Ибн АшурАр‑Рум · 30:1–7

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

الروم

Ар-Рум

Римляне · Мекканская · 60 аятов

30:1Страница 404

الٓمٓ ١

Алиф. Лам. Мим.

﴿الم﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَظِيرِهِ في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ وخاصَّةً في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إحْدى ثَلاثِ سُوَرٍ مِمّا افْتُتِحَ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي المُقَطَّعَةِ غَيْرِ مُعَقَّبَةٍ بِما يُشِيرُ إلى القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ.

30:2–3Страница 404

غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢

Повержены римляне

فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣

в самой низкой (или ближайшей) земле. Но после своего поражения они одержат верх

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]

قَوْلُهُ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَتِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِأنَّ الرُّومَ غُلِبَتْ، فَلا يَهِنْكم ذَلِكَ ولا تَطاوَلُوا بِهِ عَلى رَسُولِنا وأوْلِيائِنا، فَإنّا

صفحة ٤٢

نَعْلَمُ أنَّهم سَيَغْلِبُونَ مَن غَلَبُوهم بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ الغَلَبُ في مِثْلِهِ غَلَبًا.

فالمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو جُمْلَةُ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ وكانَ ما قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لَهُ.

وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ الغَرَضَ هو الحَدِيثُ عَنِ المَغْلُوبِ لا عَلى الغالِبِ؛ ولِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ أنَّ الَّذِينَ غَلَبُوا الرُّومَ هُمُ الفُرْسُ.

والرُّومُ: اسْمٌ غَلَبَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى أُمَّةٍ مُخْتَلِطَةٍ مِنَ اليُونانِ والصَّقالِبَةِ ومِنَ الرُّومانِيِّينَ الَّذِينَ أصْلُهم مِنَ اللّاطِينِيِّينَ سُكّانِ إيطاليا نَزَحُوا إلى أطْرافِ شَرْقِ أُورُبّا، تَقَوَّمَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ المُسَمّاةُ الرُّومَ عَلى هَذا المَزِيجِ، فَجاءَتْ مِنها مَمْلَكَةٌ تَحْتَلُّ قِطْعَةً مِن أُورُبّا وقِطْعَةً مِن آسْيا الصُّغْرى وهي بِلادُ الأناظُولِ، وقَدْ أطْلَقَ العَرَبُ عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمَّةِ اسْمَ الرُّومِ تَفْرِقَةً بَيْنَهِمْ وبَيْنَ الرُّومانِ اللّاطِينِيِّينِ. وسَمَّوُا الرُّومَ أيْضًا بِبَنِي الأصْفَرِ كَما جاءَ في حَدِيثِ أبِي سُفْيانَ عَنْ كِتابِ النَّبِيءِ ﷺ المَبْعُوثِ إلى هِرَقْلَ سُلْطانِ الرُّومِ وهو في حِمْصَ مِن بِلادِ الشّامِ إذْ قالَ أبُو سُفْيانَ لِأصْحابِهِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ.

وسَبَبُ اتِّصالِ الأُمَّةِ الرُّومانِيَّةِ بِالأُمَّةِ اليُونانِيَّةِ وتَكَوُّنِ أُمَّةِ الرُّومِ مِنَ الخَلِيطَيْنِ هو أنَّ اليُونانَ كانَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى صِقِلِّيَةَ وبَعْضِ بِلادِ إيطاليا، وكانُوا بِذَلِكَ في اتِّصالاتٍ وحُرُوبٍ سِجالٍ مَعَ الرُّومانِ رُبَّما عَظُمَتْ واتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ الرُّومانِ تَدْرِيجًا بِسَبَبِ الفُتُوحاتِ، وتَسَرَّبَتْ سُلْطَتُهم إلى إفْرِيقِيا وأدانِي آسْيا الصُّغْرى بِفُتُوحاتِ ”يُولْيُوسْ قَيْصَرْ“ لِمِصْرَ وشَمالِ أفْرِيقْيا وبِلادِ اليُونانِ، وبِتَوالِي الفُتُوحاتِ لِلْقَياصِرَةِ مِن بَعْدِهِ فَصارَتْ تَبْلُغُ مِن رُومَةَ إلى أرْمِينْيا والعِراقِ، ودَخَلَتْ فِيها بِلادُ اليُونانِ ومَدائِنُ رُودِسَ وساقِسَ وكارْيا والصَّقالِبَةِ الَّذِينَ عَلى نَهْرِ الطُّونَةِ، ولَحِقَ بِها البِيزَنْطِينِيُّونَ المَنسُوبُونَ إلى مَدِينَةِ بِيزَنْطَةَ الواقِعَةِ في مَوْقِعِ اسْتانْبُولَ عَلى البُسْفُورِ، وهم أصْنافٌ مِنَ اليُونانِ والإسْبَرْطِيِّينَ، وكانُوا أهْلَ تِجارَةٍ عَظِيمَةٍ في أوائِلِ القَرْنِ الرّابِعِ قَبْلَ المَسِيحِ، ثُمَّ ألَّفُوا اتِّحادًا بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ رُودِسَ وساقِسَ، وكانَتْ بِيزَنْطَةُ مِن جُمْلَةِ مَمْلَكَةِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ وبَعْدَ مَوْتِهِ واقْتِسامِ قُوّادِهِ المَمْلَكَةَ مِن بَعْدِهِ صارَتْ بِيزَنْطَةُ دَوْلَةً مُسْتَقِلَّةً، وانْضَوَتْ تَحْتَ سُلْطَةِ رُومَةَ، فَحَكَمَها قَياصِرَةُ الرُّومانِ إلى أنْ صارَ قُسْطَنْطِينُ قَيْصَرًا

صفحة ٤٣

لِرُومَةَ وانْفَرَدَ بِالسُّلْطَةِ في حُدُودِ سَنَةِ (٣٣٢) مَسِيحِيَّةً، وجَمَعَ شَتاتَ المَمْلَكَةِ، فَجَعَلَ لِلْمَمْلَكَةِ عاصِمَتَيْنِ: عاصِمَةً غَرْبِيَّةً هي ”رُومَةُ“ وعاصِمَةً شَرْقِيَّةً اخْتَطَّها مَدِينَةً عَظِيمَةً عَلى بَقايا مَدِينَةِ بِيزَنْطَةَ وسَمّاها ”قُسْطَنْطِينِيَّةَ“، وانْصَرَفَتْ هِمَّتُهُ إلى سُكْناها، فَنالَتْ شُهْرَةً تَفُوقُ ”رُومَةَ. وبَعْدَ مَوْتِهِ سَنَةَ (٣٣٧) قُسِّمَتِ المَمْلَكَةُ بَيْنَ أوْلادِهِ، وكانَ القِسْمُ الشَّرْقِيُّ الَّذِي هو بِلادُ الرُّومِ وعاصِمَتُهُ القُسْطَنْطِينِيَّةُ لِابْنِهِ“ قُسْطَنْطِينْيُوسَ ”، فَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ صارَتْ مَمْلَكَةُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ هي مَمْلَكَةُ الرُّومِ، وبَقِيَتْ مَمْلَكَةُ“ رُومَةَ ”مَمْلَكَةَ الرُّومانِ. وزادَ انْفِصالُ المَمْلَكَتَيْنِ في سَنَةِ (٣٩٥) حِينَ قَسَّمَ“ طُيُودِسْيُوسُ ”بُلْدانَ السَّلْطَنَةِ الرُّومانِيَّةِ بَيْنَ ولَدَيْهِ، فَجَعَلَها قِسْمَيْنِ: مَمْلَكَةً شَرْقِيَّةً ومَمْلَكَةً غَرْبِيَّةً، فاشْتَهَرَتِ المَمْلَكَةُ الشَّرْقِيَّةُ بِاسْمِ بِلادِ الرُّومِ وعاصِمَتُها“ القُسْطَنْطِينِيَّةُ ”. ويُعْرَفُ الرُّومُ عِنْدَ الإفْرِنْجِ بِالبِيزَنْطِينِيِّينَ نِسْبَةً إلى“ بِيزَنْطَةَ ”، اسْمُ مَدِينَةٍ يُونانِيَّةٍ قَدِيمَةٍ واقِعَةٍ عَلى شاطِئِ البُوسْفُورِ الَّذِي هو قِسْمٌ مِن مَوْقِعِ المَدِينَةِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ صارَتْ ذاتَ تِجارَةٍ عَظِيمَةٍ في القَرْنِ الخامِسِ قَبْلَ المَسِيحِ وسُمِّيَ مِيناها بِالقَرْنِ الذَّهَبِيِّ. وفي أواخِرِ القَرْنِ الرّابِعِ قَبْلَ المَسِيحِ خَلَعَتْ طاعَةَ أثِينا. وفي أواسِطِ القَرْنِ الرّابِعِ بَعْدَ المَسِيحِ جُعِلَ قُسْطَنْطِينُ سُلْطانَ مَدِينَةِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ.

وهَذا الغَلَبُ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ هو انْهِزامُ الرُّومِ في الحَرْبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الفُرْسِ سَنَةَ (٦١٥) مَسِيحِيَّةً، وذَلِكَ أنَّ خُسْرُو بْنَ هُرْمُزَ مَلِكَ الفُرْسِ غَزا الرُّومَ في بِلادِ الشّامِ وفِلَسْطِينَ، وهي مِنَ البِلادِ الواقِعَةِ تَحْتَ حُكْمِ“ هِرَقْلَ ”قَيْصَرِ الرُّومِ، فَنازَلَ أنْطاكِيَةَ ثُمَّ دِمَشْقَ، وكانَتِ الهَزِيمَةُ العَظِيمَةُ عَلى الرُّومِ في أطْرافِ بِلادِ الشّامِ المُحادَّةِ بِلادَ العَرَبِ بَيْنَ بُصْرى وأذْرُعاتَ. وذَلِكَ هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأدْنى الأرْضِ أيْ أدْنى بِلادِ الرُّومِ إلى بِلادِ العَرَبِ.

فالتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ أرْضِ الرُّومِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، أوِ اللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ في أدْنى أرْضِهِمْ، أوْ أدْنى أرْضِ اللَّهِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أدْنى لِظُهُورِ أنَّ تَقْدِيرَهُ: مِن أرْضِكم، أيْ أقْرَبِ بِلادِ الرُّومِ مِن أرْضِ العَرَبِ، فَإنَّ بِلادَ الشّامِ تابِعَةٌ يَوْمَئِذٍ لِلرُّومِ وهي أقْرَبُ مَمْلَكَةِ الرُّومِ مِن بِلادِ العَرَبِ.

وكانَتْ هَذِهِ الهَزِيمَةُ هَزِيمَةً كُبْرى لِلرُّومِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ إخْبارٌ بِوَعْدٍ مَعْطُوفٍ

صفحة ٤٤

عَلى الإخْبارِ الَّذِي قَبْلَهُ. وضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى الرُّومِ.

وغَلَبِهِمْ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ سَيَغْلِبُونَ لِلْعِلْمِ بِأنَّ تَقْدِيرَهُ: سَيَغْلِبُونَ الَّذِينَ غَلَبُوهم، أيِ الفُرْسَ، إذْ لا يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ سَيَغْلِبُونَ قَوْمًا آخَرِينَ؛ لِأنَّ غَلَبَهم عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ وإنْ كانَ يَرْفَعُ مِن شَأْنِهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم مَعَرَّةَ غَلَبِ الفُرْسِ إيّاهم، لَكِنِ القِصَّةُ تُبَيِّنُ المُرادَ؛ ولِأنَّ تَمامَ المِنَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ بِأنْ يَغْلِبَ الرُّومُ الفُرْسَ الَّذِينَ ابْتَهَجَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبِهِمْ وشَمِتُوا لِأجْلِهِ بِالمُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.

وفائِدَةُ ذِكْرِ“ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ”التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ تِلْكَ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّها بِحَيْثُ لا يُظَنُّ نَصْرٌ لَهم بَعْدَها، فابْتَهَجَ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فالوَعْدُ بِأنَّهم سَيَغْلِبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْهِزامِ في أمَدٍ غَيْرِ طَوِيلٍ تَحَدٍّ تَحَدّى بِهِ القُرْآنُ المُشْرِكِينَ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَهُمُ الغَلَبَ عَلى الفُرْسِ تَقْدِيرًا خارِقًا لِلْعادَةِ؛ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وكَرامَةً لِلْمُسْلِمِينَ.

ولَفْظُ“ بِضْعِ ”بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَدٍ قَلِيلٍ لا يَتَجاوَزُ العَشَرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهَذا أجَلٌ لِرَدِّ الكَرَّةِ لَهم عَلى الفُرْسِ.

وحِكْمَةُ إبْهامِ عَدَدِ السِّنِينَ أنَّهُ مُقْتَضى حالِ كَلامِ العَظِيمِ الحَكِيمِ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى المَقْصُودِ إجْمالًا، وأنْ لا يَتَنازَلَ إلى التَّفْصِيلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الحَشْوِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ، ولِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ رَجاءٌ في مُدَّةٍ أقْرَبَ مِمّا ظَهَرَ، فَفي ذَلِكَ تَفْرِيجٌ عَلَيْهِمْ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ الرّاجِعَةِ إلى الجِهَةِ الرّابِعَةِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

رَوى التِّرْمِذِيُّ بِأسانِيدَ حَسَنَةٍ وصَحِيحَةٍ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحِبُّونَ أنْ يَظْهَرَ أهْلُ فارِسَ عَلى الرُّومِ؛ لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلى أهْلِ فارِسَ؛ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ مِثْلَهم، فَكانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قاهِرِينَ لِلرُّومِ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ:

صفحة ٤٥

أمّا إنَّهم سَيَغْلِبُونَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَصِيحُ في نُواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] فَقالَ ناسٌ مَن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: فَذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ قالَ: بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ، فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا نَنْتَهِي إلَيْهِ. فَسَمّى أبُو بَكْرٍ لَهم سِتَّ سِنِينَ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، فَمَضَتْ سِتُّ السِّنِينَ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ الرُّومُ، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ ألا أخْفَضْتَ يا أبا بَكْرٍ، ألا جَعَلْتَهُ إلى دُونِ العَشْرِ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ. وعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ، وأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ» . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الَّذِي راهَنَ أبا بَكْرٍ هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وأنَّهم جَعَلُوا الرِّهانَ خَمْسَ قَلائِصَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم بَعْدَ أنْ جَعَلُوا الأجَلَ سِتَّةَ أعْوامٍ غَيَّرُوهُ فَجَعَلُوهُ تِسْعَةَ أعْوامٍ وازْدادُوا في عَدَدِ القَلائِصِ، وأنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا أرادَ الهِجْرَةَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ تَعَلَّقَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وقالَ لَهُ: أعْطِنِي كَفِيلًا بِالخَطَرِ إنْ غُلِبْتَ، فَكَفَلَ بِهِ ابْنَهُ عَبَدَ الرَّحْمَنِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أيّامَئِذٍ مُشْرِكًا باقِيًا بِمَكَّةَ، وأنَّهُ لَمّا أرادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الخُرُوجَ إلى أُحُدٍ طَلَبَهُ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بِكَفِيلٍ فَأعْطاهُ كَفِيلًا. ثُمَّ ماتَ أُبَيُّ بِمَكَّةَ مِن جُرْحٍ جَرَحَهُ النَّبِيءُ ﷺ، فَلَمّا غَلَبَ الرُّومُ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ أخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.

وقَدْ كانَ تَغَلُّبُ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ في سَنَةِ سِتٍّ، ووَرَدَ الخَبَرُ إلى المُسْلِمِينَ. وفي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ. والمَعْرُوفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ المُدَّةَ بَيْنَ انْهِزامِ الرُّومِ وانْهِزامِ الفُرْسِ سَبْعُ سِنِينَ - بِتَقْدِيمِ السِّينِ - وأنَّ ما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها تِسْعٌ هو تَصْحِيفٌ. وقَدْ كانَ غَلَبُ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ في سَلْطَنَةِ هِرَقْلَ قَيْصَرِ الرُّومِ، وبِإثْرِهِ جاءَ هِرَقْلُ إلى بِلادِ الشّامِ ونَزَلَ حِمْصَ ولَقِيَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ جاءُوا تُجّارًا إلى الشّامِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ في مُخاطَرَةِ أبِي بَكْرٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وتَقْرِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها احْتَجَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ عَلى جَوازِ العُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ مَعَ أهْلِ الحَرْبِ. وأمّا الجُمْهُورُ

صفحة ٤٦

فَهَذا يَرَوْنَهُ مَنسُوخًا بِما ورَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القِمارِ نَهْيًا مُطْلَقًا لَمْ يُقَيَّدْ بِغَيْرِ أهْلِ الحَرْبِ. وتَحْقِيقُ المَسْألَةِ أنَّ المُراهَنَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ جَرَتْ عَلى الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ شَرْعٌ بِمَكَّةَ أيّامَئِذٍ، فَلا دَلِيلَ فِيها عَلى إباحَةِ المُراهِنَةِ، وأنَّ تَحْرِيمَ المُراهَنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْرِيعٌ أُنُفٌ ولَيْسَ مِنَ النَّسْخِ في شَيْءٍ.

﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ، أيْ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الغَلَبَ الأوَّلَ والثّانِيَ قَبْلَ أنْ يَقَعا، أيْ مِن قَبْلِ غَلَبِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ وهو المُدَّةُ الَّتِي مِن يَوْمِ غَلَبِ الفُرْسِ عَلَيْهِمْ ومِن بَعْدِ غَلَبِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ.

فَهُنالِكَ مُضافانِ إلَيْهِما مَحْذُوفانِ. فَبُنِيَتْ“ قَبْلُ ”و“ بَعْدُ ”عَلى الضَّمِّ؛ لِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ؛ لِافْتِقارِ مَعْناهُما إلى تَقْدِيرِ مُضافَيْنِ إلَيْهِما فَأشْبَهَتا الحَرْفَ في افْتِقارِ مَعْناهُ إلى الِاتِّصالِ بِغَيْرِهِ. وهَذا البِناءُ هو الأفْصَحُ في الِاسْتِعْمالِ إذا حُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ“ قَبْلُ ”و“ بَعْدُ ”وقُدِّرَ لِوُجُودِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ في الكَلامِ، وأمّا إذا لَمْ تُقْصَدُ إضافَتُهُما بَلْ أُرِيدَ بِهِما الزَّمَنُ السّابِقُ والزَّمَنُ اللّاحِقُ، فَإنَّهُما يُعْرَبانِ كَسائِرِ الأسْماءِ النَّكِراتِ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْرُبَ بْنِ مُعاوِيَةَ أوْ يَزِيدُ بْنُ الصَّعْقِ:

فَساغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلًا أكادُ أغَصُّ بِالماءِ الحَمِـيمِ

أيْ وكُنْتُ في زَمَنٍ سَبَقَ لا يَقْصِدُ تَعْيِينَهُ. وجَوَّزَ الفَرّاءُ فِيهِما مَعَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أنْ تَبْقى فِيهِما حَرَكَةُ الإعْرابِ بِدُونِ تَنْوِينٍ، ودَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ، وأنْكَرَهُ الزَّجاجُ، وجَعَلَ مِنَ الخَطَإ رِوايَةَ قَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا يُعْرَفُ اسْمُهُ:

ومِن قَبْلِ نادى كُلُّ مَوْلًى قَرابَةً ∗∗∗ فَما عَطَفَتْ مَوْلًى عَلَيْهِ العَواطِفُ

بِكَسْرِ لامِ“ قَبْلِ ”رادًّا قَوْلَ الفَرّاءِ أنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرٍ دُونَ تَنْوِينٍ، يُرِيدُ الزَّجاجُ: أيِ الواجِبُ أنْ يُرْوى بِالضَّمِّ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ:“ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ﴾ [الروم: ٤] " لِإبْطالِ تَطاوُلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَهَجَهم غَلَبُ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ لِأنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ مِثْلَهم؛ لِاسْتِلْزامِهِ الِاعْتِقادَ بِأنَّ ذَلِكَ الغَلَبَ مِن نَصْرِ الأصْنامِ عُبّادَها، فَبَيَّنَ لَهم بُطْلانَ ذَلِكَ وأنَّ التَّصَرُّفَ لِلَّهِ وحْدَهُ في

صفحة ٤٧

الحالَيْنِ؛ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنّاها آنِفًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] .

فِيهِ أدَبٌ عَظِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِكَيْ لا يُعَلِّلُوا الحَوادِثَ بِغَيْرِ أسْبابِها ويَنْتَحِلُوا لَها عِلَلًا تُوافِقُ الأهْواءَ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الدَّجاجِلَةُ مِنَ الكُهّانِ وأضْرابِهِمْ. وهَذا المَعْنى كانَ النَّبِيءُ ﷺ يُعْلِنُهُ في خُطَبِهِ، فَقَدْ كُسِفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ النَّبِيءِ فَقالَ النّاسُ: كُسِفَتْ لِمَوْتِ إبْراهِيمَ، فَخَطَبَ النَّبِيءُ ﷺ فَقالَ في خُطْبَتِهِ: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ» . وكانَ مِن صِناعَةِ الدَّجَلِ أنْ يَتَلَقَّنَ أصْحابُ الدَّجَلِ الحَوادِثَ المُقارِنَةَ لِبَعْضِ الأحْوالِ فَيَزْعُمُوا أنَّها كانَتْ لِذَلِكَ مَعَ أنَّها تَنْفَعُ أقْوامًا وتَضُرُّ بِآخَرِينَ؛ ولِهَذا كانَ التَّأْيِيدُ بِنَصْرِ الرُّومِ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعُودًا بِهِ مِن قَبْلُ؛ لِيَعْلَمَ النّاسُ كُلُّهم أنَّهُ مُتَحَدًّى بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لا مُدَّعًى بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى بَعْدَ الوُعُودِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤] .

30:4–5Страница 404

فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤

через несколько (от трех до десяти) лет. Аллах принимал решения до этого и будет принимать их после этого. В тот день верующие возрадуются

بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥

помощи Аллаха. Он помогает, кому пожелает. Он - Могущественный, Милосердный.

﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣] إلَخْ أيْ ويَوْمَ إذْ يَغْلِبُونَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ أيْ بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم عَلى الَّذِينَ كانُوا غَلَبُوهم مِن قَبْلُ، وكانَ غَلَبُهُمُ السّابِقُ أيْضًا بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم عَلى الرُّومِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ هَذا التَّعاقُبَ وهي تَهْيِئَةُ أسْبابِ انْتِصارِ المُسْلِمِينَ عَلى الفَرِيقَيْنِ إذا حارَبُوهم بَعْدَ ذَلِكَ لِنَشْرِ دِينِ اللَّهِ في بِلادَيْهِمْ، وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ .

والجُمْلَةُ المُضافَةُ إلى ”إذْ“ في قَوْلِهِ: ويَوْمَئِذٍ مَحْذُوفَةٌ عُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ. والتَّقْدِيرُ: ويَوْمَ إذْ يَغْلِبُونَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ، فَـ ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ ”يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ“ .

وأُضِيفَ النَّصْرُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ النَّصْرِ وأنَّهُ عِنايَةٌ لِأجْلِ المُسْلِمِينَ.

وجُمْلَةُ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ النَّصْرَ المَذْكُورَ فِيها عامٌّ بِعُمُومِ مَفْعُولِهِ وهو ”مَن يَشاءُ“ فَكُلُّ مَنصُورٍ داخِلٌ في هَذا العُمُومِ، أيْ مَن يَشاءُ نَصْرَهُ لِحِكَمٍ

صفحة ٤٨

يَعْلَمُها، فالمَشِيئَةُ هي الإرادَةُ، أيْ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، وإرادَتُهُ تَعالى لا يُسْألُ عَنْها؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: وهو العَزِيزُ، فَإنَّ العَزِيزَ المُطْلَقَ هو الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ مُغالِبٍ لَهُ، وعَقَّبَهُ بِـ الرَّحِيمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عِزَّتَهُ تَعالى لا تَخْلُو مِن رَحْمَةٍ بِعِبادِهِ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ لَما أدالَ لِلْمَغْلُوبِ دَوْلَةً عَلى غالِبِهِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرادَ غَلَبَةَ الغالِبِ الأوَّلِ، فَكانَ الأمْرُ الأوَّلُ بِعِزَّتِهِ، والأمْرُ الثّانِي بِرَحْمَتِهِ لِلْمَغْلُوبِ المَنكُوبِ، وتَرْتِيبُ الصِّفَتَيْنِ العَلِيَّتَيْنِ مَنظُورٌ فِيهِ لِمُقابَلَةِ كُلِّ صِفَةٍ مِنهُما بِالَّذِي يُناسِبُ ذِكْرَهَ مِنَ الغَلَبَيْنِ، فالمُرادُ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا.

30:6–7Страница 405

وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦

Таково обещание Аллаха, и Аллах не нарушает Своего обещания, однако большинство людей не знают этого.

يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧

Они знают о мирской жизни только явное, и они беспечны к Последней жизни.

﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾

انْتَصَبَ ”وعْدَ اللَّهِ“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وهَذا مِنَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَعْنى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ هي بِمَعْناهُ، ويُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ - تَسْمِيَةً غَرِيبَةً - يُرِيدُونَ بِنَفْسِهِ مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ. ومَثْلُهُ في ”الكَشّافِ“ ومَثَّلُوهُ بِنَحْوِ ”لَكَ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا“ لِأنَّ عُرْفًا بِمَعْنى ”اعْتِرافًا“، أكَّدَ مَضْمُونَ جُمْلَةِ لَكَ عَلِيَّ ألْفٌ، وكَذَلِكَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ أكَّدَ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٣] .

وإضافَةُ الوَعْدِ إلى اللَّهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ وعْدٌ مُحَقَّقٌ الإيفاءَ؛ لِأنَّ وعْدَ الصّادِقِ القادِرِ الغَنِيِّ لا مُوجِبَ لِإخْلافِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ ”وعْدَ اللَّهِ“ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ وعْدٌ مُحَقَّقٌ بِطَرِيقِ التَّلْوِيحِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ . ولِكَوْنِها في مَوْقِعِ البَيانِ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وفائِدَةُ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ تَقْرِيرُ الحُكْمِ لِتَأْكِيدِهِ، ولِما في جُمْلَةِ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ مِن إدْخالِ الرَّوْعِ عَلى المُشْرِكِينَ بِهَذا التَّأْكِيدِ، وسَمّاهُ وعْدًا نَظَرًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو أهَمُّ هُنا، وهو أيْضًا وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِخِذْلانِ أشْياعِهِمْ ومَن يَفْتَخِرُونَ بِمُماثَلَةِ دِينِهِمْ.

ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ: ”﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾“ هو ما اقْتَضاهُ

صفحة ٤٩

الإجْمالُ. وتَفْصِيلُهُ مِن كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا لا ارْتِيابَ فِيهِ، وأنَّهُ وعْدُ اللَّهِ الصّادِقِ الوَعْدِ القادِرِ عَلى نَصْرِ المَغْلُوبِ فَيَجْعَلُهُ غالِبًا، فاسْتَدْرَكَ بِأنَّ مُراهَنَةَ المُشْرِكِينَ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ نَشَأتْ عَنْ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، فَأحالُوا أنْ تَكُونَ لِلرُّومِ بَعْدَ ضَعْفِهِمْ دَوْلَةٌ عَلى الفُرْسِ الَّذِينَ قَهَرُوهم في زَمَنٍ قَصِيرٍ هو بِضْعُ سِنِينَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ أعْظَمُ.

فالمُرادُ بِـ أكْثَرَ النّاسِ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا الوَعْدَ وراهَنُوا عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ.

ويَشْمَلُ المُرادُ أيْضًا كُلَّ مَن كانَ يَعُدُّ انْتِصارَ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ في مِثْلِ هَذِهِ المُدَّةِ مُسْتَحِيلًا، مِن رِجالِ الدَّوْلَةِ ورِجالِ الحَرْبِ مِنَ الفُرْسِ الَّذِينَ كانُوا مُزْدَهِينَ بِانْتِصارِهِمْ، ومِن أهْلِ الأُمَمِ الأُخْرى، ومِنَ الرُّومِ أنْفُسِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الجَمْهَرَةِ بِـ أكْثَرَ النّاسِ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ.

والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ.

ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٣]، فالتَّقْدِيرُ: لا يَعْلَمُونَ هَذا الغَلَبَ القَرِيبَ العَجِيبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيلَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ بِأنْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا عِلْمَ عِنْدَهم أصْلًا؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى إدْراكِ الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ وفَهْمِ الدَّلائِلِ القِياسِيَّةِ كانَ ما عِنْدَهم مِن بَعْضِ العِلْمِ شَبِيهًا بِالعَدَمِ؛ إذْ لَمْ يَبْلُغُوا بِهِ الكَمالَ الَّذِي بَلَغَهُ الرّاسِخُونَ أهْلُ النَّظَرِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَجْهِيلِهِمْ وهو مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

ولَمّا كانَ في أسْبابِ تَكْذِيبِهِمُ الوَعْدَ بِانْتِصارِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ أنَّهم يَعُدُّونَ ذَلِكَ مُحالًا، وكانَ عَدُّهم إيّاهم كَذَلِكَ مِنِ التِباسِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ بِالمُحالِ، مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ المَقادِيرِ النّادِرَةِ الَّتِي يُقَدِّرُها اللَّهُ تَعالى ويُقَدِّرُ لَها أسْبابًا لَيْسَتْ في الحُسْبانِ، فَتَأْتِي عَلى حَسَبِ ما جَرى بِهِ قَدَرُهُ لا عَلى حَسَبِ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ، وكانَ مِن حَقِّ العاقِلِ أنْ يَفْرِضَ الِاحْتِمالاتِ كُلَّها ويَنْظُرَ فِيها بِالسَّبْرِ والتَّقْيِيمِ - أنْحى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْقَبَ إخْبارَهُ عَنِ انْتِفاءِ عِلْمِهِمْ صِدْقَ وعْدِ القُرْآنِ، بِأنْ وصَفَ حالَةَ عِلْمِهِمْ كُلِّها بِأنَّ قُصارى تَفْكِيرِهِمْ مُنْحَصِرٌ في ظَواهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرِ المُحْتاجَةِ إلى النَّظَرِ العَقْلِيِّ وهي المَحْسُوساتُ والمُجَرَّباتُ

صفحة ٥٠

والأماراتُ، ولا يَعْلَمُونَ بَواطِنَ الدَّلالاتِ المُحْتاجَةِ إلى إعْمالِ الفِكْرِ والنَّظَرِ.

والوَجْهُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ تَبْعِيضِيَّةً، أيْ يَعْلَمُونَ ظَواهِرَ ما في الدُّنْيا، أيْ: ولا يَعْلَمُونَ دَقائِقَها وهي العُلُومُ الحَقِيقِيَّةُ، وكُلُّها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَتِ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ.

والكَلامُ يُشْعِرُ بِذَمِّ حالِهِمْ، ومَحَطُّ الذَّمِّ هو جُمْلَةُ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ . فَأمّا مَعْرِفَةُ الحَياةِ الدُّنْيا فَلَيْسَتْ بِمَذَمَّةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا أيْضًا يَعْلَمُونَ ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما المَذْمُومُ أنَّ المُشْرِكِينَ يَعْلَمُونَ ما هو ظاهِرٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا ولا يَعْلَمُونَ أنَّ وراءَ عالَمِ المادَّةِ عالَمًا آخَرَ هو عالَمُ الغَيْبِ. وقَدِ اقْتَصَرَ في تَجْهِيلِهِمْ بِعالَمِ الغَيْبِ عَلى تَجْهِيلِهِمْ بِوُجُودِ الحَياةِ الآخِرَةِ اقْتِصارًا بَدِيعًا حَصَلَ بِهِ التَّخَلُّصُ مِن غَرَضِ الوَعْدِ بِنَصْرِ الرُّومِ إلى غَرَضٍ أهَمَّ وهو إثْباتُ البَعْثِ مَعَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ عالَمِ الغَيْبِ، ويَكُونُ مِثالًا لِجَهْلِهِمْ بِعالَمِ الغَيْبِ وذَمًّا لِجَهْلِهِمْ بِهِ بِأنَّهُ أوْقَعَهم في ورْطَةِ إهْمالِ رَجاءِ الآخِرَةِ وإهْمالِ الِاسْتِعْدادِ لِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الرَّجاءُ، فَذَلِكَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾، فَجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ لا يَعْلَمُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ بِاعْتِبارِ ما بَعْدَ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾؛ لِأنَّ عِلْمَهم يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى نَفْيِ عِلْمٍ بِمَغِيباتِ الآخِرَةِ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ ظَواهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا.

وجُمْلَةُ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، فَحَصَلَ الإخْبارُ عَنْهم بِعِلْمِ أشْياءٍ وعَدَمِ العِلْمِ بِأشْياءَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ إلَخْ في مَوْقِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ.

وعُبِّرَ عَنْ جَهْلِهِمُ الآخِرَةَ بِالغَفْلَةِ كِنايَةً عَنْ نُهُوضِ دَلائِلِ وُجُودِ الحَياةِ الآخِرَةِ لَوْ نَظَرُوا في الدَّلائِلِ المُقْتَضِيَةِ وُجُودَ حَياةٍ آخِرَةٍ، فَكانَ جَهْلُهم بِذَلِكَ شَبِيهًا بِالغَفْلَةِ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَنْكَشِفُ لَوِ اهْتَمُّوا بِالنَّظَرِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ ”غافِلُونَ“ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً.

و”هم“ الأُولى في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، و”هم“ الثّانِيَةُ ضَمِيرُ فَصْلٍ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ دالَّةٌ عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ وثَباتِهِمْ في تِلْكَ الغَفْلَةِ، وضَمِيرُ

صفحة ٥١

الفَصْلِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ بِهِمْ، أيْ هُمُ الغافِلُونَ عَنِ الآخِرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ.

ومِنَ البَدِيعِ الجَمْعُ بَيْنَ لا يَعْلَمُونَ ويَعْلَمُونَ، وفِيهِ الطِّباقُ مِن حَيْثُ ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظانِ لا مِن جِهَةِ مُتَعَلِّقِهِما. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English