Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:115–124
4:115Страница 97
وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥
А того, кто воспротивится Посланнику после того, как ему стал ясен прямой путь, и последует не путем верующих, Мы направим туда, куда он обратился, и сожжем в Геенне. Как же скверно это место прибытия!
﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] بِمُناسَبَةِ تَضادِّ الحالَيْنِ. والمُشاقَّةُ: المُخالَفَةُ المَقْصُودَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشِّقِّ لِأنَّ المُخالِفَ كَأنَّهُ يَخْتارُ شِقًّا يَكُونُ فِيهِ غَيْرَ شِقِّ الآخَرِ.
فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ مِن بَعْدِ ما آمَنَ بِالرَّسُولِ فَتَكُونُ الآيَةُ وعِيدًا لِلْمُرْتَدِّ. ومُناسَبَتُها هُنا أنَّ بَشِيرَ بْنَ أُبَيْرِقٍ صاحِبَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ،
صفحة ٢٠١
لَمّا افْتَضَحَ أمْرُهُ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَكِنَّهُ شاقَّهُ عِنادًا ونِواءً لِلْإسْلامِ.
وسَبِيلُ كُلِّ قَوْمٍ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَسْلُكُونَها في وصْفِهِمُ الخاصِّ، فالسَّبِيلُ مُسْتَعارٌ لِلِاعْتِقاداتِ والأفْعالِ والعاداتِ، الَّتِي يُلازِمُها أحَدٌ ولا يَبْتَغِي التَّحَوُّلَ عَنْها، كَما يُلازِمُ قاصِدُ المَكانِ طَرِيقًا يُبَلِّغُهُ إلى قَصْدِهِ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٣٢]، فَمَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ واتَّبَعَ سَبِيلَ غَيْرِهِمْ في غَيْرِ الكُفْرِ مِثْلَ اتِّباعِ سَبِيلِ يَهُودِ خَيْبَرَ في غِراسَةِ النَّخِيلِ، أوْ بِناءِ الحُصُونِ، لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ فِيهِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ.
وكَأنَّ فائِدَةَ عَطْفِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ عَلى مُشاقَّةِ الرَّسُولِ الحَيْطَةُ لِحِفْظِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الرَّسُولِ، فَقَدِ ارْتَدَّ بَعْضُ العَرَبِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ .
وقالَ الحُطَيْئَةُ في ذَلِكَ:
أطَعْنا رَسُولَ اللَّهِ إذْ كانَ بَيْنَنا فَيا لِعِبادِ اللَّهِ ما لِأبِي بَكْرِ
فَكانُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُشاقُّوا الرَّسُولَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ الإعْراضُ عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ وشَأْنَهُ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: وأمّا الآخَرُ فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ الِاحْتِجاجُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِكَوْنِ إجْماعِ عُلَماءِ الإسْلامِ عَلى حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ حُجَّةً، وأوَّلُ مَنِ احْتَجَّ بِها عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ.
قالَ الفَخْرُ: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ.
وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا. بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ، لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا.
وقَدْ قَرَّرَ
صفحة ٢٠٢
غَيْرُهُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ بِطُرُقٍ أُخْرى، وكُلُّها عَلى ما فِيها مِن ضَعْفٍ في التَّقْرِيبِ، وهو اسْتِلْزامُ الدَّلِيلِ لِلْمُدَّعِي، قَدْ أُورِدَتْ عَلَيْها نُقُوضٌ أشارَ إلَيْها ابْنُ الحاجِبِ في المُخْتَصَرِ. واتَّفَقَتْ كَلِمَةُ المُحَقِّقِينَ: الغَزالِيِّ، والإمامِ في المَعالِمِ، وابْنِ الحاجِبِ، عَلى تَوْهِينِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ.
4:116Страница 97
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦
Воистину, Аллах не прощает, когда к Нему приобщают сотоварищей, но прощает все остальные (или менее тяжкие) грехи, кому пожелает. А кто приобщает к Аллаху сотоварищей, тот впал в глубокое заблуждение.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن وصْفِ أحْوالِ شِرْكِهِمْ. وتَعْقِيبُ الآيَةِ السّابِقَةِ بِهَذِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ المُرادَ بِاتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعُ سَبِيلِ الكُفْرِ مِن شِرْكٍ وغَيْرِهِ، فَعَقَّبَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وأكَّدَهُ بِأنَّ لِلدَّلالَةِ عَلى رَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ أوِ المَجازِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ قالَ فِيها ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقالَ في هَذِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . وإنَّما قالَ في السّابِقَةِ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّ المُخاطَبَ فِيها أهْلُ الكِتابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِن قَبِيلِ الِافْتِراءِ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الِافْتِراءِ وتَفْظِيعًا لِجِنْسِهِ.
وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِنَ الضَّلالِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مُشاقَّةِ الرَّسُولِ وأحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّها مِن جِنْسِ الضَّلالِ. وأُكِّدَ الخَبَرُ هُنا بِحَرْفِ ”قَدْ“ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المُواجَهَ بِالكَلامِ هُنا المُؤْمِنُونَ، وهم لا يَشُكُّونَ في تَحَقُّقِ ذَلِكَ.
والبَعِيدُ أُرِيدَ بِهِ القَوِيُّ في نَوْعِهِ الَّذِي لا يُرْجى لِصاحِبِهِ اهْتِداءٌ، فاسْتُعِيرَ لَهُ البَعِيدُ لِأنَّ البَعِيدَ يُقْصِي الكائِنَ فِيهِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى حَيْثُ صَدَرَ.
4:117–121Страница 97
إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧
Они взывают вместо Аллаха лишь к существам женского рода. Они взывают лишь к мятежному дьяволу.
لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨
Аллах проклял его, и он сказал: «Я непременно заберу назначенную часть Твоих рабов.
وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩
Я непременно введу их в заблуждение, возбужу в них надежды, прикажу им обрезать уши у скотины и прикажу им искажать творение Аллаха». Кто сделал дьявола своим покровителем и помощником вместо Аллаха, тот уже потерпел очевидный убыток.
يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠
Он дает им обещания и возбуждает в них надежды. Но дьявол не обещает им ничего, кроме обольщения.
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١
Их пристанищем будет Геенна, и они не найдут пути к спасению оттуда.
صفحة ٢٠٣
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .
كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.
وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.
ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.
والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.
وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ
صفحة ٢٠٤
الدُّعاءِ بُعْدًا.
وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ.
فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ.
ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا
صفحة ٢٠٥
فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ:
فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ
ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ.
ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا:
ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ
.
وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا.
وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ.
ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ.
ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ
صفحة ٢٠٦
دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ.
وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ.
ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ.
والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ:
ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ
رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.
4:122Страница 98
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢
А тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Мы введем в Райские сады, в которых текут реки. Они пребудут там вечно по истинному обещанию Аллаха. Чья речь правдивее речи Аллаха?
صفحة ٢٠٧
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١] جَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الإنْذارِ بِالبِشارَةِ، والوَعِيدِ بِالوَعْدِ.
وقَوْلُهُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ إلَخْ، وهي بِمَعْناهُ، فَلِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَهُ مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِما هو بِمَعْناهُ.
وقَوْلُهُ حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾، إذْ كانَ هَذا في مَعْنى الوَعْدِ، أيْ هَذا الوَعْدُ أُحَقِّقُهُ حَقًّا، أيْ لا يَتَخَلَّفُ. ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ خالِيًا عَنْ مَعْنى الإحْقاقِ كانَ هَذا المَصْدَرُ مِمّا يُسَمِّيهِ النُّحاةُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وتَحْقِيقٌ لَهُ: أيْ هَذا مِن وعْدِ اللَّهِ، ووُعُودُ اللَّهِ وُعُودُ صِدْقٍ، إذْ لا أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مِن أصْنافِ الِاعْتِراضِ وهو اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وانْتَصَبَ قِيلًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةٍ مِن ﴿أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.
والقِيلُ: القَوْلُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ بِوَزْنِ فِعْلٍ يَجِيءُ في الشَّرِّ والخَيْرِ.
4:123–124Страница 98
لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣
Этого не достичь посредством ваших мечтаний или мечтаний людей Писания. Кто творит зло, тот получит за него воздаяние и не найдет для себя вместо Аллаха ни покровителя, ни помощника.
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤
А те мужчины и женщины, которые совершают некоторые из праведных поступков, будучи верующими, войдут в Рай, и не будут обижены даже на величину выемки на финиковой косточке.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾
صفحة ٢٠٨
الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضائِلِ الأعْمالِ، والتَّشْوِيهِ بِمَساوِيها، وأنَّ في لَيْسَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ تابِعًا لِأمانِيِّ النّاسِ ومُشْتَهاهم، بَلْ هو أمْرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَقْدِيرًا بِحَسَبَ الأعْمالِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ تَذْيِيلٍ مُشْعِرٍ بِالنِّهايَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .
ومِمّا يُرَجِّحُهُ أنَّ في ذَلِكَ الِاعْتِبارِ إبْهامًا في الضَّمِيرِ، ثُمَّ بَيانًا لَهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهي ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ وأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ عَنْ مَوْقِعِها الَّذِي يُتَرَقَّبُ في آخِرِ الكَلامِ، فَكانَ تَقْدِيمُها إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِها، وتَهْيِئَةً لِإبْهامِ الضَّمِيرِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مِن طُرُقِ الإعْجازِ في النَّظْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ بَيانِ هَذا النَّفْيِ المُجْمَلِ. ولِهَذا الِاسْتِئْنافُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ وخُصُوصِيَّةٌ تَفُوتُ بِغَيْرِ هَذا النَّظْمِ الَّذِي فَسَّرْناهُ.
وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ عائِدًا عَلى وعْدِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَكْمِلَةِ الكَلامِ السّابِقِ حالًا مِن وعْدَ اللَّهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا.
رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي صالِحٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى مَسْرُوقٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَزِيدُ عَلى بَعْضٍ، أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّهُ وقَعَ تَحاجٌّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودِ والنَّصارى، كُلُّ فَرِيقٍ يَقُولُ لِلْآخَرَيْنِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، ويَحْتَجُّ لِذَلِكَ ويَقُولُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآياتِ. فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدى اللَّهِ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ وكُلَّ مَن ضَلَّ وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَهو مُجازًى بِسُوءِ عَمِلِهِ، فالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَبَطَلَ قَوْلُ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. والَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا: فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَكَمًا فَصْلًا بَيْنَ الفِرَقِ، وتَعْلِيمًا لَهم أنْ يَنْظُرُوا في تَوَفُّرِ حَقِيقَةِ الإيمانِ الصَّحِيحِ، وتَوَفُّرِ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ، ولِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ أمانِيَّ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ
صفحة ٢٠٩
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ . ثُمَّ إنِ اللَّهَ لَوَّحَ إلى فَلْجِ حُجَّةِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةِ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإنْ كانَ إيمانٌ اخْتَلَّ مِنهُ بَعْضُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ الحَقُّ، فَهو كالعَدَمِ، فَعَقَّبَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] . والمَعْنى أنَّ الفَوْزَ في جانِبِ المُسْلِمِينَ، لا لِأنَّ أمانِيَّهم كَذَلِكَ، بَلْ لِأنَّ أسْبابَ الفَوْزِ والنَّجاةِ مُتَوَفِّرَةٌ في دِينِهِمْ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ مِنّا. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ حاصِلًا حُصُولًا عَلى حَسَبِ أمانِيِّكم، ولَيْسَتْ هي الباءُ الَّتِي تُزادُ في خَبَرِ لَيْسَ لِأنَّ أمانِيَّ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ لا مَنفِيَّةٌ.
والأمانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي اسْمٌ لِلتَّمَنِّي، أيْ تَقْدِيرِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا. والأُمْنِيَّةُ بِوَزْنِ أُفْعُولَةٍ كالأُعْجُوبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَأنَّ ذِكْرَ المُسْلِمِينَ في الأمانِيِّ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى ما حَكَمَ اللَّهُ ووَعَدَ، وأنَّ ما كانَ خِلافَ ذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وما وافَقَهُ هو الحَقُّ، والمَقْصِدُ المُهِمُّ هو قَوْلُهُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ عَلى نَحْوِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا في غُرُورٍ، يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] . وقَدْ سَمّى اللَّهُ تِلْكَ أمانِيَّ عِنْدَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] ”تِلْكَ أمانِيُّهم“ . أمّا المُسْلِمُونَ فَمُحاشُونَ مِنَ اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ العَرَبِ، أيْ لَيْسَ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ، إذْ جَعَلُوا الأصْنامَ شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ أنْبِياءَهم وأسْلافَهم يُغْنُونَ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو مَحْمَلٌ لِلْآيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ، لِرَدِّ عَقِيدَةِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ أحَدًا يُغْنِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ.
والوَلِيُّ هو المَوْلى، أيِ المُشارِكُ في نَسَبِ القَبِيلَةِ، والمُرادُ بِهِ المُدافِعُ عَنْ قَرِيبِهِ، والنَّصِيرُ الَّذِي إذا اسْتَنْجَدْتَهُ نَصَرَكَ، أوِ الحَلِيفُ، وكانَ النَّصْرُ في الجاهِلِيَّةِ بِأحَدِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
صفحة ٢١٠
ووَجْهُ قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ قَصْدُ التَّعْمِيمِ والرَّدِّ عَلى مَن يَحْرِمُ المَرْأةَ حُظُوظًا كَثِيرَةً مِنَ الخَيْرِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وفي الحَدِيثِ «ولْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ» . و”مِن“ لِبَيانِ الإبْهامِ الَّذِي في مَنِ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَدْخُلُونَ“ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии