Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Нур 24:61–63
24:61Страница 358
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١
Не будет грехом для слепого, не будет грехом для хромого, не будет грехом для больного и для вас самих, если вы будете есть в ваших домах, или в домах ваших отцов, или в домах ваших матерей, или в домах ваших братьев, или в домах ваших сестер, или в домах ваших дядей по отцу, или в домах ваших теток по отцу, или в домах ваших дядей по матери, или в домах ваших теток по матери, или в тех домах, ключи которых в вашем распоряжении, или в доме вашего друга. Не будет грехом для вас, если вы будет есть вместе или в отдельности. Когда вы входите в дома, то приветствуйте себя (друг друга) приветствием от Аллаха, благословенным, благим. Так Аллах разъясняет вас знамения, - быть может, вы уразумеете.
﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾
اخْتُلِفَ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ إلَخْ مُنْفَصِلٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ وأنَّهُ في غَرَضٍ غَيْرِ غَرَضِ الأكْلِ في البُيُوتِ، أيْ فَيَكُونُ مِن تَمامِ آيَةِ الِاسْتِئْذانِ، أوْ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ في غَرَضٍ واحِدٍ.
فَقالَ بِالأوَّلِ الحَسَنُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وهو مُخْتارٌ الجِبائِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ العَرَبِيِّ وأبِي حَيّانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ ظاهِرُ الآيَةِ. وهو الَّذِي نَخْتارُهُ تَفادِيًا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفُوهم لِبَيانِ اتِّصالِهِ بِما بَعْدَهُ في بَيانِ وجْهِ الرُّخْصَةِ لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ الأصْنافِ في الطَّعامِ في البُيُوتِ المَذْكُورَةِ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخِرِ المَعْدُوداتِ لا يَظْهَرُ اتِّصالُهُ بِالأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ نَفْيًا لِلْحَرَجِ عَنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ فِيما تَجُرُّهُ ضِرارَتُهم إلَيْهِمْ مِنَ الحَرَجِ مِنَ الأعْمالِ، فالحَرَجُ مَرْفُوعٌ عَنْهم في كُلِّ ما تَضْطَرُّهم إلَيْهِ أعْذارُهم، فَتَقْتَضِي نِيَّتُهم الإتْيانَ فِيهِ بِالإكْمالِ ويَقْتَضِي العُذْرُ أنْ يَقَعَ مِنهم. فالحَرَجُ مَنفِيٌّ عَنِ الأعْمى في التَّكْلِيفِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ البَصَرُ، وعَنِ الأعْرَجِ فِيما يُشْتَرَطُ فِيهِ المَشْيُ والرُّكُوبُ، وعَنِ المَرِيضِ في التَّكْلِيفِ
صفحة ٣٠٠
الَّذِي يُؤَثِّرُ المَرَضُ في إسْقاطِهِ كالصَّوْمِ وشُرُوطِ الصَّلاةِ والغَزْوِ. ولَكِنَّ المُناسَبَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ عَقِبَ الِاسْتِئْذانِ أنَّ المَقْصِدَ التَّرْخِيصُ لِلْأعْمى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اسْتِئْذانٌ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ المُوجِبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الأعْرَجَ والمَرِيضَ إدْماجًا وإتْمامًا لِحُكْمِ الرُّخْصَةِ لَهُما لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الأعْمى.
وقالَ بِالثّانِي جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقَدْ تَكَلَّفُوا لِوَجْهِ عَدِّ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ في عِدادِ الآكِلِينَ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي في بُيُوتِ مَن ذَكَرُوا في الآيَةِ المُوالِيَةِ.
والجُمْلَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
* * *
﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بِيُوتِكم أوْ بِيُوتِ آبائِكم أوْ بِيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بِيُوتِ إخْوانِكم أوْ بِيُوتِ أخَواتِكم أوْ بِيُوتِ أعْمامِكم أوْ بِيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بِيُوتِ أخْوالِكم أوْ بِيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾
مُناسَبَةُ عَطْفِ هَذِهِ الرُّخَصِ عَلى رُخْصَةِ الأعْمى، عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ وهو المُخْتارُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، هو تَعَلُّقُ كِلَيْهِما بِالِاسْتِئْذانِ والدُّخُولِ لِلْبُيُوتِ سَواءً كانَ لِغَرَضِ الطَّعامِ فِيها أوْ كانَ لِلزِّيارَةِ ونَحْوِها لِاشْتِراكِ الكُلِّ في رَفْعِ الحَرَجِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فاقْتِرانُ الجَمِيعِ في الحُكْمِ هو الرُّخْصَةُ لِلْجَمِيعِ في الأكْلِ، فَأذِنَ اللَّهُ لِلْأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ أنْ يَدْخُلُوا لِلْأكْلِ؛ لِأنَّهم مَحاوِيجُ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّكَسُّبَ وكانَ التَّكَسُّبُ زَمانَئِذٍ بِعَمَلِ الأبْدانِ فَرَخَّصَ لِهَؤُلاءِ أنْ يَدْخُلُوا بُيُوتَ المُسْلِمِينَ لِشِبَعِ بُطُونِهِمْ.
صفحة ٣٠١
هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في تَوْجِيهِ عَدِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ مَعَ مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أُخَرَ أنْهاها أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى ثَمانِيَةٍ لَيْسَ مِنها واحِدٌ يَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ، ولا نُطِيلُ بِها.
وأُعِيدَ حَرْفُ (لا) مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النَّفْيِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ.
والمَقْصُودُ بِالأكْلِ هُنا الأكْلُ بِدُونِ دَعْوَةٍ، وذَلِكَ إذا كانَ الطَّعامُ مُحْضَرًا دُونَ المُخْتَزَنِ.
والمُرادُ بِالأنْفُسِ ذَواتُ المُخاطَبِينَ بِعَلاماتِ الخِطابِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا إلى آخِرِهِ، فالخِطابُ لِلْأُمَّةِ.
والمُرادُ بِأكْلِ الإنْسانِ مِن بَيْتِهِ الأكْلُ غَيْرُ المُعْتادِ، أيْ أنْ يَأْكُلَ أكْلًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ أهْلِهِ كَأنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وزَوْجَتُهُ غائِبَةٌ، أوْ أنْ تَأْكُلَ هي وزَوْجُها غائِبٌ فَهَذِهِ أثَرَةٌ مُرَخَّصٌ فِيها.
وعَطَفَ عَلى بُيُوتِ أنْفُسِهِمْ بُيُوتَ آبائِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلادِهِمْ مَعَ أنَّهم أقْرَبُ إلى الآكِلِينَ مِنَ الآباءِ فَهم أحَقُّ بِأنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ. قِيلَ: لِأنَّ الأبْناءَ كائِنُونَ مَعَ الآباءِ في بُيُوتِهِمْ، ولا يَصِحُّ فَقَدْ كانَ الِابْنُ إذا تَزَوَّجَ بَنى لِنَفْسِهِ بَيْتًا كَما في خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فالوَجْهُ أنَّ بُيُوتَ الأبْناءِ مَعْلُومٌ حُكْمُها بِالأوْلى مِنَ البَقِيَّةِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنْتَ ومالُكُ لِأبِيكَ» .
وهَؤُلاءِ المَعْدُودُونَ في الآيَةِ بَيْنَهم مِنَ القُرْبَةِ أوِ الوِلايَةِ أوِ الصَّداقَةِ ما يُعْتادُ بِسَبَبِهِ التَّسامُحُ بَيْنَهم في الحُضُورِ لِلْأكْلِ بِدُونِ دَعْوَةٍ لا يَتَحَرَّجُ أحَدٌ مِنهم مِن ذَلِكَ غالِبًا.
و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿ما مَلَّكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾) مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى المَكانِ أوِ الطَّعامِ، عَطَفَ عَلى (﴿بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾) لا عَلى (أخْوالِكم) ولِهَذا جِيءَ بِـ (ما) الغالِبُ اسْتِعْمالُها في غَيْرِ العاقِلِ.
صفحة ٣٠٢
ومِلْكُ المَفاتِيحِ أُرِيدَ بِهِ حِفْظُها بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى المَفاتِيحِ دُونَ الدُّورِ أوِ الحَوائِطِ. والمَفاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ وهو اسْمُ آلَةِ الفَتْحِ. ويُقالُ فِيها: مِفْتاحٌ ويُجْمَعُ عَلى مَفاتِيحَ.
وهَذِهِ رُخْصَةٌ لِلْوَكِيلِ والمُخْتَزِنِ لِلطَّعامِ وناطُورِ الحائِطِ ذِي الثَّمَرِ أنْ يَأْكُلَ كُلٌّ مِنهم ما تَحْتَ يَدِهِ بِدُونِ إذْنٍ ولا يَتَجاوَزُ شِبَعَ بَطْنِهِ وذَلِكَ لِلْعُرْفِ بِأنْ ذَلِكَ كالإجازَةِ فَلِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: إذا كانَ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ أُجْرَةٌ عَلى عَمَلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الأكْلُ مِمّا تَحْتَ يَدِهِ.
و(صَدِيقُ) هُنا المُرادُ بِهِ الجِنْسُ الصّادِقُ بِالجَماعَةِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ، وهو اسْمٌ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ لِمَن يَجْرِي عَلَيْهِ إنْ كانَ وصْفًا أوْ خَبَرًا في الإفْرادِ والتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ وهو الأصْلُ، والغالِبُ في فَصِيحِ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَلْزَمَ حالَةً واحِدَةً قالَ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ومِثْلُهُ الخَلِيطُ والقَطِينُ.
والصَّدِيقُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ وهو الصّادِقُ في المَوَدَّةِ. وقَدْ جُعِلَ في مَرْتَبَةِ القَرابَةِ مِمّا هو مَوْقُورٌ في النُّفُوسِ مِن مَحَبَّةِ الصِّلَةِ مَعَ الأصْدِقاءِ. وسُئِلَ بَعْضُ الحُكَماءِ: أيُّ الرَّجُلَيْنِ أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: إنَّما أحَبُّ أخِي إذا كانَ صَدِيقِي.
وأُعِيدَتْ جُمْلَةُ (﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾) تَأْكِيدًا لِلْأُولى في قَوْلِهِ: (﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾)؛ إذِ الجُناحُ والحَرَجُ كالمُتَرادِفَيْنِ. وحَسُنَ هَذا التَّأْكِيدُ بَعْدَ ما بَيَّنَ الحالَ وصاحِبَها وهو واوُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ:﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾، ولِأجْلِ كَوْنِها تَأْكِيدًا فُصِلَتْ بِلا عَطْفٍ.
والجَمِيعُ: المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ.
والأشْتاتُ: المُوَزَّعُونَ فِيما الشَّأْنُ اجْتِماعُهم فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤] .
والأشْتاتُ: جَمْعُ شَتٍّ، وهو مَصْدَرُ شَتَّ إذا تَفَرَّقَ. وأمّا شَتّى فَجَمْعُ شَتِيتٍ.
صفحة ٣٠٣
والمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ يَأْكُلَ الواحِدُ مِنكم مَعَ جَماعَةٍ جاءُوا لِلْأكْلِ مِثْلَهُ، أوْ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ مُتَفَرِّقًا عَنْ مُشارِكٍ، لِئَلّا يَحْسَبَ أحَدُهم أنَّهُ إنْ وجَدَ مَن سَبَقَهُ لِلْأكْلِ أنْ يَتْرُكَ الأكْلَ حَتّى يَخْرُجَ الَّذِي سَبَقَهُ، أوْ أنْ يَأْكُلَ الواحِدُ مِنكم مَعَ أهْلِ البَيْتِ. أوْ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ.
وتَقَدَّمَ قِراءَةُ (بِيُوتٍ) بِكَسْرِ الباءِ لِلْجُمْهُورِ، وبِضَمِّها لِوِرَشٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
* * *
﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بِيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى الإذْنِ لَهم في الأكْلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ بِأنْ ذَكَّرَهم بِأدَبِ الدُّخُولِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧] لِئَلّا يَجْعَلُوا القَرابَةَ والصَّداقَةَ والمُخالَطَةَ مُبِيحَةً لِإسْقاطِ الآدابِ فَإنَّ واجِبَ المَرْءِ أنْ يُلازِمَ الآدابَ مَعَ القَرِيبِ والبَعِيدِ ولا يَغُرَّنَّهُ قَوْلُ النّاسِ: إذا اسْتَوى الحُبُّ سَقَطَ الأدَبُ.
ومَعْنى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
ولَقَدْ عَكَفَ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِ هَذا اللَّفْظِ وأهْمَلُوا دَقِيقَتَهُ فَظَنُّوا أنَّ الدّاخِلَ يُسَلِّمُ عَلى نَفْسِهِ إذا لَمْ يَجِدْ أحَدًا، وهَذا بَعِيدٌ مِن أغْراضِ التَّكْلِيفِ والآدابِ. وأمّا ما ورَدَ في التَّشَهُّدِ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَذَلِكَ سَلامٌ بِمَعْنى الدُّعاءِ بِالسَّلامَةِ جَعَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ لَهم عِوَضًا عَمّا كانُوا يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ، السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ، السَّلامُ عَلى جِبْرِيلَ ومِكائِيلَ، السَّلامُ
صفحة ٣٠٤
عَلى فُلانٍ وفُلانٍ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ»، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ. ثُمَّ قالَ لَهم: «قُولُوا السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَإنَّكم إذا قُلْتُمُوها أصابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صالَحٍ في السَّماءِ وفي الأرْضِ» .
وأمّا السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو التَّحِيَّةُ كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ولا يُؤْمَرُ أحَدٌ بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى نَفْسِهِ.
والتَّحِيَّةُ: أصْلُها مَصْدَرُ حَيّاهُ تَحِيَّةً ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءانِ تَخْفِيفًا وهي قَوْلُ: حَيّاكَ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
فالتَّحِيَّةُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى فِعْلِ (حَيّا)، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَزاهُ، إذا قالَ لَهُ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما تَقَدَّمَ في فِعْلِ (وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها) آنِفًا. وكانَ هَذا اللَّفْظُ تَحِيَّةَ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ تَحِيَّةَ العامَّةِ قالَ النّابِغَةُ:
حَيّاكَ رَبِّي فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما
وكانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ (عِمْ صَباحًا) فَجَعَلَ الإسْلامُ التَّحِيَّةَ كَلِمَةَ (السَّلامُ عَلَيْكم)، وهي مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحِيَّةِ تَأْنِيسُ الدّاخِلِ بِتَأْمِينِهِ إنْ كانَ لا يَعْرِفُهُ وبِاللُّطْفِ لَهُ إنْ كانَ مَعْرُوفًا.
ولَفْظُ (السَّلامِ) يَجْمَعُ المَعْنَيَيْنِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ فَهو دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ وتَأْمِينٌ بِالسَّلامِ؛ لِأنَّهُ إذا دَعا لَهُ بِالسَّلامَةِ فَهو مُسْلِمٌ لَهُ فَكانَ الخَبَرُ كِنايَةً عَنِ التَّأْمِينِ، وإذا تَحَقَّقَ الأمْرانِ حَصَلَ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ السَّلامَةَ لا تُجامِعُ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ في ذاتِ السّالِمِ، والأمانُ لا يُجامِعُ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ يَأْتِي مِن قِبَلِ المُعْتَدِي فَكانَتْ دُعاءً تُرْجى إجابَتُهُ وعَهْدًا بِالأمْنِ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. وفي كَلِمَةِ (عَلَيْكم) مَعْنى التَّمَكُّنِ، أيِ السَّلامَةُ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْكم.
ولِكَوْنِ كَلِمَةِ (السَّلامِ) جامِعَةً لِهَذا المَعْنى امْتَنَّ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِها بِأنْ جَعَلَها مِن عِنْدِ اللَّهِ إذْ هو الَّذِي عَلَّمَها رَسُولَهُ بِالوَحْيِ.
صفحة ٣٠٥
وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) عَلى الحالِ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ (فَسَلِّمُوا) نَظِيرَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .
والمُبارَكَةُ: المَجْعُولَةُ فِيها البَرَكَةُ. والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ. وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّحِيَّةُ مُبارَكَةً لِما فِيها مِن نِيَّةِ المُسالَمَةِ وحُسْنِ اللِّقاءِ والمُخالَطَةِ وذَلِكَ يُوَفِّرُ خَيْرَ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ.
والطَّيِّبَةُ: ذاتُ الطِّيبِ، وهو طِيبٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى النَّزاهَةِ والقَبُولِ في نُفُوسِ النّاسِ. ووَجْهُ طِيبِ التَّحِيَّةِ أنَّها دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ وإيذانٌ بِالمُسالَمَةِ والمُصافاةِ. ووَزَنُ (طَيِّبَةً) فَيْعِلَةٌ مُبالَغَةً في الوَصْفِ مِثْلَ: الفَيْصَلِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] في آلِ عِمْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
والمَعْنى أنَّ كَلِمَةَ السَّلامِ عَلَيْكم تَحِيَّةُ خَيْرٍ مِن تَحِيَّةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ تَحِيَّتُهم هَذا اللَّفْظُ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ قَبْلَها في آيَةِ الِاسْتِئْذانِ؛ لِأنَّ في كُلِّ ما وقَعَ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِآياتِ القُرْآنِ اتَّضَحَتْ بِهِ الأحْكامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها، وهو بَيانٌ يُرْجى مَعَهُ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الفَهْمُ والعِلْمُ بِما فِيهِ كَمالُ شَأْنِكم.
24:62Страница 359
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢
Верующими являются только те, которые уверовали в Аллаха и Его Посланника. Когда они находятся рядом с ним по общему делу, то не уходят, пока не попросят у него разрешения. Воистину, те, которые просят у тебя разрешения, действительно являются верующими в Аллаха и Его Посланника. Если они попросят у тебя разрешения по поводу некоторых из своих дел, то разрешай тому из них, кому пожелаешь, и проси Аллаха простить их. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
صفحة ٣٠٦
لَمّا جَرى الكَلامُ السّابِقُ في شَأْنِ الِاسْتِئْذانِ لِلدُّخُولِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاسْتِئْذانِ لِلْخُرُوجِ ومُفارَقَةِ المَجامِعِ فاعْتُنِيَ مِن ذَلِكَ بِالواجِبِ مِنهُ وهو اسْتِئْذانُ الرَّسُولِ ﷺ في مُفارَقَةِ مَجْلِسِهِ أوْ مُفارَقَةِ جَمْعٍ جُمِعَ عَنْ إذْنِهِ لِأمْرٍ مُهِمٍّ كالشُّورى والقِتالِ والِاجْتِماعِ لِلْوَعْظِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وكانَ مِن أعْمالِ المُنافِقِينَ أنْ يَحْضُرُوا هَذِهِ المَجامِعَ ثُمَّ يَتَسَلَّلُوا مِنها تَفادِيًا مِن عَمَلٍ يَشُقُّ أوْ سَآمَةٍ مِن سَماعِ كَلامٍ لا يَهْتَبِلُونَ بِهِ، فَنَعى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم هَذا، وأعْلَمَ بِمُنافاتِهِ لِلْإيمانِ، وأنَّهُ شِعارُ النِّفاقِ، بِأنْ أعْرَضَ عَنْ وصْفِ نِفاقِ المُنافِقِينَ، واعْتَنى بِاتِّصافِ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ بِضِدِّ صِفَةِ المُنافِقِينَ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] ولِذَلِكَ جاءَ في أواخِرِ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ [النور: ٦٣] .
فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ. والتَّعْرِيفُ في (المُؤْمِنُونَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ العَهْدِ، أيْ إنَّ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ أوْ إنَّ الَّذِينَ عُرِفُوا بِوَصْفِ الإيمانِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يَنْصَرِفُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ. فالخَبَرُ هو مَجْمُوعُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ إفْرادٍ؛ أيْ: لا غَيْرَ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ ولا يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ عِنْدَ إرادَةِ الِانْصِرافِ، فَجُعِلَ هَذا الوَصْفُ عَلامَةً مُمَيَّزَةَ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ عَنِ المُنافِقِينَ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ يَوْمَئِذٍ مَن يَنْصَرِفُ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيءِ بِدُونِ إذْنِهِ، فالمَقْصُودُ: إظْهارُ عَلامَةِ المُؤْمِنِينَ وتَمْيِيزُهم عَنْ عَلامَةِ المُنافِقِينَ. فَلَيْسَ سِياقُ الآيَةِ لِبَيانِ حَقِيقَةِ الإيمانِ؛ لِأنَّ لِلْإيمانِ حَقِيقَةً مَعْلُومَةً لَيْسَ اسْتِئْذانُ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ إرادَةِ الذَّهابِ مِن أرْكانِها، فَعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الحَصْرِ سَلْبَ الإيمانِ عَنِ الَّذِي يَنْصَرِفُ دُونَ إذْنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ لَوْ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدِ الخَذْلِ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ أذاهُ، إذْ لا يَعْدُو ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ أحَدُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَكُونَ تَقْصِيرًا في الأدَبِ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والتَّنْبِيهَ عَلى تَجَنُّبِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ كَما ورَدَ التَّحْذِيرُ مِن خِصالِ النِّفاقِ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٣٠٧
وعَلِمْتَ أيْضًا أنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّعْرِيفِ في (المُؤْمِنُونَ) مَعْنى الكَمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ التَّشْهِيرِ بِنِفاقِ المُنافِقِينَ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ المُهِمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في سُورَةِ النِّساءِ.
والجامِعُ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَجْتَمِعَ النّاسُ لِأجْلِهِ لِلتَّشاوُرِ أوِ التَّعَلُّمِ. والمُرادُ: ما يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ لِأجْلِهِ حَوْلَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَجْلِسِهِ أوْ في صَلاةِ الجَماعَةِ. وهَذا ما يَقْتَضِيهِ (مَعَ) و(عَلى) مِن قَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ لِإفادَةِ (مَعَ) مَعْنى المُشارَكَةِ وإفادَةِ (عَلى) مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنهُ.
ووَصْفُ الأمْرِ بِـ (جامِعٍ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الجَمْعِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] في سُورَةِ يُونُسَ.
وعَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ يَوْمَ الخَنْدَقِ (وذَلِكَ سَنَةُ خَمْسٍ) كانَ المُنافِقُونَ يَتَسَلَّلُونَ مِن جَيْشِ الخَنْدَقِ ويَعْتَذِرُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾) إلى آخِرِها تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾)؛ لِأنَّ مَضْمُونَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ هو مَضْمُونُ مَعْنى جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ تَفَنَّنَ في نَظْمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الجُمْلَةِ الأُولى فَجَعَلَ مَضْمُونَ المُسْنَدِ في الأُولى مُسْنَدًا إلَيْهِ في الثّانِيَةِ والمَسْنَدَ إلَيْهِ في الأُولى مُسْنَدًا في الثّانِيَةِ ومَآلُ الأُسْلُوبَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ المَآلَ الإخْبارُ بِأنَّ هَذا هو ذاكَ عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الِاسْتِئْذانِ، ولِيُبْنى عَلَيْها تَفْرِيعٌ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ لِيُعَلِّمَ المُؤْمِنِينَ الأعْذارَ المُوجِبَةَ لِلِاسْتِئْذانِ، أيْ لَيْسَ لَهم أنْ يَسْتَأْذِنُوا في الذَّهابِ إلّا لِشَأْنٍ مُهِمٍّ مِن شُئُونِهِمْ.
ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ: (يَسْتَأْذِنُونَكَ) تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِهَذا الخِطابِ.
وقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الإذْنِ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالشَّأْنِ الَّذِي قَضاؤُهُ أرْجَحُ مِن حُضُورِ الأمْرِ الجامِعِ؛ لِأنَّ مَشِيئَةَ النَّبِيءِ لا تَكُونُ عَنْ هَوًى ولَكِنْ لِعُذْرٍ ومَصْلَحَةٍ.
صفحة ٣٠٨
وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِانْصِرافَ خِلافُ ما يَنْبَغِي؛ لِأنَّهُ لِتَرْجِيحِ حاجَتِهِ عَلى الإعانَةِ عَلى حاجَةِ الأُمَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن نِظامِ الجَماعاتِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ اجْتِماعٍ إمامٌ ورَئِيسٌ يُدِيرُ أمْرَ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ. وقَدْ أشارَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الإمامَةِ إلى ذَلِكَ النِّظامِ. ومِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يَجْتَمِعَ جَماعَةٌ إلّا أمَّرُوا عَلَيْهِمْ أمِيرًا فالَّذِي يَتَرَأَّسُ الجَمْعَ هو قائِمٌ مَقامَ ولِيِّ أمْرِ المُسْلِمِينَ فَهو في مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَنْصَرِفُ أحَدٌ عَنِ اجْتِماعِهِ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْتَأْذِنَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ أمْرَ الِانْسِلالِ لِشَهْوَةِ الحاضِرِ لَكانَ ذَرِيعَةً لِانْفِضاضِ الِاجْتِماعاتِ دُونَ حُصُولِ الفائِدَةِ الَّتِي جُمِعَتْ لِأجْلِها، وكَذَلِكَ الأدَبُ أيْضًا في التَّخَلُّفِ عَنِ الِاجْتِماعِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ كاجْتِماعِ المَجالِسِ النِّيابِيَّةِ والقَضائِيَّةِ والدِّينِيَّةِ أوِ التَّخَلُّفِ عَنْ مِيقاتِ الِاجْتِماعِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ إلّا لِعُذْرٍ واسْتِئْذانٍ.
24:63Страница 359
لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣
Не равняйте обращение к Посланнику среди вас с тем, как вы обращаетесь друг к другу. Аллах знает тех из вас, которые уходят украдкой под прикрытием. Пусть же остерегаются те, которые противятся его воле, как бы их не постигло искушение или не постигли их мучительные страдания.
﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
لَمّا كانَ الِاجْتِماعُ لِلرَّسُولِ في الأُمُورِ يَقَعُ بَعْدَ دَعْوَتِهِ النّاسَ لِلِاجْتِماعِ، وقَدْ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَنْصَرِفُوا عَنْ مَجامِعِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا لِعُذْرٍ بَعْدَ إذْنِهِ أنْبَأهم بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبَ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إذا دَعاهم. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ إيّاكم لِلْحُضُورِ لَدَيْهِ مُخَيَّرِينَ في اسْتِجابَتِها كَما تَتَخَيَّرُونَ في اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ بَعْضِكم بَعْضًا،
صفحة ٣٠٩
فَوَجْهُ الشَّبَهِ المَنفِيُّ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ هو الخِيارُ في الإجابَةِ. والغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا يَتَوَهَّمُوا أنَّ الواجِبَ هو الثَّباتُ في مَجامِعِ الرَّسُولِ إذا حَضَرُوها، وأنَّهم في حُضُورِها إذا دُعُوا إلَيْها بِالخِيارِ، فالدُّعاءُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَصْدَرُ دَعاهُ إذا ناداهُ أوْ أرْسَلَ إلَيْهِ لَيَحْضُرَ.
وإضافَةُ (دُعاءَ) إلى (الرَّسُولِ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ (دُعاءَ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ والفاعِلُ المُقَدَّرُ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ. والتَّقْدِيرُ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ، فالمَعْنى نَهْيُهم.
ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ حَثًّا عَلى تَلَقِّي الجُمْلَةِ بِنَشاطٍ فَهْمٍ، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢] إلَخْ. نُهُوا عَنْ أنْ يَدْعُوا الرَّسُولَ عِنْدَ مُناداتِهِ كَما يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا في اللَّفْظِ أوْ في الهَيْئَةِ. فَأمّا في اللَّفْظِ فَبِأنْ لا يَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ، أوْ يا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أوْ يا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَكِنْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْ يا نَبِيءَ اللَّهِ، أوْ بِكُنْيَةِ يا أبا القاسِمِ. وأمّا في الهَيْئَةِ فَبِأنْ لا يَدْعُوهُ مِن وراءِ الحُجُراتِ، وأنْ لا يُلِحُّوا في دُعائِهِ إذا لَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ، كَما جاءَ في سُورَةِ الحُجُراتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الجَلافَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِعَظَمَةِ قَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ . فَهَذا أدَبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وسَدٌّ لِأبْوابِ الأذى عَنِ المُنافِقِينَ. وإذا كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ ألْفاظُها هَذا المَعْنى صَحَّ لِلْمُتَدَبِّرِ أنْ يَنْتَزِعَ هَذا المَعْنى مِنها إذْ يَكْفِي أنْ يَأْخُذَ مَن لاحَ لَهُ مَعْنى ما لاحَ لَهُ.
و(بَيْنَكم) ظَرْفٌ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْعَلُوا)، أوْ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِـ (دُعاءَ)، أيْ دُعائِهِ في كَلامِكم. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ التَّعْرِيضُ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَمالَئُوا بَيْنَهم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم كُلَّما وجَدُوا لِذَلِكَ سَبِيلًا كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] . فالمَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَما جَعَلَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم وتَواطَئُوا عَلى ذَلِكَ.
صفحة ٣١٠
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ اسْتِئْنافُ تَهْدِيدٍ لِلَّذِينِ كانُوا سَبَبَ نُزُولِ آيَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] الآيَةَ، أيْ: أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وضِدُّهُمُ المُعَرَّضُ بِهِمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. وقَدْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ واطَّلَعَ عَلى تَسَلُّلِهِمْ.
و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم إذا تَسَلَّلُوا مُتَسَتِّرِينَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ عَلِمَهم، أيْ: أنَّهُ أعْلَمَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ.
ودُخُولُ (قَدْ) عَلى المُضارِعِ يَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ كَثِيرًا؛ لِأنَّ (قَدْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ (رُبَّ) تُسْتَعْمَلُ في التَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] وقَوْلُ زُهَيْرٍ:
أخُو ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ
و(الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ) هُمُ المُنافِقُونَ. والتَّسَلُّلُ: الِانْسِلالُ مِن صَبْرَةٍ، أيِ الخُرُوجِ مِنهُ بِخُفْيَةٍ خُرُوجًا كَأنَّهُ سَلُّ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ. يُقالُ: تَسَلَّلَ، أيْ: تَكَلَّفَ الِانْسِلالَ مِثْلَ ما يُقالُ: تَدَخَّلَ إذا تَكَلَّفَ إدْخالَ نَفْسِهِ.
واللِّواذُ: مَصْدَرُ لاوَذَهُ، إذا لاذَ بِهِ الآخَرُ. شُبِّهَ تَسَتُّرُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ عَنِ اتِّفاقٍ وتَآمُرٍ عِنْدَ الِانْصِرافِ خُفْيَةً بِلَوْذِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لِأنَّ الَّذِي سَتَرَ الخارِجَ حَتّى يَخْرُجَ هو بِمَنزِلَةِ مَن لاذَ بِهِ أيْضًا فَجَعَلَ حُصُولَ فِعْلِهِ مَعَ فِعْلِ اللّائِذِ كَأنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ اللَّوْذِ.
وانْتَصَبَ (لِواذًا) عَلى الحالِ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ.
و(مِنكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَسَلَّلُونَ) . وضَمِيرُ (مِنكم) خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِن جَماعَتِكم مُتَسَلِّلِينَ مُلاوِذِينَ. وفُرِّعَ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمُ﴾ الآيَةَ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى تَسَلُّلِهِمْ.
صفحة ٣١١
والمُخالَفَةُ: المُغايِرَةُ في الطَّرِيقِ الَّتِي يَمْشِي فِيها بِأنْ يَمْشِيَ الواحِدُ في طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي مَشى فِيهِ الآخَرُ، فَفِعْلُها مُتَعَدٍّ. وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ يُخالِفُونَ اللَّهَ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ المُخالِفِ بِحَرْفِ (عَنْ)؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الصُّدُودِ كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى الذَّهابِ. يُقالُ: خالَفَهُ إلى الماءِ، إذا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَهُ، ولَوْ تُرِكَتْ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ جَرٍّ لِإفادَةِ أصْلِ المُخالَفَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
وضَمِيرُ (عَنْ أمْرِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلُوا لِدُعاءِ الرَّسُولِ الِامْتِثالَ في العَلانِيَةِ والسِّرِّ. وهَذا كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدَيْناكِ لا يَرُحْ ∗∗∗ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ
فَجَعَلَ قَوْلَهُنَّ: (لا يَرُحْ) صَحِيحًا وهو نَهْيٌ في مَعْنى: اقْتُلِيهِ، فَبَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) .
والحَذَرُ: تَجَنُّبُ الشَّيْءِ المُخِيفِ. والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ حالِ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في البَقَرَةِ. والعَذابُ الألِيمُ هُنا عَذابُ الدُّنْيا، وهو عَذابُ القَتْلِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии