Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Нур 24:54–57
24:54Страница 357
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Скажи: «Повинуйтесь Аллаху и повинуйтесь Посланнику». Если вы отвернетесь, то ведь он отвечает за то, что возложено на него, а вы отвечаете за то, что возложено на вас. Но если вы подчинитесь ему, то последуете прямым путем. На Посланника возложена только ясная передача откровения.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
تَلْقِينٌ آخَرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يَرُدُّ بُهْتانَهم بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِمَواعِيدِهِمُ الكاذِبَةِ وأنْ يَقْتَصِرُوا مِنَ الطّاعَةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ
صفحة ٢٨٠
ورَسُولِهِ فِيما كَلَّفَهم دُونَ ما تَبَرَّعُوا بِهِ كَذِبًا، ويَخْتَلِفُ مَعْنى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بَيْنَ مَعانِي الأمْرِ بِإيجادِ الطّاعَةِ المَفْقُودَةِ أوْ إيهامِ طَلَبِ الدَّوامِ عَلى الطّاعَةِ عَلى حَسَبِ زَعْمِهِمْ.
وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا القَوْلِ فَيَقَعُ كَلامًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مَعْطُوفٍ.
وقَوْلُهُ: (فَإنْ تَوَلَّوْا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى فِعْلِ (أطِيعُوا) فَيَكُونَ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم ويَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا بِتاءِ الخِطابِ. وأصْلُهُ: تَتَوَلَّوْا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ مِنهُما تاءُ الخِطابِ لِلتَّخْفِيفِ وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ. والكَلامُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ضَمِيرا (﴿فَعَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾) عائِدَيْنِ إلى الرَّسُولِ ﷺ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى فِعْلِ (قُلْ)، أيْ: فَإذا قُلْتَ ذَلِكَ فَتَوَلَّوْا ولَمْ يُطِيعُوا إلَخْ، فَيَكُونُ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) ماضِيًا بِتاءٍ واحِدَةٍ مُواجِهًا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا ولَمْ يُطِيعُوا فَإنَّما عَلَيْكَ ما حُمِّلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ وعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا مِن تَبِعَةِ التَّكْلِيفِ. كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] في سُورَةِ النَّحْلِ فَيَكُونُ في ضَمائِرِ ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمُ﴾ التِفاتٌ. وأصْلُ الكَلامِ: فَإنَّما عَلَيْكَ ما حُمِّلْتَ وعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا. والِالتِفاتُ مُحَسَّنٌ لا يَحْتاجُ إلى نُكْتَةٍ.
وبِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ تَكُونُ الآيَةُ مُفِيدَةً مَعْنَيَيْنِ: مَعْنًى مِن تَعَلُّقِ خِطابِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ وهو تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، ومَعْنًى مِن مَوْعِظَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم ومُوادَعَةٍ لَهم. وهَذا كُلُّهُ تَبْكِيتٌ لَهم لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِتَوَلِّيهِمْ إلّا أنْفُسَهم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] هُمُ اليَهُودُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
صفحة ٢٨١
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ لا يَتَأتَّيانِ في المَواضِعِ الَّتِي يَقَعُ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ المُفْتَتَحُ بِتاءَيْنِ في سِياقِ النَّهْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] في سُورَةِ الأنْفالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القِتالِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَثَبَتَتْ فِيهِ التّاءانِ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَقْتَضِي نَسْجَ نَظْمِهِ بِما يَصْلُحُ لِإفادَةِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سُورَةِ النُّورِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ كالأداءِ بِمَعْنى التَّأْدِيَةِ. ومَعْنى كَوْنِهِ مُبَيَّنًا أنَّهُ فَصِيحٌ واضِحٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إرْدافُ التَّرْهِيبِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ اسْتِقْصاءً في الدَّعْوَةِ إلى الرُّشْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ قَوْلِهِ: (ما حُمِّلَ) .
24:55Страница 357
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Аллах обещал тем из вас, которые уверовали и совершали праведные деяния, что Он непременно сделает их наместниками на земле, подобно тому, как Он сделал наместниками тех, кто был до них. Он непременно одарит их возможностью исповедовать их религию, которую Он одобрил для них, и сменит их страх на безопасность. Они поклоняются Мне и не приобщают сотоварищей ко Мне. Те же, которые после этого откажутся уверовать, являются нечестивцами.
﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
والأشْبَهُ أنَّ هَذا الكَلامَ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أبْقاهم عَلى النِّفاقِ تَرَدُّدُهم في عاقِبَةِ أمْرِ المُسْلِمِينَ، وخَشْيَتُهم أنْ لا يَسْتَقِرَّ بِالمُسْلِمِينَ المَقامُ بِالمَدِينَةِ حَتّى يَغْزُوَهُمُ المُشْرِكُونَ، أوْ
صفحة ٢٨٢
يُخْرِجُهُمُ المُنافِقُونَ حِينَ يَجِدُونَ الفُرْصَةَ لِذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ اتِّقاءً مِن تَمامِ أمْرِ الإسْلامِ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ مُمالاةً لِأهْلِ الشِّرْكِ حَتّى إذا ظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ لَمْ يَلْمِزُوا المُنافِقِينَ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوا دِينَهم، مَعَ ما لِهَذا الكَلامِ مِنَ المُناسَبَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]) . فَيَكُونُ المَعْنى: وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وتُنْصَرُوا وتَأْمَنُوا. ومَعَ ما رُوِيَ مِن حَوادِثَ تُخَوِّفَ المُسْلِمِينَ ضَعْفَهم أمامَ أعْدائِهِمْ فَكانُوا مُشْفِقِينَ مِن غَزْوِ أهْلِ الشِّرْكِ ومِن كَيْدِ المُنافِقِينَ ودَلالَتِهِمُ المُشْرِكِينَ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَقِيلَ: كانَتْ تِلْكَ الحَوادِثُ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: «مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ خائِفًا هو وأصْحابُهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وكانُوا فِيها خائِفِينَ يُصْبِحُونَ ويُمْسُونَ في السِّلاحِ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَغْبُرُونَ - أيْ لا تَمْكُثُونَ إلّا قَلِيلًا - حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَةٌ» . ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ المُناسَباتِ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في مَوْقِعِها هَذا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَوْعُودِ بِهِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلى إبْدالِ خَوْفِهِمْ أمْنًا كَما اقْتَضاهُ أثَرُ أبِي العالِيَةِ، ولَكِنَّهُ كانَ مِن جُمْلَةِ المَوْعُودِ كَما كانَ سَبَبُهُ مِن عِدادِ الأسْبابِ.
وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ واثِقِينَ بِالأمْنِ، ولَكِنَّ اللَّهَ قَدَّمَ عَلى وعْدِهِمْ بِالأمْنِ أنْ وعَدَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ وتَمْكِينِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ فِيهِمْ تَنْبِيهًا لَهم بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ أنَّهُ لا تَأْمَنُ أُمَّةٌ بَأْسَ غَيْرِها حَتّى تَكُونَ قَوِيَّةً مَكِينَةً مُهَيْمِنَةً عَلى أصْقاعِها. فَفي الوَعْدِ بِالِاسْتِخْلافِ والتَّمْكِينِ وتَبْدِيلِ الخَوْفِ أمْنًا إيماءٌ إلى التَّهَيُّؤِ لِتَحْصِيلِ أسْبابِهِ مَعَ ضَمانِ التَّوْفِيقِ لَهم والنَّجاحِ إنْ هم أخَذُوا في ذَلِكَ، وأنَّ مِلاكَ ذَلِكَ هو طاعَةُ اللَّهِ والرَّسُولِ ﷺ (﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤])، وإذا حَلَّ الِاهْتِداءُ في النُّفُوسِ نَشَأتِ الصّالِحاتُ
صفحة ٢٨٣
فَأقْبَلَتْ مُسَبَّباتُها تَنْهالُ عَلى الأُمَّةِ، فالأسْبابُ هي الإيمانُ وعَمَلُ الصّالِحاتِ.
والمَوْصُولُ عامٌّ لا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ، وعُمُومُهُ عُرْفِيٌّ، أيْ: غالِبٌ فَلا يُناكِدُهُ ما يَكُونُ في الأُمَّةِ مِن مُقَصِّرِينَ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَإنَّ تِلْكَ المَنافِعَ عائِدَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ.
والخِطابُ في (مِنكم) لِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ بِمُشْرِكِيها ومُنافِقِيها بِأنَّ الفَرِيقَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإيمانُ وعَمَلُ الصّالِحاتِ هو المَوْعُودُ بِهَذا الوَعْدِ.
والتَّعْرِيفُ في (الصّالِحاتِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: عَمِلُوا جَمِيعَ الصّالِحاتِ، وهي الأعْمالُ الَّتِي وصَفَها الشَّرْعُ بِأنَّها صَلاحٌ، وتَرَكَ الأعْمالَ الَّتِي وصَفَها الشَّرْعُ بِأنَّها فَسادٌ؛ لِأنَّ إبْطالَ الفَسادِ صَلاحٌ.
فالصّالِحاتُ جَمْعُ صالِحَةٍ: وهي الخَصْلَةُ والفِعْلَةُ ذاتُ الصَّلاحِ، أيْ الَّتِي شَهِدَ الشَّرْعُ بِأنَّها صالِحَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ.
واسْتِغْراقُ (الصّالِحاتِ) اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيْ عَمِلَ مُعْظَمَ الصّالِحاتِ ومُهِمّاتِها ومَراجِعَها مِمّا يَعُودُ إلى تَحْقِيقِ كُلِّيّاتِ الشَّرِيعَةِ وجَرْيِ حالَةِ مُجْتَمَعِ الأُمَّةِ عَلى مَسْلَكِ الِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِالِاسْتِقامَةِ في الخُوَيْصَةِ وبِحُسْنِ التَّصَرُّفِ في العَلاقَةِ المَدَنِيَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ عَلى حَسَبِ ما أمَرَ بِهِ الدِّينُ أفْرادَ الأُمَّةِ، كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِ أمْثالِهِ، الخَلِيفَةُ فَمَن دُونَهُ، وذَلِكَ في غالِبِ أحْوالِ تَصَرُّفاتِهِمْ، ولا التِفاتَ إلى الفَلَتاتِ المُناقِضَةِ فَإنَّها مَعْفُوٌّ عَنْها إذا لَمْ يُسْتَرْسَلْ عَلَيْها وإذا ما وقَعَ السَّعْيُ في تَدارُكِها.
والِاسْتِقامَةُ في الخُوَيْصَةِ هي مُوجِبُ هَذا الوَعْدِ وهي الإيمانُ وقَواعِدُ الإسْلامِ، والِاسْتِقامَةُ في المُعامَلَةِ هي الَّتِي بِها تَيْسِيرُ سَبَبِ المَوْعُودِ بِهِ.
وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أصُولَ انْتِظامِ أُمُورِ الأُمَّةِ في تَضاعِيفِ كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقَوْلِهِ:
صفحة ٢٨٤
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
وقَوْلِهِ في سِياقِ الذَّمِّ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وبَيَّنَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَصَرُّفاتِ وُلاةِ الأُمُورِ في شُئُونِ الرَّعِيَّةِ ومَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ ومَعَ الأعْداءِ في الغَزْوِ والصُّلْحِ والمُهادَنَةِ والمُعاهَدَةِ، وبَيْنَ أُصُولِ المُعامَلاتِ بَيْنَ النّاسِ.
فَمَتى اهْتَمَّ وُلاةُ الأُمُورِ وعُمُومُ الأُمَّةِ بِاتِّباعِ ما وضَّحَ لَهُمُ الشَّرْعُ تَحَقَّقَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا الوَعْدِ الجَلِيلِ.
وهَذِهِ التَّكالِيفُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لِصَلاحِ أُمُورِ الأُمَّةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِإعْطاءِ الخِلافَةِ والتَّمْكِينِ والأمْنِ صارَتْ بِتَرْتِيبِ تِلْكَ المَوْعِدَةِ عَلَيْها أسْبابًا لَها، وكانَتِ المَوْعِدَةُ كالمُسَبَّبِ عَلَيْها فَشابَهَتْ مِن هَذِهِ الحالَةِ خِطابَ الوَضْعِ، وجُعِلَ الإيمانُ عَمُودَها وشَرْطًا لِلْخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِها وتَوْثِيقًا لِحُصُولِ آثارِها بِأنْ جَعَلَهُ جالِبَ رِضاهُ وعِنايَتِهِ. فَبِهِ يَتَيَسَّرُ لِلْأُمَّةِ تَناوُلُ أسْبابِ النَّجاحِ، وبِهِ يَحُفُّ اللُّطْفُ الإلَهِيُّ بِالأُمَّةِ في أطْوارِ مُزاوَلَتِها واسْتِجْلابِها بِحَيْثُ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَراقِيلَ والمَوانِعَ، ورُبَّما حَفَّ بِهِمُ اللُّطْفُ والعِنايَةُ عِنْدَ تَقْصِيرِهِمْ في القِيامِ بِها. وعِنْدَ تَخْلِيطِهِمُ الصَّلاحَ بِالفَسادِ فَرَفَقَ بِهِمْ، ولَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ وتَلَوَّمَ لَهم في إنْزالِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ إنَّ في هَذا لَبَلاغٌ لِقَوْمٍ عابِدِينَ وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ المُسْلِمِينَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] في سُورَةِ الحَجِّ.
فَلَوْ أنَّ قَوْمًا غَيْرَ مُسْلِمِينَ عَمِلُوا في سِيرَتِهِمْ وشُئُونِ رَعِيَّتِهِمْ بِمِثْلِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصّالِحاتِ بِحَيْثُ لَمْ يُعْوِزْهم إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لاجْتَنَوْا مِن سِيرَتِهِمْ صُوَرًا تُشْبِهُ الحَقائِقَ الَّتِي يَجْتَنِيها المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّ
صفحة ٢٨٥
تِلْكَ الأعْمالَ صارَتْ أسْبابًا وسُنَنًا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارُها الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سُنَنًا وقَوانِينَ عُمْرانِيَّةً سِوى أنَّهم لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم بِجُحُودِهِ أوْ بِالإشْراكِ بِهِ أوْ بِعَدَمِ تَصْدِيقِ رَسُولِهِ يَكُونُونَ بِمَنأىً عَنْ كَفالَتِهِ وتَأْيِيدِهِ إيّاهم ودَفْعِ العَوادِي عَنْهم، بَلْ يَكِلُهم إلى أعْمالِهِمْ وجُهُودِهِمْ عَلى حَسَبِ المُعْتادِ. ألا تَرى أنَّ القادَةَ الأُورُبِّيِّينَ بَعْدَ أنِ اقْتَبَسُوا مِنَ الإسْلامِ قَوانِينَهُ ونِظامَهُ بِما مارَسُوهُ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ في خِلالِ الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ ثُمَّ بِما اكْتَسَبُوهُ مِن مُمارَسَةِ كُتُبِ التّارِيخِ الإسْلامِيِّ والفِقْهِ الإسْلامِيِّ والسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَدْ نَظَّمُوا مَمالِكَهم عَلى قَواعِدِ العَدْلِ والإحْسانِ والمُواساةِ وكَراهَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ فَعَظُمَتْ دُوَلُهم واسْتَقامَتْ أُمُورُهم. ولا عَجَبَ في ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ الآشُورِيِّينَ وهم مُشْرِكُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِفَسادِهِمْ فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ.
والِاسْتِخْلافُ: جَعَلَهم خُلَفاءَ، أيْ عَنِ اللَّهِ في تَدْبِيرِ شُئُونِ عِبادِهِ كَما قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. وأصْلُهُ: لَيُخْلِفَنَّهم في الأرْضِ.
وتَعْلِيقُ فِعْلِ الِاسْتِخْلافِ بِمَجْمُوعِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإنْ كانَ تَدْبِيرُ شُئُونِ الأُمَّةِ مَنُوطًا بِوُلاةِ الأُمُورِ لا بِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ انْتِفاعًا بِذَلِكَ وإعانَةً عَلَيْهِ، كُلٌّ بِحَسَبِ مَقامِهِ في المُجْتَمَعِ، كَما حَكى تَعالى قَوْلَ مُوسى لِبَنِي إسْرائِيلَ (﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]) كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.
ولِهَذا فالوَجْهُ أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ جَمِيعِها، وأنَّ الظَّرْفِيَّةَ المَدْلُولَةَ بِحَرْفِ (في) ظاهِرَةٌ في جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ وهو مَوْطِنُ حُكُومَةِ الأُمَّةِ وحَيْثُ تَنالُ أحْكامُها سُكّانَهُ. والأصْلُ في الظَّرْفِيَّةِ عَدَمُ اسْتِيعابِ المَظْرُوفِ الظَّرْفَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] .
صفحة ٢٨٦
وإنَّما صِيغَ الكَلامُ في هَذا النَّظْمِ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) دُونَ تَقْيِيدٍ بِقَوْلِهِ: (في الأرْضِ) لِـ (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) لِلْإيماءِ إلى أنَّ الِاسْتِخْلافَ يَحْصُلُ في مُعْظَمِ الأرْضِ. وذَلِكَ يَقْبَلُ الِامْتِدادَ والِانْقِباضَ كَما كانَ الحالُ يَوْمَ خُرُوجِ بِلادِ الأنْدَلُسِ مِن حُكْمِ الإسْلامِ. ولَكِنَّ حُرْمَةَ الأُمَّةِ واتِّقاءَ بَأْسِها يَنْتَشِرُ في المَعْمُورَةِ كُلِّها بِحَيْثُ يَخافُهم مَن عَداهم مِنَ الأُمَمِ في الأرْضِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِهِمْ ويَسْعَوْنَ الجَهْدَ في مَرْضاتِهِمْ ومُسالَمَتِهِمْ. وهَذا اسْتِخْلافٌ كامِلٌ، ولِذَلِكَ نَظَرَ بِتَشْبِيهِهِ بِاسْتِخْلافِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يَعْنِي الأُمَمَ الَّتِي حَكَمَتْ مُعْظَمَ العالَمِ وأخافَتْ جَمِيعَهُ مِثْلَ: الآشُورِيِّينَ، والمِصْرِيِّينَ، والفِينِيقِيِّينَ، واليَهُودَ زَمَنَ سُلَيْمانَ، والفُرْسَ، واليُونانَ، والرُّومانَ.
وعَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَيَكُونُ مَوْصُولُ الجَمْعِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى المُثَنّى. وعَنِ الضَّحّاكِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ. ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مالِكٍ. وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ صُلَحاءُ المُلُوكِ مِثْلُ: يُوسُفَ، وداوُدَ، وسُلَيْمانَ، وأنُو شِرْوانَ، وأصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ، ومَلِكَيْ صادِقٍ الَّذِي كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ ويُدْعى حَمُورابِي، وذِي القَرْنَيْنِ، وإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ، وبَعْضِ مَن ولِيَ جُمْهُورِيَّةَ اليُونانِ.
وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ خُلَفاءَ الأُمَّةِ مِثْلَ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ والحَسَنِ ومُعاوِيَةَ كانُوا بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ اسْتَخْلَفَهُمُ اسْتِخْلافًا كامِلًا كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَحَ لَهُمُ البِلادَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وأخافَ مِنهُمُ الأكاسِرَةَ والقَياصِرَةَ.
وجُمْلَةُ (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (وعَدَ)؛ لِأنَّها عَيْنُ المَوْعُودِ بِهِ. ولَمّا كانَتْ جُمْلَةَ قَسَمٍ وهو مِن قَبِيلِ القَوْلِ كانَتْ إحْداهُما بَيانًا لِلْأُخْرى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ كَما اسْتَخْلَفَ اللَّهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) نائِبَ فاعِلٍ.
صفحة ٢٨٧
وتَمْكِينُ الدِّينِ: انْتِشارُهُ في القَبائِلِ والأُمَمِ وكَثْرَةُ مُتَّبِعِيهِ. اسْتُعِيرَ التَّمْكِينُ الَّذِي حَقِيقَتُهُ التَّثْبِيتُ والتَّرْسِيخُ لِمَعْنى الشُّيُوعِ والِانْتِشارِ؛ لِأنَّهُ إذا انْتَشَرَ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الِانْعِدامُ فَكانَ كالشَّيْءِ المُثَبَّتِ المُرَسَّخِ، وإذا كانَ مُتَّبِعُوهُ في قِلَّةٍ كانَ كالشَّيْءِ المُضْطَرِبِ المُتَزَلْزِلِ. وهَذا الوَعْدُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنها حَدِيثُ الحُدَيْبِيَةِ إذْ جاءَ فِيهِ قَوْلُهُ: «وإنْ هم أبَوْا - أيْ إلّا القِتالَ - فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقاتِلَنَّهم عَلى أمْرِي هَذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي - أيْ يَنْفَصِلَ مُقَدَّمُ العُنُقِ عَنِ الجَسَدِ - ولِيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَهُ» .
وقَوْلُهُ: (لَهم) مُقْتَضى الظّاهِرِ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (دِينَهم)؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِالحَرْفِ أضْعَفُ تَعَلُّقًا مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ، فَقَدَّمَ (لَهم) عَلَيْهِ لِلْإيماءِ إلى العِنايَةِ بِهِمْ، أيْ بِكَوْنِ التَّمْكِينِ لِأجْلِهِمْ، كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
وإضافَةُ الدِّينِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَشْرِيفِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ دِينُ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾، أيِ الَّذِي اخْتارَهُ لِيَكُونَ دِينَهم، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ اخْتارَهم أيْضًا لِيَكُونُوا أتْباعَ هَذا الدِّينِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ هُمُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ هَذا الدِّينَ في الأُمَمِ؛ لِأنَّهُ دِينُهم فَيَكُونُ تَمَكُّنُهُ في النّاسِ بِواسِطَتِهِمْ.
وإنَّما قالَ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولَيُؤَمِّنَنَّهم، كَما قالَ في سابِقِيهِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَطْمَحُونَ يَوْمَئِذٍ إلى الأمْنِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَكانُوا في حالَةٍ هي ضِدُّ الأمْنِ ولَوْ أُعْطُوا الأمْنَ دُونَ أنْ يَكُونُوا في حالَةِ خَوْفٍ لَكانَ الأمْنُ مِنَّةً واحِدَةً. وإضافَةُ الخَوْفِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَوْفٌ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ.
وتَنْكِيرُ (أمْنًا) لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مُبْدَلًا مِن بَعْدِ خَوْفِهِمِ المَعْرُوفِ بِالشِّدَّةِ. والمَقْصُودُ: الأمْنُ مِن أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ بِشارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ مُزِيلٌ الشِّرْكَ والنِّفاقَ مِنَ الأُمَّةِ. ولَيْسَ هَذا الوَعْدُ بِمُقْتَضٍ أنْ لا تَحْدُثَ حَوادِثُ
صفحة ٢٨٨
خَوْفٍ في الأُمَّةِ في بَعْضِ الأقْطارِ كالخَوْفِ الَّذِي اعْتَرى أهْلَ المَدِينَةِ مِن ثَوْرَةِ أهْلِ مِصْرَ الَّذِينَ قادَهُمُ الضّالُّ مالِكٌ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ، ومِثْلِ الخَوْفِ الَّذِي حَدَثَ في المَدِينَةِ يَوْمَ الحَرَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ، وإنَّما كانَتْ تِلْكَ مُسَبَّباتٍ عَنْ أسْبابٍ بَشَرِيَّةٍ وإلى اللَّهِ إيابُهم وعَلى اللَّهِ حِسابُهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولَيُبَدِّلَنَّهم) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ والمَعْنى واحِدٌ.
وجُمْلَةُ (يَعْبُدُونَنِي) حالٌ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أيْ: هَذا الوَعْدُ جَرى في حالِ عِبادَتِهِمْ إيّايَ. وفي هَذِهِ الحالِ إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ جَزاءٌ لَهم، أيْ وعَدْتُهم هَذا الوَعْدَ الشّامِلَ لَهم والباقِي في خَلَفِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْبُدُونَنِي عِبادَةً خالِصَةً عَنِ الإشْراكِ.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ إذْ كانُوا يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَنْقَلِبُونَ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في (﴿يَعْبُدُونَنِي﴾) تَقْيِيدًا لِلْعِبادَةِ بِهَذِهِ الحالَةِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ. وفي هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ما يُؤَيِّدُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا مِن كَوْنِ الإيمانِ هو الشَّرِيطَةُ في كَفالَةِ اللَّهِ لِلْأُمَّةِ هَذا الوَعْدَ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ تَحْذِيرٌ بَعْدَ البِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ والعَكْسُ دَفْعًا لِلِاتِّكالِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَعْدَ ذَلِكَ) إلى الإيمانِ المُعَبَّرِ عَنْهُ هُنا بِـ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ والمُعَبَّرُ عَنْهُ في أوَّلِ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: ومَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ وما حَصَلَ لَهُ مِنَ البِشارَةِ عَلَيْهِ، فَهُمُ الفاسِقُونَ عَنِ الحَقِّ.
وصِيغَةُ الحَصْرِ المَأْخُوذَةُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ مُسْتَعْمِلَةٌ مُبالَغَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفِسْقُ الكامِلُ.
صفحة ٢٨٩
ووَصْفُ الفاسِقِينَ لَهُ رَشِيقُ المَوْقِعِ،؛ لِأنَّ مادَّةَ الفِسْقِ تَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَكانِ مِن مَنفَذٍ ضَيِّقٍ.
24:56Страница 357
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
Совершайте намаз, выплачивайте закят и повинуйтесь Посланнику, - быть может, вы будете помилованы.
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] لِما فِيها مِن مَعْنى الأمْرِ بِتَرْكِ الشِّرْكِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُونِي ولا تُشْرِكُوا وأقِيمُوا الصَّلاةَ،؛ لِأنَّ الخَبَرَ إذا كانَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الأمْرِ كانَ في قُوَّةِ فِعْلِ الأمْرِ حَتّى إنَّهُ قَدْ يُجْزَمُ جَوابُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] بِجَزْمِ (يَغْفِرْ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (تُؤْمِنُونَ) في قُوَّةِ أنْ يَقُولَ: آمِنُوا بِاللَّهِ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا خاصَّةً بَعْدَ أنْ كانَ مُوَجَّهًا لِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، فالطّاعَةُ المَأْمُورُ بِها هُنا غَيْرُ الطّاعَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [النور: ٥٤] إلَخْ؛ لِأنَّ تِلْكَ دَعْوَةٌ لِلْمُعْرِضِينَ وهَذِهِ ازْدِيادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ فَأهَمُّها بِالتَّصْرِيحِ وسائِرُها بِعُمُومِ حَذْفِ المُتَعَلِّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، أيْ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم.
ورُتِّبَ عَلى ذَلِكَ رَجاءُ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لَهم، أيْ في الدُّنْيا بِتَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي مِن رَحْمَتِهِ الأمْنُ وفي الآخِرَةِ بِالدَّرَجاتِ العُلى. والكَلامُ عَلى (لَعَلَّ) تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
24:57Страница 357
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Не думай, что неверующие могут спастись на земле. Их пристанищем будет Огонь. Как же скверно это место прибытия!
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
صفحة ٢٩٠
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَحْقِيقِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَزالُوا في قُوَّةٍ وكَثْرَةٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمْ يَزالُوا يَخافُونَ بَأْسَهم فَرُبَّما كانَ الوَعْدُ بِالأمْنِ مِن بَأْسِهِمْ مُتَلَقًّى بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْطاءِ الشَّبِيهِ بِالتَّرَدُّدِ فَجاءَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ تَطْمِينًا وتَسْلِيَةً.
والخِطابُ لِمَن قَدْ يُخامِرُهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِبْطاءُ دُونَ تَعْيِينٍ.
والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ هَذا الحُسْبانِ التَّنْبِيهُ عَلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فَصارَ (الَّذِينَ كَفَرُوا) فاعِلَ (يَحْسَبَنَّ) فَيَبْقى لِـ (يَحْسَبَنَّ) مَفْعُولٌ واحِدٌ هو (مُعْجِزِينَ) . فَقالَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ والفَرّاءُ: هي خَطَأٌ أوْ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ الحُسْبانِ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ. وهَذا القَوْلُ جُرْأةٌ عَلى قِراءَةٍ مُتَواتِرَةٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْفُسَهم، وقَدْ وُفِّقَ؛ لِأنَّ الحَذْفَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في الكَلامِ. وفي الكَشّافِ أنْ (في الأرْضِ) هو المَفْعُولُ الثّانِي، أيْ لا يَحْسَبُوا ناسًا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ (يَعْنِي ما مِن كائِنٍ في الأرْضِ إلّا وهو في مُتَناوَلِ قُدْرَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أخَذَهُ، أيْ فَلا مَلْجَأ لَهم في الأرْضِ كُلِّها) قالَ: (وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ) .
والمُعْجِزُ: الَّذِي يُعْجِزُ غَيْرَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ عاجِزًا عَنْ غَلَبِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. وكَذَلِكَ المُعاجِزُ بِمَعْنى المُحاوِلِ عَجْزَ ضِدِّهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ.
والأرْضُ: هي أرْضُ الدُّنْيا، أيْ هم غَيْرُ غالِبِينَ في الدُّنْيا كَما حَسِبُوا أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ عالَمٌ آخَرُ. و(في الأرْضِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُعْجِزِينَ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ، أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ كَما عَلِمْتَ.
صفحة ٢٩١
وقَوْلُهُ: (﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾) أيْ هم في الآخِرَةِ مَعْلُومٌ أنَّ مَأْواهُمُ النّارُ فَقَدْ خَسِرُوا الدّارَيْنِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии