Ибн АшурСаба · 34:15–18

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Саба 34:15–18

34:15Страница 430

لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥

В поселении сабейцев было знамение - два сада справа и слева. Вкушайте из удела вашего Господа и благодарите Его. Прекрасная страна и Прощающий Господь!

﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ جَرَّ خَبَرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى ذِكْرِ سَبَأٍ لِما بَيْنَ مُلْكِ سُلَيْمانَ وبَيْنَ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ مِنَ الِاتِّصالِ بِسَبَبِ قِصَّةِ بِلْقِيسٍ، ولِأنَّ في حالِ أهْلِ سَبَأٍ مُضادَّةً لِأحْوالِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ كانَ هَذانِ مَثَلًا في إسْباغِ النِّعْمَةِ عَلى الشّاكِرِينَ، وكانَ أُولَئِكَ مَثَلًا لِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنِ الكافِرِينَ، وفِيهِمْ مَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا في بُحْبُوحَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم بِرَبِّهِمْ ويُوقِظُهم بِأنَّهم خاطِئُونَ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ، كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ في دَلالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَلى المُنْعِمِ المُتَفَرِّدِ بِالإلَهِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبإ: ١٠] لَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم أيِ المُشْرِكِينَ أيْ حالِهِمْ بِسَبَأٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ اهـ. فَهَذِهِ القِصَّةُ تَمْثِيلُ أُمَّةٍ بِأُمَّةٍ، وبِلادٍ بِأُخْرى، وذَلِكَ مِن قِياسٍ وعِبْرَةٍ. وهي فائِدَةُ تَدْوِينِ التّارِيخِ وتَقَلُّباتِ الأُمَمِ كَما قالَ تَعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] فَسَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ تَعْرِيضٌ بِأشْباهِ سَبَأٍ. والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في حالِ مَساكِنِهِمْ ونِظامِ بِلادِهِمْ آيَةٌ.

صفحة ١٦٦

والآيَةُ هُنا: الأمارَةُ والدَّلالَةُ بِتَبَدُّلِ الأحْوالِ وتَقَلُّبِ الأزْمانِ، فَهي آيَةٌ عَلى تَصَرُّفِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الآيَةِ فَأشْرَكُوا بِهِ وقَدْ كانَ في إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ ما هو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِهِ ثُمَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.

والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِالتَّعْرِيضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ مِن أهْلِ بِلادِهِمْ، وتَجْرِيدُ (كانَ) مِن تَأْنِيثِ الفِعْلِ لِأنَّ اسْمَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِلتَّأْنِيثِ ولِوُقُوعِ الفَصْلِ المَجْرُورِ. واللّامُ في لِسَبَأٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ آيَةٌ. والمَساكِنُ: البِلادُ الَّتِي يَسْكُنُونَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ والمَساكِنُ: دِيارُ السُّكْنى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سَبَأٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ في سُورَةِ النَّمْلِ. واسْمُ سَبَأٍ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ كَما هُنا وعَلى بِلادِهِمْ كَما في آيَةِ النَّمْلِ وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ بِصِيغَةِ جَمْعِ مَسْكَنٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِلَفْظِ المُفْرَدِ ”في مَسْكَنِهِمْ“ إلّا أنَّ حَمْزَةَ وحَفْصًا فَتَحا الكافَ، والكِسائِيَّ وخَلَفًا كَسَرا الكافَ وهو خارِجٌ عَنِ القِياسِ لِأنَّهُ مُضارِعٌ غَيْرُ مَكْسُورِ العَيْنِ، فَحَقُّ اسْمِ المَكانِ مِنهُ فَتْحُ العَيْنِ. وشَذَّ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدٌ لِبَيْتِ الصَّلاةِ. و”جَنَّتانِ“ بَدَلٌ مِن ”آيَةٌ“ بِاعْتِبارِ تَكْمِلَتِهِ بِما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُتَعَلِّقِ والقَوْلُ المُقَدَّرُ وجَنَّتانِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ في مَساكِنِهِمْ شَبِيهُ جَنَّتَيْنِ في أنَّهُ مُغْتَرَسُ أشْجارٍ ذاتِ ثَمَرٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِثْلَ ما يُعْرَفُ مِن حالِ الجَنّاتِ، وتَثْنِيَةُ جَنَّتَيْنِ بِاعْتِبارٍ أنَّ ما عَلى يَمِينِ السّائِرِ كَجَنَّةٍ، وما عَلى يَسارِهِ كَجَنَّةٍ. وقِيلَ كانَ لِكُلِّ رَجُلٍ في مَسْكَنِهِ - أيْ دارِهِ - جَنَّتانِ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِ المَسْكَنِ وجَنَّةٌ عَنْ شِمالِهِ فَكانُوا يَتَفَوَّؤُونَ ظِلالَهُما في الصَّباحِ والمَساءِ ويَجْتَنُونَ ثِمارَها مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وغَيْرِها، فَيَكُونُ مَعْنى التَّرْكِيبِ عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ: لِكُلِّ مَسْكَنٍ جَنَّتانِ، كَقَوْلِهِمْ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ في مَساكِنِهِمْ دُونَ أنْ يَقُولَ في بِلادِهِمْ، أوْ دِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ مَدِينَتَهم وهي مَأْرِبُ كانَتْ مَحْفُوفَةً

صفحة ١٦٧

عَلى يَمِينِها وشِمالِها بِغابَةٍ مِنَ الجَنّاتِ يَصْطافُونَ فِيها ويَسْتَثْمِرُونَها مِثْلَ غُوطَةِ دِمَشْقَ، وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦] لِأنَّ ظاهِرَهُ أنَّ المُبَدَّلَ بِهِ جَنَّتانِ اثْنَتانِ، إلّا أنْ تَجْعَلَهُ عَلى التَّوْزِيعِ مِن مُقابَلَةِ المُتَعَدِّدِ بِالمُتَعَدِّدِ.

والمَعْنى: أنَّهم كانُوا أهْلَ جَنّاتٍ مَغْرُوسَةٍ أشْجارًا مُثْمِرَةً وأعْنابًا.

وكانَتْ مَدِينَتُهم مَأْرِبُ (بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ) وهي بَيْنَ صَنْعاءَ وحَضْرَمَوْتَ، قِيلَ كانَ السّائِرُ في طَرائِقِها لَوْ وضَعَ عَلى رَأْسِهِ مِكْتَلًا لَوَجَدَهُ قَدْ مُلِئَ ثِمارًا مِمّا يَسْقُطُ مِنَ الأشْجارِ الَّتِي يَسِيرُ تَحْتَها. ولَعَلَّ في هَذا القَوْلِ شَيْئًا مِنَ المُبالَغَةِ إلّا أنَّها تُؤْذِنُ بِوَفْرَةٍ. وكانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَدْبِيرٍ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ في اخْتِزانِ المِياهِ النّازِلَةِ في مَواسِمِ المَطَرِ بِما بَنَوْا مِنَ السَّدِّ العَظِيمِ في مَأْرِبَ.

وجُمْلَةُ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم مَقُولُ قَوْلٍ إمّا مِن دَلالَةِ لِسانِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ:

امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي

وإمّا أبْلَغُوهُ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِياءَ بُعِثُوا مِنهم قِيلَ بُعِثَ فِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيئًا، أيْ مِثْلُ تُبَّعِ أسْعَدَ، فَقَدْ نُقِلَ أنَّهُ كانَ نَبِيئًا كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] أوْ غَيْرُهُ، قالَ تَعالى ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِمّا قالَهُ سُلَيْمانُ بَلْقِيسَ أوْ مِمّا قالَهُ الصّالِحُونَ مِن رُسُلِ سُلَيْمانَ إلى سَبَأٍ، وفي جَعْلِ جَنَّتانِ في نَظْمِ الكَلامِ بَدَلًا عَنْ آيَةٍ كِنايَةٌ عَنْ طِيبِ تُرْبَةِ بِلادِهِمْ. قِيلَ كانُوا يَزْرَعُونَ ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ عامٍ.

والطَّيِّبَةُ: الحَسَنَةُ في جِنْسِها المُلائِمَةُ لِمُزاوِلِها ومُسْتَثْمِرِها قالَ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] . وفي «حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ في صَدَقَتِهِ بِحائِطِ بِئْرِ حاءٍ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ» . والطَّيِّبُ ضِدُّ الخَبِيثِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقالَ ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

صفحة ١٦٨

واشْتِقاقُهُ مِنَ الطِّيبِ - بِكَسْرِ الطّاءِ بِوَزْنِ فِعْلٍ - وهو الشَّيْءُ الَّذِي تَعْبَقُ مِنهُ رائِحَةٌ لَذِيذَةٌ.

وجُمْلَةُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ مِن تَمامِ القَوْلِ وهي مُسْتَأْنَفَةٌ في الكَلامِ المَقُولِ، أيْ بَلْدَةٌ لَكم طَيِّبَةٌ، وتَنْكِيرُ بَلْدَةٍ لِلتَّعْظِيمِ. وبَلْدَةٌ مُبْتَدَأٌ وطَيِّبَةٌ نَعْتٌ لِـ (بَلْدَةٌ)، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكم، وعَدَلَ عَنْ إضافَةِ بَلْدَةٍ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ خَفِيفَةً عَلى اللِّسانِ فَتَكُونَ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.

وجُمْلَةُ ”ورَبٌّ غَفُورٌ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ“ .

وتَنْكِيرُ ”رَبٌّ“ لِلتَّعْظِيمِ. وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ عَلى وِزانِ ”بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ“، والتَّقْدِيرُ: ورَبٌّ لَكم، أيْ رَبُّكم غَفُورٌ.

والعُدُولُ عَنْ إضافَةِ ”رَبٌّ“ لِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إلى تَنْكِيرِ ”رَبٌّ“ وتَقْدِيرُ لامِ الِاخْتِصاصِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ بِهَذا الِاخْتِصاصِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى وِزانِ الَّتِي قَبْلَها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ ولِتَحْصُلَ المُزاوَجَةُ بَيْنَ الفِقْرَتَيْنِ فَتُسَيَّرا مَسِيرَ المَثَلِ.

ومَعْنى ”غَفُورٌ“: مُتَجاوِزٌ عَنْكم، أيْ عَنْ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ إيمانِ بِلْقِيسَ بِدِينِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولا يُعْلَمُ مِقْدارُ مُدَّةِ بَقائِهِمْ عَلى الإيمانِ.

34:16Страница 430

فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦

Но они отвернулись, и Мы наслали на них поток, прорвавший плотину, и заменили их два сада двумя садами с горькими плодами, тамариском и несколькими лотосами.

﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ واشْكُرُوا لَهُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ الَّتِي بَقِيَّتُها قَوْلُهُ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى﴾ [سبإ: ١٨] الَخْ. وهو اعْتِراضٌ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ.

والإعْراضُ يَقْتَضِي سَبْقَ دَعْوَةِ رَسُولٍ أوْ نَبِيٍّ، والمَعْنى: أعْرَضُوا عَنِ الِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ بِالعَوْدَةِ إلى عِبادَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ أنْ أقْلَعُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ وبِلْقِيسَ فَلَعَلَّ بِلْقِيسَ كانَتْ حَوَّلَتْهم مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ فَقَطْ فَقَدْ كانَتِ الأُمَمُ تَتَّبِعُ أدْيانَ مُلُوكِهِمْ وقَدْ قِيلَ إنَّ بِلْقِيسَ لَمْ تُعَمِّرْ بَعْدَ زِيارَةِ سُلَيْمانَ إلّا بِضْعَ سِنِينَ

صفحة ١٦٩

والإرْسالُ: الطَّلاقُ وهو ضِدُّ الحَبْسِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”عَلى“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ إرْسالُ نِقْمَةٍ فَإنَّ سَيْلَ العَرِمِ كانَ مَحْبُوسًا بِالسَّدِّ في مَأْرِبَ فَكانُوا يُرْسِلُونَ مِنهُ بِمِقْدارِ ما يَسْقُونَ جَنّاتِهِمْ، فَلَمّا كَفَرُوا بِاللَّهِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ قَدَّرَ اللَّهُ لَهم عِقابًا بِأنْ قَدَّرَ أسْبابَ انْهِدامِ السَّدِّ فانْدَفَعَ ما فِيهِ مِنَ الماءِ فَكانَ لَهم خَطَرًا وإتْلافًا لِلْأنْعامِ والأشْجارِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ جَفافٌ بِاخْتِلافِ نِظامِ تَساقُطِ الأمْطارِ وانْعِدامِ الماءِ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وهَذا جَزاءٌ عَلى إعْراضِهِمْ وشِرْكِهِمْ.

والعَرِمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مِنَ العَرامَةِ وهي الشِّدَّةُ والكَثْرَةُ فَتَكُونُ إضافَةُ السَّيْلِ إلى العَرِمِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَرِمُ اسْمًا لِلسَّيْلِ الَّذِي كانَ يَنْصَبُّ في السَّدِّ فَتَكُونُ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ، أيِ السَّيْلُ العَرِمُ.

وكانَتْ لِلسُّيُولِ والأوْدِيَةِ في بِلادِ العَرَبِ أسْماءٌ كَقَوْلِهِمْ: سَيْلُ مَهْزُورٍ ومُذَيْنِيبٍ الَّذِي كانَتْ تُسْقى بِهِ حَدائِقُ المَدِينَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:

ومَأْرِبُ عَفّى عَلَيْها العَرِمُ وقِيلَ:

العَرِمُ: اسْمُ جَمْعِ (عَرَمَةٍ) بِوَزْنِ شَجَرَةٍ، وقِيلَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو ما بُنِيَ لِيُمْسِكَ الماءَ، لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ وحَبَشِيَّةٌ. وهي المَسْناةُ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والمَسْناةُ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ الَّتِي هي اسْمُ الآلَةِ مُشْتَقٌّ مِن سَنَيْتُ بِمَعْنى سَقَيْتُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ السّاقِيَةُ سانِيَةً وهي الدَّلْوُ المُسْتَقى بِهِ والإضافَةُ عَلى هَذَيْنِ أصِيلَةٌ.

والمَعْنى: أرْسَلْنا السَّيْلَ الَّذِي كانَ مَخْزُونًا بِالسَّدِّ.

وكانَ لِأهْلِ سَبَأٍ سَدٌّ عَظِيمٌ قُرْبَ بِلادِ مَأْرِبَ (ومَأْرِبُ مِن كُوَرِ اليَمَنِ) وكانَ أعْظَمَ السِّدادِ في بِلادِ اليَمَنِ الَّتِي كانَتْ فِيها سِدادٌ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ وكانُوا جَعَلُوا هَذِهِ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ السُّيُولُ في وقْتِ نُزُولِ الأمْطارِ في الصَّيْفِ والخَرِيفِ، فَكانُوا يَعْمِدُونَ إلى مَمَرّاتِ السُّيُولِ مِن بَيْنِ الجِبالِ فَيَبْنُونَ في مَمَرِّ الماءِ سُورًا مِن صُخُورٍ يَبْنُونَها بِناءً مُحْكَمًا يَصُبُّونَ في الشُّقُوقِ الَّتِي بَيْنَ الصُّخُورِ القارَ حَتّى تَلْتَئِمَ فَيَنْحَبِسَ الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ هُنالِكَ حَتّى إذا امْتَلَأ الخَزّانُ جَعَلُوا بِجانِبَيْهِ

صفحة ١٧٠

جَوابِيَ عَظِيمَةً يَصُبُّ فِيها الماءُ يَفِيضُ مِن أعْلى السَّدِّ فَيُقِيمُونَ مِن ذَلِكَ ما يَسْتَطِيعُونَ مِن تَوْفِيرِ الماءِ المُخْتَزَنِ.

وكانَ سَدُّ مَأْرِبَ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ سَيْلُ العَرِمِ شَرَعَ في بِنائِهِ سَبَأُ أوَّلُ مُلُوكِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُتِمَّهُ فَأتَمَّهُ ابْنُهُ حِمْيَرُ. وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّ بِلْقِيسَ بَنَتْهُ فَذَلِكَ اشْتِباهٌ إذْ لَعَلَّ بِلْقِيسَ بَنَتْ حَوْلَهُ خَزّاناتٍ أُخْرى فَرْعِيَّةً أوْ رَمَّمَتْ بِناءَهُ تَرْمِيمًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ البِناءِ، فَقَدْ كانُوا يَتَعَهَّدُونَ تِلْكَ السِّدادَ بِالإصْلاحِ والتَّرْمِيمِ كُلَّ سَنَةٍ حَتّى تَبْقى تُجاهَ قُوَّةِ السُّيُولِ السّاقِطَةِ فِيها.

وكانُوا يَجْعَلُونَ لِلسَّدِّ مَنافِذَ مُغْلَقَةً يُزِيلُونَ عَنْها السَّكْرَ إذا أرادُوا إرْسالَ الماءِ إلى الجِهاتِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُسْقى مِنهُ إذْ جَعَلُوا جَنّاتِهِمْ حَوْلَ السَّدِّ مُجْتَمِعَةً. وكانَ يَصُبُّ في سَدِّ مَأْرِبَ سَبْعُونَ وادِيًا.

وجَعَلُوا هَذا السَّدَّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يُعْرَفُ كِلاهُما بِالبَلَقِ فَهُما البَلَقُ الأيْمَنُ والبَلَقُ الأيْسَرُ.

وأعْظَمُ الأوْدِيَةِ الَّتِي كانَتْ تَصُبُّ فِيهِ اسْمُهُ ”إذْنَهْ“ فَقالُوا: إنَّ الأوْدِيَةَ كانَتْ تَأْتِي إلى سَبَأٍ مِنَ الشَّجَرِ وأوْدِيَةِ اليَمَنِ.

وهَذا السَّدُّ حائِطٌ طُولُهُ مِنَ الشَّرْقِ إلى الغَرْبِ ثَمانُمِائَةِ ذِراعٍ وارْتِفاعُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ ذِراعًا وعَرْضُهُ مِائَةٌ وخَمْسُونَ ذِراعًا.

وقَدْ شاهَدَهُ الحَسَنُ الهَمَدانِيُّ ووَصَفَهُ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالإكْلِيلِ وهو مِن أهْلِ أوائِلِ القَرْنِ الرّابِعِ بِما سَمِعْتُ حاصِلَهُ. ووَصَفَهُ الرَّحّالَةُ (أرْنُو) الفَرَنْسِيُّ سَنَةَ ١٨٨٣ والرَّحّالَةُ غِلازُرُ الفَرَنْسِيُّ.

ولا يُعْرَفُ وقْتُ انْهِدامِ هَذا السَّدِّ ولا أسْبابُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ انْهِدامِهِ اشْتِغالُ مُلُوكِهِمْ بِحُرُوبٍ داخِلِيَّةٍ بَيْنَهم ألْهَتْهم عَنْ تَفَقُّدِ تَرْمِيمِهِ حَتّى تَخَرَّبَ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَرَّبَهُ بَعْضُ مَن حارَبَهم مِن أعْدائِهِمْ، وأمّا ما يُذْكَرُ في القَصَصِ مِن أنَّ السَّدَّ خَرَّبَتْهُ الجُرْذانُ فَذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ.

وفِي العَرِمِ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

مِن سَبَأِ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما

صفحة ١٧١

والتَّبْدِيلُ: تَعْوِيضُ شَيْءٍ بِآخَرَ وهو يَتَعَدّى إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المَبْذُولِ بِالباءِ وهي باءُ العِوَضِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ في سُورَةِ النِّساءِ.

فالمَعْنى: أعْطَيْناهم أشْجارَ خَمْطٍ وأثْلٍ وسِدْرٍ عِوَضًا عَنْ جَنَّتَيْهِمْ، أيْ صارَتْ بِلادُهم صَحْراءَ قاحِلَةً لَيْسَ فِيها إلّا شَجَرُ العِضاةِ والبادِيَةِ، وفِيما بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ أحْوالٌ عَظِيمَةٌ انْتابَتْهم فَقاسَوُا العَطَشَ وفِقْدانَ الثِّمارِ حَتّى اضْطُرُّوا إلى مُفارَقَةِ تِلْكَ الدِّيارِ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّهايَةُ دالَّةً عَلى تِلْكَ الأحْوالِ طُوِيَ ذِكْرُ ما قَبْلَها واقْتُصِرَ عَلى وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ إلى آخِرِهِ.

وإطْلاقُ اسْمِ الجَنَّتَيْنِ عَلى هَذِهِ المَنابِتِ مُشاكَلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكُمُ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَةً طَحُونا

وقَوْلِهِ تَعالى ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ .

وقَدْ وصَفَ الأعْشى هَذِهِ الحالَةَ بَدْءًا ونِهايَةً بِقَوْلِهِ:

وفِي ذاكَ لِلْمُؤْنِسِي عِبْرَةٌ ∗∗∗ ومَأْرِبُ عَفّى عَلَيْهِ العَرِمْ

رُخامٌ بَنَتْهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ

فَأرْوى الزُّرُوعَ وأعْنابَها ∗∗∗ عَلى سَعَةٍ ماؤُهم إذا قُسِمْ

فَعاشُوا بِذَلِكَ في غِبْطَةٍ ∗∗∗ فَحارَبَهم جارِفٌ مُنْهَزِمْ

فَطارَ القُيُولَ وقِيلاتِها ∗∗∗ بِبَهْماءَ فِيها سَرابٌ يَطُمْ

فَطارُوا سِراعًا وما يَقْدِرُو ∗∗∗ نَ مِنهُ لِشُرْبِ صَبِيٍّ فُطِمْ

والخَمْطُ: شَجَرُ الأراكِ. ويُطْلَقُ الخَمْطُ عَلى الشَّيْءِ المُرِّ. والأثْلُ: شَجَرٌ عَظِيمٌ مِن شَجَرِ العِضاهِ يُشْبِهُ الطَّرْفاءَ. والسِّدْرُ: شَجَرٌ مِنَ العِضاهِ أيْضًا لَهُ شَوْكٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ. وكُلُّها تَنْبُتُ في الفَيافِي.

والسِّدْرُ: أكْثَرُها ظِلًّا وأنْفَعُها لِأنَّهُ يُغْسَلُ بِوَرَقِهِ مَعَ الماءِ فَيَنْظُفُ وفِيهِ رائِحَةٌ حَسَنَةٌ ولِذَلِكَ وُصِفَ هُنا بِالقَلِيلِ لِإفادَةِ أنَّ مُعْظَمَ شَجَرِهِمْ لا فائِدَةَ مِنهُ، وزِيدَ

صفحة ١٧٢

تَقْلِيلُهُ قِلَّةً بِذِكْرِ كَلِمَةِ شَيْءٍ المُؤْذِنَةِ في ذاتِها بِالقِلَّةِ، يُقالُ شَيْءٌ مِن كَذا، إذا كانَ قَلِيلًا.

وفِي القُرْآنِ وما أغْنى عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

والأُكْلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ وبِضَمِّ الكافِ: المَأْكُولُ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ بِضَمِّ الكافِ وقَرَأ الجُمْهُورُ أُكْلٍ بِالتَّنْوِينِ مَجْرُورًا فَإذا كانَ خَمْطٌ مُرادًا بِهِ الشَّجَرُ المُسَمّى بِالخَمْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَمْطٌ صِفَةً لِـ ”أُكْلٍ“ لِأنَّ الخَمْطَ شَجَرٌ، ولا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”أُكْلٍ“ كَذَلِكَ، ولا عَطْفَ بَيانٍ كَما قَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ كالبَدَلِ المُطابِقِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ خَمْطٌ هُنا صِفَةً يُقالُ: شَيْءٌ خامِطٌ إذا كانَ مُرًّا.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”أُكُلِ“ بِالإضافَةِ إلى خَمْطٍ، فالخَمْطُ إذَنْ مُرادٌ بِهِ شَجَرُ الأراكِ، وأُكْلُهُ ثَمَرُهُ وهو البَرِيرُ وهو مُرُّ الطَّعْمِ.

ومَعْنى ”ذَواتَيْ أُكْلٍ“ صاحِبَتَيْ أُكْلٍ فَـ (ذَواتُ) جَمْعُ ذاتٍ الَّتِي بِمَعْنى صاحِبَةٍ، وهي مُؤَنَّثُ ذُو بِمَعْنى صاحِبٍ، وأصْلُ ذاتٍ ذَواةٌ بَهاءِ التَّأْنِيثِ مِثْلُ نَواةٍ ووَزْنُها فَعَلَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ ولامُها واوٌ، فَأصْلُها ذَوَوَةٌ فَلَمّا تَحَرَّكَتِ الواوُ إثْرَ فَتْحَةٍ قُلِبَتْ ألِفًا ثُمَّ خَفَّفُوها في حالِ الإفْرادِ بِحَذْفِ العَيْنِ فَقالُوا: ذاتٌ. فَوَزْنُها فَلَتْ أوْ فَلَهْ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُ التّاءِ في (ذاتِ) هاءٌ مِثْلَ نَواةٍ لِأنَّكَ إذا وقَفْتَ عَلَيْها في الواحِدِ قُلْتَ: ذاهْ بِالهاءِ، ولَكِنَّهم لَمّا وصَلُوا بِما بَعْدَها بِالإضافَةِ صارَتْ تاءً ويَدُلُّ لِكَوْنِ أصْلِها هاءً أنَّهُ إذا صُغِّرَ يُقالُ: ذُوَيْهِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ اهـ. ولَمْ يُبَيِّنْ أئِمَّةُ اللُّغَةِ وجْهَ هَذا الإبْدالِ ولَعَلَّهُ لِكَوْنِ الكَلِمَةِ بُنِيَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وألِفٍ هي مَدَّةُ الفَتْحَةِ فَكانَ النُّطْقُ بِالهاءِ بِعْدَهُما ثَقِيلًا في حالِ الوَقْفِ، ثُمَّ لَمّا ثَنَّوْها رَدُّوها إلى أصْلِها لِأنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها فَقالُوا: ذَواتا كَذا، وحُذِفَتِ النُّونُ لِلُزُومِ إضافَتِهِ، وأصْلُهُ: ذُوَيّاتٌ. فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ووَزْنُهُ فَعَلَتانِ وصارَ وزْنُهُ بَعْدَ القَلْبِ فَعاتانِ وإذا جَمَعُوها عادُوا إلى الحَذْفِ فَقالُوا ذَواتُ كَذا بِمَعْنى صاحِباتٍ، وأصْلُهُ ذُوَيّاتٌ فَقُلِبَ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها،

صفحة ١٧٣

فَأصْلُ وزْنِ ذَواتَيْ فَعَلاتٌ ثُمَّ صارَ وزْنُهُ بَعْدَ القَلْبِ فَعاتٍ، وهو مِمّا أُلْحِقَ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ لِأنَّ تاءَهُ في المُفْرَدِ أصْلُها هاءٌ، وأمّا تاؤُهُ في الجَمْعِ فَهي تاءٌ صارَتْ عِوَضًا عَنِ الهاءِ الَّتِي في المُفْرَدِ عَلى سُنَّةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ.

34:17Страница 430

ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧

Так Мы воздали им за то, что они не уверовали. Разве Мы караем так кого-либо, кроме неблагодарных?

﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ يُجازى إلّا الكُفُورُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ فَهو مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ.

واسْمُ الإشارَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الجَزاءِ، وهو مِنَ البَيانِ بِطْرِيقِ الإشارَةِ، أيْ جَزَيْناهُمُ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ وهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِشِدَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ.

واسْتِحْضارُهُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِن عَظَمَةِ هَوْلِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وتَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ إلى قَوْلِهِ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ويَكُونُ جُمْلَةُ ”جَزَيْناهم“ خَبَرَ المُبْتَدَأِ والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزَيْناهُمُوهُ.

والباءُ في ”بِما كَفَرُوا“ لِلسَّبَبِيَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

والكُفْرُ هو الكُفْرُ بِاللَّهِ، أيْ: إنْكارُ إلَهِيَّتِهِ لِأنَّهم عَبْدَةُ الشَّمْسِ.

والِاسْتِفْهامُ في ”وهَلْ يُجازى“ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.

والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ الشَّمْسَ فَهم أسْوَأُ حالًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ.

والمَعْنى: ما يُجازى ذَلِكَ الجَزاءُ إلّا الكَفُورُ لِأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ عَظِيمٌ في نَوْعِهِ، أيْ نَوْعِ العُقُوباتِ فَإنَّ العُقُوبَةَ مِن جِنْسِ الجَزاءِ. والمَثُوبَةَ مِن جِنْسِ الجَزاءِ فَلَمّا قِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ: وهَلْ يُجازى مِثْلَ جَزائِهِمْ إلّا الكَفُورُ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الكَفُورِ لا يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولا أنَّ الثَّوابَ لا يُسَمّى جَزاءً ولا أنَّ العاصِيَ المُؤْمِنَ لا يُجازى عَلى مَعْصِيَتِهِ، لِأنَّ تِلْكَ التَّوَهُّماتِ

صفحة ١٧٤

كُلَّها مُنْدَفِعَةٌ بِما في اسْمِ الإشارَةِ مِن بَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ، فَإنَّ الِاسْتِئْصالَ ونَحْوَهُ لا يَجْرِي عَلى المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يُجازى بِياءِ الغائِبِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ الكَفُورِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنُونِ العَظَمَةِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”الكَفُورَ“ .

34:18Страница 430

وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨

Между ними и городами, которые Мы благословили, Мы воздвигли ясно различимые города и размерили путь между ними. Разъезжайте между ними ночью и днем в безопасности!

﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾

تَكْمِلَةُ القِصَّةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ فَإنَّ ما تَقَدَّمَ لِنِعْمَةِ الرَّخاءِ والبَهْجَةِ وطِيبِ الإقامَةِ، وما هُنا لِنِعْمَةِ الأمْنِ وتَيْسِيرِ الأسْفارِ وعُمْرانِ بِلادِهِمْ.

والمُرادُ بِالقُرى الَّتِي بُورِكَتْ قُرى بِلادِ الشّامِ فَكانُوا إذا خَرَجُوا مِن مَأْرِبَ إلى البِلادِ الشّامِيَّةِ بِقَوافِلَ لِلتِّجارَةِ وبَيْعِ الطَّعامِ سَلَكُوا طَرِيقَ تِهامَةَ ثُمَّ الحِجازِ ثُمَّ مَشارِفِ الشّامِ ثُمَّ بِلادِ الشّامِ، فَكانُوا كُلَّما سارُوا مَرْحَلَةً وجَدُوا قَرْيَةً أوْ بَلَدًا أوْ دارًا لِلِاسْتِراحَةِ اسْتَراحُوا وتَزَوَّدُوا. فَكانُوا مِن أجْلِ ذَلِكَ لا يَحْمِلُونَ مَعَهم أزْوادًا إذا خَرَجُوا مِن مَأْرِبَ.

وهَذِهِ القُرى الظّاهِرَةُ يُحْتَمَلُ أنَّها تَكَوَّنَتْ مِن عَمَلِ النّاسِ القاطِنِينَ حَفافِي الطَّرِيقِ السّابِلَةِ بَيْنَ مَأْرِبَ وجِلَّقَ قَصْدَ اسْتِجْلابِ الِانْتِفاعِ بِنُزُولِ القَوافِلِ بَيْنَهم وابْتِياعِ الأزْوادِ مِنهم وإيصالِ ما تَحْتاجُهُ تِلْكَ القُرى مِنَ السِّلَعِ والثِّمارِ وهَذِهِ طَبِيعَةُ العُمْرانِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ سَبَأً أقامُوا مَبانِيَ يَأْوُونَ إلَيْها عِنْدَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِن مَراحِلِ أسْفارِهِمْ واسْتَنْبَطُوا فِيها الآبارَ والمَصانِعَ وأوْكَلُوا بِها مَن يَحْفَظُها ويَكُونُ لائِذًا بِهِمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما وطَّدَ لَهم مُلُوكُهم مِن أسْبابِ الحَضارَةِ والأمْنِ عَلى القَوافِلِ وقَدْ تَكُونُ إقامَةُ هاتِهِ المَنازِلِ مَجْلَبَةً لِمَن يَقْطُنُونَ حَوْلَها مِمَّنْ يَرْغَبُ في المُعامَلَةِ مَعَ القافِلَةِ عِنْدَ مُرُورِها.

وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَإسْنادُ جَعْلِ تِلْكَ القُرى إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُلْهِمُ النّاسَ والمُلُوكَ

صفحة ١٧٥

أوْ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ لَهم تُرْبَةً طَيِّبَةً تَتَوَفَّرُ مَحاصِيلُها عَلى حاجَةِ السُّكّانِ فَتَسْمَحُ لَهم بِتَطَلُّبِ تَرْوِيجِها في بِلادٍ أُخْرى.

ووَصْفُ ”ظاهِرَةً“ أنَّها مُتَقارِبَةٌ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ ويَتَراءى بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ لِلسّائِرِ مِن بُعْدٍ بِأنْ كانَتِ القُرى مَبْنِيَّةٌ عَلى الآكامِ والظِّرابِ يُشاهِدُها المُسافِرُ فَلا يَضِلُّ طَرِيقَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى ”ظاهِرَةً“ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المُدُنِ فَهي في ظَواهِرِ المُدُنِ ومِنهُ قَوْلُهم: نَزَلْنا بِظاهِرِ المَدِينَةِ الفُلانِيَّةِ، أيْ خارِجًا عَنْها. فَقَوْلُهُ ظاهِرَةً كَتَسْمِيَةِ النّاسِ إيّاها بِالبادِيَةِ وبِالضّاحِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وأنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ:

فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَّواهِرِ

وفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ:

«وجاءَ أهْلُ الظَّواهِرِ يَشْتَكُونَ الغَرَقَ» اهـ. وهو تَفْسِيرٌ جَمِيلٌ. ويَكُونُ في قَوْلِهِ ”ظاهِرَةً“ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وفْرَةِ المُدُنِ حَتّى إنَّ القُرى كُلَّها ظاهِرَةٌ مِنها.

ومَعْنى تَقْدِيرِ السَّيْرِ في القُرى أنَّ أبْعادَها عَلى تَقْدِيرٍ وتَعادُلٍ بِحَيْثُ لا يَتَجاوَزُ مِقْدارٌ مَرْحَلَةً. فَكانَ الغادِي يُقِيلُ في قَرْيَةٍ والرّائِحُ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ. فالمَعْنى قَدَّرْنا مَسافاتِ السَّيْرِ في القُرى، أيْ في أبْعادِها. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ فِيها بِفِعْلِ قَدَّرْنا لا بِالسَّيْرِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في القُرى وأبْعادِها لا في السَّيْرِ إذْ تَقْدِيرُ السَّيْرِ تَبَعٌ لِتَقْدِيرِ الأبْعادِ.

وجُمْلَةُ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وجُمْلَةُ القَوْلِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”قَدَّرْنا“ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها.

وهَذا القَوْلُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ وهو جَعْلُها يَسِيرُونَ فِيها وصِيغَةُ الأمْرِ لِلتَّكْوِينِ. وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى القُرى، والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن حَرْفِ الظَّرْفِ تَخْيِيلٌ لِمَكْنِيَّةٍ، شَبِهَتِ القُرى لِشِدَّةِ تَقارُبِها بِالظَّرْفِ وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: سِيرُوا بَيْنَها.

وكانُوا يَسِيرُونَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَسِيرُونَ الصَّباحَ ثُمَّ تَعْتَرِضُهم قَرْيَةٌ فَيُرِيحُونَ فِيها

صفحة ١٧٦

ويُقِيلُونَ، ويَسِيرُونَ المَساءَ فَتَعْرِضُهم قَرْيَةٌ يَبِيتُونَ بِها. فَمَعْنى قَوْلِهِ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا سِيرُوا كَيْفَ شِئْتُمْ. وتَقْدِيمُ اللَّيالِي عَلى الأيّامِ بِها في مَقامِ الِامْتِنانِ لِأنَّ المُسافِرِينَ أحْوَجُ إلى الأمْنِ في اللَّيْلِ مِنهم إلَيْهِ في النَّهارِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ تَعْتَرِضُهم فِيهِ القُطّاعُ والسِّباعُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English