Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Фуркан 25:23–31
25:23Страница 362
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
Мы займемся деяниями, которые они совершили, и обратим их в развеянный прах.
صفحة ٨
﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ .
كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَعُدُّونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّها تُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَيُجازِيهِمْ بِنِعَمٍ في الدُّنْيا؛ إذَ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وقَدْ قالَتْ خَدِيجَةُ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ تَحَيَّرَ في أمْرِ ما بَدَأهُ مِنَ الوَحْيِ وقالَ لَها: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلى نَفْسِي. فَقالَتْ: واللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتُقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ» . فالظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ إذا سَمِعُوا آياتِ الوَعِيدِ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَئِنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا لَنَجِدَنَّ أعْمالًا عَمِلْناها مِنَ البِرِّ تَكُونُ سَبَبًا لِنَجاتِنا، فَعَلِمَ اللَّهُ ما في نُفُوسِهِمْ فَأخْبَرَ بِأنَّ أعْمالَهم تَكُونُ كالعَدَمِ يَوْمَئِذٍ.
والقُدُومُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى العَمْدِ والإرادَةِ، وأفْعالُ المَشْيِ والمَجِيءِ، تَجِيءُ في الِاسْتِعْمالِ لِمَعانِي القَصْدِ والعَزْمِ والشُّرُوعِ مِثْلُ: قامَ يَفْعَلُ، وذَهَبَ يَقُولُ، وأقْبَلَ، ونَحْوِها. وأصْلُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَمْثِيلِ حالِ العامِدِ إلى فِعْلٍ بِاهْتِمامٍ بِحالِ مَن يَمْشِي إلَيْهِ، فَمَوْقِعُهُ في الكَلامِ أرْشَقُ مِن أنْ يَقُولَ: وعَمَدْناهُ، أوْ أرَدْنا إلى ما عَمِلُوا.
و(مِن) في قَوْلِهِ: (مِن عَمَلٍ) بَيانِيَّةٌ لِإبْهامِ (ما)، وتَنْكِيرُ (عَمَلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ عَمَلُ الخَيْرِ، أيْ: إلى ما عَمِلُوهُ مِن جِنْسِ عَمَلِ الخَيْرِ.
والهَباءُ: كائِناتٌ جِسْمِيَّةٌ دَقِيقَةٌ لا تُرى إلّا في أشِعَّةِ الشَّمْسِ المُنْحَصِرَةِ في كُوَّةٍ ونَحْوِها، تَلُوحُ كَأنَّها سابِحَةٌ في الهَواءِ وهي أدَقُّ مِنَ الغُبارِ، أيْ فَجَعَلْناهُ كَهَباءٍ مَنثُورٍ، وهو تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمْ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِها مَعَ كَوْنِها مَوْجُودَةً بِالهَباءِ في عَدَمِ إمْساكِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وهو هُنا رَشِيقٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥]) .
والمَنثُورُ: غَيْرُ المُنْتَظِمِ، وهو وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ الهَباءَ لا يَكُونُ إلّا مَنثُورًا، فَذَكَرَ هَذا الوَصْفَ لِلْإشارَةِ إلى ما في الهَباءِ مِنَ الحَقارَةِ ومِنَ التَّفَرُّقِ.
25:24Страница 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
У обитателей Рая в тот день будет более хорошая обитель и более прекрасное место отдыха.
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جِيءَ بِهِ لِمُقابَلَةِ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ بِضِدِّها مِن حالِ
صفحة ٩
أصْحابِ الجَنَّةِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ حالَ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ عُلِمَ أنْ لا حَظَّ لَهم في الجَنَّةِ فَتَعَيَّنَتِ الجَنَّةُ لِغَيْرِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ إذْ أهْلُ مَكَّةَ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ: مُشْرِكُونَ ومُؤْمِنُونَ. فَمَعْنى الكَلامِ: المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ هم أصْحابُ الجَنَّةِ وهم خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا.
والخَيْرُ هُنا: تَفْضِيلٌ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ (أحْسَنُ) .
والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ.
والمَقِيلُ: المَكانُ الَّذِي يُئْوى إلَيْهِ في القَيْلُولَةِ، والِاسْتِراحَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن عادَةِ المُتْرَفِينَ.
25:25–26Страница 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
В тот день небо разверзнется и покроется облаками, и будут низведены ангелы.
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
В тот день власть будет истинной и будет принадлежать Милостивому, и день тот будет тяжким для неверующих.
﴿ويَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَومَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) . والمَقْصُودُ تَأْيِيسِهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وبِآلِهَتِهِمْ وتَأْكِيدُ وعِيدِهِمْ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ وصْفُ بَعْضِ شُئُونِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّهُ يَوْمُ تَنْزِيلِ المَلائِكَةِ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ.
وأُعِيدَ لَفْظُ (يَوْمَ) عَلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ يَوْمًا واحِدًا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَعادِ ومَكانِ الضَّمِيرِ.
والتَّشَقُّقُ: التَّفَتُّحُ بَيْنَ أجْزاءٍ مُلْتَئِمَةٍ، ومِنهُ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . ولَعَلَّهُ انْخِراقٌ يَحْصُلُ في كُوَرِ تِلْكَ العَوالِمِ، والَّذِينَ قالُوا: السَّماواتُ لا تَقْبَلُ الخَرْقَ ثُمَّ الِالتِئامَ بَنَوْهُ عَلى تَخَيُّلِهِمْ إيّاها كَقِبابٍ مِن مَعادِنَ صُلْبَةٍ، والحُكَماءُ لَمْ يَصِلُوا إلى حَقِيقَتِها حَتّى الآنَ.
وتَشَقُّقُ السَّماءِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْناهُ زَوالُ الحَواجِزِ والحُدُودِ الَّتِي كانَتْ تَمْنَعُ المَلائِكَةَ مِن مُبارَحَةِ سَماواتِهِمْ إلّا مَن يُؤْذَنُ لَهُ بِذَلِكَ، فاللّامُ في المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ بَيْنَ جَمْعِ المَلائِكَةِ، فَهو بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ. قالَ: (﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩])؛ عَلى أنَّ التَّشَقُّقَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى انْجِلاءِ النُّورِ كَما قالَ النّابِغَةُ.
صفحة ١٠
فانْشَقَّ عَنْها عَمُودُ الصُّبْـحِ جَـافِـلَةً عَدْوَ النَّحُوصِ تَخافُ القانِصَ اللَّحِما
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ هُنالِكَ انْبِثاقًا وانْتِفاقًا يُقارِنُهُ نُزُولُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِانْشِقاقَ إذْنٌ لِلْمَلائِكَةِ بِالحُضُورِ إلى مَوْقِعِ الحَشْرِ والحِسابِ.
والتَّعْبِيرُ بِالتَّنْزِيلِ يَقْتَضِي أنَّ السَّماواتِ الَّتِي تَنْشَقُّ عَنِ المَلائِكَةِ أعْلى مِن مَكانِ حُضُورِ المَلائِكَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَشَّقَّقُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ.
والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ. وهو ما يَغْشى مَكانَ الحِسابِ قالَ تَعالى: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِالغَمامِ) قِيلَ: بِمَعْنى (عَنْ)، أيْ: تَشَقَّقَ عَنْ غَمامٍ يَحُفُّ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ: لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَكُونُ غَمامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِ قُوَّةٌ تَنْشَقُّ بِها السَّماءُ لِيَنْزِلَ المَلائِكَةُ مِثْلُ قُوَّةِ البَرْقِ الَّتِي تَشُقُّ السَّحابَ. وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: تَشَقَّقُ مُلابِسَةً لِغَمامٍ يَظْهَرُ حِينَئِذٍ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي مُقارَنَةَ التَّشَقُّقِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، ولا مُقارَنَةَ الغَمامِ لِلْمَلائِكَةِ، فَدَعِ الفَهْمَ يَذْهَبْ في تَرْتِيبِ ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
وأكَّدَ (نُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإفادَةِ أنَّهُ نُزُولٌ بِالذّاتِ لا بِمُجَرَّدِ الِاتِّصالِ النُّورانِيِّ مِثْلِ الخَواطِرِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي تُشَعْشِعُ في نُفُوسِ أهْلِ الكَمالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الزّايِ وفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ (المَلائِكَةُ) مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ونُنْزِلُ) بِنُونَيْنِ أُولاهُما مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ وبِضَمِّ اللّامِ ونَصْبِ (المَلائِكَةَ) .
وقَوْلُهُ: (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ) هو صَدْرُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾)، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ في تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ (يَوْمَئِذٍ) .
صفحة ١١
والحَقُّ: الخالِصُ، كَقَوْلِكَ: هَذا ذَهَبٌ حَقًّا. وهو المُلْكُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ مُلْكٌ؛ لِأنَّ حالَةَ المُلْكِ في الدُّنْيا مُتَفاوِتَةٌ. والمُلْكُ الكامِلُ إنَّما هو لِلَّهِ، ولَكِنَّ العُقُولَ قَدْ لا تَلْتَفِتُ إلى ما في المُلُوكِ مِن نَقْصٍ وعَجْزٍ وتَبْهَرُهم بَهْرَجَةُ تَصَرُّفاتِهِمْ وعَطاياهم فَيَنْسَوْنَ الحَقائِقَ، فَأمّا في ذَلِكَ اليَوْمِ فالحَقائِقُ مُنْكَشِفَةٌ ولَيْسَ ثَمَّةَ مِن يَدَّعِي شَيْئًا مِنَ التَّصَرُّفِ، وفي الحَدِيثِ: ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ.
ووُصِفَ اليَوْمُ بِعَسِيرٍ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن أُمُورٍ عَسِيرَةٍ عَلى المُشْرِكِينَ.
وتَقْدِيمُ (عَلى الكافِرِينَ) لِلْحَصْرِ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: دُونَ المُؤْمِنِينَ.
25:27–29Страница 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
В тот день беззаконник станет кусать свои руки и скажет: «Лучше бы я последовал путем Посланника!
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
О горе мне! Лучше бы я не брал такого-то себе в друзья!
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
Это он отвратил меня от Напоминания (Корана) после того, как оно дошло до меня». Воистину, дьявол оставляет человека без поддержки.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
هَذا هو ذَلِكَ اليَوْمُ أُعِيدَ الكَلامُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ فِيهِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ.
والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) إعْلامًا بِما لا تَخْلُو عَنْهُ مِن صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى مُناواةِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ المَخْصُوصِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الِاعْتِداءُ الخاصُّ المَعْهُودُ مِن قِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وما أغْراهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. قالَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وكانَ عُقْبَةُ لا يَقْدُمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا ودَعا إلَيْهِ أشْرافَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيءِ ﷺ، فَقَدِمَ مِن بَعْضِ أسْفارِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا قَرَّبُوا الطَّعامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ما أنا بِآكِلٍ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا
صفحة ١٢
إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ عُقْبَةُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِن طَعامِهِ. وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ غائِبًا فَلَمّا قَدِمَ أُخْبِرَ بِقَضِيَّتِهِ، فَقالَ: صَبَأْتَ يا عُقْبَةُ. قالَ: واللَّهِ ما صَبَأْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِي حَتّى أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي ولَمْ يَطْعَمْ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ أُبَيٌّ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ أبَدًا إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْصُقَ في وجْهِهِ. فَكَفَرَ عُقْبَةُ وأخَذَ في امْتِثالِ ما أمَرَهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ»، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (فُلانًا) الكِنايَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَخُصُوصُهُ يَقْتَضِي لِحاقَ أمْثالِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أطاعُوا أخِلَّتَهم في الشِّرْكِ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الرَّسُولِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ خَلِيلٍ مُشْرِكٍ مِثْلِهِ يَصُدُّهُ عَنْ مُتابَعَةِ الإسْلامِ إذا هَمَّ بِها ويُثَبِّتُهُ عَلى دِينِ الشِّرْكِ فَيَتَنَدَّمُ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى طاعَتِهِ ويُذْكُرُهُ بِاسْمِهِ.
والعَضُّ: الشَّدُّ بِالأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ لِيُؤْلِمَهُ أوْ لِيُمْسِكَهُ، وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ المَعْضُوضِ إذا قَصَدُوا عَضًّا شَدِيدًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
والعَضُّ عَلى اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدامَةِ؛ لِأنَّهم تَعارَفُوا في بَعْضِ أغْراضِ الكَلامِ أنْ يَصْحَبُوها بِحَرَكاتٍ بِالجَسَدِ مِثْلِ التَّشَذُّرِ، وهو رَفْعُ اليَدِ عَنْ كَلامِ الغَضَبِ قالَ لَبِيدٌ:
غُلْبٌ تَشَذَّرُ بِالدَّخُولِ كَأنَّهم جِنُّ البَدِيِّ رَواسِيًا أقْدامُها
ومِثْلِ وضْعِ اليَدِ عَلى الفَمِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قالَ تَعالى: (﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) . ومِنهُ في النَّدَمِ قَرْعُ السِّنِّ بِالأُصْبُعِ، وعَضُّ السَّبّابَةِ، وعَضُّ اليَدِ. ويُقالُ: حَرَّقَ أسْنانَهُ وحَرَّقَ الأُرَّمَ (بِوَزْنِ رُكَّعٍ) الأضْراسَ أوْ أطْرافَ الأصابِعِ، وفي الغَيْظِ عَضُّ الأنامِلِ قالَ تَعالى: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَتْ كِناياتٍ بِناءً عَلى ما يُلازِمُها في العُرْفِ مِن مَعانٍ نَفْسِيَّةٍ، وأصْلُ نَشْأتِها عَنْ تَهَيُّجِ القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ مِن جَرّاءِ غَضَبٍ أوْ تَلَهُّفٍ.
والرَّسُولُ: هو المَعْهُودُ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
صفحة ١٣
واتِّخاذُ السَّبِيلِ: أخْذُهُ، وأصْلُ الأخْذِ: التَّناوُلُ بِاليَدِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى قَصْدِ السَّيْرِ فِيهِ قالَ تَعالى: (﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣]) .
و(مَعَ الرَّسُولِ) أيْ: مُتابِعًا لِلرَّسُولِ كَما يُتابِعُ المُسافِرُ دَلِيلًا يَسْلُكُ بِهِ أحْسَنَ الطُّرُقِ وأفْضاها إلى المَكانِ المَقْصُودِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلِ الِاتِّباعِ ونَحْوِهِ بِأنْ يُقالَ: يا لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ الرَّسُولَ، إلى هَذا التَّرْكِيبِ المُطْنَبِ؛ لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ الِاقْتِداءِ بِهَيْئَةِ مُسايِرَةِ الدَّلِيلِ تَمْثِيلًا مُحْتَوِيًا عَلى تَشْبِيهِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ بِالسَّبِيلِ، ومُتَضَمِّنًا تَشْبِيهَ ما يَحْصُلُ عَنْ سُلُوكِ ذَلِكَ السَّبِيلِ مِنَ النَّجاةِ بِبُلُوغِ السّائِرِ إلى المَوْضِعِ المَقْصُودِ فَكانَ حُصُولُ هَذِهِ المَعانِي صائِرًا بِالإطْنابِ إلى إيجازٍ، وأمّا لَفْظُ المُتابَعَةِ فَقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الِاقْتِداءِ فَهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا التَّمْثِيلِ. وعَلِمَ أنَّ هَذا السَّبِيلَ سَبِيلُ نَجاحِ مَن تَمَنّاهُ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ طَلَبُ الأمْرِ المَحْجُوبِ العَزِيزِ المَنالِ.
و(يا لَيْتَنِي) نِداءٌ لِلْكَلامِ الدّالِّ عَلى التَّمَنِّي بِتَنْزِيلِ الكَلِمَةِ مَنزِلَةَ العاقِلِ الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ في حالَةِ النَّدامَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكِ فاحْضُرِي، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا النِّداءُ يَزِيدُ المُتَمَنِّيَ اسْتِبْعادًا لِلْحُصُولِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يا ويْلَتا) هو تَحَسُّرٌ بِطْرِيقِ نِداءِ الوَيْلِ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وهو تَعْوِيضٌ مَشْهُورٌ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَيْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى (يا ويْلَتَنا) في قَوْلِهِ: (﴿يا ويْلَتَنا مالِهَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وأتْبَعَ التَّحَسُّرَ بِتَمَنِّي أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا.
وجُمْلَةُ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ اتِّباعَ سَبِيلِ الرَّسُولِ يَشْتَمِلُ عَلى نَبْذِ خُلَّةِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَتَمَنِّي وُقُوعِ أوَّلِهِما يَشْتَمِلُ عَلى تَمَنِّي وُقُوعِ الثّانِي.
صفحة ١٤
وجُمْلَةُ (يا ويْلَتا) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) وجُمْلَةِ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) .
و(فُلانٌ): اسْمٌ يُكَنِّي عَمَّنْ لا يُذْكَرُ اسْمُهُ العَلَمُ، كَما يُكَنّى بِـ (فُلانَةٍ) عَمَّنْ لا يُرادُ ذِكْرُ اسْمِها العَلَمِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحِكايَةِ أمْ في غَيْرِها. قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ مالِكٍ خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، وابْنِ الحاجِبِ في اشْتِراطِ وُقُوعِهِ في حِكايَةٍ بِالقَوْلِ، فَيُعامَلُ (فُلانٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المَقْرُونِ بِالنُّونِ الزّائِدَةِ و (فُلانَةٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المُقْتَرِنِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الشّاعِرِ:
ألا قاتَلَ اللَّهُ الوُشاةَ وقَوْلَهم ∗∗∗ فُلانَةُ أضْحَتْ خُلَّةً لِفُلانِ
أرادَ نَفْسَهُ وحَبِيبَتَهُ.
وقالَ المَرّارُ العَبْسِيُّ:
وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ ∗∗∗ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْدِهِ بِفُـلانِ
أرادَ: إذا ماتَ مَن لَهُ اسْمٌ مِنهم أخْلَفُوهُ بِغَيْرِهِ في السُّؤْدُدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ:
وحَتّى سَألْتُ القَرْضَ مِن كُلِّ ذِي ∗∗∗ الغِنى ورَدَّ فُلانٌ حاجَتِي وفُلانُ
وقالَ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ: أنْشَدَنِي المُفَضِّلُ لِرَجُلٍ مِن ضَبَّةَ هَلَكَ مُنْذُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، أيْ في أواسِطِ القَرْنِ الأوَّلِ لِلْهِجْرَةِ:
إنَّ لَسَعِدٍ عِنْدَنا دِيوانَـا ∗∗∗ يُخْزِي فَلانًا وابْنَهُ فُلانا
والدّاعِي إلى الكِنايَةِ بِفُلانٍ إمّا قَصْدُ إخْفاءِ اسْمِهِ خِيفَةً عَلَيْهِ أوْ خِيفَةً مِن أهْلِهِمْ أوْ لِلْجَهْلِ بِهِ، أوْ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِذِكْرِهِ، أوْ لِقَصْدِ نَوْعِ مَن لَهُ اسْمٌ عَلَمٌ. وهَذانِ الأخِيرانِ هُما اللَّذانِ يَجْرِيانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ خُصُوصِ عُقْبَةَ وأُبَيٍّ، أوْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ لَهُ خَلِيلٌ صَدَّهُ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ.
وإنَّما تَمَنّى أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا دُونَ تَمَنِّي أنْ يَكُونَ عَصاهُ فِيما سَوَّلَ لَهُ قَصْدًا لِلِاشْمِئْزازِ مَن خُلَّتِهِ مِن أصِلِها؛ إذْ كانَ الإضْلالُ مِن أحْوالِها.
وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ شَأْنَ الخُلَّةِ الثِّقَةُ بِالخَلِيلِ، وحَمْلُ مَشُورَتِهِ عَلى النُّصْحِ فَلا يَنْبَغِي
صفحة ١٥
أنْ يَضَعَ المَرْءُ خُلَّتَهُ إلّا حَيْثُ يُوقِنُ بِالسَّلامَةِ مِن إشاراتِ السُّوءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]) فَعَلى مَن يُرِيدُ اصْطِفاءَ خَلِيلٍ أنْ يَسِيرَ سِيرَتَهُ في خُوَيِّصَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَحْمِلُ مَن يَخالُّهِ عَلى ما يَسِيرُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ خالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وهو ابْنُ أُخْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها
وهَذا عِنْدِي هو مَحْمِلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا» فَإنَّ مَقامَ النُّبُوءَةِ يَسْتَدْعِي مِنَ الأخْلاقِ ما هو فَوْقَ مَكارِمِ الأخْلاقِ المُتَعارَفَةِ في النّاسِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا مُتابَعَةُ ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالاتِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» . وعَلِمْنا بِهَذا أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ مَكارِمَ أخْلاقٍ بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ جَعَلَهُ المُخَيَّرَ لِخُلَّتِهِ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾) تَعْلِيلِيَّةٌ لِتَمَنِّيهِ أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ خُلَّتِهِ أعْظَمُ خُسْرانٍ لِخَلِيلِهِ؛ إذْ أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ كادَ يَتَمَكَّنُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: (﴿أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾) مَعْناهُ سَوَّلَ لِيَ الِانْصِرافَ عَنِ الحَقِّ. والضَّلالُ: إضاعَةُ الطَّرِيقِ وخَطَؤُهُ بِحَيْثُ يَسْلُكُ طَرِيقًا غَيْرَ المَقْصُودِ فَيَقَعُ في غَيْرِ المَكانِ الَّذِي أرادَهُ وإنَّما وقَعَ في أرْضِ العَدُوِّ أوْ في مَسْبَعَةٍ. ويُسْتَعارُ الضَّلالُ لِلْحِيادِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ إلى الباطِلِ والسَّفَهِ كَما يُسْتَعارُ ضِدُهُ وهو الهُدى (الَّذِي هو إصابَةُ الطَّرِيقِ) لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ حَتّى تَساوى المَعْنَيانِ الحَقِيقِيّانِ والمَعْنَيانِ المَجازِيّانِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّلِيلَ الَّذِي يَسْلُكُ بِالرَّكْبِ الطَّرِيقَ المَقْصُودَ هادِيًا.
والإضْلالُ مُسْتَعارٌ هُنا لِلصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ لِمُناسَبَةِ اسْتِعارَةِ السَّبِيلِ لِهَدْيِ الرَّسُولِ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا هُنا في المَعْنى الَّذِي غَلَبَ عَلى الباطِلِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (عَنْ) في قَوْلِهِ (عَنِ الذِّكْرِ) فَإنَّهُ لَوْ كانَ الإضْلالُ هو تَسْوِيلَ الضَّلالِ لَما احْتاجَ إلى تَعْدِيَتِهِ ولَكِنْ أُرِيدَ هُنا مُتابَعَةُ التَّمْثِيلِ السّابِقِ. فَفي قَوْلِهِ: (أضَلَّنِي) مَكْنِيَّةٌ تَقْتَضِي تَشْبِيهَ الذِّكْرِ بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى المَنجى، وإثْباتُ الإضْلالِ عَنْهُ تَخْيِيلٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ فَهَذِهِ نُكَتٌ مِن بَلاغَةِ نَظْمِ الآيَةِ.
صفحة ١٦
والذِّكْرُ: هو القُرْآنُ، أيْ نَهانِي عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاسْتِماعِ لَهُ بَعْدَ أنْ قارَبْتُ فَهْمَهُ.
والمَجِيءُ في قَوْلِهِ: (إذْ جاءَنِي) مُسْتَعْمَلٌ في إسْماعِهِ القُرْآنَ فَكَأنَّ القُرْآنَ جاءٍ حَلَّ عِنْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُهم: أتانِي نَبَأُ كَذا، قالَ النّابِغَةُ:
أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي
فَإذا حُمِلَ الظّالِمُ في قَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾) عَلى مُعَيَّنٍ وهو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَمَعْنى مَجِيءِ الذِّكْرِ إيّاهُ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويَأْنَسُ إلَيْهِ حَتّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وحَمَلَهُ عَلى عَداوَتِهِ وأذاتِهِ، وإذا حُمِلَ الظّالِمُ عَلى العُمُومِ، فَمَجِيءُ الذِّكْرِ هو شُيُوعُ القُرْآنِ بَيْنَهم، وإمْكانُ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ. وإضْلالُ خِلّانِهِمْ إيّاهم صَرْفُ كُلِّ واحِدٍ خَلِيلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَعاوُنُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ.
وقِيلَ: الذِّكْرُ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الظّالِمِ بِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كَما تَقَدَّمَ، وتَأْتِي في ذَلِكَ الوُجُوهُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ النَّجاةِ مُثِّلَتْ بِسَبِيلِ الرَّسُولِ الهادِي، ومُثِّلَ الصَّرْفُ عَنْها بِالإضْلالِ عَنِ السَّبِيلِ.
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، أيْ بَعْدَ وقْتٍ جاءَنِي فِيهِ الذِّكْرُ، والإتْيانُ بِالظَّرْفِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَ ما جاءَنِي، أوْ بَعْدَ أنْ جاءَنِي، لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في زَمَنٍ وتَحَقَّقَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]) أيْ تَمَكَّنَ هَدْيُهُ مِنهم.
وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾) تَذْيِيلٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الظّالِمِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى أنَّ كُلَّ هَذا الإضْلالِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فَهو الَّذِي يُسَوِّلُ لِخَلِيلِ الظّالِمِ إضْلالَ خَلِيلِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ خَذُولُ الإنْسانِ، أيْ مَجْبُولٌ عَلى شِدَّةِ خَذْلِهِ.
والخَذْلُ: تَرْكُ نَصْرِ المُسْتَنْجِدِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى نَصْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
فَإذا أعانَ عَلى الهَزِيمَةِ فَهو أشَدُّ الخَذْلِ، وهو المَقْصُودُ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ في
صفحة ١٧
وصْفِ الشَّيْطانِ بِخَذْلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُ الإنْسانَ فَيُوَرِّطُهُ في الضُّرِّ فَهو خَذُولٌ.
25:30Страница 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
Посланник сказал: «Господи! Мой народ забросил этот Коран».
﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ، ومُناسَبَتُهُ لِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩]) أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ فَحُكِيَتْ شِكايَةُ الرَّسُولِ إلى رَبِّهِ قَوْمَهُ مِن نَبْذِهِمُ القُرْآنَ بِتَسْوِيلِ زُعَمائِهِمْ وسادَتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم عَنِ القُرْآنِ، أيْ: عَنِ التَّأمُّلِ فِيهِ بَعْدَ أنْ جاءَهم وتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ، وهَذا القَوْلُ واقِعٌ في الدُّنْيا والرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ.
والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ إنْذارُ قُرَيْشٍ بِأنَّ الرَّسُولَ تَوَجَّهَ إلى رَبِّهِ في هَذا الشَّأْنِ فَهو يَسْتَنْصِرُ بِهِ ويُوشِكُ أنْ يَنْصُرَهُ، وتَأْكِيدُهُ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَكُونَ التَّشَكِّي أقْوى. والتَّعْبِيرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِـ (قَوْمِي) لِزِيادَةِ التَّذَمُّرِ مِن فِعْلِهِمْ مَعَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ قَوْمِ الرَّجُلِ أنْ يُوافِقُوهُ.
وفِعْلُ الِاتِّخاذِ إذا قُيِّدَ بِحالَةٍ يُفِيدُ شِدَّةَ اعْتِناءِ المُتَّخِذِ بِتِلْكَ الحالَةِ بِحَيْثُ ارْتَكَبَ الفِعْلَ لِأجْلِها وجَعَلَهُ لَها قَصْدًا. فَهَذا أشَدُّ مُبالَغَةً في هَجْرِهِمُ القُرْآنَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْمِي هَجَرُوا القُرْآنَ.
واسْمُ الإشارَةِ في (هَذا القُرْآنَ) لِتَعْظِيمِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَّخَذُ مَهْجُورًا بَلْ هو جَدِيرٌ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ.
والمَهْجُورُ: المَتْرُوكُ والمُفارَقُ. والمُرادُ هَنا تُرْكُ الِاعْتِناءِ بِهِ وسَماعِهِ.
25:31Страница 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
Так для каждого пророка Мы создали врагов из числа грешников, но довольно того, что твой Господь наставляет на прямой путь и помогает.
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ .
هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن بَعْضِ قَوْمِهِ هو سُنَّةٌ مِن سُنَنِ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَعْرِضُوا أحْوالَهم عَلى هَذا الحُكْمِ التّارِيخِيِّ فَيَعْلَمُوا
صفحة ١٨
أنَّ حالَهم كَحالِ مَن كَذَّبُوا مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
والقَوْلُ في قَوْلِهِ (وكَذَلِكَ) تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) . والعَدُوُّ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ والمُرادُ هُنا الجَمْعُ.
ووَصَفَ أعْداءَ الأنْبِياءِ بِأنَّهم مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: مِن جُمْلَةِ المُجْرِمِينَ، فَإنَّ الإجْرامَ أعَمُّ مِن عَداوَةِ الأنْبِياءِ وهو أعْظَمُها. وإنَّما أُرِيدَ هُنا تَحْقِيقُ انْضِواءِ أعْداءِ الأنْبِياءِ في زُمْرَةِ المُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يُقالَ: عَدُوًّا مُجْرِمِينَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأعْقَبَ التَّسْلِيَةَ بِالوَعْدِ بِهِدايَةِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هم يَوْمَئِذٍ مُعْرِضُونَ عَنْهُ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» وبِأنَّهُ يَنْصُرُهُ عَلى الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلى عَداوَتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلَيْهِ فَإنَّهُ كافٍ في الهِدايَةِ والنَّصْرِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: (بِرَبِّكَ) تَأْكِيدٌ لِاتِّصالِ الفاعِلِ بِالفِعْلِ. وأصْلُهُ: كَفى رَبُّكَ في هَذِهِ الحالَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии