِ النَّفْعِ في جانِبِ الخَيْرِ ورُجْحانِ الضُّرِّ في جانِبِ الشَّرِّ اهـ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخَيْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] في سُورَةِ النَّحْلِ.
وبَعْدَ إزالَةِ خاطِرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرًّا لِلْمُؤْمِنِينَ أثْبَتَ أنَّهُ خَيْرٌ لَهم فَأتى بِالإضْرابِ لِإبْطالِ أنْ يَحْسَبُوهُ شَرًّا، وإثْباتِ أنَّهُ خَيْرٌ لَهم؛ لِأنَّ فِيهِ مَنافِعَ كَثِيرَةً؛ إذْ يُمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ مِنَ المُنافِقِينَ، وتُشْرَعُ لَهم بِسَبَبِهِ أحْكامٌ تَرْدَعُ أهْلَ الفِسْقِ عَنْ فِسْقِهِمْ، وتَتَبَيَّنُ مِنهُ بَراءَةُ فُضَلائِهِمْ، ويَزْدادُ المُنافِقُونَ غَيْظًا ويُصْبِحُونَ مُحَقَّرِينَ مَذْمُومِينَ، ولا يَفْرَحُونَ بِظَنِّهِمْ حُزْنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم لَمّا اخْتَلَقُوا هَذا الخَبَرَ ما أرادُوا إلّا أذى المُسْلِمِينَ، وتَجِيءُ مِنهُ مُعْجِزاتٌ بِنُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِالإنْباءِ بِالغَيْبِ. قالَ في الكَشّافِ: . . . وفَوائِدُ دِينِيَّةٌ وآدابٌ لا تَخْفى عَلى مُتَأمِّلِها اهـ.
وعَدَلَ أنْ يَعْطِفَ (خَيْرًا) عَلى (شَرًّا) بِحَرْفِ (بَلْ) فَيُقالُ: بَلْ خَيْرًا لَكم، إيثارًا لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ.
صفحة ١٧٣
والإثْمُ: الذَّنْبُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وتَوَلِّي الأمْرِ: مُباشَرَةُ عَمَلِهِ والتَّهَمُّمُ بِهِ.
(والكِبْرُ) بِكَسْرِ الكافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ ضَمُّ الكافِ. وقَرَأ بِهِ يَعْقُوبُ وحْدَهُ، ومَعْناهُ: أشَدُّ الشَّيْءِ ومُعْظَمُهُ، فَهُما لُغَتانِ عِنْدَ جُمْهُورِ أيِمَّةِ اللُّغَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ والزَّجّاجُ: المَكْسُورُ بِمَعْنى الإثْمِ، والمَضْمُومُ: مُعْظَمُ الشَّيْءِ. ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ وهو مُنافِقٌ ولَيْسَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وضَمِيرُ (مِنهم) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ . وقِيلَ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ لِما وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ( عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ عَلى عائِشَةَ فَأنْشَدَ عِنْدَها أبْياتًا مِنها:
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: لَكِنْ أنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: أيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى.
والوَعِيدُ بِأنَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا يَقْتَضِي أنَّهُ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ. وفِيهِ إنْباءٌ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ فَيُعَذَّبُ العَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ وهو عَذابُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وأمّا بَقِيَّةُ العُصْبَةِ فَلَهم مِنَ الإثْمِ بِمِقْدارِ ذَنْبِهِمْ. وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ تابُوا كَما هو الشَّأْنُ في هَذا الدِّينِ.
24:12Страница 351
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Почему же, когда вы услышали это, верующие мужчины и женщины не подумали о самих себе (друг о друге) хорошее и не сказали: «Это - очевидная клевета»?
﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَوْبِيخِ عُصْبَةِ الإفْكِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتَعْنِيفِهِمْ بَعْدَ أنْ سَمّاهُ إفْكًا.
صفحة ١٧٤
و(لَوْلا) هُنا حَرْفٌ بِمَعْنى (هَلّا) لِلتَّوْبِيخِ كَما هو شَأْنُها إذا ولِيَها الفِعْلُ الماضِي وهو هُنا (﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾) . وأمّا (إذْ سَمِعْتُمُوهُ) فَهو ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الظَّنِّ فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ومَحَلُّ التَّوْبِيخِ جُمْلَةُ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فَأسْنَدَ السَّماعَ إلى جَمِيعِ المُخاطَبِينَ وخَصَّ بِالتَّوْبِيخِ مَن سَمِعُوا ولَمْ يُكَذِّبُوا الخَبَرَ.
وجَرى الكَلامُ عَلى الإبْهامِ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وإنْ كانَ المَقْصُودُ دُونَ عَدَدِ الجَمْعِ فَإنَّ مَن لَمْ يَظُنَّ خَيْرًا رَجُلانِ، فَعَبَّرَ عَنْهُما بِالمُؤْمِنِينَ وامْرَأةٌ فَعَبَّرَ عَنْها بِالمُؤْمِناتِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
وقَوْلُهُ: (بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا) وقَعَ في مُقابَلَةِ (﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ﴾) فَيَقْتَضِي التَّوْزِيعَ، أيْ ظَنَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِالآخَرِينَ مِمَّنْ رَمَوْا بِالإفْكِ خَيْرًا إذْ لا يَظُنُّ المَرْءُ بِنَفْسِهِ.
وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أيْ يَلْمِزُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] .
رُوِيَ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ لَمّا بَلَغَهُ خَبَرُ الإفْكِ قالَ لِزَوْجِهِ: ألا تَرَيْنَ ما يُقالُ ؟ فَقالَتْ لَهُ: لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ سُوءًا ؟ قالَ: لا. قالَتْ: ولَوْ كُنْتُ أنا بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ. قالَ: نَعَمْ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهو (إذْ سَمِعْتُمُوهُ) عَلى عامِلِهِ وهو (قُلْتُمْ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ ذَلِكَ الظَّرْفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانَ مِن واجِبِهِمْ أنْ يَطْرُقَ ظَنُّ الخَيْرِ قُلُوبَهم بِمُجَرَّدِ سَماعِ الخَيْرِ وأنْ يَتَبَرَّءُوا مِنَ الخَوْضِ فِيهِ بِفَوْرِ سَماعِهِ.
والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ في إسْنادِ فِعْلِ الظَّنِّ إلى المُؤْمِنِينَ التِفاتٌ، فَمُقْتَضى الظّاهِرَةِ أنْ يُقالَ: ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا، فَعَدَلَ عَنِ الخِطابِ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّوْبِيخِ فَإنَّ الِالتِفاتَ ضَرْبٌ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولِيُصَرِّحَ بِلَفْظِ
صفحة ١٧٥
الإيمانِ، دَلالَةً عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَقْتَضِي أنْ لا يُصَدِّقَ مُؤْمِنٌ عَلى أخِيهِ وأُخْتِهِ في الدِّينِ ولا مُؤْمِنَةٌ عَلى أخِيها وأُخْتِها في الدِّينِ قَوْلَ عائِبٍ ولا طاعِنٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ إذا سَمِعَ قالَةً في مُؤْمِنٍ أنْ يَبْنِيَ الأمْرَ فِيها عَلى الظَّنِّ لا عَلى الشَّكِّ ثُمَّ يَنْظُرَ في قَرائِنِ الأحْوالِ وصَلاحِيَّةِ المَقامِ فَإذا نُسِبَ سُوءٌ إلى عُرْفٍ بِالخَيْرِ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ إفْكٌ وبُهْتانٌ حَتّى يَتَّضِحَ البُرْهانُ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ظَنَّ السَّوْءِ الَّذِي وقَعَ هو مِن خِصالِ النِّفاقِ الَّتِي سَرَتْ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ عَنْ غُرُورٍ وقِلَّةِ بَصارَةٍ فَكَفى بِذَلِكَ تَشْنِيعًا لَهُ.
وهَذا تَوْبِيخٌ عَلى عَدَمِ إعْمالِهِمُ النَّظَرَ في تَكْذِيبِ قَوْلٍ يُنادِي حالُهُ بِبُهْتانِهِ وعَلى سُكُوتِهِمْ عَلَيْهِ وعَدَمِ إنْكارِهِ.
وعَطْفُ (﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾) تَشْرِيعٌ لِوُجُوبِ المُبادَرَةِ بِإنْكارِ ما يَسْمَعُهُ المُسْلِمُ مِنَ الطَّعْنِ في المُسْلِمِ بِالقَوْلِ كَما يُنْكِرُهُ بِالظَّنِّ وكَذَلِكَ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ.
والباءُ في (بِأنْفُسِهِمْ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الظَّنِّ إلى المَفْعُولِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ هُنا إلى واحِدٍ إذْ هو في مَعْنى الِاتِّهامِ.
والمُبِينُ: البالِغُ الغايَةَ في البَيانِ، أيِ الوُضُوحِ كَأنَّهُ لِقُوَّةِ بَيانِهِ قَدْ صارَ يُبَيِّنُ غَيْرَهُ.
24:13Страница 351
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Почему они не привели для подтверждения этого четырех свидетелей? Если они не привели свидетелей, то перед Аллахом они являются лжецами.
﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ثانٍ لِتَوْبِيخِ العُصْبَةِ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ وذَمٌّ لَهم. و(لَوْلا) هَذِهِ مِثْلُ (لَوْلا) السّابِقَةِ بِمَعْنى (هَلّا) .
والمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُخْبِرُ خَبَرًا عَنْ غَيْرِ مُشاهَدَةٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَنِدَ في خَبَرِهِ إلى إخْبارِ مُشاهِدٍ، ويَجِبُ كَوْنُ المُشاهِدِينَ المُخْبِرِينَ عَدَدًا يُفِيدُ خَبَرُهُمُ
صفحة ١٧٦
الصِّدْقَ في مِثْلِ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ، فالَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ اخْتَلَقُوهُ مِن سُوءِ ظُنُونِهِمْ فَلَمْ يَسْتَنِدُوا إلى مُشاهَدَةِ ما أخْبَرُوا بِهِ ولا إلى شَهادَةِ مَن شاهَدُوهُ مِمَّنْ يُقْبَلُ مِثْلُهم فَكانَ خَبَرُهم إفْكًا. وهَذا مُسْتَنِدٌ إلى الحُكْمِ المُتَقَرَّرِ مِن قَبْلُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أوَّلَ سُورَةِ النُّورِ نَزَلَ أواخِرَ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ أوْ أوائِلَ سَنَةِ ثَلاثٍ قَبْلَ اسْتِشْهادِ مَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ.
وصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّ كَذِبَهم لِقُوَّتِهِ وشَناعَتِهِ لا يُعَدُّ غَيْرُهم مِنَ الكاذِبِينَ كاذِبًا فَكَأنَّهُمُ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ ماهِيَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالكَذِبِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِيَحْذَرَ النّاسُ أمْثالَهم.
والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ (عِنْدَ اللَّهِ) لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ كَذِبِهِمْ، أيْ: هو كَذِبٌ في عِلْمِ اللَّهِ فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا مُوافِقًا لِنَفْسِ الأمْرِ. ولَيْسَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) في شَرْعِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُصَيِّرُهُ قَيْدًا لِلِاحْتِرازِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: هُمُ الكاذِبُونَ في إجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ. وهَذا يُنافِي غَرَضَ الكَلامِ ويُجافِي ما اقْتَرَنَ بِهِ مِن تَأْكِيدِ وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ؛ عَلى أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ هو شَرْعُ اللَّهِ مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . فَمَسْألَةُ الأخْذِ بِالظّاهِرِ في إجْراءِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ مَسْألَةٌ أُخْرى لا تُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
24:14Страница 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
Если бы не милосердие и милость Аллаха к вам в этом мире и в Последней жизни, то за ваши пространные речи вас коснулись бы великие мучения.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
(لَوْلا) هَذِهِ حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. والفَضْلُ في الدُّنْيا يَتَعَيَّنُ أنَّهُ إسْقاطُ عُقُوبَةِ الحَدِّ عَنْهم بِعَفْوِ عائِشَةَ وصَفْوانَ عَنْهم، وفي الآخِرَةِ إسْقاطُ العِقابِ
صفحة ١٧٧
عَنْهم بِالتَّوْبَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ رَأْسِ المُنافِقِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ تُؤَيِّدُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَحُدَّ حَدَّ القَذْفِ أحَدًا مِنَ العُصْبَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في الإفْكِ. وهو الأصَحُّ مِنَ الرِّواياتِ: إمّا لِعَفْوِ عائِشَةَ وصَفْوانَ، وإمّا؛ لِأنَّ كَلامَهم في الإفْكِ كانَ تَخافُتًا وسِرارًا ولَمْ يَجْهَرُوا بِهِ ولَكِنَّهم أشاعُوهُ في أوْساطِهِمْ ومَجالِسِهِمْ. وهَذا الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ عائِشَةَ في الإفْكِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وكَيْفَ سَمِعَتِ الخَبَرَ مِن أُمِّ مِسْطَحٍ وقَوْلَها: أوَ قَدْ تُحُدِّثَ بِهَذا وبَلَغَ النَّبِيءَ وأبَوَيَّ ؟ وقِيلَ: حَدَّ حَسّانَ ومِسْطَحًا وحِمْنَةَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقالَ فَرِيقٌ: إنَّهُ لَمْ يُحَدَّ حَدَّ القَذْفِ تَأْلِيفًا لِقَلْبِهِ لِلْإيمانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أُبَيًّا جُلِدَ حَدَّ القَذْفِ أيْضًا.
والإفاضَةُ في القَوْلِ مُسْتَعارٌ مِن إفاضَةِ الماءِ في الإناءِ، أيْ كَثْرَتِهِ فِيهِ. فالمَعْنى: ما أكْثَرْتُمُ القَوْلَ فِيهِ والتَّحَدُّثَ بِهِ بَيْنَكم.
24:15Страница 351
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
Вы распространяете ложь своими языками и говорите своими устами то, о чем у вас нет никакого знания, и полагаете, что этот поступок незначителен, хотя перед Аллахом это - великий грех.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسِبُونَهُ هَيِّنًا وهْوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (أفَضْتُمْ) والمَقْصُودُ مِنهُ ومِنَ الجُمْلَةِ المُضافِ هو إلَيْها اسْتِحْضارُ صُورَةِ حَدِيثِهِمْ في الإفْكِ وبِتَفْظِيعِها.
وأصْلُ (تَلَقَّوْنَهُ) تَتَلَقَّوْنَهُ بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما. وأصْلُ التَّلَقِّي أنَّهُ التَّكَلُّفُ لِلِقاءِ الغَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] أيْ عَلِمَها ولَقَّنَها، ثُمَّ يُطْلَقُ التَّلَقِّي عَلى أخْذِ شَيْءٍ بِاليَدِ مِن يَدِ الغَيْرِ كَما قالَ الشَّمّاخُ:
إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ
وفِي الحَدِيثِ «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ» . . الحَدِيثَ، وذَلِكَ بِتَشْبِيهِ التَّهَيُّؤِ لِأخْذِ المُعْطى
صفحة ١٧٨
بِالتَّهَيُّؤِ لِلِقاءِ الغَيْرِ وذَلِكَ هو إطْلاقُهُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ . فَفي قَوْلِهِ: (بِألْسِنَتِكم) تَشْبِيهُ الخَبَرِ بِشَخْصٍ وتَشْبِيهُ الرّاوِي لِلْخَبَرِ بِمَن يَتَهَيَّأُ ويَسْتَعِدُّ لِلِقائِهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ فَجُعِلَتِ الألْسُنُ آلَةً لِلتَّلَقِّي عَلى طَرِيقَةٍ تَخْيِيلِيِّةٍ بِتَشْبِيهِ الألْسُنِ في رِوايَةِ الخَبَرِ بِالأيْدِي في تَناوُلِ الشَّيْءِ. وإنَّما جُعِلَتِ الألْسُنُ آلَةً لِلتَّلَقِّي مَعَ أنَّ تَلَقِّيَ الأخْبارِ بِالأسْماعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا التَّلَقِّي غايَتُهُ التَّحَدُّثُ بِالخَبَرِ جُعِلَتِ الألْسُنُ مَكانَ الأسْماعِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الأيْلُولَةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحِرْصِهِمْ عَلى تَلَقِّي هَذا الخَبَرِ فَهم حِينَ يَتَلَقَّوْنَهُ يُبادِرُونَ بِالإخْبارِ بِهِ بِلا تَرَوٍّ ولا تَرَيُّثٍ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ أيْضًا.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكُمْ﴾ فَوَجْهُ ذِكْرِ (بِأفْواهِكم) مَعَ أنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ بِغَيْرِ الأفْواهِ أنَّهُ أُرِيدَ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾، أيْ: هو قَوْلٌ غَيْرُ مُوافِقٍ لِما في العِلْمِ ولَكِنَّهُ عَنْ مُجَرَّدِ تَصَوُّرٍ؛ لِأنَّ أدِلَّةَ العِلْمِ قائِمَةٌ بِنَقِيضِ مَدْلُولِ هَذا القَوْلِ فَصارَ الكَلامُ مُجَرَّدَ ألْفاظٍ تَجْرِي عَلى الأفْواهِ.
وفِي هَذا مِنَ الأدَبِ الأخْلاقِيِّ أنَّ المَرْءَ لا يَقُولُ بِلِسانِهِ إلّا ما يَعْلَمُهُ ويَتَحَقَّقُهُ وإلّا فَهو أحَدُ رَجُلَيْنِ: أفِنُ الرَّأْيِ يَقُولُ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الأمْرُ فَيُوشِكُ أنْ يَقُولَ الكَذِبَ فَيَحْسَبُهُ النّاسُ كَذّابًا. وفي الحَدِيثِ: بِـ «حَسْبُ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ»، أوْ رَجُلٌ مُمَوِّهٌ مُراءٍ يَقُولُ ما يَعْتَقِدُ خِلافَهُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] وقالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .
هَذا في الخَبَرِ وكَذَلِكَ الشَّأْنُ في الوَعْدِ فَلا يَعِدُ إلّا بِما يَعْلَمُ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ الوَفاءَ بِهِ. وفي الحَدِيثِ «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» .
وزادَ في تَوْبِيخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، أيْ: تَحْسَبُونَ الحَدِيثَ بِالقَذْفِ أمْرًا هَيِّنًا. وإنَّما حَسِبُوهُ هَيِّنًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَخَفُّوا الغِيبَةَ والطَّعْنَ في النّاسِ اسْتِصْحابًا لِما كانُوا عَلَيْهِ في مُدَّةِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ يَكُنْ
صفحة ١٧٩
لَهم وازِعٌ مِنَ الدِّينِ يَزَعُهم، فَلِذَلِكَ هم يَحْذَرُونَ النّاسَ فَلا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ بِاليَدِ وبِالسَّبِّ خَشْيَةً مِنهم، فَإذا خَلَوْا أمِنُوا مِن ذَلِكَ. فَهَذا سَبَبُ حُسْبانِهِمُ الحَدِيثَ في الإفْكِ شَيْئًا هَيِّنًا وقَدْ جاءَ الإسْلامُ بِإزالَةِ مَساوِي الجاهِلِيَّةِ وإتْمامِ مَكارِمِ الأخْلاقِ.
والهَيِّنُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الهَوانِ، وهَوانُ الشَّيْءِ عَدَمُ تَوْقِيرِهِ والمُبالاةِ بِشَأْنِهِ، يُقالُ: هانَ عَلى فُلانٍ كَذا، أيْ لَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ أمْرًا مُهِمًّا، والمَعْنى: شَيْئًا هَيِّنًا. وإنَّما حَسِبُوهُ هَيِّنًا مَعَ أنَّ الحَدَّ ثابِتٌ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بِحَسَبِ ظاهِرِ تَرْتِيبِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] الآيَةَ لِجَوازِ أنَّهُ لَمْ تَحْدُثْ قَضِيَّةُ قَذْفٍ فِيما بَيْنَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ ونُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، أوْ حَدَثَتْ قَضِيَّةُ عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ ولَمْ يَعْلَمْ بِها أصْحابُ الإفْكِ، أوْ حَسِبُوهُ هَيِّنًا لِغَفْلَتِهِمْ عَمّا تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ الحَدِّ إذْ كانَ العَهْدُ بِهِ حَدِيثًا. وفِيهِ مِن أدَبِ الشَّرِيعَةِ أنَّ احْتِرامَ القَوانِينِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَواءً في الغَيْبَةِ والحَضْرَةِ والسِّرِّ والعَلانِيَةِ.
ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) في عِلْمِ اللَّهِ مِمّا شَرَعَهُ لَكم مِنَ الحُكْمِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии