Ибн АшурАш‑Шуара · 26:18–27

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аш-Шуара 26:18–27

26:18–19Страница 367

قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨

Фараон сказал: «Разве мы не воспитывали тебя среди нас с младенческих лет? Разве ты не оставался среди нас многие годы своей жизни.

وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩

Разве ты не совершил тот поступок, который ты совершил? Воистину, ты являешься одним из неблагодарных».

﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

طُوِيَ مِنَ الكَلامِ ذَهابُ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ واسْتِئْذانُهُما عَلَيْهِ وإبْلاغُهُما ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يَقُولا لِفِرْعَوْنَ إيجازًا لِلْكَلامِ. ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ خِطابَهُ إلى مُوسى وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن تَفْصِيلِ كَلامِ مُوسى وهارُونَ أنَّ مُوسى هو الرَّسُولُ بِالأصالَةِ وأنَّ هارُونَ كانَ عَوْنًا لَهُ عَلى التَّبْلِيغِ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالكَلامِ مَعَ هارُونَ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ الِاعْتِناءِ بِإبْطالِ دَعْوَةِ مُوسى، فَعَدَلَ إلى تَذْكِيرِهِ بِنِعْمَةِ الفَراعِنَةِ أسْلافِهِ عَلى مُوسى وتَخْوِيفِهِ مِن جِنايَتِهِ حُسْبانا بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَلِعُ الدَّعْوَةَ مِن جَذْمِها، ويَكُفُّ مُوسى عَنْها، وقَصْدُهُ مِن هَذا الخِطابِ إفْحامُ مُوسى كَيْ يَتَلَعْثَمَ مِن خَشْيَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أوْجَدَ لَهُ سَبَبًا يَتَذَرَّعُ بِهِ إلى قَتْلِهِ، ويَكُونُ مَعْذُورًا فِيهِ حَيْثُ كَفَرَ نِعْمَةَ الوِلايَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، واقْتَرَفَ جُرْمَ الجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ.

صفحة ١١١

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ التَّرْبِيَةِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ الإقْرارُ بِوُقُوعِ التَّرْبِيَةِ مُجاراةً لِحالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ إذْ رَأى في هَذا الكَلامِ جُرْأةً عَلَيْهِ لا تُناسِبُ حالَ مَن هو مَمْنُونٌ لِأُسْرَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي المَحَبَّةَ والبِرَّ، فَكَأنَّهُ يُرْخِي لَهُ العِنان بِتَلْقِينِ أنْ يَجْحَدَ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ حَتّى إذا أقَرَّ، ولَمْ يُنْكِرْ كانَ الإقْرارُ سالِمًا مِنَ التَّعَلُّلِ بِخَوْفٍ أوْ ضَغْطٍ، فَهَذا وجْهُ تَسْلِيطِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلى النَّفْيِ في حِينِ أنَّ المُقَرَّرَ بِهِ ثابِتٌ. وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي طالَ عَهْدُكَ بِرُؤْيَتِهِ: ألَسْتَ فُلانًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ دَيْرِ الجَماجِمِ يُهَدِّدُ الخَوارِجَ: (ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ) .

والتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو أنْ يُقابِلَ المُقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالبِرِّ والطّاعَةِ لا بِالجَفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْتِفْهام إنْكارِيًّا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِسانَ حالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ حالُ مَن يَجْحَدُ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ ومَن يُظَنُّ نِسْيانُهم لِفَعْلَتِهِ فَأنْكَرَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكِلّا الوَجْهَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَنْزِيلِ مُوسى مَنزِلَةَ مَن يَجْحَدُ ذَلِكَ.

والتَّرْبِيَةُ: كَفالَةُ الصَّبِيِّ وتَدْبِيرُ شُئُونِهِ. ومَعْنى (﴿فِينا﴾) في عائِلَتِنا، أيْ عائِلَةِ مَلِكِ مِصْرَ. والوَلِيدُ: الطِّفْلُ مِن وقْتِ وِلادَتِهِ وما يُقارِبُها فَإذا نَمى لَمْ يُسَمَّ ولِيدًا وسُمِّي طِفْلًا، ويَعْنِي بِذَلِكَ التِقاطَهُ مِن نَهْرِ النِّيلِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى رُبِّيَ عِنْدَ (رَعَمْسِيسَ الثّانِي) مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِن عائِلاتِ فَراعِنَةِ مِصْرَ حَسَبَ تَرْتِيبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُؤَرِّخِينَ. وخَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ بَعْدَ أنْ قَتَلَ القِبْطِيَّ وعُمُرُهُ أرْبَعُونَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ [القصص: ١٤]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥]) الآيَةَ، وبُعِثَ وعُمُرُهُ ثَمانُونَ سَنَةً حَسْبَما في التَّوْراةِ. وكانَ فِرْعَوْنُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْهِ مُوسى هو (مِنفِتاحُ الثّانِي بْنُ رَعْمَسِيسَ الثّانِي) وهو الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ بَعْدَ وفاتِهِ أواسِطَ القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُوسى مُرَبّى والِدِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، ولَعَلَّهُ رُبِّيَ مَعَ فِرْعَوْنَ هَذا كالأخِ.

والسِّنُونَ الَّتِي لَبِثَها مُوسى فِيهِمْ هي نَحْوُ أرْبَعِينَ سَنَةً.

صفحة ١١٢

والفَعْلَةُ: المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الفِعْلِ وأرادَ بِها الحاصِلَ بِالمَصْدَرِ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ. وأرادَ بِالفَعْلَةِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، قِيلَ: هو خَبّازُ فِرْعَوْنَ. وعُبِّرَ عَنْها بِالمَوْصُولِ لِعِلْمِ مُوسى بِها، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِلْفَعْلَةِ يُكَنّى بِهِ عَنْ تَذْكِيرِهِ بِما يُوجِبُ تَوْبِيخَهُ.

وفِي العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ فَعْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إلى ذِكْرِها مُبْهَمَةً مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ وصْفِها بِما لا يَزِيدُ عَلى مَعْنى المَوْصُوفِ تَهْوِيلٌ مُرادٌ بِهِ التَّفْظِيعُ وأنَّها مُشْتَهِرَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعَ تَحْقِيقِ إلْصاقِ تَبِعَتِها بِهِ حَتّى لا يَجِدَ تَنَصُّلًا مِنها.

وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿فَعَلْتَ﴾) . والمُرادُ بِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ اعْتَدى عَلى أحَدِ خاصَّتِهِ ومَوالِي آلِهِ، وكانَ ذَلِكَ انْتِصارًا لِرَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَعُدُّونَهم عَبِيدَ فِرْعَوْنَ وعَبِيدَ قَوْمِهِ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ انْتِصارَ مُوسى لِرَجُلٍ مِن عَشِيرَتِهِ كُفْرانًا لِنِعْمَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ يَرى واجِبَ مُوسى أنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلا يَنْتَصِرُ لِإسْرائِيلَ، وفي هَذا إعْمالُ أحْكامِ التَّبَنِّي وإهْمالُ أحْكامِ النَّسَبِ وهو قَلْبُ حَقائِقَ وفَسادُ وضْعٍ. قالَ تَعالى: (﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]) . ولَيْسَ المُرادُ الكُفْرَ بِدِيانَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ يَوْمَ قَتَلَ القِبْطِيَّ مُتَظاهِرًا بِأنَّهُ عَلى خِلافِ دِينِهِمْ وإنْ كانَ في باطِنِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ وبَعْدَها.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الَّتِي هي تَوْبِيخٌ ولَوْمٌ، فَوَبَّخَهُ عَلى تَقَدُّمِ رَعْيِهِ تَرْبِيَتَهم إيّاهُ فِيما مَضى، ثُمَّ وبَّخَهُ عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بِدِينِهِمْ في الحالِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾) حَقِيقَةٌ في الحالِ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ واسْمُ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتَ حِينَئِذٍ مِنَ الكافِرِينَ بِدِينِنا، اسْتِنادًا مِنهُ إلى ما بَدا مِن قَرائِنَ دَلَّتْهُ عَلى اسْتِخْفافِ مُوسى بِدِينِهِمْ فِيما مَضى؛ لِأنَّ دِينَهم يَقْتَضِي الإخْلاصَ لِفِرْعَوْنَ وإهانَةَ مَن يُهِينُهم فِرْعَوْنُ. ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في عَزْمِ فِرْعَوْنَ عَلى أنْ يَقْتَصَّ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلَيْهِ كانَ مَصْحُوبًا بِاسْتِخْفافٍ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

صفحة ١١٣

ويُفِيدُ الكَلامُ بِحَذافِرِهِ تَعَجُّبًا مِنِ انْتِصابِ مُوسى مَنصِبَ المُرْشِدِ مَعَ ما اقْتَرَفَهُ مِنَ النَّقائِصِ في نَظَرِ فِرْعَوْنَ المُنافِيَةِ لِدَعْوى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ الرَّبِّ.

26:20–22Страница 368

قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠

Он сказал: «Я совершил это, когда был в числе заблудших,

فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١

Я сбежал от вас, когда испугался вас, но мой Господь даровал мне власть (пророчество или знание) и сделал меня одним из посланников.

وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢

А та милость, в которой ты меня попрекаешь, состоит в том, что ты поработил сынов Исраила (Израиля)».

﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .

كانَتْ رِباطَةُ جَأْشِ مُوسى وتَوَكُّلُهُ عَلى رَبِّهِ باعِثَةً لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِالفَعْلَةِ وذِكْرِ ما نَشَأ عَنْها مِن خَيْرٍ لَهُ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَمِدَ أثَرَها وإنْ كانَ قَدِ اقْتَرَفَها غَيْرَ مُقَدِّرٍ ما جَرَّتْهُ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ؛ فابْتَدَأ بِالإقْرارِ بِفَعْلَتِهِ لِيَعْلَمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِكَلامِهِ مَدْخَلَ تَأْثِيرٍ في نَفْسِ مُوسى. وأخَّرَ مُوسى الجَوابَ عَنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ القَصْدَ مِنهُ الإقْصارُ مِن مُواجَهَتِهِ بِأنَّ رَبًّا أعْلى مِن فِرْعَوْنَ أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِ. وابْتَدَأ بِالجَوابِ عَنِ الأهَمِّ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ وهو (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ أدْخَلُ في قَصْدِ الإفْحامِ، ولِيُظْهِرَ لِفِرْعَوْنَ أنَّهُ لا يَوْجَلُ مِن أنْ يُطالِبُوهُ بِذَحْلِ ذَلِكَ القَتِيلِ ثِقَةً بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِ مِن عُدْوانِهِمْ.

وكَلِمَةُ (إذًا) هُنا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، فَنُونُهُ السّاكِنَةُ لَيْسَتْ تَنْوِينًا بَلْ حَرْفًا أصْلِيًّا لِلْكَلِمَةِ، وقَدَّمَ (﴿فَعَلْتُها﴾) عَلى (إذَنْ) مُبادَرَةً بِالإقْرارِ لِيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ خَشْيَتِهِ مِن هَذا الإقْرارِ. ومَعْنى المُجازاةِ هُنا ما بَيَّنَهُ في الكَشّافِ: أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩]) ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى جازَيْتَ نِعْمَتَنا بِما فَعَلْتَ؛ فَقالَ لَهُ مُوسى: نَعَمْ فَعَلْتُها مُجازِيًا لَكَ، تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ نِعْمَتَهُ كانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُجازى بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ. وهَذا أظْهَرُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ القَزْوِينِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: (إذًا) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُؤْثَرًا فِيهِ الفَتْحُ عَلى الكَسْرِ لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِبَعْضِ المُحَقِّقِينَ رَضِيَّ الدِّينِ الإسْتِرابادِيَّ في شَرْحِ الكافِيَةِ الحاجِبِيَّةِ فَإنَّهُ قالَ في بابِ الظُّرُوفِ: والحَقُّ أنَّ (إذْ) إذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنهُ وأُبَدِلَ مِنهُ التَّنْوِينُ في غَيْرِ نَحْوِ يَوْمِئِذٍ، جازَ فَتْحُهُ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) أيْ فَعَلْتُها إذْ رَبَّيْتَنِي

صفحة ١١٤

إذْ لا مَعْنى لِلْجَزاءِ هاهُنا اهـ. فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿فَعَلْتُها﴾) مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا لِدَلالَةِ العامِلِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: فَعَلْتُها زَمَنًا فَعَلْتُها، فَتَذْكِيرِي بِها بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ لا جَدْوى لَهُ. وهَذا الوَجْهُ في (إذًا) في الآيَةِ هو مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، والرَّضِيِّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والدَّمامِينِيِّ في المَزْجِ عَلى المُغْنِي، وظاهِرُ كَلامِ القَزْوِينِيِّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَخْتارُهُ.

ومَعْنى الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَعَلْتُها إذًا﴾) ) أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩]) قُصِدَ بِها إفْحامُ مُوسى وتَهْدِيدُهُ، فَجَعَلَ مُوسى الِاعْتِرافَ بِالفَعْلَةِ جَزاءً لِذَلِكَ التَّهْدِيدِ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ: لا أتَهَيَّبُ ما أرَدْتَ.

وجَعَلَ مُوسى نَفْسَهُ مِنَ الضّالِّينَ إنْ كانَ مُرادُ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتِ الآيَةُ مَعْناهُ إلى العَرَبِيَّةِ المَعْنى المَشْهُورَ لِلضَّلالِ في العَرَبِيَّةِ وهو ضَلالُ الفَسادِ فَيَكُونُ مُرادُهُ: أنَّ سَوْرَةَ الغَضَبِ أغْفَلَتْهُ عَنْ مُراعاةِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ فَإنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ شَرائِعُ البَشَرِ وتَوارَثُوهُ في الفِتَرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦])؛ وإنْ كانَ مُرادُهُ مَعْنى ضَلالِ الطَّرِيقِ، أيْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيعَةٍ وهو مَعْنى الجَهالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) فالأمْرُ ظاهِرٌ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ مُوسى فِيهِ اعْتِرافٌ بِظاهِرِ التَّقْرِيرِ وإبْطالٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِن جَعْلِهِ حُجَّةً لِتَكْذِيبِهِ بِرِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قابَلَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]) بِقَوْلِهِ: (﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) إبْطالًا؛ لِأنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ولِذَلِكَ كانَ هَذا أهَمَّ بِالإبْطالِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاسْتِرْسالِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾)، أيْ فَكانَ فِرارِي قَدْ عَقِبَهُ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيَّ فَأصْلَحَ حالِي وعَلَّمَنِي وهَدانِي وأرْسَلَنِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مُوسى مُجَرَّدَ إطْنابٍ بَلْ لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى أنَّ الإنْسانَ ابْنُ يَوْمِهِ لا ابْنُ أمْسِهِ، والأحْوالُ بِأواخِرِها فَلا عَجَبَ فِيما قَصَدْتُ، فَإنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.

صفحة ١١٥

وقَوْلُهُ: (﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾) أيْ فِرارًا مُبْتَدِئًا مِنكم؛ لِأنَّهم سَبَبُ فِرارِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن خَوْفِكم. والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى: (﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]) . والحُكْمُ: الحِكْمَةُ والعِلْمُ، وأرادَ بِها النُّبُوءَةَ وهي الدَّرَجَةُ الأُولى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ. ثُمَّ قالَ: (﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾) أيْ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهُ المُعْجِزَةَ، وقالَ لَهُ: (﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]) أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) .

ثُمَّ عادَ إلى أوَّلِ الكَلامِ فَكَّرَ عَلى امْتِنانِهِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ فَأبْطَلَهُ وأبى أنْ يُسَمِّيَهُ نِعْمَةً، فَقَوْلُهُ: (﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾) إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِامْتِنانُ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إذِ الِامْتِنانُ لا يَكُونُ إلّا بِنِعْمَةٍ.

ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ كانَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المَعْنى مَعَ ما فِيهِ مِن قَلْبِ مَقْصُودِ فِرْعَوْنَ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]) إذْ قَوْلُهُ: (﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦]) بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ والتَّقْدِيرِ: لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقِيلَ: الكَلامُ اسْتِفْهامٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ومَعْنى (﴿عَبَّدْتَ﴾) ذَلَّلْتَ، يُقالُ: عَبَّدَ كَما يُقالُ: أعْبَدَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. أنْشَدَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ:

حَتّامَ يُعْبِدْنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ آباعِرُ ما شاءُوا وعُبْدانُ

وكَلامُ مُوسى عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ نَقْضٌ لِامْتِنانِ فِرْعَوْنَ بِقَلْبِ النِّعْمَةِ نِقْمَةً بِتَذْكِيرِهِ أنَّ نِعْمَةَ تَرْبِيَتِهِ ما كانَتْ إلّا بِسَبَبِ إذْلالِ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِئْصالِ أطْفالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ إلْقاءُ أُمِّ مُوسى بِطِفْلِها في اليَمِّ حَيْثُ عَثَرَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَها مِن حاشِيَتِها، وكانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ مِن أطْفالِ إسْرائِيلَ بِسِماتِ وجْهِهِ ولَوْنِ جِلْدِهِ، ولِذَلِكَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) . وفِيهِ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مَعَ الإساءَةِ إلى قَوْمِهِ لا يَزِيدُ إحْسانًا ولا مِنَّةً.

26:23–24Страница 368

قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣

Фараон сказал: «А что такое Господь миров?».

قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤

Муса сказал: «Господь небес, земли и того, что между ними, если только вы обладаете убежденностью».

صفحة ١١٦

﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ .

لَمّا لَمْ يَرُجْ تَهْوِيلُهُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنْ دَعْوَتِهِ - تَنْفِيذًا لِما أمَرَهُ اللَّهُ - ثَنى عَنانَ جِدالِهِ إلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فاسْتَفْهَمَ عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي ذَكَرَ مُوسى وهارُونُ أنَّهُما مُرْسَلانِ مِنهُ إذْ قالا: (﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وإظْهارُ اسْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ أنَّ طَرِيقَةَ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَرَةِ يُكْتَفى فِيها بِضَمِيرِ القائِلِينَ بِطَرِيقَةِ قالَ قالَ، أوْ قالَ فَقالَ، فَعَدَلَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إلى إظْهارِ اسْمِهِ لِإيضاحِ صاحِبِ هَذِهِ المَقالَةِ لِبُعْدِ ما بَيْنَ قَوْلِهِ هَذا وقَوْلِهِ الآخَرِ.

والواوُ عاطِفَةٌ هَذا الِاسْتِفْهامَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ الَّذِي وقَعَ كَلامُ مُوسى فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ.

وحَرْفُ (ما) الغالِبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِلسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْمِ بَعْدَهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ يُسْألُ بِها عَنْ تَعْيِينِ القَبِيلَةِ، فَفي حَدِيثِ الوُفُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهم: (ما أنْتُمْ)، فَفِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَبْيِينَ حَقِيقَةِ هَذا الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾)، فَقَدْ كانَتْ عَقائِدُ القِبْطِ تُثْبِتُ آلِهَةً مُتَفَرِّقَةً قَدِ اقْتَسَمَتِ التَّصَرُّفَ في عَناصِرِ هَذا العالَمِ وأجْناسِ المَوْجُوداتِ، وتِلْكَ العَناصِرُ هي العالَمُونَ ولا يَدِينُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ، فَإنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ المُتَصَرِّفَةِ يُنافِي وحْدانِيَّةَ التَّصَرُّفِ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ مِن كَلامِ مُوسى إثْباتَ رَبِّ العالَمِينَ قُرِعَ سَمْعُهُ بِما لَمْ يَأْلَفْهُ مِن قَبْلُ لِاقْتِضائِهِ إثْباتَ إلَهٍ واحِدٍ وانْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنِ الآلِهَةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهم، عَلى أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ هو المُجْتَبى مِنَ الآلِهَةِ لِيَكُونَ مَلِكَ مِصْرَ. فَهو مُظْهِرُ الآلِهَةِ الأُخْرى في تَدْبِيرِ المَمْلَكَةِ (﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]) . وبِهَذا الِانْتِسابِ إلى الآلِهَةِ وتَمْثِيلِهِ إرادَتِهِمْ في الأرْضِ كانَ فِرْعَوْنُ يُدْعى إلَهًا.

وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ يَوْمَئِذٍ في غَفْلَةٍ عَمّا عَدا أنْفُسَها فَكانُوا لا يُفَكِّرُونَ في مُخْتَلِفِ أحْوالِ الأُمَمِ وعَوائِدِ البَشَرِ. ولا تَشْعُرُ كُلُّ أُمَّةٍ إلّا بِنَفْسِها وخَصائِصِها مِن آلِهَتِها ومُلُوكِها، فَكانَ المَلِكُ لا يُشِيعُ في أُمَّتِهِ غَيْرَ قُوَّتِهِ وانْتِصارِهِ عَلى الثّائِرِينَ، ويُخَيِّلُ لِلنّاسِ أنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ مِنَ الأرْضِ. فَلا تَجِدُ في آثارِ القِبْطِ

صفحة ١١٧

صُوَرًا لِلْأُمَمِ غَيْرَ صُوَرِ القَبائِلِ الَّذِينَ يَغْزُوهم فِرْعَوْنُ ويَأْتِي بِأسْراهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ خاضِعِينَ عابِدِينَ حَتّى يُخَيِّلَ لِقَوْمِهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَ أُولَئِكَ فَقَدْ كانَ قَهّارَ البَشَرِ كُلِّهِمْ، ويُخْفِي أخْبارَ انْكِسارِهِ إلّا إذا لَحِقَهُ غَلَبٌ عَظِيمٌ مِن أُمَّةٍ كُبْرى بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ إخْفاءَهُ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ أُسْلُوبُ التّارِيخِ عِنْدَهم وتَنْتَحِلُ الدَّوْلَةُ الجَدِيدَةُ أسالِيبَ الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ وتَنْسى حَوادِثَ الماضِي وتَغْلِبُ عَلى مُخَيَّلاتِهِمُ الحالَةُ الحاضِرَةُ، ولِلدُّعاةِ والمُرَوِّجِينَ أثَرٌ كَبِيرٌ في ذَلِكَ. وبِهَذا يَتَّضِحُ باعِثُ فِرْعَوْنَ عَلى هَذا السُّؤالِ الَّذِي ألْقاهُ عَلى مُوسى، وهو اسْتِفْهامٌ مَشُوبٌ بِتَعَجُّبٍ وإنْكارٍ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ.

ومِن دَقائِقِ هَذِهِ المُجادَلَةِ أنَّ الِاسْتِفْسارَ مُقَدَّمٌ في المُناظَراتِ، ولِذَلِكَ ابْتَدَأ فِرْعَوْنُ بِالسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الَّذِي أرْسَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

وكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانًا لِحَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ بِما يَصِيرُ وصْفُهُ بِرَبِّ العالَمِينَ نَصًّا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ما أرادَهُ مِن ظاهِرِهِ، فَأتى بِشَرْحِ اللَّفْظِ بِما هو تَفْصِيلٌ لِمَعْناهُ، إذْ قالَ: (﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾)، فَبِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ وبِعُمُومِ ما بَيْنَهُما حَصَلَ بَيانُ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ بِـ (ما) . ومَرْجِعُ هَذا البَيانِ إلى أنَّهُ تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الرَّبِّ بِخَصائِصِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ غايَةُ ما تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أنْ يُعْرَفَ بِآثارِ خَلْقِهِ، فَهو تَعْرِيفٌ رَسْمِيٌّ في الِاصْطِلاحِ المَنطِقِيِّ.

وانْتَظَمَ السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) عَنِ الجِنْسِ. وهو جارٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ في تَقْرِيرِ السُّؤالِ، والجَوابُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وهو أيْضًا مُخْتارُ السَّكّاكِيِّ في قانُونِ الطَّلَبِ مِن كِتابِ المِفْتاحِ، وطابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ تَمامَ المُطابَقَةِ.

وأشارَ صاحِبُ الكَشّافِ وصَرَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ بِأنَّ جَوابَ مُوسى بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾) تَضَمَّنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثَباتِ الخالِقِ الواحِدِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الرَّبِّ الواحِدِ المُمْتازَةِ عَنْ حَقائِقِ المَخْلُوقاتِ.

ولِهَذا أتْبَعَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾)، أيْ كُنْتُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْإيقانِ طالِبِينَ لِمَعْرِفَةِ الحَقائِقِ غَيْرَ مُكابِرِينَ. وسُمِّيَ العِلْمُ بِذَلِكَ إيقانًا؛ لِأنَّ شَأْنَ اليَقِينِ

صفحة ١١٨

بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو الإلَهُ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ في (﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾) مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ حاضِرِي مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أرادَ مُوسى تَشْرِيكَهم في الدَّعْوَةِ تَقَصِّيًا لِكَمالِ الدَّعْوَةِ وأنَّ مُؤاخَذَةَ القائِلِ لا تَقَعُ إلّا بَعْدَ اتِّضاحِ مُرادِهِ مِن مَقالِهِ إذْ لا يُؤاخَذُ بِالمُجامَلاتِ. ومِن هَذا قالَ سَحْنُونٌ فِيمَن صَدَرَ مِنهُ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَسْتَلْزِمُ كُفْرًا: إنَّهُ يُحْضَرُ ويُوقَفُ عَلى لازِمِ قَوْلِهِ فَإنْ فَهِمَهُ والتَزَمَ ما يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا ويُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

26:25Страница 368

قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥

Фараон сказал тем, кто был около него: «Разве вы не слышите?».

﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ .

أعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْ خِطابِ مُوسى واسْتَثارَ نُفُوسَ المَلَأِ مِن حَوْلِهِ وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فاسْتَفْهَمَهُمُ اسْتِفْهامَ تَعَجُّبٍ مِن حالِهِمْ كَيْفَ لَمْ يَسْتَمِعُوا ما قالَهُ مُوسى فَنَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَسْتَمِعْهُ تَهْيِيجًا لِنُفُوسِهِمْ كَيْ لا تَتَمَكَّنَ مِنهم حُجَّةُ مُوسى، فَسَلَّطَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ اسْتِماعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وهَذا التَّعَجُّبُ مِن حالِ اسْتِماعِهِمْ وسُكُوتِهِمْ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن كَلامِ مُوسى بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ تَعَجُّبٍ آخَرَ. ومَرْجِعُ التعَجُّبَيْنِ أنَّ إثْباتَ رَبٍّ واحِدٍ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مُنْكَرٌ عِنْدَ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُشْرِكًا فَيَرى تَوْحِيدَ الإلَهِ لا يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ خِطابِ فِرْعَوْنَ لِمَن حَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ جَوابًا عَنْ كَلامِ مُوسى حُكِيَ كَلامُ فِرْعَوْنَ بِالصِّيغَةِ الَّتِي اعْتِيدَتْ في القُرْآنِ حِكايَةُ المُقاوَلاتِ بِها، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، كَأنَّهُ يُجِيبُ مُوسى عَنْ كَلامِهِ.

26:26Страница 368

قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦

Муса сказал: «Ваш Господь и Господь ваших праотцев».

﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ .

كَلامُ مُوسى هَذا في مَعْرِضِ الجَوابِ عَنْ تَعْجِيبِ فِرْعَوْنَ مِن سُكُوتِ مَن حَوْلَهُ، فَلِذَلِكَ كانَتْ حِكايَتُهُ قَوْلَهُ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُقاوَلاتُ. ولَمّا كانَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَةِ مُوسى إذْ تَجاوَزَهُ إلى مُخاطَبَةِ مَن حَوْلَهُ وجَّهَ مُوسى خِطابَهُ إلى جَمِيعِهِمْ، وإذْ رَأى مُوسى أنَّهم جَمِيعًا لَمْ يَهْتَدُوا إلى الِاقْتِناعِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ العَوالِمَ الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ هو أوْسَعُ دَلالَةً عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ إذْ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ

صفحة ١١٩

واحِدٌ، فَنَزَلَ بِهِمْ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأنْفُسِهِمْ وبِآبائِهِمْ إذْ أوْجَدَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ العَدَمِ، ثُمَّ أعْدَمَ آباءَهم بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ لِأنَّ أحْوالَ أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ أقْرَبُ إلَيْهِمْ وأيْسَرُ اسْتِدْلالًا عَلى خالِقِهِمْ، فالِاسْتِدْلالُ الأوَّلُ يَمْتازُ بِالعُمُومِ، والِاسْتِدْلالُ الثّانِي يَمْتازُ بِالقُرْبِ مِنَ الضَّرُورَةِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العُقَلاءِ تَوَهَّمُوا السَّماواتِ قَدِيمَةً واجِبَةَ الوُجُودِ، فَأمّا آباؤُهم فَكَثِيرٌ مِنَ السّامِعِينَ شَهِدُوا انْعِدامَ كَثِيرٍ مِن آبائِهِمْ بِالمَوْتِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ القِدَمَ الدّالِّ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ.

وشَمِلَ عُمُومُ الآباءَ بِإضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ وبِوَصْفِهِ بِالأوَّلِينَ بَعْضَ مَن يَزْعُمُونَهم في مَرْتَبَةِ الآلِهَةِ مِثْلَ الفَراعِنَةِ القُدَماءِ المُلَقَّبِينَ عِنْدَهم بِأبْناءِ الشَّمْسِ والشَّمْسُ مَعْدُودَةٌ في الآلِهَةِ ويُمَثِّلُها الصَّنَمُ (آمُونُ رَعْ) .

والرَّبُّ: الخالِقُ والسَّيِّدُ بِمُوجِبِ الخالِقِيَّةِ.

26:27Страница 368

قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧

Фараон сказал: «Воистину, отправленный к вам посланник - одержимый».

﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ .

احْتَدَّ فِرْعَوْنُ لَمّا ذَكَرَ مُوسى ما يَشْمَلُ آباءَهُ المُقَدَّسِينَ بِذِكْرٍ يُخْرِجُهم مِن صِفَةِ الإلَهِيَّةِ زاعِمًا أنَّ هَذا يُخالِفُ العَقْلَ بِالضَّرُورَةِ فَلا يَصْدُرُ إلّا مِن مُخْتَلِّ الإدْراكِ، وأنَّهُ رَأى أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِخالِقِيَّتِهِمْ وخالِقِيَّةِ آبائِهِمْ عَبَثٌ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ يَرَوْنَ تَكْوِينَ الآدَمِيِّ بِالتَّوَلُّدِ وهم لا يَحْسَبُونَ التَّكْوِينَ الدّالَّ عَلى الخالِقِيَّةِ إلّا التَّكْوِينَ بِالطَّفْرَةِ دُونَ التَّدْرِيجِ بِناءً عَلى أنَّ الأشْياءَ المُعْتادَةَ لا تَتَفَطَّنُ إلى دَقائِقِها العُقُولُ السّاذَجَةُ، فَهم يَحْسَبُونَ تَكْوِينَ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ أقَلَّ مِن تَكْوِينِ الرَّعْدِ، وأنَّ تَكْوِينَ دُودَةِ القَزِّ أدَلُّ عَلى الخالِقِ مِن تَكْوِينِ الآدَمِيَّ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ زَعَمَ أنَّ ادِّعاءَ دَلالَةِ تَكْوِينِ الآباءِ والأبْناءِ ودَلالَةِ فَناءِ الآباءِ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ الواحِدِ رَبِّ الأباءِ والأبْناءِ ضَرْبًا مِنَ الجُنُونِ؛ إذْ هو تَكْوِينٌ لَمْ يَشْهَدُوا دَقائِقَهُ، والمَعْرُوفُ المَأْلُوفُ وِلادَةُ الأجِنَّةِ ومَوْتُ الأمْواتِ.

وأكَّدَ كَلامَهُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ حالَةَ مُوسى لا تُؤْذِنُ بِجُنُونِهِ فَكانَ وصْفُهُ بِالمَجْنُونِ مُعَرَّضًا لِلشَّكِّ، فَلِذَلِكَ أكَّدَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ مَجْنُونٌ يَعْنِي أنَّهُ عَلِمَ مِن حالِ مُوسى ما عَسى أنْ لا يَعْلَمَهُ السّامِعُونَ.

صفحة ١٢٠

وقَصَدَ بِإطْلاقِ وصْفِ الرَّسُولِ عَلى مُوسى التَّهَكُّمَ بِهِ بِقَرِينَةِ رَمْيِهِ بِالجُنُونِ المُحَقَّقِ عِنْدَهُ.

وأضافَ الرَّسُولَ إلى المُخاطَبِينَ رَبْئًا بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالخِطابِ، وأكَّدَ التَّهَكُّمَ والرَّبْءَ بِوَصْفِهِ بِالمَوْصُولِ (﴿الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ﴾) فَإنَّ مَضْمُونَ المَوْصُولِ وصِلَتَهُ هو مَضْمُونُ (رَسُولَكم) فَكانَ ذِكْرُهُ كالتَّأْكِيدِ، وتَنْصِيصًا عَلى المَقْصُودِ لِزِيادَةِ تَهْيِيجِ السّامِعِينَ كَيْلا يَتَأثَّرُوا أوْ يَتَأثَّرَ بَعْضُهم بِصِدْقِ مُوسى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ يَتَهَيَّأُ لِإعْدادِ العُدَّةِ لِمُقاوَمَةِ مُوسى لِعِلْمِهِ بِأنَّ لَهُ قَوْمًا في مِصْرَ رُبَّما يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English