Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Намль 27:20–23
27:20–21Страница 378
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠
Осматривая птиц, он сказал: «Что со мной? Почему я не вижу удода? Или же он оказался в числе отсутствующих?
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١
Я подвергну его суровым мучениям или же зарежу его, если он не приведет ясного довода».
صفحة ٢٤٥
﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِي لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ، والتَّكَلُّفُ: الطَّلَبُ. واشْتِقاقُ (تَفَقَّدَ) مِنَ الفَقْدِ يَقْتَضِي أنَّ (تَفَقَّدَ) بِمَعْنى طَلَبِ الفَقْدِ. ولَكِنَّهم تَوَسَّعُوا فِيهِ فَأطْلَقُوهُ عَلى طَلَبِ مَعْرِفَةِ سَبَبِ الفَقْدِ، أيْ: مَعْرِفَةُ ما أحْدَثَهُ الفَقْدُ في شَيْءٍ، فالتَّفَقُّدُ: البَحْثُ عَنِ الفَقْدِ لَيَعْرِفَ بِذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ لَمْ يَنْقُصْ وكانَ الطَّيْرُ مِن جُمْلَةِ الجُنْدِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّيْرِ صالِحٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في أُمُورِ الجُنْدِ فَمِنهُ الحَمامُ الزّاجِلُ، ومِنهُ الهُدْهُدُ أيْضًا لِمَعْرِفَةِ الماءِ، ومِنهُ البُزاةُ والصُّقُورُ لِصَيْدِ المَلِكِ وجُنْدِهِ، ولِجَلْبِ الطَّعامِ لِلْجُنْدِ مِنَ الصَّيْدِ إذا حَلَّ الجُنْدُ في القِفارِ أوْ نَفَدَ الزّادُ. ولِلطَّيْرِ جُنُودٌ يَقُومُونَ بِشُئُونِها. وتَفَقُّدُ الجُنْدِ مِن شِعارِ المَلِكِ والأُمَراءِ وهو مِن مَقاصِدِ حَشْرِ الجُنُودِ وتَسْيِيرِها. والمَعْنى: تَفَقَّدَ الطَّيْرَ في جُمْلَةِ ما تَفَقَّدَهُ فَقالَ لِمَن يَلُونَ أمْرَ الطَّيْرِ: ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ.
ومِن واجِباتِ وُلاةِ الأُمُورِ تَفَقُّدُ أحْوالِ الرَّعِيَّةِ وتَفَقُّدُ العُمّالِ ونَحْوِهِمْ بِنَفْسِهِ كَما فَعَلَ عُمَرُ في خُرُوجِهِ إلى الشّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ هِجْرِيَّةً، أوْ بِمَن يَكِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ يَتَفَقَّدُ العُمّالَ.
والهُدْهُدُ: نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ وهو ما يُقَرْقِرُ وفي رائِحَتِهِ نَتَنٌ وفَوْقَ رَأْسِهِ قَزَعَةٌ سَوْداءُ، وهو أسْوَدُ البَراثِنِ، أصْفَرُ الأجْفانِ، يَقْتاتُ الحُبُوبَ والدُّودَ، يَرى الماءَ مِن بُعْدٍ ويُحِسُّ بِهِ في باطِنِ الأرْضِ فَإذا رَفْرَفَ عَلى مَوْضِعٍ عُلِمَ أنَّ بِهِ ماءً، وهَذا سَبَبُ اتِّخاذِهِ في جُنْدِ سُلَيْمانَ. قالَ الجاحِظُ: يَزْعُمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَدُلُّ سُلَيْمانَ عَلى مَواضِعِ الماءِ في قَعُورِ الأرَضِينَ إذا أرادَ اسْتِنْباطَ شَيْءٍ مِنها.
وقَوْلُهُ: ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ في حالِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ الهُدْهُدَ، فَ (ما) اسْتِفْهامٌ. واللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِيَ) لِلِاخْتِصاصِ. والمَجْرُورُ
صفحة ٢٤٦
بِاللّامِ خَبَرٌ عَنْ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: ما الأمْرُ الَّذِي كانَ لِي.
وجُمْلَةُ (﴿لا أرى الهُدْهُدَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ المَجْرُورِ بِاللّامِ، فالِاسْتِفْهامُ عَمّا حَصَلَ لَهُ في هَذِهِ الحالِ، أيْ: عَنِ المانِعِ لِرُؤْيَةِ الهُدْهُدِ. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى خُفَرائِهِ. يَعْنِي: أكانَ انْتِفاءُ رُؤْيَتِي الهُدْهُدَ مِن عَدَمِ إحاطَةِ نَظَرِي أمْ مِنَ اخْتِفاءِ الهُدْهُدِ ؟ فالِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ظُهُورِ الهُدْهُدِ.
و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ؛ لِأنَّها تَقَعُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي يُطْلَبُ بِها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ. و(أمْ) لا يُفارِقُها تَقْدِيرُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها فَأفادَتْ هُنا إضْرابَ الِانْتِقالِ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أكانَ مِنَ الغائِبِينَ ؟ ولَيْسَتْ (أمْ) المُنْقَطِعَةُ خاصَّةً بِالوُقُوعِ بَعْدَ الخَبَرِ بَلْ كَما تَقَعُ بَعْدَ الخَبَرِ تَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ.
وصاحِبُ المِفْتاحِ مَثَّلَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في التَّعَجُّبِ والمِثالُ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ. ولَمّا كانَ قَوْلُ سُلَيْمانَ هَذا صادِرًا بَعْدَ تَقَصِّيهِ أحْوالَ الطَّيْرِ ورَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أنَّهُ غابَ فَقالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ﴾؛ لِأنَّ تَغَيُّبَهُ مِن دُونِ إذْنٍ عِصْيانٌ يَقْتَضِي عِقابَهُ، وذَلِكَ مَوْكُولٌ لِاجْتِهادِ سُلَيْمانَ في المِقْدارِ الَّذِي يَراهُ اسْتِصْلاحًا لَهُ إنْ كانَ يُرْجى صَلاحُهُ أوْ إعْدامًا لَهُ لِئَلّا يُلَقِّنَ بِالفَسادِ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ الفَسادُ في الجُنْدِ ويَكُونُ عِقابُهُ نَكالًا لِغَيْرِهِ. فَصَمَّمَ سُلَيْمانُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ عُقُوبَةً جَزاءً عَلى عَدَمِ حُضُورِهِ في الجُنُودِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذا جَوازُ عِقابِ الجُنْدِيِّ إذا خالَفَ ما عُيِّنَ لَهُ مِن عَمَلٍ أوْ تَغَيَّبَ عَنْهُ.
وأمّا عُقُوبَةُ الحَيَوانِ فَإنَّما تَكُونُ عِنْدَ تَجاوُزِهِ المُعْتادَ في أحْوالِهِ. قالَ القَرافِيُّ في تَنْقِيحِ الفُصُولِ في آخِرِ فُصُولِهِ: سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنْ قَتْلِ الهِرِّ المَوْذِي هَلْ يَجُوزُ ؟ فَكَتَبَ وأنا حاضِرٌ: إذا خَرَجَتْ أذِيَّتُهُ عَنْ عادَةِ القِطَطِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ قُتِلَ اهـ. قالَ القَرافِيُّ: فاحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الأوَّلِ عَمّا هو في طَبْعِ الهِرِّ مِن أكْلِ اللَّحْمِ إذا تُرِكَ، فَإذا أكَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأنَّهُ طَبْعُهُ، واحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الثّانِي عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ القِلَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ قَتْلَهُ. قالَ القَرافِيُّ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا آذَتِ الهِرَّةُ وقَصَدَ قَتْلَها لا تُعَذَّبُ ولا تُخْنَقُ بَلْ تُذْبَحُ بِمُوسى حادَّةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» اهـ.
صفحة ٢٤٧
وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: ولا بَأْسَ إنْ شاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذا آذَتْ ولَمْ يُقْدَرْ عَلى تَرْكِها. فَقَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ.
أمّا العِقابُ الخَفِيفُ لِلْحَيَوانِ لِتَرْبِيَتِهِ وتَأْدِيبِهِ كَضَرْبِ الخَيْلِ لِتَعْلِيمِ السَّيْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو مَأْذُونٌ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ، وكَذَلِكَ السَّبَقُ بَيْنَ الخَيْلِ مَعَ ما فِيهِ مِن إتْعابِها لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ عَلَيْها في الجُيُوشِ.
و(أوْ) تُفِيدُ أحَدَ الأشْياءِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ جَعَلَهُ ثالِثَ الأُمُورِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً لِغَيْبَتِهِ وهو أنْ يَأْتِيَ بِما يَدْفَعُ بِهِ العِقابَ عَنْ نَفْسِهِ مِن عُذْرٍ في التَّخَلُّفِ مَقْبُولٍ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. والمُبِينُ: المُظْهِرُ لِلْحَقِّ المُحْتَجُّ بِها. وهَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ اسْتِقْصاءٌ لِلْهُدْهُدِ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ الغائِبَ حُجَّتُهُ مَعَهُ.
وأكَّدَ عَزْمَهُ عَلى عِقابِهِ بِتَأْكِيدِ الجُمْلَتَيْنِ (﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾) (﴿لَأذْبَحَنَّهُ﴾) بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي تُسَمّى لامُ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ لِيَعْلَمَ الجُنْدُ ذَلِكَ حَتّى إذا فُقِدَ الهُدْهُدُ ولَمْ يَرْجِعْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ زاجِرًا لِباقِي الجُنْدِ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ فِعْلَتِهِ فَيَنالُهُمُ العِقابُ.
وأمّا تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَلِإفادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا مَنجى لَهُ مِنَ العِقابِ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ تُبَرِّرُ تَغَيُّبَهُ؛ لِأنَّ سِياقَ تِلْكَ الجُمْلَةِ يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَها عَدِيلُ العُقُوبَةِ. فَلَمّا كانَ العِقابُ مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا فَقَدِ اقْتَضى تَأْكِيدَ المُخْرِجِ مِنهُ؛ لِئَلّا يُبَرِّئَهُ مِنهُ إلّا تَحَقُّقُ الإتْيانِ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ لِئَلّا تُتَوَهَّمَ هَوادَةٌ في الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ فَكانَ تَأْكِيدُ العَدِيلِ كَتَأْكِيدِ مُعادِلِهِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ (أوِ) الأُولى لِلتَّخْيِيرِ و(أوِ) الثّانِيَةَ لِلتَّقْسِيمِ. وقِيلَ: جِيءَ بِتَوْكِيدِ جُمْلَةِ (لَيَأْتِيَنِّي) مُشاكَلَةً لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وتَغْلِيبًا. واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولَيْسَ مِنَ التَّحْقِيقِ.
وكُتِبَ في المَصاحِفِ (﴿لا أذْبَحَنَّهُ﴾) بِلامِ ألِفٍ بَعْدَها ألِفٌ حَتّى يُخالَ أنَّهُ نَفْيُ الذَّبْحِ، ولَيْسَ بِنَفْيٍ؛ لِأنَّ وُقُوعَ نُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَهُ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ إثْباتٌ؛ إذْ لا يُؤَكَّدُ المَنفِيُّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ إلّا نادِرًا في كَلامِهِمْ؛ ولِأنَّ سِياقَ الكَلامِ والمَعْنى حارِسٌ مِن تَطَرُّقِ
صفحة ٢٤٨
احْتِمالِ النَّفْيِ؛ ولِأنَّ اعْتِمادَ المُسْلِمِينَ في ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى الحِفْظِ لا عَلى الكِتابَةِ، فَإنَّ المَصاحِفَ ما كُتِبَتْ حَتّى قُرِئَ القُرْآنُ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقَدْ تَقَعُ في رَسْمِ المُصْحَفِ أشْياءُ مُخالِفَةٌ لِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الرّاسِمُونَ مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ لَمْ يَكُنْ عَلى تَمامِ الضَّبْطِ في صَدْرِ الإسْلامِ وكانَ اعْتِمادُ العَرَبِ عَلى حَوافِظِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّني﴾) بِنُونَيْنِ الأُولى مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِحَذْفِ نُونِ الوِقايَةِ لِتَلاقِي النُّوناتِ.
27:22–23Страница 378
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢
Он оставался там недолго и сказал: «Я узнал о том, чего ты не знаешь. Я прибыл к тебе из Сабы (Савы) с достоверным известием.
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣
Я обнаружил там женщину, которая царствует над ними. Ей даровано все, и у нее есть великий трон.
﴿فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ الحِكايَةِ عُطِفَتْ جُمْلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ وضَمِيرُ (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) لِلْهُدْهُدِ.
والمُكْثُ: البَقاءُ في المَكانِ ومُلازَمَتُهُ زَمَنًا ما وفِعْلُهُ مِن بابِ كَرَمَ ونَصَرَ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالأوَّلِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالثّانِي.
وأُطْلِقَ المُكْثُ هُنا عَلى البُطْءِ؛ لِأنَّ الهُدْهُدَ لَمْ يَكُنْ ماكِثًا بِمَكانٍ، ولَكِنَّهُ كانَ يَطِيرُ ويَنْتَقِلُ، فَإطْلاقُ المُكْثِ عَلى البُطْءِ مَجازٌ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ المُكْثَ يَسْتَلْزِمُ زَمَنًا.
و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) صِفَةٌ لِاسْمِ زَمَنٍ أوِ اسْمِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: مَكَثَ زَمَنًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ في مَكانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ رَجَعَ إلى سُلَيْمانَ بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ.
و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) قَرِيبٌ قُرْبًا يُوصَفُ بِضِدِّ البُعْدِ، أيْ: يُوشِكُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا. وهَذا وجْهُ إيثارِ التَّعْبِيرِ بِ (﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾)؛ لِأنَّ (غَيْرَ) تُفِيدُ دَفْعَ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا وإنَّما يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ إذا كانَ القُرْبُ يُشْبِهُ البُعْدَ.
والبُعْدُ والقُرْبُ حَقِيقَتُهُما مِن أوْصافِ المَكانِ ويُسْتَعارانِ لِقِلَّةِ الحِصَّةِ بِتَشْبِيهِ
صفحة ٢٤٩
الزَّمَنِ القَصِيرِ بِالمَكانِ القَرِيبِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] .
والفاءُ في (فَقالَ) عاطِفَةٌ عَلى (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) . وجُعِلَ القَوْلُ عَقِيبَ المُكْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَضَرَ صَدَرَ القَوْلُ مِن جِهَتِهِ فالتَّعْقِيبُ حَقِيقِيٌّ.
والقَوْلُ المُسْنَدُ إلى الهُدْهُدِ إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَةِ القَوْلِ وهو الكَلامُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْطِقَ بِهِ النّاسُ فَقَوْلُ الهُدْهُدِ هَذا لَيْسَ مِن دَلالَةِ مَنطِقِ الطَّيْرِ الَّذِي عَلِمَهُ سُلَيْمانُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَنطِقُ الدّالُّ عَلى ما في نُفُوسِ الطَّيْرِ مِنَ المُدْرَكاتِ وهي مَحْدُودَةٌ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] . ولَيْسَ لِلْهُدْهُدِ قِبَلٌ بِإدْراكِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القَوْلُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ولا بِاسْتِفادَةِ الأحْوالِ مِن مُشاهَدَةِ الأقْوامِ والبُلْدانِ حَتّى تَخْطُرَ في نَفْسِهِ وحَتّى يُعَبِّرَ عَنْها بِمَنطِقِهِ الَّذِي عُلِّمَ سُلَيْمانُ دَلالَتَهُ كَما قَدَّمْناهُ. فَهَذا وحْيٌ لِسُلَيْمانَ أجْراهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ.
وأمّا قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِن تِلْقاءِ الهُدْهُدِ كَلامًا ألْقاهُ الشَّيْطانُ مِن جانِبِ الهُدْهُدِ لِيُضَلِّلَ سُلَيْمانَ ويَفْتِنَهُ بِالبَحْثِ عَنْ مَمْلَكَةٍ مَوْهُومَةٍ لِيَسْخَرَ بِهِ كَما يَسْخَرُ بِالمُتَثائِبِ، فَعَزَمَ سُلَيْمانُ عَلى اسْتِثْباتِ الخَبَرِ بِالبَحْثِ الَّذِي لا يَتْرُكُ رِيبَةً في صِحَّتِهِ خِزْيًا لِلشَّيْطانِ.
ولْنَشْتَغِلِ الآنَ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ فابْتِداؤُهُ بِ ﴿أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ بِأنَّ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مَمالِكَ ومُلُوكًا تُدانِي مُلْكَهُ أوْ تَفُوقُهُ في بَعْضِ أحْوالِ المُلْكِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ، كَما جَعَلَ عِلْمَ الخَضِرِ مَثَلًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِانْتِهاءِ الأمْرِ إلى ما بَلَغَهُ هو. وفِيهِ اسْتِدْعاءٌ لِإقْبالِهِ عَلى ما سَيُلْقى إلَيْهِ بِشَراشِرِهِ لِأهَمِّيَّةِ هَذا المَطْلَعِ في الكَلامِ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ أحْوالِ المَمالِكِ والأُمَمِ مِن أهَمِّ ما يُعْنى بِهِ مُلُوكُ الصَّلاحِ لِيَكُونُوا عَلى اسْتِعْدادٍ بِما يُفاجِئُهم مِن تِلْقائِها، ولِتَكُونَ مِن دَواعِي الِازْدِيادِ مِنَ العَمَلِ النّافِعِ لِلْمَمْلَكَةِ بِالِاقْتِداءِ بِالنّافِعِ مِن أحْوالِ غَيْرِها والِانْقِباضِ عَمّا في أحْوالِ المَمْلَكَةِ مِنَ الخَلَلِ بِمُشاهَدَةِ آثارِ مِثْلِهِ في غَيْرِها.
صفحة ٢٥٠
ومِن فَقَراتِ الوَزِيرِ ابْنِ الخَطِيبِ الأنْدَلُسِيِّ: فَأخْبارُ الأقْطارِ مِمّا تُنْفِقُ فِيهِ المُلُوكُ أسْمارَها، وتُرَقِّمُ بِبَدِيعِ هالاتِهِ أقْمارَها، وتَسْتَفِيدُ مِنهُ حُسْنَ السِّيَرِ، والأمْنَ مِنَ الغِيَرِ، فَتَسْتَعِينُ عَلى الدَّهْرِ بِالتَّجارِبِ. وتَسْتَدِلُّ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ اهـ.
والإحاطَةُ: الِاشْتِمالُ عَلى الشَّيْءِ وجَعْلُهُ في حَوْزَةِ المُحِيطِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِاسْتِيعابِ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] فَماصَدَقَ (﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [الكهف: ٦٨]) مَعْلُوماتٌ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمُ سُلَيْمانَ.
وسَبَأٌ: بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ وقَدْ يُخَفَّفُ اسْمُ رَجُلٍ هو عَبَّشَمْسُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ. لُقِّبَ بِسَبَأٍ. قالُوا: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى في غَزْوِهِ. وكانَ الهَمْزُ فِيهِ لِتَغْيِيرِهِ العِلْمِيَّةَ عَنِ المَصْدَرِ. وهو جَدُّ جِذِمَ عَظِيمٍ مِن أجْذامِ العَرَبِ. وذُرِّيَّتُهُ كانُوا بِاليَمَنِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ هُنا عَلى دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهي لِابْتِداءِ الأمْكِنَةِ غالِبًا. فاسْمُ (سَبَأٍ) غَلَبَ عَلى القَبِيلَةِ المُتَناسِلَةِ مِن سَبَأٍ المَذْكُورِ وهم مِنَ الجِذْمِ القَحْطانِيِّ المَعْرُوفِ بِالعَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَنْشَئُوا في بِلادِ العَرَبِ ولَكِنَّهم نَزَحُوا مِنَ العِراقِ إلى بِلادِ العَرَبِ، وأوَّلُ نازِحٍ مِنهم هو يَعْرُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الرّاءِ ابْنُ قَحْطانَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ يَقْطانَ) بْنِ عابِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ أرْفَكْشادَ) بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وهَذا النَّسَبُ يَتَّفِقُ مَعَ ما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن سامٍ إلى عابِرٍ فَمِن عابِرٍ يَفْتَرِقُ نَسَبُ القَحْطانِيِّينَ مِن نَسَبِ العِبْرانِيِّينَ، فَأمّا أهْلُ أنْسابِ العَرَبِ فَيَجْعَلُونَ لِعابِرٍ ابْنَيْنِ: أحَدُهُما اسْمُهُ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالغُ. وأمّا سِفْرُ التَّكْوِينِ فَيَجْعَلُ أنَّ أحَدَهُما اسْمُهُ يَقْطُنُ. ولا شَكَّ أنَّهُ المُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالِجُ بِفاءٍ في أوَّلِهِ وجِيمٍ في آخِرِهِ فَوَقَعَ تَغْيِيرٌ في بَعْضِ حُرُوفِ الِاسْمَيْنِ لِاخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ.
ولَمّا انْتَقَلَ يَعْرُبُ سَكَنَ جَنُوبَ البِلادِ العَرَبِيَّةِ اليَمَنَ فاسْتَقَرَّ بِمَوْضِعٍ بَنى فِيهِ مَدِينَةَ ظَفارِ بِفَتْحِ الظّاءِ المُشالَةِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ الرّاءِ فَهي أوَّلُ مَدِينَةٍ في بِلادِ اليَمَنِ
صفحة ٢٥١
وانْتَشَرَ أبْناؤُهُ في بِلادِ الجَنُوبِ الَّذِي عَلى البَحْرِ وهو بِلادُ حَضْرَمَوْتَ ثُمَّ بَنى ابْنُهُ يَشْجُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الجِيمِ مَدِينَةُ صَنْعاءَ وسَمّى البِلادَ بِاليَمَنِ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَبَّشَمْسُ بِتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ ومَعْناهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ وسادَ قَوْمَهُ ولُقِّبِ سَبَأٌ بِفَتْحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ واسْتَقَلَّ بِأهْلِهِ فَبَنى مَدِينَةَ مَأْرِبَ حاضِرَةَ سَبَأٍ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:
مِن سَبَأِ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما
وبَيْنَ مَأْرِبَ وصَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ مَراحِلَ خَفِيفَةٍ.
ثُمَّ جاءَ بَعْدَ سَبَأٍ ابْنُهُ حِمْيَرُ ويُلَقَّبُ العَرَنْجَحَ (أيِ: العَتِيقُ)، ويَظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ بِلادَهُ ظَفارِ بَعْدَ أنِ انْتَقَلَ أبْناءُ يَشْجُبَ مِنها إلى صَنْعاءَ. وفي المَثَلِ: مَن ظَفَرَ حَمَّرَ، أيْ: مَن دَخَلَ ظَفارِ فَلْيَتَكَلَّمْ بِالحِمْيَرِيَّةِ، ولِهَذا المَثَلِ قِصَّةٌ.
فَكانَتِ البِلادُ اليَمَنِيَّةُ أوِ القَحْطانِيَّةُ مُنْقَسِمَةً إلى ثَلاثِ قَبائِلَ: اليَمَنِيَّةِ، والسَّبَئِيَّةِ، والحِمْيَرِيَّةِ. وكانَ عَلى كُلِّ قَبِيلَةِ مَلِكٌ مِنها، واسْتَقَلَّتْ أفْخاذُهم بِمَواقِعَ أطْلَقُوا عَلى الواحِدِ مِنها اسْمَ مِخْلافٍ (بِكَسْرِ المِيمِ) وكانَ لِكُلِّ مِخْلافٍ رَئِيسٌ يُلَقَّبُ بِالقِيلِ ويُقالُ لَهُ: ذُو كَذا، بِالإضافَةِ إلى اسْمِ مِخْلافِهِ، مِثْلُ ذُو رُعَيْنٍ. والمَلِكُ الَّذِي تَتْبَعُهُ الأقْيالُ كُلُّها ويَحْكُمُ اليَمَنَ كُلَّها يُلَقَّبُ تُبَّعَ؛ لِأنَّهُ مَتْبُوعٌ بِأُمَراءَ كَثِيرِينَ.
وقَدِ انْفَرَدَتْ سَبَأٌ بِالمُلْكِ في حُدُودِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَ أشْهَرُ مُلُوكِهِمْ أوْ أوَّلُهُمُ الهِدْهادُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ويُلَقَّبُ اليَشَرَّحَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وبِحاءٍ مُهْمَلَةٍ في آخِرِهِ. ثُمَّ ولِيَتْ بَعْدَهُ بِلْقِيسُ ابْنَةُ شُرَحْبِيلَ أيْضًا أوْ شَراحِيلَ ولَمْ تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ فِيما يَظْهَرُ مِن سِياقِ القُرْآنِ. وقِيلَ كانَتْ مُتَزَوِّجَةً شَدَدَ بْنَ زَرْعَةَ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فَماتَ. وكانَ أهْلُ سَبَأٍ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. وبَقِيَّةُ ذِكْرِ حَضارَتِهِمْ تَأْتِي في تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ.
و(﴿أحَطْتُ﴾) يُقْرَأُ بِطاءٍ مُشَدَّدَةٍ؛ لِأنَّهُ التِقاءُ طاءِ الكَلِمَةِ وتاءِ المُتَكَلِّمِ فَقُلِبَتْ هَذِهِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتا.
صفحة ٢٥٢
والباءُ في قَوْلِهِ (بِنَبَأٍ) لِلْمُصاحَبَةِ؛ لِأنَّ النَّبَأ كانَ مُصاحِبًا لِلْهُدْهُدِ حِينَ مَجِيئِهِ والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ.
وبَيْنَ (بِسَبَأٍ) و(بِنَبَأٍ) الجِناسُ المُزْدَوَجُ. وفِيهِ أيْضًا جِناسُ الخَطِّ وهو أنْ تَكُونَ صُورَةُ الكَلِمَتَيْنِ واحِدَةً في الخَطِّ وإنَّما تَخْتَلِفانِ في النُّطْقِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .
ووَصْفُهُ بِ (﴿يَقِينٍ﴾) تَحْقِيقٌ لَكَوْنِ ما سَيُلْقى إلَيْهِ شَيْءٌ مُحَقَّقٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً﴾) بَيانٌ لِ (نَبَأٍ) فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ. وإدْخالُ (إنَّ) في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأهَمِّيَّةِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا في بَنِي إسْرائِيلَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ مَلِكًا.
وفِعْلُ (﴿تَمْلِكُهُمْ﴾) هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ وفِعْلُهُ كَفِعْلِ مِلْكِ الأشْياءِ. ورَوِيَ حَدِيثُ هِرَقْلَ (هَلْ كانَ في آبائِهِ مِن مَلَكٍ) بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: كانَ مَلِكًا، ويُفَرَّقُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرِ فَمَصْدَرُ هَذا مُلْكٌ بِضَمِّ المِيمِ، والآخَرُ بِكَسْرِها، وضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى سَبَأٍ.
وهَذِهِ المَرْأةُ أُرِيدَ بِها بِلْقِيسُ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ القافِ ابْنَةُ شَراحِيلَ وفي تَرْتِيبِها مَعَ مُلُوكِ سَبَأٍ وتَعْيِينِ اسْمِها واسْمِ أبِيها اضْطِرابٌ لِلْمُؤَرِّخِينَ. والمَوْثُوقُ بِهِ أنَّها كانَتْ مُعاصِرَةً سُلَيْمانَ في أوائِلِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَتِ امْرَأةً عاقِلَةً. ويُقالُ: هي الَّتِي بَنَتْ سَدَّ مَأْرِبَ. وكانَتْ حاضِرَةُ مُلْكِها مَأْرِبَ مَدِينَةً عَظِيمَةً بِاليَمَنِ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةَ ثَلاثِ مَراحِلَ وسَيَأْتِي ذِكْرُها في سُورَةِ سَبَأٍ. وتَنْكِيرُ (امْرَأةً) وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ (﴿وجَدْتُ﴾) لَهُ حُكْمُ المُبْتَدَأِ فَهو كالِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ إذا أُرِيدَ بِالنَّكِرَةِ التَّعَجُّبُ مِن جِنْسِها كَقَوْلِهِمْ: بَقَرَةٌ تَكَلَّمَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ أمْرٍ عَجِيبٍ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ امْرَأةٌ مَلِكَةً عَلى قَوْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وجَدْتُهم تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ.
والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ المُعْطى مَرْغُوبٌ فِيهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في لازَمِهِ وهو النَّوْلُ.
صفحة ٢٥٣
ومَعْنى (﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾) نالَتْ مَن كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ مِن شُئُونِ المُلْكِ. فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ مِن جِهَتَيْنِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ كَما فَسَّرَ قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، أيْ: أُوتِيتُ مِن خِصالِ المُلُوكِ ومِن ذَخائِرِهِمْ وعَدَدِهِمْ وجُيُوشِهِمْ وثَراءِ مَمْلَكَتِهِمْ وزُخْرُفِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَحامِدِ والمَحاسِنِ.
وبِناءُ فِعْلِ (﴿أُوتِيَتْ﴾ [طه: ٣٦]) إلى المَجْهُولِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِ أسْبابِ ما نالَتْهُ بَلِ المَقْصُودُ ما نالَتْهُ عَلى أنَّ الوَسائِلَ والأسْبابَ شَتّى فَمِنهُ ما كانَ إرْثًا مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ سَلَفُوها، ومِنهُ ما كانَ كَسْبًا مِن كَسْبِها واقْتِنائِها، ومِنهُ ما وهَبَها اللَّهُ مِن عَقْلٍ وحِكْمَةٍ، وما مُنِحَ بِلادُها مِن خِصْبٍ ووَفْرَةِ مِياهٍ. وقَدْ كانَ اليُونانُ يُلَقِّبُونَ مَمْلَكَةَ اليَمَنِ بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ أخْذًا مِن مَعْنى اليُمْنِ في العَرَبِيَّةِ وقالَ تَعالى (﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبإ: ١٥]) . وأمّا رَجاحَةُ العُقُولِ فَفي الحَدِيثِ «أتاكم أهْلُ اليَمَنِ» هم أرَقُّ أفْئِدَةً، الإيمانُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ. فَلَيْسَ المُرادُ خُصُوصَ ما آتاها اللَّهُ في أصْلِ خِلْقَتِها وخِلْقَةِ أُمَّتِها وبِلادِها، ولِذا فَلَمْ يَتَعَيَّنِ الفاعِلُ عُرْفًا. وكُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وخَصَّ مِن نَفائِسَ الأشْياءِ عَرْشَها؛ إذْ كانَ عَرْشًا بَدِيعًا، ولَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمانَ عَرْشٌ مِثْلُهُ. وقَدْ جاءَ في الإصْحاحِ العاشِرِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ ما يَقْتَضِي أنَّ سُلَيْمانَ صَنَعَ كُرْسِيَّهُ البَدِيعَ بَعْدَ أنْ زارَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ. وسَنُشِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ [النمل: ٣٨] .
والعَظِيمُ: مُسْتَعْمَلٌ في عَظَمَةِ القَدْرِ والنَّفاسَةِ في ضَخامَةِ الهَيْكَلِ والذّاتِ. وأعْقَبَ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِها بِالحَطِّ مِن حالِ اعْتِقادِهِمْ إذْ هم يَسْجُدُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أُعِيدَ فِعْلُ وجَدْتُها إنْكارًا لِكَوْنِهِمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ. فَذَلِكَ مِن انْحِطاطِ العَقْلِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ فَكانَ انْحِطاطُهم في الجانِبِ الغَيْبِيِّ مِنَ التَّفْكِيرِ وهو ما يَظْهَرُ فِيهِ تَفاوَتُ عِوَضِ العُقُولِ عَلى الحَقائِقِ؛ لِأنَّهُ جانِبٌ مُتَمَحِّضٌ لِعَمَلِ الفِكْرِ لا يُسْتَعانُ فِيهِ بِالأدِلَّةِ المَحْسُوسَةِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَضِلَّ فِيهِ عُقُولُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ في الشُّئُونِ الخاضِعَةِ لِلْحَواسِّ. قالَ تَعالى في المُشْرِكِينَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨]
صفحة ٢٥٤
وكانَ عَرَبُ اليَمَنِ أيّامَئِذٍ مِن عَبَدَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمُ الدِّيانَةُ اليَهُودِيَّةُ في زَمَنِ تُبَّعَ أسْعَدَ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ، ولِكَوْنِهِمْ عَبَدَةَ شَمْسٍ كانُوا يُسَمَّوْنَ عَبْدَ شَمْسٍ كَما تَقَدَّمَ في اسْمِ سَبَأٍ.
وقَدْ جَمَعَ هَذا القَوْلُ الَّذِي أُلْقِيَ إلى سُلَيْمانَ أُصُولَ الجُغْرافِيَّةِ السِّياسِيَّةِ مِن صِفَةِ المَكانِ والأدْيانِ وصِبْغَةِ الدَّوْلَةِ وثَرْوَتِها، ووَقَعَ الِاهْتِمامُ بِأخْبارِ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أهَمُّ لِمُلْكِ سُلَيْمانَ إذْ كانَتْ مُجاوِرَةً لِمَمْلَكَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما البَحْرُ الأحْمَرُ، فَأُمُورُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ أجْدى بِعَمَلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِن سَبَأٍ) بِالصَّرْفِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِفَتْحَةٍ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ البِلادِ أوِ القَبِيلَةِ. وقَرَأهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии