Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Намль 27:16–19
27:16Страница 378
وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
Сулейман (Соломон) наследовал Давуду (Давиду) и сказал: «О люди! Мы обучены языку птиц, и нам даровано от всего сущего. Это и есть явное превосходство (или явная милость)».
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ .
طَوى خَبَرَ مُلْكِ داوُدَ وبَعْضَ أحْوالِهِ إلى وفاتِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو قِصَّةُ سُلَيْمانَ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا. وقَدْ كانَ داوُدُ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ودامَ مُلْكُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً.
فَخَلَفَهُ سُلَيْمانُ فَهو وارِثُ مُلْكِهِ القائِمِ في مَقامِهِ في سِياسَةِ الأُمَّةِ وظُهُورِ الحِكْمَةِ ونُبُوءَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والسُّمْعَةِ العَظِيمَةِ بَيْنَهم. فالإرْثُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وهو تَشْبِيهُ الأحْوالِ الجَلِيلَةِ بِالمالِ وتَشْبِيهُ الخِلْفَةِ بِانْتِقالِ مُلْكِ الأمْوالِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ غَرَضُ الآيَةِ إفادَةَ مَنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ أمْوالُ داوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ [النمل: ١٥] فَتَعَيَّنَ أنَّ إرْثَ المالِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَإنَّهُ غَرَضٌ تافِهٌ.
وقَدْ كانَ لِداوُدَ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا فَلا يَخْتَصُّ إرْثُ مالِهِ بِسُلَيْمانَ ولَيْسَ هو أكْبَرَهم، وكانَ داوُدُ قَدْ أقامَ سُلَيْمانَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُحْتَجُّ بِهِ أنْ يُورِثَ مالُ النَّبِيءِ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ مِنَ الضَّمِيرِ جَماعَةَ الأنْبِياءِ وشاعَ عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ: إنّا أوْ نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ولا يُعْرَفُ بِهَذا اللَّفْظِ ووَقَعَ في كَلامِ
صفحة ٢٣٦
عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في شَأْنِ صَدَقَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ عُمَرُ: أنْشُدُكُما اللَّهَ هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ. وكَذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ، فَإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَ هَذا حُكْمًا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا فَيُنْسَخُ بِالإسْلامِ، وإذا أخَذْنا بِالتَّأْوِيلِ فَظاهِرٌ. وقَدْ أجْمَعَ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ وغَيْرُهم عَلى ذَلِكَ، خِلافًا لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ ثُمَّ رَجَعا حِينَ حاجَّهُما عُمَرُ. والعِلَّةُ هي سَدُّ ذَرِيعَةِ خُطُورِ تَمَنِّي مَوْتِ النَّبِيءِ في نَفْسِ بَعْضِ ورَثَتِهِ.
* * *
﴿وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهْوَ الفَضْلُ المُبِينُ﴾ .
قالَ سُلَيْمانُ هَذِهِ المَقالَةَ في مَجْمَعٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّ لَهْجَةَ هَذا الكَلامِ لَهْجَةُ خُطْبَتِهِ في مَجْمَعٍ مِنَ النّاسِ الحاضِرِينَ مَجْلِسَهُ مِنَ الخاصَّةِ والسّامِعِينَ مِنَ العامَّةِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى ما مَنَحَهُ مِن عِلْمٍ ومُلْكٍ، ولِيُقَدِّرَ النّاسُ قَدْرَهُ ويَعْلَمُوا واجِبَ طاعَتِهِ إذْ كانَ اللَّهُ قَدِ اصْطَفاهُ لِذَلِكَ، وأطْلَعَهُ عَلى نَوايا أنْفَرِ الحَيَوانِ وأبْعَدِهِ عَنْ إلْفِ الإنْسانِ وهو الطَّيْرُ، فَما ظَنُّكَ بِمَعْرِفَةِ نَوايا النّاسِ مِن رَعِيَّتِهِ وجُنْدِهِ فَإنَّ تَخْطِيطَ رُسُومِ المُلْكِ وواجِباتِهِ مِنَ المَقاصِدِ لِصَلاحِ المَمْلَكَةِ بِالتِفافِ النّاسِ حَوْلَ مَلِكِهِمْ وصَفاءِ النِّيّاتِ نَحْوِهِ، وبِمِقْدارِ ما يَحْصُلُ ذَلِكَ مِن جانِبِهِمْ يَكُونُ التَّعاوُنُ عَلى الخَيْرِ وتَنْزِلُ السِّكِّينَةُ الرَّبّانِيَّةُ، فَلَمّا حَصَلَ مِن جانِبِ سُلَيْمانَ الِاعْتِرافَ بِهَذا الفَضْلِ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ أدّى واجِبَهُ نَحْوَ أُمَّتِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُؤَدِّيَ الأُمَّةُ واجِبَها نَحْوَ مَلِكِها، كَما كانَ تَعْلِيمُ فَضائِلِ النُّبُوَّةِ مِن مَقاصِدِ الشَّرْعِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» أيْ: أقُولُهُ لِقَصْدِ الإعْلامِ بِواجِبِ التَّقادِيرِ لا لِقَصْدِ الفَخْرِ عَلى النّاسِ، ويَعْلَمُوا واجِبَ طاعَتِهِ.
وعِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ أُوتِيَهُ سُلَيْمانُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ بِأنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ما في تَقاطِيعِ وتَخالِيفِ صَفِيرِ الطُّيُورِ أوْ نَعِيقِها مِن دَلالَةٍ عَلى ما في إدْراكِها وإرادَتِها. وفائِدَةُ هَذا العِلْمِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَبِيلًا لَهُ يَهْتَدِي بِهِ إلى تَعَرُّفِ أحْوالِ عالَمِيَّةٍ يَسْبِقُ الطَّيْرُ إلى إدْراكِها بِما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ القُوى الكَثِيرَةِ، ولِلطَّيْرِ دَلالَةٌ في تَخاطُبِ أجْناسِها واسْتِدْعاءِ أصْنافِها والإنْباءِ بِما حَوْلَها ما فِيهِ عَوْنٌ عَلى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ
صفحة ٢٣٧
وسِياسَةِ أُمَّتِهِ، مِثْلُ اسْتِخْدامِ نَوْعِ الهُدْهُدِ في إبْلاغِ الأخْبارِ ورَدِّها ونَحْوِ ذَلِكَ.
ووَراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ انْشِراحُ الصَّدْرِ بِالحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ لِلْكَثِيرِ مِن طَبائِعِ المَوْجُوداتِ وخَصائِصِها. ودَلالَةُ أصْواتِ الطَّيْرِ عَلى ما في ضَمائِرِها: بَعْضُها مَشْهُورٌ كَدَلالَةِ بَعْضِ أصْواتِهِ عَلى نِداءِ الذُّكُورِ لِإناثِها، ودَلالَةِ بَعْضِها عَلى اضْطِرابِ الخَوْفِ حِينَ يُمْسِكُهُ مُمْسِكٌ أوْ يُهاجِمُهُ كاسِرٌ، ووَراءَ ذَلِكَ دَلالاتٌ فِيها تَفْصِيلٌ، فَكُلُّ كَيْفِيَّةٍ مِن تِلْكَ الدَّلالاتِ الإجْمالِيَّةِ تَنْطَوِي عَلى تَقاطِيعَ خَفِيَّةٍ مِن كَيْفِيّاتٍ صَوْتِيَّةٍ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا فِيها دَلالاتٌ عَلى أحْوالٍ فِيها تَفْضِيلٌ لِما أجْمَلَتْهُ الأحْوالُ المُجْمَلَةُ، فَتِلْكَ التَّقاطِيعُ لا يَهْتَدِي إلَيْها النّاسُ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا خالِقُها، وهَذا قَرِيبٌ مِن دَلالَةِ مَخارِجِ الحُرُوفِ وصِفاتِها في لُغَةٍ مِنَ اللُّغاتِ وفَكِّها وإدْغامِها واخْتِلافِ حَرَكاتِها عَلى مَعانٍ لا يَهْتَدِي إلَيْها مَن يَعْرِفُ تِلْكَ اللُّغَةَ مَعْرِفَةً ضَعِيفَةً ولَمْ يُتْقِنْ دَقائِقَها، مِثْلُ أنْ يَسْمَعَ ضَلَلْتُ وظَلِلْتُ، فاللَّهُ تَعالى أطْلَعَ سُلَيْمانَ بِوَحْيٍ عَلى مُخْتَلَفِ التَّقاطِيعِ الصَّوْتِيَّةِ الَّتِي في صَفِيرِ الطَّيْرِ وأعْلَمَهُ بِأحْوالِ نُفُوسِ الطَّيْرِ عِنْدَما تَصْفُرُ بِتِلْكَ التَّقاطِيعِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في حِيرَةٍ مِن ذَلِكَ كَما قالَ المَعَرِّي:
أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامَةُ أمْ غَـنَّـ تْ عَلى غُصْنِ دَوْحِها المَيّادِ
وقالَ صاحِبُنا الشّاعِرُ البَلِيغُ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ المَسْعُودِيُّ مِن أبْياتٍ في هَذا المَعْنى:
فَمَن كانَ مَسْرُورًا يَراهُ تَغَنِّيًا ∗∗∗ ومَن كانَ مَحْزُونًا يَقُولُ يَنُوحُ
والِاقْتِصارُ عَلى مَنطِقِ الطَّيْرِ إيجازٌ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ وهي أبْعَدُ الحَيَوانِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الإنْسانِ وأسْرَعُها نُفُورًا مِنهُ، عَلِمَ أنَّ مَنطِقَ ما هو أكْثَرُ اخْتِلاطًا بِالإنْسانِ حاصِلٌ لَهُ بِالأحْرى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما يَأْتِي قَرِيبًا ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩]، فَتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مَنطِقَ كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الحَيَوانِ. وهَذا العِلْمُ سَمّاهُ العَرَبُ عَلِمَ الحُكْلِ بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الكافِ قالَ الحَجّاجُ وقِيلَ ابْنُهُ رُؤْبَةُ:
لَوْ أنَّنِي أُوتِيتُ عِلْمَ الحُكْـلِ ∗∗∗ عِلْمَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّـمْـلِ
صفحة ٢٣٨
أوْ أنَّنِي عُمِّرْتُ عُمْرَ الحِسْلِ ∗∗∗ أوْ عُمْرَ نُوحٍ زَمَنَ الفِطَحْلِ
كُنْتُ رَهِينَ هَرَمٍ أوْ قَتْـلِ
وعَبَّرَ عَنْ أصْواتِ الطَّيْرِ بِلَفْظِ (مَنطِقَ) تَشْبِيهًا لَهُ بِنُطْقِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو ذُو دَلالَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلى ما في ضَمائِرِ الطَّيْرِ، فَحَقِيقَةُ المَنطِقِ الصَّوْتُ المُشْتَمِلُ عَلى حُرُوفٍ تَدُلُّ عَلى مَعانٍ.
وضَمِيرُ (عُلِّمْنا) و(أُتِينا) مُرادٌ بِهِ نَفْسُهُ، جاءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ؛ إمّا لِقَصْدِ التَّواضُعِ كَأنَّ جَماعَةً عُلِّمُوا وأُوتُوا ولَيْسَ هو وحْدَهُ كَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ احْتِمالاتِ قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ [النمل: ١٥]، وإمّا لِأنَّهُ المُناسِبُ لِإظْهارِ عَظَمَةِ المُلْكَ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السُّلْطانِ عِنْدَ الرَّعِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مُقْتَضى السِّياسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ كَما أجابَ مُعاوِيَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حِينَ لَقِيَهُ في جُنْدٍ (وأُبَّهَةٍ) بِبِلادِ الشّامِ فَقالَ عُمَرُ لِمُعاوِيَةَ: أكِسْرَوِيَّةً يا مُعاوِيَةُ ؟ فَقالَ مُعاوِيَةُ: إنّا في بِلادٍ مِن ثُغُورِ العَدُوِّ فَلا يَرْهَبُونَ إلّا مِثْلَ هَذا. فَقالَ عُمَرُ: خُدْعَةُ أرِيبٍ أوِ اجْتِهادُ مُصِيبٍ لا آمُرُكَ ولا أنْهاكَ. فَتَرَكَ الأمْرَ لِعُهْدَةِ مُعاوِيَةَ وما يَتَوَسَّمُهُ مِن أسالِيبِ سِياسَةِ الأقْوامِ.
والمُرادُ بِ (﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾) كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُهِمَّةِ فَفي (﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾) عُمُومانِ عُمُومُ (كُلِّ) وعُمُومُ النَّكِرَةِ وكِلاهُما هُنا عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، فَ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ و(شَيْءٍ) مُسْتَعْمَلٌ في الأشْياءِ المُهِمَّةِ مِمّا لَهُ عَلاقَةٌ بِمَقامِ سُلَيْمانَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى فِيما حَكى عَنْ أخْبارِ الهُدْهُدِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أيْ: كَثِيرٌ مِنَ النَّفائِسِ والأمْوالِ. وفي كُلِّ مَقامٍ يُحْمَلُ عَلى ما يُناسِبُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ.
والتَّأْكِيدُ في ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ الَّذِي هو في الأصْلِ لامُ قَسَمٍ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ مَقْصُودٌ بِهِ تَعْظِيمُ النِّعْمَةِ أداءً لِلشُّكْرِ عَلَيْها بِالمُسْتَطاعِ مِنَ العِبارَةِ.
و(﴿الفَضْلُ﴾): الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ. و(﴿المُبِينُ﴾): الظّاهِرُ الواضِحُ.
27:17Страница 378
وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧
И собраны были к Сулейману (Соломону) его воины из числа джиннов, людей и птиц. Они были разделены на боевые порядки.
صفحة ٢٣٩
﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ .
وهَبَ اللَّهُ سُلَيْمانَ قُوَّةً مِن قُوى النُّبُوءَةِ يُدْرِكُ بِها مِن أحْوالِ الأرْواحِ والمُجَرَّداتِ كَما يُدْرِكُ مَنطِقَ الطَّيْرِ ودَلالَةَ النَّمْلِ ونَحْوَها. ويَزَعُ تِلْكَ المَوْجُوداتِ بِها فَيُوزَعُونَ تَسْخِيرًا كَما سَخَّرَ بَعْضَ العَناصِرِ لِبَعْضٍ في الكِيمْياءِ والكَهْرَبائِيَّةِ. وقَدْ وهَبَ اللَّهُ هَذِهِ القُوَّةَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَصَرَفَ إلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ، ويُخاطِبُونَهُ. وإنَّما أمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها ويَزَعَها كَرامَةً لِأخِيهِ سُلَيْمانَ إذْ سَألَ اللَّهَ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيها النَّبِيءُ ﷺ مَعَ المُكْنَةِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَحَّضَهُ لِما هو أهَمُّ وأعْلى فَنالَ بِذَلِكَ فَضْلًا مِثْلَ فَضْلِ سُلَيْمانَ، ورَجَّحَ بِإعْراضِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ تَبْرِيرًا لِدَعْوَةِ أخِيهِ في النُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ جانِبَ النُّبُوءَةِ في رَسُولِ اللَّهِ أقْوى مِن جانِبِ المُلْكِ، كَما قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رُعِدَ حِينَ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ: إنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ولا جَبّارٍ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ نَبِيئًا عَبْدًا أوْ نَبِيئًا مَلِكًا فاخْتارَ أنْ يَكُونَ نَبِيئًا عَبْدًا»، فَرُتْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُتْبَةُ التَّشْرِيعِ وهي أعْظَمُ مِن رُتْبَةِ المُلْكِ وسُلَيْمانُ لَمْ يَكُنْ مُشَرِّعًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَوَهَبَهُ اللَّهُ مُلْكًا يَتَصَرَّفُ بِهِ في السِّياسَةِ، وهَذِهِ المَراتِبُ يَنْدَرِجُ بَعْضُها فِيما هو أعْلى مِنهُ فَهو لَيْسَ بِمَلِكٍ، وهو يَتَصَرَّفُ في الأُمَّةِ تَصَرُّفَ المُلُوكِ تَصَرُّفًا بَرِيئًا مِمّا يَقْتَضِيهِ المُلْكُ مِنَ الزُّخْرُفِ والأُبَّهَةِ كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ النَّقْدِ عَلى كِتابِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ عَبْدِ الرّازِقِ المِصْرِيِّ الَّذِي سَمّاهُ الإسْلامَ وأُصُولَ الحُكْمِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ. والمَعْنى: أنَّ جُنُودَهُ كانَتْ مُحْضَرَةً في حَضْرَتِهِ مُسْخَرَةً لِأمْرِهِ حِينَ هو.
والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، وهو الطّائِفَةُ الَّتِي لَها عَمَلٌ مُتَّحِدٌ تُسَخَّرُ لَهُ. وغَلَبَ إطْلاقُ الجُنْدِ عَلى طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ يُعِدُّها المَلِكُ لِقِتالِ العَدُوِّ ولِحِراسَةِ البِلادِ.
صفحة ٢٤٠
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ بَيانٌ لِلْجُنُودِ فَهي ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفُ الجِنِّ وهو لِتَوْجِيهِ القُوى الخَفِيَّةِ، والتَّأْثِيرِ في الأُمُورِ ا لرُّوحِيَّةِ. وصِنْفُ الإنْسِ وهو جُنُودُ تَنْفِيذِ أوامِرِهِ ومُحارَبَةِ العَدُوِّ وحِراسَةِ المَمْلَكَةِ، وصِنْفُ الطَّيْرِ وهو مِن تَمامِ الجُنْدِ لِتَوْجِيهِ الأخْبارِ وتَلَقِّيها وتَوْجِيهِ الرَّسائِلِ إلى قُوّادِهِ وأُمَرائِهِ. واقْتَصَرَ عَلى الجِنِّ والطَّيْرِ لِغَرابَةِ كَوْنِهِما مِنَ الجُنُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الخَيْلَ وهي مِنَ الجَيْشِ.
والوَزْعُ: الكَفُّ عَمّا لا يُرادُ، فَشَمَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ، أيْ: فَهم يُؤْمَرُونَ فَيَأْتَمِرُونَ ويُنْهَوْنَ فَيَنْتَهُونَ فَقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّعِيَّةَ كُلَّها.
والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْنى حُشِرَ؛ لِأنَّ الحَشْرَ إنَّما يُرادُ لِذَلِكَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ جَمْعَ الجُنُودِ وتَدْرِيبِها مِن واجِباتِ المُلُوكِ لِيَكُونَ الجُنُودُ مُتَعَهِّدِينَ لِأحْوالِهِمْ وحاجاتِهِمْ لِيَشْعُرُوا بِما يَنْقُصُهم ويَتَذَكَّرُوا ما قَدْ يَنْسَوْنَهُ عِنْدَ تَشَوُّشِ الأذْهانِ عِنْدَ القِتالِ وعِنْدَ النَّفِيرِ.
27:18–19Страница 378
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٨
Когда они прибыли в долину муравьев, муравьиха сказала: «О муравьи! Войдите в свои жилища, чтобы Сулейман (Соломон) и его воины не погубили вас, даже не почувствовав этого».
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩
Он улыбнулся, рассмеявшись от ее слов. Он сказал: «Господи! Внуши мне быть благодарным за Твою милость, которую Ты оказал мне и моим родителям, и совершать праведные деяния, которыми Ты будешь доволен. Введи меня по Своей милости в число Своих праведных рабов».
﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُها ولَكِنَّها مَعَ الِابْتِدائِيَّةِ غايَةٌ غَيْرُ نِهايَةٍ.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، وهو يَقْتَضِي فِعْلَيْنِ بَعْدَهُ يُشْبِهانِ فَعَلَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ لِأنَّ (إذا) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، و(إذا) مَعْمُولٌ لِفِعْلِ جَوابِهِ وأمّا فِعْلُ شَرْطِهِ فَهو جُمْلَةٌ مُضافٌ إلَيْها (إذا) . والتَّقْدِيرُ: حَتّى قالَتْ نَمْلَةٌ حِينَ أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
ووادِ النَّمْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ الجِنْسُ؛ لِأنَّ لِلنَّمْلِ شُقُوقًا ومَسالِكَ هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالأوْدِيَةِ لِلسّاكِنِينَ مِنَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَكانٌ مُشْتَهِرٌ بِالنَّمْلِ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذا المُضافُ كَما سُمِّيَ وادِي السِّباعِ مَوْضِعٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ البَصْرَةِ ومَكَّةَ. قِيلَ:
صفحة ٢٤١
وادِ النَّمْلِ في جِهَةِ الطّائِفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ مِن سِياقِ الآيَةِ.
والنَّمْلُ: اسْمُ جِنْسٍ لِحَشَراتٍ صَغِيرَةٍ ذاتِ سِتَّةِ أرْجُلٍ تَسْكُنُ في شُقُوقٍ مِنَ الأرْضِ. وهي أصْنافٌ مُتَفاوِتَةٌ في الحَجْمِ، والواحِدُ مِنهُ نَمْلَةٌ بِتاءِ الوَحْدَةِ، فَكَلِمَةُ نَمْلَةٍ لا تَدُلُّ إلّا عَلى فَرْدٍ واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ دُونَ دَلالَةٍ عَلى تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ فَقَوْلُهُ: (نَمْلَةٌ) مَفادُهُ: قالَ واحِدٌ مِن هَذا النَّوْعِ.
واقْتِرانُ فِعْلِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ جَرى عَلى مُراعاةِ صُورَةِ لَفْظِهِ لِشِبْهِ هائِهِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وإنَّما هي عَلامَةُ الوَحْدَةِ والعَرَبُ لا يَقُولُونَ: مَشى شاةٌ، إذا كانَ الماشِي فَحْلًا مِنَ الغَنَمِ وإنَّما يَقُولُونَ: مَشَتْ شاةٌ، وطارَتْ حَمامَةٌ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الفَرْدُ ذَكَرًا وكانَ مِمّا يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَكَرِهِ وأُنْثاهُ في أغْراضِ النّاسِ وأرادُوا بَيانَ كَوْنِهِ ذَكَرًا قالُوا: طارَتْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ ولا يَقُولُونَ: طارَ حَمامَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ التَّفْرِقَةَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عَلامَةً عَلى كَوْنِ الفاعِلِ أُنْثى، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ:
ماذا رُزِئْنَـا بِهِ مِـنْ حَـيَّةٍ ذَكَرٍ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ
فَجاءَ باسِمِ (حَيَّةٍ) وهو اسْمٌ لِلْجِنْسِ مُقْتَرِنٌ بِهاءِ التَّأْنِيثِ ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفِ ذَكَرٍ، ثُمَّ أجْرى عَلَيْهِ التَّأْنِيثَ في قَوْلِهِ: نَضْناضَةٍ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِ (حَيَّةٍ) .
وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ صَلاةِ العِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أقْبَلْتُ راكِبًا عَلى حِمارٍ أتانٍ) فَوَصَفَ (حِمارٍ) الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ بِاسْمٍ خاصٍّ بِأُنْثاهُ. ولِذَلِكَ فاقْتِرانُ فِعْلِ (قالَتْ) هُنا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ أُنْثى النَّمْلِ وذَكَرِهِ بَلْهَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضُ القُرْآنِ؛ لِأنَّ القَصْدَ وُقُوعُ هَذا الحادِثِ وبَيانُ عِلْمِ سُلَيْمانَ لا فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّفاسِفِ.
وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنْ قَتادَةَ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ: أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ، فَأُفْحِمَ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كانَتْ أُنْثى. فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ: قالَ نَمْلَةٌ. قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ
صفحة ٢٤٢
قَوْلِهِمْ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وقَوْلِهِمْ: وهو وهي. اهـ. ولَعَلَّ مُرادَ صاحِبِ الكَشّافِ إنْ كانَ قَصَدَ تَأْيِيدَ قَوْلَةِأبِي حَنِيفَةَ أنْ يُقاسَ عَلى الوَصْفِ بِالتَّذْكِيرِ ما يَقُومُ مَقامُهُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى فَتُقاسُ حالَةُ الفِعْلِ عَلى حالَةِ الوَصْفِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جاءَ بِكَلامٍ غَيْرِ صَرِيحٍ لا يُدْرى أهْوَ تَأْيِيدٌ لِأبِي حَنِيفَةَ أمْ خُرُوجٌ مِنَ المَضِيقِ. فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلى التَّصْرِيحِ بِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَرِنُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ إذا أُرِيدَ التَّفْرِقَةُ في حالَةِ فاعِلِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ المُنَيِّرِ في الِانْتِصافِ وابْنُ الحاجِبِ في إيضاحِ المُفَصَّلِ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ. ورَأوْا أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذُهِلَ فِيما قالَهُ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُ أحَدٍ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ ولا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالٌ ولا سِيَّما نُحاةَ الكُوفَةِ بَلَدِهِ، فَإنَّهم زادُوا فَجَوَّزُوا تَأْنِيثَ الفِعْلِ إذا كانَ فِعْلُهُ عَلَمًا مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ مِثْلُ: طَلْحَةُ وحَمْزَةُ. واعْلَمْ أنَّ إمامَةَ أبِي حَنِيفَةَ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ لا تُنافِي أنْ تَكُونَ مَقالَتُهُ في العَرَبِيَّةِ غَيْرَ ضَلِيعَةٍ. وأعْجَبُ مِن ذُهُولِ أبِي حَنِيفَةَ انْفِحامُ قَتادَةَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّ القِصَّةَ مُخْتَلَقَةٌ اخْتِلاقًا غَيْرَ مُتْقَنٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَها دَلالَةً ولِلنَّمْلِ الَّذِي مَعَها فَهْمًا لَها، وأنْ يَخْلُقَ فِيها إلْهامًا بِأنَّ الجَيْشَ جَيْشُ سُلَيْمانَ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ لَهُ.
والحَطْمُ: حَقِيقَتُهُ الكَسْرُ لِشَيْءٍ صُلْبٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلرَّفْسِ بِجامِعِ الإهْلاكِ.
و(﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾) إنْ جُعِلَتْ (لا) فِيهِ ناهِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ ودَلالَةً عَلى الفَزَعِ؛ لِأنَّ المُحَذِّرَ مِن شَيْءٍ مُفْزِعٌ يَأْتِي بِجُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِن فَرْطِ المَخافَةِ والنَّهْيِ عَنْ حَطْمِ سُلَيْمانَ إيّاهُنَّ كِنايَةً عَنْ نَهْيِهِنَّ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيهِ وإهْمالِ الحَذَرِ مِنهُ كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ: لا تَفْعَلْهُ فَأعْرِفْكَ بِفِعْلِهِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ؛ وإنْ جُعِلَتْ (لا) نافِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ واقِعَةً في جَوابِ الأمْرِ فَكانَ لَها حُكْمُ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. فالتَّقْدِيرُ: إنْ تَدْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ، أيْ: يَنْتَفِ حَطْمُ سُلَيْمانَ إيّاكُنَّ، وإلّا حَطَّمَكم. وهَذا مِمّا جَوَّزَهُ في الكَشّافِ. وفي هَذا الوَجْهِ كَوْنُ الفِعْلِ مُؤَكَّدًا بِالنُّونِ وهو مَنفِيٌّ بِ (لا) وذَلِكَ جائِزٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. وأمّا مَن مَنَعَهُ مِنَ النُّحاةِ فَيَمْنَعُ أنْ تُجْعَلَ (لا) نافِيَةً هُنا. وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَهُ مِنَ اقْتِرانِ جَوابِ الشَّرْطِ بِنُونِ
صفحة ٢٤٣
التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ في الحُكْمِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِنْدُهُ أخَفُّ مِن دُخُولِها في الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ النَّفْيَ يُضادُّ التَّوْكِيدَ.
وتَسْمِيَةُ سُلَيْمانَ في حِكايَةِ كَلامِ النَّمْلَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى وإنَّما دَلَّتْ دَلالَةُ النَّمْلَةِ عَلى الحَذَرِ مِن حَطْمِ ذَلِكَ المُحاذِي لِوادِيها فَلَمّا حُكِيَتْ دَلالَتُها حُكِيَتْ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ عِلْمًا في النَّمْلَةِ عَلِمَتْ بِهِ أنَّ المارَّ بِها يُدْعى سُلَيْمانُ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ وخَرْقِ العادَةِ.
وتَبَسُّمُ سُلَيْمانَ مِن قَوْلِها تَبَسُّمُ تَعَجُّبٍ. والتَّبَسُّمُ أضْعَفُ حالاتِ الضَّحِكِ فَقَوْلُهُ: (﴿ضاحِكًا﴾) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِ (تَبَسَّمَ)، وضَحِكُ الأنْبِياءِ التَّبَسُّمُ كَما ورَدَ في صِفَةِ ضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ التَّبَسُّمِ مِثْلَ بُدُوِّ النَّواجِذِ كَما ورَدَ في بَعْضِ صِفاتِ ضَحِكِهِ. وأمّا القَهْقَهَةُ فَلا تَكُونُ لِلْأنْبِياءِ وفي الحَدِيثِ «كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبِ» . وإنَّما تَعَجَّبَ مِن أنَّها عَرَفَتِ اسْمَهُ وأنَّها قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَوَسَمَتْهُ وجُنْدَهُ بِالصَّلاحِ والرَّأْفَةِ وأنَّهم لا يَقْتُلُونَ ما فِيهِ رُوحٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِرَأْفَتِهِ وعَدْلِهِ الشّامِلِ بِكُلِّ مَخْلُوقٍ لا فَسادَ مِنهُ أجْراهُ اللَّهُ عَلى نَمْلَةٍ لِيَعْلَمَ شَرَفَ العَدْلِ ولا يَحْتَقِرَ مَواضِعَهُ وأنَّ ولِيَّ الأمْرِ إذا عَدَلَ سَرى عَدْلُهُ في سائِرِ الأشْياءِ وظَهَرَتْ آثارُهُ فِيها حَتّى كَأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ ما لا إدْراكَ لَهُ، فَتَسِيرُ أُمُورُ جَمِيعِ الأُمَّةِ عَلى عَدْلٍ. ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ، فَضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِنَبِيئِهِ سُلَيْمانَ بِالوَحْيِ مِن دَلالَةِ نَمْلَةٍ، وذَلِكَ سِرٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ جَعَلَهُ تَنْبِيهًا لَهُ وداعِيَةً لِشُكْرِ رَبِّهِ فَقالَ ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ .
وأوْزَعَ: مَزِيدٌ (وزَعَ) الَّذِي هو بِمَعْنى كَفَّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، والهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ، أيْ: أزالَ الوَزْعَ، أيِ: الكَفِّ. والمُرادُ أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كافًّا عَنْ عَمَلٍ وأرادُوا بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ ضِدِّ مَعْناهُ، أيْ: كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى العَمَلِ. وشاعَ هَذا الإطْلاقُ فَصارَ مَعْنى أوْزَعَ أغْرى بِالعَمَلِ. فالمَعْنى: وفِّقْنِي لِلشُّكْرِ. ولِذَلِكَ كانَ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿أوْزِعْنِي﴾) ألْهِمْنِي وأغْرِنِي. و(﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾) مَنصُوبٌ
صفحة ٢٤٤
بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ. والمَعْنى: اجْعَلْنِي مُلازِمًا شُكْرَ نِعْمَتَكَ. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الدَّوامَ عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ لِما في الشُّكْرِ مِنَ الثَّوابِ ومِنَ ازْدِيادِ النِّعَمِ فَقَدْ ورَدَ: النِّعْمَةُ وحْشِيَّةٌ قَيَّدُوها بِالشُّكْرِ فَإنَّها إذا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فَرَّتْ. ومِن كَلامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. وفي الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] وفي كَلامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ بَوارٌ، وقَلَّما أقْشَعَتْ نافِرَةً فَرَجَعَتْ في نِصابِها فاسْتَدْعِ شارِدَها بِالشُّكْرِ، واسْتَدْمِ راهِنَها بِكَرَمِ الجِوارِ، واعْلَمْ أنَّ سُبُوغَ سِتْرِ اللَّهِ مُتَقَلِّصٌ عَمّا قَرِيبٍ إذا أنْتَ لَمْ تَرْجُ لِلَّهِ وقارًا.
وأدْرَجَ سُلَيْمانُ ذِكْرَ والِدَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صَلاحَ الوَلَدِ نِعْمَةٌ عَلى الوالِدَيْنِ بِما يُدْخِلُ عَلَيْهِما مِن مَسَرَّةٍ في الدُّنْيا وما يَنالُهُما مِن دُعائِهِ وصَدَقاتِهِ عَنْهُما مِنَ الثَّوابِ.
ووالِداهُ هُما أبُوهُ داوُدُ بْنُ يَسِّي وأُمُّهُ بَثْشَبَعَ (بِنْتُ اليَعامَ) وهي الَّتِي كانَتْ زَوْجَةَ أُورِيا الحِثِّيِّ فاصْطَفاها داوُدُ لِنَفْسِهِ، وهي الَّتِي جاءَتْ فِيها قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ص.
(﴿وأنْ أعْمَلَ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿أنْ أشْكُرَ﴾) . والإدْخالُ في العِبادِ الصّالِحِينَ مُسْتَعارٌ لِجَعْلِهِ واحِدًا مِنهم، فَشَبَّهَ إلْحاقَهُ بِهِمْ في الصَّلاحِ بِإدْخالِهِ عَلَيْهِمْ في زُمْرَتِهِمْ، وسُؤالُهُ ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والزِّيادَةُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ؛ لِأنَّ لِعِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии