Ибн АшурАн‑Намль · 27:50–59

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Ан-Намль 27:50–59

27:50–53Страница 381

وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠

Они замыслили хитрость, и Мы замыслили хитрость, но они не ощущали этого.

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١

Посмотри же, каким был конец их хитрости! Мы уничтожили их вместе со всем их народом.

فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢

Вот их дома, разрушенные за то, что они поступали несправедливо. Воистину, в этом - знамения для людей знающих.

وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣

А тех, которые уверовали и были богобоязненны, Мы спасли.

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بِيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

سَمّى اللَّهُ تَآمُرَهم مَكْرًا؛ لِأنَّهُ كانَ تَدْبِيرَ ضُرٍّ في خَفاءٍ. وأكَّدَ مَكْرَهم بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّتِهِ في جِنْسِ المَكْرِ، وتَنْوِينِهِ لِلتَّعْظِيمِ.

والمَكْرُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مَكْرٌ مَجازِيٌّ. اسْتُعِيرَ لَفْظُ المَكْرِ لِمُبادَرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِاسْتِئْصالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن تَبْيِيتِ صالِحٍ وأهْلِهِ، وتَأْخِيرِهِ اسْتِئْصالَهم أيِ: الوَقْتُ الَّذِي تَآمَرُوا فِيهِ عَلى قَتْلِ صالِحٍ لِشَبَهِ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الماكِرِ في تَأْجِيلِ فِعْلٍ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مَعَ عَدَمِ إشْعارِ مَن يُفْعَلُ بِهِ.

وأُكِّدَ مَكْرُ اللَّهِ وعُظِّمَ كَما أُكِّدَ مَكْرُهم وعُظِّمَ، وذَلِكَ بِما يُناسِبُ جِنْسَهُ فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ لا يُدانِيهِ عَذابُ النّاسِ فَعَظِيمُهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ.

والمُرادُ بِالمَكْرِ المُسْنَدِ إلى الجَلالَةِ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾) الآيَةَ.

وفِي قَوْلِهِ: (﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِاسْتِعارَةِ المَكْرِ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِئْصالِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ ولا تَجْرِيدٌ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . واقْتِرانُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ إيماءٌ إلى أنَّ

صفحة ٢٨٥

الِاعْتِبارَ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ هو المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ تَعْرِيضًا بِأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ كَيْدَهم ويَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ.

والنَّظَرُ: نَظَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ بِالِاسْتِفْهامِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنّا دَمَّرْناهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يُثِيرُهُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾) مِن سُؤالٍ عَنْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن (عاقِبَةُ) . والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِلِاهْتِمامِ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (دَمَّرْناهم) لِلرَّهْطِ. وعُطِفَ (قَوْمَهم) عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَةِ الجَزاءِ لِلْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَكَرُوا بِصالِحٍ وأهْلِهِ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وقَوْمَهم.

والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ. وتَقَدَّمَ إنْجاءُ صالِحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ومَن مَعَهُ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ حِينَ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِتَمَتُّعٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ عَلى جُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ. والإشارَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَهُ يَقُومُ مَقامَ حُضُورِهِ، فَإنَّ دِيارَ ثَمُودَ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ وهي في طَرِيقِهِمْ في مَمَرِّهِمْ إلى الشّامِ.

وانْتَصَبَ (خاوِيَةً) عَلى الحالِ. وعامِلُها ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، ومَصْدَرُهُ الخَواءُ، أيْ: فالبُيُوتُ باقٍ بَعْضُها في الجِبالِ لا ساكِنَ بِها.

والباءُ في (بِما ظَلَمُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كانَ خَواؤُها بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ في جانِبِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ وحْدانِيَّتِهِ، وظُلْمٌ لِلرَّسُولِ بِتَكْذِيبِهِ وهو الصّادِقُ.

ولَمّا خَصَّ اللَّهُ عَمَلَهم بِوَصْفِ الظُّلْمِ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أحْوالٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها كُفْرُهم

صفحة ٢٨٦

كالفَسادِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلظُّلْمِ أثَرًا في خَرابِ بِلادِهِمْ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ وتَلا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ . وهَذا مِن أُسْلُوبِ أخْذِ كُلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن مَعانِي الكَلامِ في القُرْآنِ كَما ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

ونَزِيدُهُ هُنا ما لَمْ يَسْبِقْ لَنا في نَظائِرِهِ، وهو أنَّ الحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ لَمّا كانَ قِوامَ ماهِيّاتِها حاصِلًا في الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنها انْتِسابٌ وتَقارُبٌ يُرَدُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ. فالشِّرْكُ مَثَلًا حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَكُونُ بِها جِنْسًا عَقْلِيًّا، وهو بِالنَّظَرِ إلى ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إلى حَقائِقَ أُخْرى مِثْلُ الظُّلْمِ، أيْ: الِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ بِأخْذِ حُقُوقِهِمْ فَإنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ومِثْلُ الفِسْقِ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ، وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ أيْضًا (وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ)، ومِثْلُ الكِبْرِ، ومِثْلُ الإسْرافِ فَإنَّهُما مِن آثارِهِ أيْضًا. فَمِن أسالِيبِ القُرْآنِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الشِّرْكِ بِألْفاظِ هَذِهِ الحَقائِقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ جامِعٌ عِدَّةَ فَظائِعَ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِسابِهِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ، ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ فَسادَ هَذِهِ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي فَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُنا بِالظُّلْمِ وهو كَثِيرٌ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ جِنْسَ الظُّلْمِ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ، ناهِيكَ أنَّ الشِّرْكَ مِن أنْواعِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] أيْ: هو مُتَأصِّلٌ في الشِّرْكِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُسْرِفِينَ والكاذِبِينَ بِالتَّوْبَةِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ. والآيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى انْتِصارِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لامُ التَّعْلِيلِ يَعْنِي آيَةً لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ إنْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِها فَهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ.

وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّ مَن يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنٌ في العَقْلِ حَتّى كانَ العَقْلُ مِن صِفَتِهِ القَوْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٨٧

وفِي تَأْخِيرِ جُمْلَةِ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ طَمْأنَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما نَجّى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِن ثَمُودَ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ صالِحٍ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ ثَمُودَ أوْحى اللَّهُ إلى صالِحٍ أنْ يَخْرُجَ هو ومَن مَعَهُ فَخَرَجُوا ونَزَلُوا في مَوْضِعِ الرَّسِّ فَكانَ أصْحابُ الرَّسِّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلُوا شاطِئَ اليَمَنِ وبَنَوْا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ صالِحًا نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ. وكُلُّها أخْبارٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِها.

وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في (وكانُوا يَتَّقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّقْوى.

27:54–55Страница 381

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤

Вот Лут (Лот) сказал своему народу: «Неужели вы будете совершать мерзость, видя это?

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥

Неужели вы будете приходить с вожделением к мужчинам вместо женщин? О нет! Вы - невежественный народ!».

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أيِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ .

عَطَفَ (لُوطًا) عَلى (صالِحًا) في قَوْلِهِ السّابِقِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [النمل: ٤٥] . ولا يَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ أنَّ العامِلَ في المَعْطُوفِ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: (﴿إلى ثَمُودَ﴾ [النمل: ٤٥])؛ لِأنَّ المَجْرُورَ لَيْسَ قَيْدًا لِمُتَعَلَّقِهِ، ولَكِنَّهُ كَواحِدٍ مِنَ المَفاعِيلِ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولٍ آخَرَ. فَإنَّ الإتْباعَ في الإعْرابِ يُمَيِّزُ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ. وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ. ولَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ هُنا كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ ثَمُودَ لِعَدَمِ تَمامِ المُشابَهَةِ بَيْنَ قَوْمِ لُوطٍ وبَيْنَ قُرَيْشٍ فِيما عَدا التَّكْذِيبَ والشِّرْكَ. ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ (ولُوطًا) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا؛ لِأنَّ وُجُودَ (إذْ) بَعْدَهُ يُقَرِّبُهُ مِن نَحْوِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] .

وتَعْقِيبُ قِصَّةِ ثَمُودَ بِقِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ جارٍ عَلى مُعْتادِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ قِصَصِ هَذِهِ الأُمَمِ، فَإنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا مُتَأخِّرِينَ في الزَّمَنِ عَنْ ثَمُودَ.

وإنَّما الَّذِي يَسْتَثِيرُ سُؤالًا هُنا هو. الِاقْتِصارُ عَلى قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ دُونَ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ. وقَدْ بَيَّنْتُهُ آنِفًا أنَّهُ لِمُناسَبَةٍ مُجاوِرَةِ دِيارِ قَوْمِ لُوطٍ لِمَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ ووُقُوعِها بَيْنَ دِيارِ ثَمُودَ وبَيْنَ فِلَسْطِينَ، وكانَتْ دِيارُهم مَمَرَّ قُرَيْشٍ إلى بِلادِ الشّامِ قالَ

صفحة ٢٨٨

تَعالى: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] .

وظَرْفُ (إذْ) يَتَعَلَّقُ بِ (أرْسَلْنا) أوْ بِ (اذْكُرْ) المُقَدَّرَيْنِ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ.

وجُمْلَةُ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) حالٌ زِيادَةٌ في التَّشْنِيعِ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَنًا يُبْصِرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَإنَّ التَّجاهُرَ بِالمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْسانِها وذَلِكَ اسْتِخْفافٌ بِالنَّواهِيَ.

وقَوْلُهُ (أيِنَّكم لَتَأْتُونَ) تَقَدَّمَ في الأعْرافِ (إنَّكم لَتَأْتُونَ)، فَهُنا جِيءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وما في الأعْرافِ جاءَ الخَبَرُ المُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ لِاخْتِلافِ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ لُوطٌ قَدْ قالَ لَهُمُ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ تَفَنُّنًا مَعَ اتِّحادِ المَعْنى. وكِلا الأُسْلُوبَيْنِ يَقَعُ في قَصَصِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِ.

عَلى أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وأبا عَمْرٍو وابْنَ عامِرٍ وحَمْزَةَ وأبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَءُوا ما في سُورَةِ الأعْرافِ بِهَمْزَتَيْنِ فاسْتَوَتِ الآيَتانِ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ووَقَعَ في الأعْرافِ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] ولَمْ يُذْكَرْ هُنا؛ لِأنَّ ما يَجْرِي في القِصَّةِ لا يَلْزَمُ ذِكْرُ جَمِيعِهِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في عَدَمِ ذِكْرِ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) في سُورَةِ الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِهِ هُنا.

ونَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فَوَصَفَهم بِالجَهالَةِ وهي اسْمٌ جامِعٌ لِأحْوالِ أُفْنِ الرَّأْيِ وقَساوَةِ القَلْبِ.

وفِي الأعْرافِ وصَفَهم بِأنَّهم قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى اخْتِلافِ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ.

وفِي إقْحامِ لَفْظِ (قَوْمٍ) في الآيَتَيْنِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] .

صفحة ٢٨٩

ورُجِّحَ في قَوْلِهِ (تَجْهَلُونَ) جانِبُ الخِطابِ عَلى جانِبِ الغَيْبَةِ فَلَمْ يَقُلْ: يَجْهَلُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ وكِلاهُما مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الخِطابَ أقْوى دَلالَةً كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] .

27:56–58Страница 382

۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦

В ответ его народ смог лишь сказать: «Прогоните семью Лута (Лота) из вашего селения. Воистину, эти люди хотят очиститься».

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧

Мы спасли его вместе с его семьей, кроме его жены. Мы предопределили ей оказаться в числе оставшихся позади.

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨

Мы пролили на них дождь. Как же пагубен дождь тех, кого предостерегали!

صفحة ٥

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾

تَقَدَّمَ نَظِيرُ هاتِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وخالَفَتْها هَذِهِ بِوُقُوعِ العَطْفِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ دُونَ الواوِ، وبِقَوْلِهِ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ عِوَضَ ”أخْرِجُوهم“ وبِقَوْلِهِ ”قَدَّرْناها“ عَوِضَ ”كانَتْ“، وبِقَوْلِهِ: فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ عِوَضَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ.

فَأمّا مَوْقِعُ الفاءِ هُنا فَهو لِتَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَعْقِيبَ جُزْءِ القِصَّةِ عَلى أوَّلِهِ فَلا تُفِيدُ إلّا تَعْقِيبَ الإخْبارِ، وهي في ذَلِكَ مُساوِيَةٌ لِلْواوِ. ولَكِنْ أُوثِرَ حَرْفُ التَّعْقِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ لِكَوْنِها عَلى نَسْجِ ما حُكِيَتْ بِهِ قِصَّةُ ثَمُودَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الأعْرافِ تَفَنُّنٌ في الحِكايَةِ، ومُراعاةٌ لِلنَّظِيرِ في النَّسْجِ. وهَذا مِن أسالِيبِ قِصَصِ القُرْآنِ كَما بَيَّنْتُهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ دُونَ ”أخْرِجُوهم“؛ لِأنَّ المَحْكِيَّ مِن كَلامِ القَوْمِ هو تَآمُرُهم عَلى إخْراجِ آلِ لُوطٍ؛ فَما هُنا حِكايَةٌ بِمُرادِفِ كَلامِهِمْ وما في الأعْرافِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى والغَرَضُ هو التَّفَنُّنُ أيْضًا.

وكَذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ قَدَّرْناها هُنا وبَيْنَ كانَتْ في الأعْرافِ. وأمّا

صفحة ٦

الِاخْتِلافُ بَيْنَ فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ وبَيْنَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ فَهُما عِبْرَتانِ بِحالِهِمْ تَفَرَّعَتا عَلى وصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ فَوُزِّعَتِ العِبْرَتانِ عَلى الآيَتَيْنِ لِئَلّا يَخْلُوَ تَكْرِيرُ القِصَّةِ مِن فائِدَةٍ.

والمُرادُ بِآلِ لُوطٍ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ رَبَّ البَيْتِ مُلاحَظٌ في هَذا الِاسْتِدْلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، أرادَ فِرْعَوْنَ وآلَهُ.

27:59Страница 382

قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩

Скажи: «Хвала Аллаху, и мир Его избранным рабам! Аллах лучше или те, кого вы приобщаете в сотоварищи?».

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾

لَمّا اسْتَوْفى غَرَضُ الِاعْتِبارِ والإنْذارِ حَقَّهُ بِذِكْرِ عَواقِبِ بَعْضِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ وهي أشْبَهُ أحْوالًا بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وفي خِلالِ ذَلِكَ وحَفافَيْهِ تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ أقْبَلَ اللَّهُ بِالخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ يُلَقِّنُهُ ماذا يَقُولُهُ عَقِبَ القِصَصِ والمَواعِظِ السّالِفَةِ اسْتِخْلاصًا واسْتِنْتاجًا مِنها، وشُكْرُ اللَّهِ عَلى المَقْصُودِ مِنها.

فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ. أُمِرَ الرَّسُولُ بِالحَمْدِ عَلى ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ القَصَصُ السّابِقَةُ مِن نَجاةِ الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ الحالِّ بِقَوْمِهِمْ وعَلى ما أعْقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى صَبْرِهِمْ مِنَ النَّصْرِ ورِفْعَةِ الدَّرَجاتِ. وعَلى أنْ أهْلَكَ الأعْداءَ الظّالِمِينَ كَقَوْلِهِ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ وقَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم الآيَةَ. فَأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما أفادَهُ سَوْقُ تِلْكَ القِصَصِ مِنَ الإيماءِ إلى وعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِ. فَقَوْلُهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِإنْشاءِ حَمْدِ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ صِيغَةُ الحَمْدِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

وعُطِفَ عَلى المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ مِنَ الحَمْدِ أمْرٌ بِأنْ يُتْبِعَهُ بِالسَّلامِ عَلى الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ قَدْرًا لِقَدْرِ ما تَجَشَّمُوهُ في نَشْرِ الدِّينِ الحَقِّ.

وأصْلُ ”سَلامٌ“ سَلَّمْتُ سَلامًا، مَقْصُودٌ مِنهُ الإنْشاءُ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ

صفحة ٧

مَفْعُولُهُ المُطْلَقُ بَدَلًا عَنْهُ. وعَدَلَ عَنْ نَصْبِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ إلى تَصْيِيرِهِ مُبْتَدَأً مَرْفُوعًا لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

والسَّلامُ في الأصْلِ اسْمٌ يَقُولُهُ القائِلُ لِمَن يُلاقِيهِ بِلَفْظِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، أوِ السَّلامُ عَلَيْكَ. ومَعْناهُ سَلامَةٌ وأمْنٌ ثابِتٌ لَكَ لا نُكُولَ فِيهِ، لِما تُؤْذِنُ بِهِ (عَلى) مِنَ الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَما في أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ.

وأصْلُ المَقْصُودِ مِنهُ هو التَّأْمِينُ عِنْدَ اللِّقاءِ إذْ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ المُتَلاقَيْنِ إحَنٌ أوْ يَكُونُ مِن أحَدِهِما إغْراءٌ بِالآخَرِ، فَكانَ لَفْظُ ”السَّلامُ عَلَيْكَ“ كالعَهْدِ بِالأمانِ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ المُفاتَحَةُ بِذَلِكَ تَدُلُّ عَلى الِابْتِداءِ بِالإكْرامِ والتَّلَطُّفِ عِنْدَ اللِّقاءِ ونِيَّةِ الإعانَةِ والقِرى، شاعَ إطْلاقُ كَلِمَةِ: السَّلامُ عَلَيْكَ، ونَحْوِها عِنْدَ قَصْدِ الإعْرابِ عَنِ التَّلَطُّفِ والتَّكْرِيمِ وتُنُوسِيَ ما فِيها مِن مَعْنى بَذْلِ الأمْنِ والسَّلامَةِ، فَصارَ النّاسُ يَتَقاوَلُونَها في غَيْرِ مَظانِّ الرِّيبَةِ والمَخافَةِ فَشاعَتْ في العَرَبِ في أحْيائِهِمْ وبُيُوتِهِمْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ الدُّعاءِ الَّذِي هو إعْرابٌ عَنْ إضْمارِ الخَيْرِ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ بِالسَّلامَةِ في حَياتِهِ. فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ. وصارَ قَوْلُ: السَّلامُ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ: حَيّاكَ اللَّهُ، ولَكِنَّهم خَصُّوا كَلِمَةَ (حَيّاكَ اللَّهُ) بِمُلُوكِهِمْ وعُظَمائِهِمْ فانْتَقَلَتْ كَلِمَةُ (السَّلامُ عَلَيْكم) بِهَذا إلى طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِ اسْتِعْمالِها مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ وقَدْ قِيلَ إنَّها كانَتْ تَحِيَّةً لِلْبَشَرِ مِن عَهْدِ آدَمَ.

ثُمَّ ذَكَرَ القُرْآنُ السَّلامَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى كَوْنِهِ مُعامَلَةً مِنهُ سُبْحانَهُ بِكَرامَةِ الثَّناءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ لِلَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن عِبادِهِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ عِيسى إذْ أنْطَقَهُ بِقَوْلِهِ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ. وكَذَلِكَ في الآخِرَةِ وما في مَعْناها مِن أحْوالِ الأرْواحِ بَعْدَ المَوْتِ كَقَوْلِهِ عَنْ عِيسى ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، وقَوْلِهِ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ.

صفحة ٨

وجاءَ في القُرْآنِ السَّلامُ عَلى خَمْسَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وأيْضًا أمَرَ اللَّهُ الأُمَّةَ بِالسَّلامِ عَلى رَسُولِها فَقالَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أيْ قُولُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ؛ لِأنَّ مادَّةَ التَّفْعِيلِ قَدْ يُؤْتى بِها لِلدَّلالَةِ عَلى قَوْلٍ مَنحُوتٍ في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ فَقَوْلُهُ سَلِّمُوا تَسْلِيمًا مَعْناهُ: قُولُوا كَلِمَةَ السَّلامِ. مِثْلَ بَسْمَلَ، إذا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وكَبَّرَ، إذا قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ. وفي الحَدِيثِ «تُسَبِّحُونَ وتَحْمَدُونَ وتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ» .

ومَعْنى وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى إنْشاءُ طَلَبٍ مِنَ اللَّهِ أنْ يُسَلِّمَ عَلى أحَدِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذِكْرًا حَسَنًا في المَلَإ الأعْلى.

فَإذا قالَ القائِلُ: السَّلامُ عَلى فُلانٍ، وفُلانٌ غائِبٌ أوْ في حُكْمِ الغائِبِ كانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المَقْصُودَ الدُّعاءُ لَهُ بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَدْ أُزِيلَ مِنهُ مَعْنى التَّحِيَّةِ لا مَحالَةَ وتَعَيَّنَ لِلدُّعاءِ، ولِهَذا «نَهى النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَقُولُوا في التَّشَهُّدِ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ السَّلامُ عَلى فُلانٍ وفُلانٍ. قالَ لَهم إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» أيْ لا مَعْنى لِلسَّلامِ عَلى اللَّهِ في مَقامِ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو المَدْعُوُّ بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى مَن يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ.

فَلَمّا أمَرَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فَقَدْ عَيَّنَ لَهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِيَقُولَها يَسْألُ مِنَ اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ عِبادَهُ الَّذِينَ اصْطَفى بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ في المَلَأِ الأعْلى وحُسْنِ الذِّكْرِ إذْ قُصارى ما يَسْتَطِيعُهُ الحاضِرُ مِن جَزاءِ الغائِبِ عَلى حُسْنِ صَنِيعِهِ أنْ يَبْتَهِلَ إلى اللَّهِ أنْ يَنْفَحَهُ بِالكَرامَةِ.

والعِبادُ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ في مُقَدِّمَتِهِمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ ويَشْمَلُ ذَلِكَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ كَما في صِيغَةِ التَّشَهُّدِ: («السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ» ) . وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى التَّسْلِيمِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في سُورَةِ الأحْزابِ.

* * *

﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ هَذا مِمّا أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ”آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ“

صفحة ٩

؛ لِأنَّ العِبادَ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ جاءُوا كُلُّهم بِحاصِلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وأُمِرَ أنْ يَشْرَعَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى مَسامِعِ المُشْرِكِينَ فَيَقُولَ لَهم هَذا الكَلامَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ”أمّا تُشْرِكُونَ“ بِصِيغَةِ الخِطابِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ولِأنَّ المُناسِبَ لِلِاسْتِفْهامِ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ ولا يُفِيضُ النِّعَمَ ولا يَسْتَجِيبُ الدُّعاءَ، فَلَيْسَ هَذا لِقَصْدِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ لِلْمُسْلِمِينَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإلْجاءِ وإلْزامِ المُخاطَبِ بِالإقْرارِ بِالحَقِّ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ. وهَذا دَلِيلٌ إجْمالِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ ابْتِداءُ النَّظَرِ في التَّحْقِيقِ بِالإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ. فَهَذا مِن قَبِيلِ ما قالَ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ وابْنُ فُورَكَ: إنَّ أوَّلَ الواجِباتِ أوَّلُ النَّظَرِ أوِ القَصْدِ إلى النَّظَرِ ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَهُ الأدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ، وقَدْ ناسَبَ إجْمالَهُ أنَّهُ دَلِيلٌ جامِعٌ لِما يَأْتِي مِنَ التَّفاصِيلِ فَلِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِمَعانِي الصِّفاتِ كُلِّها، وهو اسْمُ الجَلالَةِ. فَقِيلَ: آللَّهُ خَيْرٌ. وجِيءَ فِيما بَعْدُ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في صِلاتِهِ مِنَ الصِّفاتِ.

وجاءَ ”خَيْرٌ“ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِقَصْدِ مُجاراةِ مُعْتَقَدِهِمْ أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ بِحَيْثُ كانَ لَهم حَظٌّ وافِرٌ مِنَ الخَيْرِ في زَعْمِهِمْ، فَعَبَّرَ بِـ ”خَيْرٌ“ لِإيهامِ أنَّ المَقامَ لِإظْهارِ رُجْحانِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أصْنامِهِمِ اسْتِدْراجًا لَهم في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَإ مَعَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. والعاقِلُ لا يُؤْثِرُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِداعٍ يَدْعُو إلى إيثارِهِ، فَفي هَذا الِاسْتِفْهامِ عَنِ الأفْضَلِ في الخَيْرِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى الخَطَإ المُفْرِطِ والجَهْلِ المُوَرِّطِ لِتَنْفَتِحَ بَصائِرُهم إلى الحَقِّ إنْ أرادُوا اهْتِداءً. والمَعْنى: آللَّهُ الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ أمْ ما تُشْرِكُونَ مَعَهُ.

والِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِقَرِينَةِ وُجُودِ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ فَإنَّ التَّهَكُّمَ يُبْنى عَلى الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقِيِّ.

وهَذا الكَلامُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْأدِلَّةِ الآتِيَةِ جَمِيعِها عَلى هَذا الدَّلِيلِ الإجْمالِيِّ كَما سَتَعْلَمُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ

صفحة ١٠

بِياءِ الغَيْبَةِ فَيَكُونُ القَوْلُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى رُوعِيَ فِيهِ غَيْبَةُ المُشْرِكِينَ في مَقامِ الخِطابِ بِالأمْرِ.

وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: ما يُشْرِكُونَها إيّاهُ، أيْ أصْنامَكم.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English