Ибн АшурАш‑Шуара · 26:131–164

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аш-Шуара 26:131–164

26:131–135Страница 372

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١

Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢

Бойтесь Того, Кто помог вам тем, что вам известно.

أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣

Он помог вам домашней скотиной и сыновьями,

وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤

садами и источниками.

إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥

Я боюсь того, что вас постигнут мучения в Великий день».

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .

لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.

وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .

وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.

صفحة ١٧٠

وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.

وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.

وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.

والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.

ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.

26:136–140Страница 372

قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦

Они сказали: «Нам все равно, будешь ты увещевать или же не будешь в числе тех, которые увещевают.

إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧

Это - всего лишь обычаи (или измышления) первых поколений,

وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨

и мы не будем наказаны».

فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

Они сочли его лжецом, а Мы погубили их. Воистину, в этом - знамение, но большинство их не стали верующими.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠

Воистину, твой Господь - Могущественный, Милосердный.

﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.

صفحة ١٧١

والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.

ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .

وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.

وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.

فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .

فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.

صفحة ١٧٢

والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.

فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:

عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ

فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى

صفحة ١٧٣

﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.

وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.

وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.

والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.

ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.

والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.

26:141–145Страница 373

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١

Самудяне сочли лжецами посланников.

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢

Вот их брат Салих сказал им: «Неужели вы не устрашитесь?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣

Я являюсь посланником к вам, достойным доверия.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤

Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥

Я не прошу у вас за это вознаграждения, ибо вознаградит меня только Господь миров.

صفحة ١٧٤

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.

26:146–152Страница 373

أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦

Неужели вы будете оставлены в безопасности среди того, что есть здесь,

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧

среди садов и источников,

وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨

среди посевов и финиковых пальм с нежными плодами,

وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩

и будете искусно (или горделиво) высекать в горах жилища?

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠

Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне,

وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١

и не слушайтесь повелений тех, кто излишествует,

ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢

кто распространяет на земле нечестие и ничего не улучшает».

﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ .

كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى

صفحة ١٧٥

ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ.

وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ.

وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.

و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها.

وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ.

والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا.

والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ.

وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ.

صفحة ١٧٦

(وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ.

والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ.

وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ:

النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ

يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.

26:153–154Страница 373

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣

Они сказали: «Ты - всего лишь один из околдованных.

مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤

Ты - всего лишь такой же человек, как и мы. Покажи нам знамение, если ты - один из тех, кто говорит правду».

صفحة ١٧٧

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .

أجابُوا مَوْعِظَتَهُ بِالبُهْتانِ فَزَعَمُوهُ فَقَدَ رُشْدَهُ وتَغَيَّرَ حالُهُ، واخْتَلَقُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ سِحْرٍ شَدِيدٍ. فالمُسَحَّرُ: اسْمُ مَفْعُولٍ سَحَّرَهُ إذا سَحَرَهُ سِحْرًا مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و(مِنَ المُسَحَّرِينَ) أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالتَّسْحِيرِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّما أنْتَ مُسَحَّرٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .

ولَمّا تَضَمَّنُ قَوْلُهم: (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) تَكْذِيبَهم إيّاهُ أيَّدُوا تَكْذِيبَهُ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم. وذَلِكَ في زَعْمِهِمْ يُنافِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ في زَعْمِهِمْ لا يَكُونُ إلّا مَخْلُوقًا خارِقًا لِلْعادَةِ كَأنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا. فَجُمْلَةُ (﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) في حُكْمِ التَّأْكِيدِ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) بِاعْتِبارِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ.

وفَرَّعُوا عَلى تَكْذِيبِهِ المُطالَبَةَ بِأنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ عَلى صِدْقِهِ، أيْ: أنْ يَأْتِيَ بِخارِقِ عادَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ صَدَّقَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ عَنْهُ. وفَرَضُوا صِدْقَهُ بِحَرْفِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ الغالِبِ اسْتِعْمالُها في الشَّكِّ.

ومَعْنى (مِنَ الصّادِقِينَ) مِنَ الفِئَةِ المَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ الصّادِقِينَ لِدَلالَتِهِ عَلى تَمَكُّنِ الصِّدْقِ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) .

26:155–159Страница 373

قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥

Он сказал: «Вот верблюдица! Она должна пить, и вы должны пить по определенным дням.

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥٦

Не прикасайтесь к ней со злом, а не то вас постигнут мучения в Великий день».

فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ ١٥٧

Но они подрезали ей поджилки и стали сожалеть об этом.

فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٥٨

Их постигло наказание. Воистину, в этом - знамение, но большинство их не стали верующими.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩

Воистину, твой Господь - Могущественный, Милосердный.

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ.

صفحة ١٧٨

وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) .

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

26:160–164Страница 374

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٦٠

Народ Лута (Лота) счел лжецами посланников.

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٦١

Вот их брат Лут (Лот) сказал им: «Неужели вы не устрашитесь?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٦٢

Я являюсь посланником к вам, достойным доверия.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٦٣

Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٤

Я не прошу у вас за это вознаграждения, ибо вознаградит меня только Господь миров.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها.

وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ:

أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا

يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ:

أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English