Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анкабут 29:22–30
29:22Страница 398
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
Вы не сможете сбежать ни на земле, ни на небе, и не будет у вас покровителей и помощников помимо Аллаха».
﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ.
والمُعْجِزُ حَقِيقَتُهُ: هو الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ عاجِزًا عَنْ فِعْلٍ ما، وهو هُنا مَجازٌ في الغَلَبَةِ والِانْفِلاتِ مِنَ المُكْنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
فالمَعْنى: وما أنْتُمْ بِمُفْلَتِينَ مِنَ العَذابِ. ومَفْعُولُ مُعْجِزِينِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ بِمُعْجِزِينَ اللَّهَ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٠] بِـ مُعْجِزِينَ، أيْ لَيْسَ لَكُمُ انْفِلاتٌ في الأرْضِ، أيْ لا تَجِدُونَ مَوْئِلًا يُنْجِيكم مِن قُدْرَتِنا عَلَيْكم في مَكانٍ مِنَ الأرْضِ سَهْلِها وجَبَلِها، وبَدْوِها وحَضَرِها.
وعَطْفُ ﴿ولا في السَّماءِ﴾ عَلى ﴿فِي الأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٠] احْتِراسٌ وتَأْيِيسٌ مِنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ، وإنْ كانُوا لا مَطْمَعَ لَهم في الِالتِحاقِ بِالسَّماءِ. وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى:
صفحة ٢٣٣
فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبإ: ٢٢]، ولَمْ تَقَعْ مِثْلُ هَذِهِ الزِّيادَةِ في آيَةِ سُورَةِ الشُّورى ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ جَمَعَتْ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] إذِ العَفْوُ عَنِ المُسْلِمِينَ، و”ما“ هُنا مِنَ المُبالَغَةِ المَفْرُوضَةِ وهي مِنَ المُبالَغَةِ المَقْبُولَةِ كَما في قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلَمِيٍّ الضَّبِّيِّ:
ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
وهِيَ أظْهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وفي هَذا إشارَةٌ إلى إبْطالِ اغْتِرارِهِمْ بِتَأْخِيرِ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدُوهُ في الدُّنْيا.
ولَمّا آيَسَهم مِنَ الِانْفِلاتِ بِأنْفُسِهِمْ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ أعْقَبَهُ بِتَأْيِيسِهِمْ مِنَ الِانْفِلاتِ مِنَ الوَعِيدِ بِسَعْيِ غَيْرِهِمْ لَهم مِن أوْلِياءَ يَتَوَسَّطُونَ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِنَحْوِ السِّعايَةِ أوِ الشَّفاعَةِ، أوْ مِن نُصَراءٍ يُدافِعُونَ عَنْهم بِالمُغالَبَةِ والقُوَّةِ.
29:23Страница 398
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
Те, которые не веруют в знамения Аллаха и во встречу с Ним, потеряли надежду на Мою милость. Именно им уготованы мучительные страдания.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
بَيانٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، وإنَّما عُطِفَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، وأنَّهُ يُصِيبُهم بِعَذابٍ ألِيمٍ.
والكُفْرُ بِآياتِ اللَّهِ: هو كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، والكُفْرُ بِلِقائِهِ: إنْكارُ البَعْثِ.
واسْمُ الإشارَةِ يُفِيدُ أنَّ ما سَيَذْكُرُهُ بَعْدَهُ نالَهم مِن أجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أوْصافٍ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا اليَأْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ وإصابَتَهم بِالعَذابِ الألِيمِ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ عَلى أُسْلُوبِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
صفحة ٢٣٤
وأخْبَرَ عَنْ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِفِعْلِ المُضِيِّ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ سَيَيْأسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لا مَحالَةَ.
والتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الآياتِ حَيْثُ أُضِيفَتْ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما في الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ لا يَكْفُرَ بِآياتِهِ. والعُدُولُ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ: رَحْمَتِي التِفاتٌ عادَ بِهِ أُسْلُوبُ الكَلامِ إلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْكِيدِ التَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ.
29:24Страница 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
В ответ его народ лишь сказал: «Убейте его или сожгите!». Но Аллах спас его из огня. Воистину, в этом - знамения для верующих людей.
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
لَمّا تَمَّ الِاعْتِراضُ الواقِعُ في خِلالِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عادَ الكَلامُ إلى بَقِيَّةِ القِصَّةِ بِذِكْرِ ما أجابَهُ بِهِ قَوْمُهُ.
والفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ١٦] .
وجِيءَ بِصِيغَةِ حَصْرِ الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَرَدَّدُوا في جَوابِهِ وكانَتْ كَلِمَتُهم واحِدَةً في تَكْذِيبِهِ وإتْلافِهِ، وهَذا مِن تَصَلُّبِهم في كُفْرِهِمْ.
ثُمَّ تَرَدَّدُوا في طَرِيقِ إهْلاكِهِ بَيْنَ القَتْلِ بِالسَّيْفِ والإتْلافِ بِالإحْراقِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ أمْرُهم عَلى إحْراقِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . و﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ خَبَرُ ”كانَ“، واسْمُها ﴿أنْ قالُوا﴾ . وغالِبُ الِاسْتِعْمالِ أنْ يُؤَخَّرَ اسْمُها إذا كانَ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةُ وصِلَتُها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] في آخِرِ سُورَةِ النُّورِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ الِاسْمُ المُوالِي لِفِعْلِ الكَوْنِ في أمْثالِها في غَيْرِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ إلّا مَنصُوبًا.
وقَدْ أُجْمِلَ إنْجاؤُهُ مِنَ النّارِ هُنا، وهو مُفَصَّلٌ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى الإنْجاءِ مِن ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾، وجُعِلَ ذَلِكَ
صفحة ٢٣٥
الإنْجاءُ آياتٍ ولَمْ يُجْعَلْ آيَةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ آيَةٌ لِكُلِّ مَن شَهِدَهُ مِن قَوْمِهِ؛ ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وكَرامَةِ رَسُولِهِ، وتَصْدِيقِ وعْدِهِ، وإهانَةِ عَدُّوِهِ، وأنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها جَلِيلَها وحَقِيرَها مُسَخَّرَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
وجِيءَ بِلَفْظِ ”قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم مُتَمَكِّنٌ مِنهم ومِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَذَلِكَ آياتٌ عَلى عَظِيمِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِرُسُلِهِ فَصَدَّقَ أهْلُ الإيمانِ في مُخْتَلِفِ العُصُورِ. فَفي قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمْ يُصَدِّقْ بِها قَوْمُ إبْراهِيمَ؛ لِشِدَّةِ مُكابَرَتِهِمْ وكَوْنِ الإيمانِ لا يُخالِطُ عُقُولَهم.
29:25Страница 399
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
Он сказал: «Вы стали поклоняться идолам вместо Аллаха только из-за любви (или ради любви) друг к другу в мирской жизни. Но потом, в День воскресения, одни из вас станут отвергать и проклинать других. Вашим пристанищем будет Огонь, и не будет у вас защитников».
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةً بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقالَتُهُ هَذِهِ سابِقَةً عَلى إلْقائِهِ في النّارِ، وأنْ تَكُونَ بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ. والأظْهَرُ مِن تَرْتِيبِ الكَلامِ أنَّها كانَتْ بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ، أرادَ بِهِ إعْلانَ مُكابَرَتِهِمُ الحَقَّ وإصْرارِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمُعْجِزَةِ سَلامَتِهِ مِن حَرْقِ النّارِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأوْثانِ قَرِيبًا.
ومَحَطُّ القَصْرِ بِـ إنَّما هو المَفْعُولُ لِأجْلِهِ، أمّا قَصْرُ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى كَوْنِها أوْثانًا فَقَدْ سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا إلّا لِأجْلِ مَوَدَّةِ بَعْضِكم بَعْضًا. ووَجْهُ الحَصْرِ أنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ في عِبادَةِ الأوْثانِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ دَلالَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ الَّذِي جاءَ بِإبْطالِها، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ سَبَبُ بَقائِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ هو مَوَدَّةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الدّاعِيَةَ لِإبايَةِ المُخالَفَةِ. والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ والإلْفُ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”بَيْنَكم“ شامِلًا لِلْأوْثانِ.
والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلا يُخالِفُهُ وإنْ لاحَ لَهُ أنَّهُ عَلى ضَلالٍ، ويُحِبُّونَ الأوْثانَ فَلا يَتْرُكُونَ عِبادَتَها وإنْ ظَهَرَتْ لِبَعْضِهِمْ دَلالَةُ بُطْلانِ إلَهِيَّتِها، قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
صفحة ٢٣٦
قالَ الفَخْرُ: أيْ مَوَدَّةً بَيْنَ الأوْثانِ وعَبَدَتِها، فَإنَّ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ اللَّذّاتُ الجِسْمِيَّةُ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، كالمَجْنُونِ إذا احْتاجَ إلى قَضاءِ حاجَةٍ مِن أكْلٍ أوْ شُرْبٍ أوْ إراقَةِ ماءٍ وهو بَيْنَ مَجْمَعٍ مِنَ الأكابِرِ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذَّةِ العَقْلِيَّةِ مِنَ الحَياءِ وحُسْنِ السِّيرَةِ، بَلْ يُحَصِّلُ ما فِيهِ لَذَّةُ جِسْمِهِ. فَهم كانُوا قَلِيلِي العُقُولِ، فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ اللَّذّاتُ الجِسْمِيَّةُ فَلَمْ يَتَّسِعْ عَقْلُهم لِمَعْبُودٍ غَيْرِ جُسْمانِيٍّ، ورَأوْا تِلْكَ الأصْنامَ مُزَيَّنَةً بِألْوانٍ وجَواهِرَ فَأحَبُّوها.
وفِعْلُ اتَّخَذْتُمْ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والبَقاءُ عَلى اتِّخاذِها بَعْدَ وُضُوحِ حُجَّةِ بُطْلانِ اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ ”مَوَدَّةً“ مَنصُوبًا مُنَوَّنًا بِدُونِ إضافَةٍ، و”بَيْنَكم“ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ”مَوَدَّةَ“ مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ، بَلْ مُضافًا إلى ”بَيْنِكم“، و”بَيْنِكم“ مَجْرُورٌ، أوْ هو مِن إضافَةِ المَظْرُوفِ إلى الظَّرْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ مَرْفُوعًا مُضافًا عَلى أنْ تَكُونَ ”ما“ في ”إنَّما“ مَوْصُولَةً، وحَقُّها أنْ تُكْتَبُ مَفْصُولَةً، و”مَوَدَّةٌ“ خَبَرُ ”إنَّ“، تَكُونُ كِتابَةُ ”إنَّما“ مُتَّصِلَةً مِن قَبِيلِ الرَّسْمِ غَيْرِ القِياسِيِّ، فَيَكُونُ الإخْبارُ عَنْها بِأنَّها مَوَدَّةٌ إخْبارًا مَجازِيًّا عَقْلِيًّا بِاعْتِبارِ أنَّ الِاتِّخاذَ سَبَبٌ عَنِ المَوَدَّةِ. ولِما في المَجازِ مِنَ المُبالَغَةِ كانَ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْخَبَرِ بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِـ ”إنَّ“، فَيَقُومُ التَّأْكِيدانِ مَقامَ الحَصْرِ؛ إذْ لَيْسَ الحَصْرُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ كَما قالَ السَّكّاكِيُّ، أيْ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ إعادَةِ الخَبَرِ حَيْثُ يُثْبِتُ ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِنَفْيِ ما عَداهُ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ إفادَةِ الحُكْمِ بَلْ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ . ونَظِيرُهُ جُمْلَةُ صِلَةِ المَوْصُولِ في قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
صفحة ٢٣٧
ولَمّا كانَ في قَوْلِهِ: ”مَوَدَّةً بَيْنَكم“ شائِبَةُ ثُبُوتِ مَنفَعَةٍ لَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ؛ إذْ يَكْتَسِبُونَ بِذَلِكَ مَوَدَّةً بَيْنَهم تَلَذُّ لِنُفُوسِهِمْ - قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ إلَخْ؛ تَنْبِيهًا لِسُوءِ عاقِبَةِ هَذِهِ المَوَدَّةِ وإزالَةٍ لِلْغُرُورِ والغَفْلَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ لا عِبْرَةَ بِها إنْ كانَتْ تُعْقِبُ نَدامَةً آجِلَةً.
ومَعْنى ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ أنَّ المُخاطَبِينَ يَكْفُرُونَ بِالأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها؛ إذْ يَجْحَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها.
ومَعْنى ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أنَّ المُخاطَبِينَ يَلْعَنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرِينَ، إمّا لِأنَّ المَلْعُونِينَ غَرُّوا اللّاعِنِينَ فَسَوَّلُوا لَهُمُ اتِّخاذَ الأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهم وافَقُوهم عَلى ذَلِكَ.
وهَذِهِ مَخازٍ تَلْحَقُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَعُمُّهم مِن عَذابِ الخِزْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَعُمُّهم جَمِيعًا مِنِ انْعِدامِ النَّصِيرِ فَقالَ: ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ فَنَفى عَنْهم جِنْسَ النّاصِرِ. وهو مَن يُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ الخِزْيَ. وجِيءَ في نَفْيِ النّاصِرِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ هُنا خِلافًا لِقَوْلِهِ آنِفًا: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢]؛ لِأنَّهم لَمّا تَألَّبُوا عَلى إبْراهِيمَ وتَجَمَّعُوا لِنُصْرَةِ أصْنامِهِمْ كانَ جَزاؤُهم حِرْمانَهم مِنَ النُّصَراءِ مُطابَقَةً بَيْنَ الجَزاءِ والحالَةِ الَّتِي جُوزُوا عَلَيْها. عَلى أنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ في حَيِّزِ النَّفْيِ سَواءٌ في إفادَةِ نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الجِنْسِ.
29:26Страница 399
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
В него уверовал Лут (Лот), и Ибрахим (Авраам) сказал: «Я собираюсь совершить переселение ради своего Господа. Воистину, Он - Могущественный, Мудрый».
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْ إبْراهِيمَ اعْتِراضَ التَّفْرِيعِ، وأفادَتِ الفاءُ مُبادَرَةَ لُوطٍ بِتَصْدِيقِ إبْراهِيمَ. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ لُوطٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِهِ إلّا لُوطٌ؛ لِأنَّهُ الرَّجُلُ الفَرْدُ الَّذِي آمَنَ بِهِ، وأمّا امْرَأةُ إبْراهِيمَ وامْرَأةُ لُوطٍ فَلا يَشْمَلُهُما اسْمُ القَوْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ١٦] الآيَةَ؛ لِأنَّ القَوْمَ خاصٌّ بِرِجالِ القَبِيلَةِ، قالَ زُهَيْرٌ:
أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ
صفحة ٢٣٨
وفِي التَّوْراةِ أنَّهُ كانَتْ مَعَهُ زَوْجُهُ سارَّةٌ وزَوْجُ لُوطٍ واسْمُها مَلِكَةٌ. ولُوطٌ هو ابْنُ هارُونَ أخِي إبْراهِيمَ، فَلُوطٌ يَوْمَئِذٍ مِن أُمَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّيَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] .
فَضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، أيْ أعْلَنَ أنَّهُ مُهاجِرٌ دِيارَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِمُفارَقَةِ أهْلِ الكُفْرِ.
وهَذِهِ أوَّلُ هِجْرَةٍ لِأجْلِ الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلَها هِجْرَةً إلى رَبِّهِ. والمُهاجَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الهَجْرِ: وهو تَرْكُ شَيْءٍ كانَ مُلازِمًا لَهُ، والمُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ الَّذِي يَهْجُرُ قَوْمَهُ يَكُونُونَ هم قَدْ هَجَرُوهُ أيْضًا.
وحَرْفُ ”إلى“ في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّي﴾ لِلِانْتِهاءِ المَجازِيِّ إذْ جَعَلَ هِجْرَتَهُ إلى الأرْضِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُهاجِرَ إلَيْها كَأنَّها هِجْرَةٌ إلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَتَكُونُ ”إلى“ تَخْيِيلًا لِاسْتِعارَةٍ مَكْنِيَّةٍ، أوْ جَعَلَ هِجْرَتَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا يَعْبُدُ أهْلُهُ اللَّهَ لِطَلَبِ مَكانٍ لَيْسَ فِيهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ كَأنَّهُ هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ، فَتَكُونُ ”إلى“ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعارَةً لِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً.
ورُشِّحَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، وهي جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾؛ لِأنَّ مَن كانَ عَزِيزًا يَعْتَزُّ بِهِ جارُهُ ونَزِيلُهُ.
وإتْباعُ وصْفِ العَزِيزِ بِـ الحَكِيمِ لِإفادَةِ أنَّ عِزَّتَهُ مُحْكَمَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَها المَحْمُودَ عِنْدَ العُقَلاءِ، مِثْلَ نَصْرِ المَظْلُومِ، ونَصْرِ الدّاعِي إلى الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى الحاكِمِ، فَيَكُونُ زِيادَةَ تَأْكِيدِ مَعْنى العَزِيزِ.
وقَدْ مَضَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ وبِلادِهِمْ مُفَصَّلَةً في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
29:27Страница 399
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
Мы даровали ему Исхака (Исаака) и Йакуба (Иакова), а его потомству - пророчество и Писание. Мы даровали ему его награду в этом мире, а в Последней жизни он будет в числе праведников.
صفحة ٢٣٩
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوءَةَ والكِتابَ﴾
هَذا الكَلامُ عُقِّبَتْ بِهِ قِصَّةُ إبْراهِيمَ تِبْيانًا لِفَضْلِهِ، إذْ لا عَلاقَةَ لَهُ بِالقِصَّةِ. والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ وهَبْنا، وجَعَلَنا الإعْلامَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ مِن تَمامِ القِصَّةِ كَما في سُورَةِ هُودٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأنْعامِ في ذِكْرِ فَضائِلِ إبْراهِيمَ. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والقُرْآنُ كُتُبٌ نَزَلَتْ في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ.
* * *
﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾
جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أجْرَيْنِ: أجْرًا في الدُّنْيا بِنَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ وبِحُسْنِ السُّمْعَةِ وبَثِّ التَّوْحِيدِ ووَفْرَةِ النَّسْلِ، وأجْرًا في الآخِرَةِ وهو كَوْنُهُ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ، والتَّعْرِيفُ لِلْكَمالِ، أيْ مِن كُمْلِ الصّالِحِينَ.
29:28Страница 399
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
Вот Лут (Лот) сказал своему народу: «Воистину, вы совершаете мерзость, которую не совершал до вас никто из миров.
﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أاْنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
الِانْتِقالُ مِن رِسالَةِ إبْراهِيمَ إلى قَوْمِهِ إلى رِسالَةِ لُوطٍ لِمُناسَبَةِ أنَّهُ شابَهَ إبْراهِيمَ في أنْ أنْجاهُ اللَّهُ مِن عَذابِ الرِّجْزِ. والقَوْلُ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ كالقَوْلِ في آيَةِ ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ١٦] المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ النَّمْلِ وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وما بَيْنَ الآياتِ مِن تَفاوُتٍ هو تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ، إلّا قَوْلَهُ هُنا: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾، فَإنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ نَظِيرٌ فِيما مَضى.
وقَوْمُ لُوطٍ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وتَقَدَّمَ ذِكْرُهِمْ في سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٢٤٠
وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ تَوْكِيدٌ لِتَعَلُّقِ النِّسْبَةِ بِالمَفْعُولِ لا تَأْكِيدٌ لِلنِّسْبَةِ، فالمَقْصُودُ تَحْقِيقُ أنَّ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فاحِشَةٌ، أيْ عَمَلٌ قَبِيحٌ بالِغُ الغايَةِ في القُبْحِ؛ لِأنَّ الفُحْشَ بُلُوغُ الغايَةِ في شَيْءٍ قَبِيحٍ؛ لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ شاعِرِينَ بِشَناعَةِ عَمَلِهِمْ وقُبْحِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ”﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الإخْبارِ المُسْتَعْمَلِ في التَّوْبِيخِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِهَمْزَتَيْنِ: هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ ”إنَّ“، وقَرَأ الجَمِيعُ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] بِهَمْزَتَيْنِ. وفي ”الكَشّافِ“: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُ الأوَّلَ أيْ ”﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾“ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، أيْ بِغَيْرِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ الهَمْزَةُ المَكْسُورَةُ عَلى صُورَتِها، ورَأيْتُ الثّانِيَ - ”أيْ أيِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ“ - بِحَرْفَيِ الياءِ والنُّونِ اهــ. يَعْنِي الياءَ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والنُّونُ نُونُ ”إنَّ“ . ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِالإمامِ مُصْحَفَ البَصْرَةِ أوِ الكُوفَةِ، فَتَكُونُ قِراءَةُ قُرّائِهِما رِوايَةً مُخالِفَةً لِصُورَةِ الرَّسْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] إلَخْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾، بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] إلَخْ؛ لِأنَّ قَطْعَ السَّبِيلِ وإتْيانَ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ إتْيانُ الفاحِشَةِ.
وأُدْخِلَ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ عَلى جَمِيعِ التَّفْصِيلِ، وأُعِيدَ حَرْفُ التَّأْكِيدِ لِتَتَطابَقَ جُمْلَةِ البَدَلِ مَعَ الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها؛ لِأنَّها الجُزْءُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ المُبْدَلَةِ، عِنْدَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا عُطِفَ عَلَيْها تَكُونُ مِنَ الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها بِمَنزِلَةِ البَدَلِ المُطابِقِ.
وقَطْعُ السَّبِيلِ: قَطْعُ الطَّرِيقِ، أيِ التَّصَدِّي لِلْمارِّينَ فِيهِ بِأخْذِ أمْوالِهِمْ، أوْ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، أوْ إكْراهِهِمْ عَلى الفاحِشَةِ، وكانَ قَوْمُ لُوطٍ يَقْعُدُونَ بِالطُّرُقِ لِيَأْخُذُوا مِنَ المارَّةِ مَن يَخْتارُونَهُ.
فَقَطْعُ السَّبِيلِ فَسادٌ في ذاتِهِ وهو أفْسَدُ في هَذا المَقْصِدِ. وأمّا إتْيانُ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ فَإنَّهم جَعَلُوا نادِيَهم لِلْحَدِيثِ في ذِكْرِ هَذِهِ الفاحِشَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها
صفحة ٢٤١
ومُقَدِّماتِها، كالتَّغازُلِ بِرَمْيِ الحَصى اقْتِراعًا بَيْنَهم عَلى مَن يَرْمُونَهُ، والتَّظاهُرِ بِتَزْيِينِ الفاحِشَةِ زِيادَةً في فَسادِها وقُبْحِها؛ لِأنَّهُ مُعِينٌ عَلى نَبْذِ التَّسَتُّرِ مِنها، ومُعِينٌ عَلى شُيُوعِها في النّاسِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ تَشْدِيدٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في أنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ الفاحِشَةَ السَّيِّئَةَ لِلنّاسِ، وكانَتْ لا تَخْطِرُ لِأحَدٍ بِبالٍ. وإنَّ كَثِيرًا مِنَ المَفاسِدِ تَكُونُ النّاسُ في غَفْلَةٍ عَنِ ارْتِكابِها؛ لِعَدَمِ الِاعْتِيادِ بِها، حَتّى إذا أقْدَمَ أحَدٌ عَلى فِعْلِها وشُوهِدَ ذَلِكَ مِنهُ تَنَبَّهَتِ الأذْهانُ إلَيْها وتَعَلَّقَتِ الشَّهَواتُ بِها.
والنّادِي: المَكانُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ النّاسُ، أيْ يَجْتَمِعُونَ نَهارًا لِلْمُحادَثَةِ والمُشاوَرَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدْوِ - بِوَزْنِ ”العَفْوِ“ - وهو الِاجْتِماعُ نَهارًا. وأمّا مَكانُ الِاجْتِماعِ لَيْلًا فَهو السّامِرُ، ولا يُقالُ لِلْمَجْلِسِ: نادٍ، إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ لَمْ يُسَمَّ نادِيًا.
29:29–30Страница 399
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩
Неужели вы вожделеете мужчин, перекрываете дороги и совершаете предосудительное на своих сборищах?». В ответ его народ лишь сказал: «Нашли на нас мучения от Аллаха, если ты - один из тех, кто говорит правду».
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠
Он сказал: «Господи! Помоги мне одержать верх над людьми, распространяющими нечестие!».
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾
الكَلامُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] الآيَةَ، والأمْرُ في ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْجِيزِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ أنْذَرَهُمُ العَذابَ في أثْناءِ دَعْوَتِهِ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ ذَلِكَ في قِصَّةِ لُوطٍ فِيما مَضى، لَكِنَّ الإنْذارَ مِن شُئُونِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ.
وأرادَ بِالنَّصْرِ عِقابَ المُكَذِّبِينَ لِيُرِيَهم صِدْقَ ما أبْلَغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ.
ووَصَفَهم بِـ المُفْسِدِينَ لِأنَّهم يُفْسِدُونَ أنْفُسَهم بِشَناعاتِ أعْمالِهِمْ، ويُفْسِدُونَ النّاسَ بِحَمْلِهِمْ عَلى الفَواحِشِ وتَدْرِيبِهِمْ بِها، وفي هَذا الوَصْفِ تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии