Ибн АшурГафир · 40:1–6

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

غافر

Гафир

Прощающий · Мекканская · 85 аятов

40:1Страница 467

حمٓ ١

Ха. Мим.

﴿حم﴾

القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وأنَّ مُعْظَمَها وقَعَ بَعْدَهُ ذِكْرُ القُرْآنِ وما يُشِيرُ إلَيْهِ لِتَحَدِّي المُنْكِرِينَ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ. وقَدْ مَضى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وذَكَرْنا هُنالِكَ أنَّ الحُرُوفَ الَّتِي أسْماؤُها مَمْدُودَةُ الآخِرِ يُنْطَقُ بِها في هَذِهِ الفَواتِحِ مَقْصُورَةً بِحَذْفِ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا لِأنَّها في حالَةِ الوَقْفِ مِثْلُ اسْمِ (حا) في هَذِهِ السُّورَةِ واسْمِ (را) في (الر) واسْمِ (يا) في (يس) .

40:2Страница 467

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢

Писание ниспослано от Аллаха Могущественного, Знающего,

﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾

القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في فاتِحَةِ سُورَةِ الزُّمَرِ. ويُزادُ هُنا أنَّ المَقْصُودَ بِتَوْجِيهِ هَذا الخَبَرِ هُمُ المُشْرِكُونَ المُنْكِرُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَتَجْرِيدُ الخَبَرِ عَنِ

صفحة ٧٩

المُؤَكِّدِ إخْراجٌ لَهُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِجَعْلِ المُنْكِرِ كَغَيْرِ المُنْكِرِ لِأنَّهُ يَحُفُّ بِهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما إنْ تَأمَّلَهُ ارْتَدَعَ عَنْ إنْكارِهِ فَما كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ.

40:3Страница 467

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

Прощающего грехи, Принимающего покаяния, Сурового в наказании, Обладающего милостью. Нет божества, кроме Него, и к Нему предстоит прибытие.

﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ .

أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ اللَّهِ سِتَّةُ نُعُوتٍ مَعارِفُ، بَعْضُها بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ وبَعْضُها بِالإضافَةِ إلى مُعَرَّفٍ بِالحَرْفِ.

ووَصْفُ اللَّهِ بِوَصْفَيِ العَزِيزِ العَلِيمِ هُنا تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُنْكِرِي تَنْزِيلِ الكِتابِ مِنهُ مَغْلُوبُونَ مَقْهُورُونَ، وبِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّهُ نُفُوسُهم فَهو مُحاسِبُهم عَلى ذَلِكَ، ورَمْزٌ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ العَزِيزِ العَلِيمِ فَلا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلى مِثْلِهِ ولا يَعْلَمُ غَيْرُ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.

وهَذا وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرَتِها مِن أوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ الَّتِي جاءَ فِيها وصْفُ العَزِيزِ الحَكِيمِ، عَلى أنَّهُ يَتَأتّى في الوَصْفِ بِالعِلْمِ ما تَأتّى في بَعْضِ احْتِمالاتِ وصْفِ الحَكِيمِ في سُورَةِ الزُّمَرِ. ويَتَأتّى في الوَصْفَيْنِ أيْضًا ما تَأتّى هُنالِكَ مِن طَرِيقِ إعْجازِ القُرْآنِ.

وفِي ذِكْرِهِما رَمَزٌ إلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ وأنَّهُ لا يُجارِي أهْواءَ النّاسِ فِيمَن يُرَشِّحُونَهُ لِذَلِكَ مِن كُبَرائِهِمْ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .

وفِي إتْباعِ الوَصْفَيْنِ العَظِيمَيْنِ بِأوْصافِ (﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾) تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ أذْنَبْتُمْ بِالكُفْرِ بِالقُرْآنِ فَإنَّ تَدارُكَ ذَنْبِكم في مَكِنَتِكم لِأنَّ اللَّهَ مُقَرَّرٌ اتِّصافُهُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ وبِغُفْرانِ الذَّنْبِ فَكَما غَفَرَ لِمَن تابُوا مِنَ الأُمَمِ فَقَبِلَ إيمانَهَمْ يَغْفِرُ لِمَن يَتُوبُ مِنكم.

وتَقْدِيمُ (غافِرِ) عَلى (قابِلِ التَّوْبِ) مَعَ أنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ في الحُصُولِ لِلِاهْتِمامِ

صفحة ٨٠

بِتَعْجِيلِ الإعْلامِ بِهِ لِمَنِ اسْتَعَدَّ لِتَدارُكِ أمْرِهِ فَوَصْفُ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّرْغِيبِ، وصِفَتا ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّرْهِيبِ.

والتَّوْبُ: مَصْدَرُ تابَ، والتَّوْبُ بِالمُثَنّاةِ والثَّوْبُ بِالمُثَلَّثَةِ والأوْبُ كُلُّها بِمَعْنى الرُّجُوعِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى أمْرِ اللَّهِ وامْتِثالِهِ بَعْدَ الِابْتِعادِ عَنْهُ. وإنَّما عُطِفَتْ صِفَةُ (وقابَلِ التَّوْبِ) بِالواوِ عَلى صِفَةِ (غافِرِ الذَّنْبِ) ولَمْ تُفْصَلْ كَما فُصِلَتْ صِفَتا (العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ) وصِفَةُ (شَدِيدِ العِقابِ) إشارَةٌ إلى نُكْتَةٍ جَلِيلَةٍ وهي إفادَةُ أنْ يَجْمَعَ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَجْعَلَها لَهُ طاعَةً، وبَيْنَ أنْ يَمْحُوَ عَنْهُ بِها الذُّنُوبَ الَّتِي تابَ مِنها ونَدِمَ عَلى فِعْلِها، فَيُصْبِحَ كَأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْها. وهَذا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ (شَدِيدِ العِقابِ) إفْضاءٌ بِصَرِيحِ الوَعِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ لِأنَّ مَجِيئَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢] يُفِيدُ أنَّهُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بِواسِطَةِ دَلالَةِ مُسْتَتْبِعاتِ التَّراكِيبِ.

والمُرادُ بِ (غافِرِ) و(قابَلِ) أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِمَدْلُولَيْهِما فِيما مَضى إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ سَيَغْفِرُ وسَيَقْبَلُ، فاسْمُ الفاعِلِ فِيهِما مَقْطُوعٌ عَنْ مُشابَهَةِ الفِعْلِ، وهو غَيْرُ عامِلٍ عَمَلَ الفِعْلِ، فَلِذَلِكَ يَكْتَسِبُ التَّعْرِيفَ بِالإضافَةِ الَّتِي تَزِيدُ تَقْرِيبَهُ مِنَ الأسْماءِ، وهو المَحْمَلُ الَّذِي لا يُناسِبُ غَيْرَهُ هُنا.

و(شَدِيدِ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُضافَةٌ لِفاعِلِها، وقَدْ وقَعَتْ نَعْتًا لِاسْمِ الجَلالَةِ اعْتِدادًا بِأنَّ التَّعْرِيفَ الدّاخِلَ عَلى فاعِلِ الصِّفَةِ يَقُومُ مَقامَ تَعْرِيفِ الصِّفَةِ فَلَمْ يُخالِفْ ما هو المَعْرُوفُ في الكَلامِ مِنَ اتِّحادِ النَّعْتِ والمَنعُوتِ في التَّعْرِيفِ واكْتِسابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ التَّعْرِيفَ بِالإضافَةِ هو قَوْلُ نُحاةِ الكُوفَةِ طَرْدًا لِبابِ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ، وسِيبَوَيْهِ يُجَوِّزُ اكْتِسابَ الصِّفاتِ المُضافَةِ التَّعْرِيفَ بِالإضافَةِ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ لِأنَّ إضافَتَها إنَّما هي لِفاعِلِها في المَعْنى لِأنَّ أصْلَ ما تُضافُ إلَيْهِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ أنَّهُ كانَ فاعِلًا فَكانَتْ إضافَتُها إلَيْهِ مُجَرَّدَ تَخْفِيفٍ لَفْظِيٍّ والخَطْبُ سَهُلٌ.

والطَّوْلُ يُطْلَقُ عَلى سَعَةِ الفَضْلِ وسَعَةِ المالِ، ويُطْلَقُ عَلى القُدْرَةِ كَما في القامُوسِ، وظاهِرُهُ الإطْلاقُ وأقَرَّهُ في تاجِ العَرُوسِ وجَعَلَهُ مِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ،

صفحة ٨١

ووُقُوعُهُ مَعَ (شَدِيدِ العِقابِ) ومُزاوَجَتُها بِوَصْفَيْ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لِيُشِيرَ إلى التَّخْوِيفِ بِعَذابِ الآخِرَةِ مِن وصْفِ (شَدِيدِ العِقابِ)، وبِعَذابِ الدُّنْيا مِن وصْفِ (ذِي الطَّوْلِ) كَقَوْلِهِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]، وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] .

وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وبِأنَّ المَصِيرَ، أيِ المَرْجِعَ إلَيْهِ تَسْجِيلًا لِبُطْلانِ الشِّرْكِ وإفْسادًا لِإحالَتِهِمُ البَعْثَ.

فَجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (إلَيْهِ المَصِيُرُ) إنْذارًا بِالبَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّهُ لَمّا أُجْرِيَتْ صِفاتُ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ أُثِيرَ في الكَلامِ الإطْماعُ والتَّخْوِيفُ فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ يَشْعُرُوا بِأنَّ المَصِيرَ إمّا إلى ثَوابِهِ وإمّا إلى عِقابِهِ فَلْيَزِنُوا أنْفُسَهم لِيَضَعُوها حَيْثُ يَلُوحُ مِن حالِهِمْ.

وتَقْدِيُمُ المَجْرُورِ في (إلَيْهِ المَصِيرُ) لِلِاهْتِمامِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ بِحَرْفَيْنِ: حَرْفِ لِينٍ، وحَرْفٍ صَحِيحٍ مِثْلَ: العَلِيمِ، والبِلادِ، وعِقابِ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ فاتِحَةُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلى جَوامِعِ أغْراضِها ويُناسِبُ الخَوْضَ في تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِالقُرْآنِ ويُشِيرُ إلى أنَّهم قَدْ اعْتَزُّوا بِقُوَّتِهِمْ ومَكانَتِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ زائِلٌ عَنْهم كَما زالَ عَنْ أُمَمٍ أشَدَّ مِنهم، فاسْتَوْفَتْ هَذِهِ الفاتِحَةُ كَمالَ ما يُطْلَبُ في فَواتِحِ الأغْراضِ مِمّا يُسَمّى بَراعَةَ المَطْلَعِ أوْ بَراعَةَ الِاسْتِهْلالِ.

40:4Страница 467

مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤

Знамения Аллаха оспаривают только неверующие. Пусть не обольщает тебя то, как они мечутся на земле.

﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ مِن قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] المُقْتَضِي أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أمْرٌ لا رَيْبَ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ فَيَنْشَأُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَقُولُوا: فَما بالُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ في صِدْقِ نِسْبَةِ القُرْآنِ إلى اللَّهِ لَمْ تُقْنِعْهم دَلائِلُ نُزُولِ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّهُ ما يُجادِلُ في صِدْقِ القُرْآنِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وإذْ قَدْ كانَ كُفْرُ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أمْرًا مَعْلُومًا كانَ الإخْبارُ عَنْهم

صفحة ٨٢

بِأنَّهم كافِرُونَ غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنهُ إفادَةَ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ في فائِدَةِ الخَبَرِ لا بِمَنطُوقِهِ ولا بِمَفْهُومِهِ، فَإنَّ مَفْهُومَ الحَصْرُ وهو: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لا يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ كَذَلِكَ أمْرٌ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا نَفْسَ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ وأنَّ المُرادَ بِكُفْرِهِمْ كُفْرُهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ، فالمَعْنى: لا عَجَبَ في جِدالِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّهم أتَوْا بِما هو أعْظَمُ وهو الإشْراكُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] .

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا جَمِيعَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ مِنَ السّابِقِينَ والحاضِرِينَ، أيْ ما الجَدَلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا مِن شَأْنِ أهْلِ الكُفْرِ والإشْراكِ، ومُجادَلَةُ مُشْرِكِي مَكَّةَ شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ مُجادَلَةِ كُلِّ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالأعَمِّ عَلى الخاصِّ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ تُرِكَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها.

والمُرادُ بِالمُجادَلَةِ هُنا المُجادَلَةُ بِالباطِلِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ فَمَعْنى (في آياتِ اللَّهِ) في صِدْقِ آياتِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ كَما دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، عَلى تَقْدِيرِ: في إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، فَصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِن جانِبٍ واحِدٍ لِإفادَةِ التَّكَرُّرِ مِثْلَ: سافَرَ وعافاهُ اللَّهُ، وهم يَتَلَوَّنُونَ في الِاخْتِلاقِ ويُعاوِدُونَ التَّكْذِيبَ والقَوْلَ الزُّورَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ)، (سِحْرٌ مُبِينٌ)، (قَوْلُ كاهِنٍ)، (قَوْلُ شاعِرٍ) لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ. ومِنَ المُجادَلَةِ تَوَرُّكُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِسُؤالِهِ أنْ يَأْتِيَهم بِآياتٍ كَما يَقْتَرِحُونَ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا يَنْبُوعًا الآياتِ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] الآياتِ.

وقَدْ كانَ لِتَعَلُّقِ (في) الظَّرْفِيَّةِ بِالجِدالِ، ولِدُخُولِهِ عَلى نَفْسِ الآياتِ دُونَ أحْوالِها في قَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ البَلاغَةِ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَحْوِي جَمِيعَ أصْنافِ الجِدالِ، وجُعِلَ مَجْرُورُ الحَرْفِ نَفْسَ الآياتِ دُونَ تَعْيِينِ نَحْوِ صِدْقِها أوْ وُقُوعِها أوْ صِنْفِها، فَكانَ قَوْلُهُ (في آياتِ اللَّهِ) جامِعًا لِلْجَدَلِ بِأنْواعِهِ

صفحة ٨٣

ولِمُتَعَلِّقِ الجَدَلِ بِاخْتِلافِ أحْوالِهِ والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَنْظِيرُ حالِهِمْ بِحالِ مَن قالَ فِيهِمْ (وجادَلُوا بِالباطِلِ) فَإذا أُرِيدَ الجِدالُ بِالحَقِّ يُقَيَّدُ فِعْلُ الجِدالِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والمَعْنى: ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ القُرْآنَ تَحَدّاهم أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا، وإنَّما هو تَلْفِيقٌ وتَسَتُّرٌ عَنْ عَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ واعْتِصامٌ بِالمُكابَرَةِ فَمُجادَلَتُهم بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحَدِّي دالَّةٌ عَلى تَمَكُّنِ الكُفْرِ مِنهم وأنَّهم مُعانِدُونَ وبِذَلِكَ حَصَلَ المَقْصُودُ مِن فائِدَةِ هَذا وإلّا فَكَوْنُهم كُفّارًا مَعْلُومٌ.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: في آياتِهِ، لِتَفْظِيعِ أمْرِها بِالصَّرِيحِ لِأنَّ ذِكْرَ اسْمِ الجَلالَةِ مُؤْذِنٌ بِتَفْظِيعِ جِدالِهِمْ وكُفْرِهِمْ ولِلتَّصْرِيحِ بِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.

وفُرِّعَ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ عَلى مَضْمُونِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ مُقْتَضى تِلْكَ الجُمْلَةِ أنَّ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكُفْرِ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِ مَن يَراهم في مُتْعَةٍ ونِعْمَةٍ أنْ يَتَساءَلَ في نَفْسِهِ كَيْفَ يَتْرُكُهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَظُنُّ أنَّهم أمِنُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ الجَوابَ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ ومِقْدارٌ مِن حِلْمِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ وقْتًا ما، أوْ أنَّ مَعْناهُ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهم يُجادِلُونَ في آياتِنا إصْرارًا عَلى الكُفْرِ فَلا يُوهِمُكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ أنّا لا نُؤاخِذُهم بِذَلِكَ.

والغُرُورُ: ظَنُّ أحَدٍ شَيْئًا حَسَنًا وهو بِضِدِّهِ يُقالُ: غَرَّكَ، إذا جَعَلَكَ تَظُنُّ السَّيِّئَ حَسَنًا. ويَكُونُ التَّغْرِيرُ بِالقَوْلِ أوْ بِتَحْسِينِ صُورَةِ القَبِيحِ.

والتَّقَلُّبُ: اخْتِلافُ الأحْوالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَناوُلِ مَحْبُوبٍ ومَرْغُوبٍ.

والبِلادُ: الأرْضُ، وأُرِيدَ بِها هُنا الدُّنْيا كِنايَةً عَنِ الحَياةِ.

والمُخاطَبُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ ( فَلا يَغْرُرْكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَعُمَّ كُلَّ مَن شَأْنُهُ أنْ يَغُرَّهُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ جارِيًا

صفحة ٨٤

عَلى حَقِيقَةِ بابِهِ، أيْ مُوَجَّهًا إلى مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ الغُرُورُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ

فَلا يُغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ إنَّ الأمانِيَّ والأحْلامَ تَضْلِيلُ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى أنْ تَكُونَ صِيغَةُ النَّهْيِ تَمْثِيلِيَّةً بِتَمْثِيلِ حالِ النَّبِيءِ ﷺ في اسْتِبْطائِهِ عِقابَ الكافِرِينَ بِحالِ مَن غَرَّهُ تَقَلُّبُهم في البِلادِ سالِمِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] .

والمَعْنى: لا يُوهِمَنَّكَ تَناوُلُهم مُخْتَلَفَ النَّعْماءِ واللَّذّاتِ في حَياتِهِمْ أنَّنا غَيْرُ مُؤاخِذِينَهم عَلى جِدالِهِمْ في آياتِنا، أوْ لًا يُوهِمَنَّكَ ذَلِكَ أنَّنا لا نَعْلَمُ ما هم عَلَيْهِ فَلَمْ نُؤاخِذْهم بِهِ تَنْزِيلًا لِلْعالِمِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ في شِدَّةِ حُزْنِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى دَوامِ كُفْرِهِمْ ومُعاوَدَةِ أذاهم كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وفي مَعْنى هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] وتَقَدَّمَتْ في آلِ عِمْرانَ.

40:5Страница 467

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥

До них сочли лжецами посланников народ Нуха (Ноя) и соумышленники после них. Каждый народ намеревался схватить своего посланника. Они спорили, прибегая ко лжи, чтобы опровергнуть ею истину. Но Я схватил их, и каким же было Мое наказание!

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرُسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾

جُمْلَةُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ وما بَعْدَها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] بِاعْتِبارِ التَّفْرِيعِ الواقِعِ عَقِبَ هاتِهِ الجُمَلِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾، فالمَعْنى: سَبَقَتْهم أُمَمٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ كَما كَذَّبُوكَ وجادَلُوا بِالباطِلِ رُسُلَهم كَما جادَلَكَ هَؤُلاءِ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ رَأيْتَ عِقابِي إيّاهم كَذَلِكَ مِثْلَ هَؤُلاءِ في إمْهالِهِمْ إلى أنْ آخُذَهم.

والأحْزابُ: جَمْعُ حِزْبٍ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ وهو اسْمٌ لِلْجَماعَةِ الَّذِينَ هم سَواءٌ في شَأْنٍ: مِنِ اعْتِقادٍ أوْ عَمَلٍ أوْ عادَةٍ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا الأُمَمُ الَّذِينَ

صفحة ٨٥

كانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهم مُتَّفِقَةً في الدِّينِ، فَكُلُّ أُمَّةٍ مِنهم حِزْبٌ فِيما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ.

وفِي قَوْلِهِ (مِن بَعْدِهِمْ) إشارَةٌ إلى أنَّ قَوْمَ نُوحٍ كانُوا حِزْبًا أيْضًا فَكانُوا يَدِينُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ: يَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ، ووُدٍّ، وسُواعٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ حِزْبًا مُتَّفِقِينَ في الدِّينِ، فَعادٌ حِزْبٌ، وثَمُودُ حِزْبٌ، وأصْحابُ الأيْكَةِ حِزْبٌ، وقَوْمُ نُوحٍ حِزْبٌ. والمَعْنى: أنَّهم جَمِيعًا اشْتَرَكُوا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وإنْ تَخالَفَ بَعْضُ الأُمَمِ مَعَ بَعْضِها في الأدْيانِ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (قَبْلَهم) و(مِن بَعْدِهِمْ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ في الكَلامِ.

والهَمُّ: العَزْمُ. وحَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِالباءِ إلى المَعانِي لِأنَّ العَزْمَ فِعْلٌ نَفْسانِيٌّ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمَعانِي. كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤])، ولا يَتَعَدّى إلى الذَّواتِ، فَإذا عُدِّيَ إلى اسْمِ ذاتٍ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي الَّتِي تُلابِسُ الذّاتَ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أيْ هَمَّتْ بِمُضاجَعَتِهِ. وقَدْ يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الذّاتِ ما يَدُلُّ عَلى المَعْنى الَّذِي يَهُمُّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ هُنا (لِيَأْخُذُوهُ) أيِ الهَمَّ بِأخْذِهِ، وارْتِكابُ هَذا الأُسْلُوبِ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يُعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ، ومِثْلُهُ تَعَلُّقُ أفْعالِ القُلُوبِ بِالأسْماءِ في ظَنَنْتُكَ جائِيًا، أيْ ظَنَنْتُ مَجِيئَكَ.

والأخْذُ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ بِالعِقابِ والتَّعْذِيبِ والقَتْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّنْكِيلِ، قالَ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ويُقالُ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، ولِلْقَتِيلِ: أخِيذٌ.

واخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ هُنا لِيَشْمَلَ مُخْتَلَفَ ما هَمَّتْ بِهِ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] .

والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ الكَفَرَةِ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ بَلْ تَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى الأذى مِنَ الهَمِّ بِالقَتْلِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ ثَمُودَ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]، وقَدْ تَآمَرَ كُفّارُ قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ دارِ النَّدْوَةِ لِيَقْتُلُوهُ أنْ يَتَجَمَّعَ نَفَرٌ مِن جَمِيعِ عَشائِرِهِمْ فَيَضْرِبُوهُ بِالسُّيُوفِ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ كَيْلا يَسْتَطِيعَ

صفحة ٨٦

أوْلِياؤُهُ مِن بَنِي هاشِمٍ الأخْذَ بِثَأْرِهِ، فَأخَذَ اللَّهُ الأُمَمَ عُقُوبَةً لَهم عَلى هَمِّهِمْ بِرُسُلِهِمْ فَأهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم.

ويُفْهَمُ مِن تَفْرِيعِ قَوْلِهِ (فَأخَذْتُهم) عَلى قَوْلِهِ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ إنْذارُ المُشْرِكِينَ أنَّ هَمَّهم بِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ هو مُنْتَهى أمَدِ الإمْهالِ لَهم، فَإذا صَمَّمُوا العَزْمَ عَلى ذَلِكَ أخَذَهُمُ اللَّهُ كَما أخَذَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ قَبْلَهم حِينَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ فَإنَّ قُرَيْشًا لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ أنْجاهُ اللَّهُ مِنهم بِالهِجْرَةِ ثُمَّ أمْكَنَهُ مِن نَواصِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

والمُرادُ بِ (كُلُّ أُمَّةٍ) كُلُّ أُمَّةٍ مِنَ الأحْزابِ المَذْكُورِينَ.

وضَمِيرُ (وجادَلُوا بِالباطِلِ) عائِدٌ عَلى (كُلِّ أُمَّةٍ) .

والمَقْصُودُ مِن تَعْدادِ جَرائِمِ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والهَمِّ بِقَتْلِهِمْ والجِدالِ بِالباطِلِ تَنْظِيرُ حالِ المُشْرِكِينَ النّازِلِ فِيهِمْ قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] بِحالِ الأُمَمِ السّابِقِينَ سَواءً، لِيَنْطَبِقَ الوَعِيدُ عَلى حالِهِمْ أكْمَلَ انْطِباقٍ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ .

والباءُ في قَوْلِهِ (بِالباطِلِ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ جادَلُوا مُلابِسِينَ لِلْباطِلِ فالمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الباءُ لِلْآلَةِ بِتَنْزِيلِ الباطِلِ مَنزِلَةَ الآلَةِ لِجِدالِهِمْ فَيَكُونُ الظَّرْفُ لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِ (جادَلُوا) .

وتَقْيِيدُ (جادَلُوا) هَذا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بِالباطِلِ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ ما أُطْلِقَ في قَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] .

والإدْحاضُ: إبْطالُ الحُجَّةِ، قالَ تَعالى ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] .

والمَعْنى: أنَّهم زَوَّرُوا الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ ورَوَّجُوهُ بِالسِّفَسْطَةِ في صُورَةِ الحُجَّةِ لِيُبْطِلُوا حُجَجَ الحَقِّ وكَفى بِذَلِكَ تَشْنِيعًا لِكُفْرِهِمْ.

وفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ (فَأخَذْتُهم) قَوْلَهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ كَما فَرَّعَ قَوْلَهُ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] عَلى جُمْلَةِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]

صفحة ٨٧

فَيَجْرِي تَوْجِيهُ الِاسْتِفْهامِ هُنا عَلى نَحْوِ ما جَرى مِن تَوْجِيهِ الخِطابِ هُناكَ.

والأخْذُ هُنا: الغَلَبُ.

والِاسْتِفْهامُ بِ (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالَةِ العِقابِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ بِالِاسْتِفْهامِ قَدْ شاهَدَ ذَلِكَ الأخْذَ والعِقابَ وإنَّما بُنِيَ ذَلِكَ عَلى مُشاهَدَةِ آثارِ ذَلِكَ الأخْذِ في مُرُورِ الكَثِيرِ عَلى دِيارِهِمْ في الأسْفارِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]) ونَحْوُهُ، وفي سَماعِ الأخْبارِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، وتَوْصِيفِهِمْ، فَنَزَّلَ جَمِيعَ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ، فَفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَحْقِيقٌ وتَثْبِيتٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (فَأخَذْتُهم) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ مَعْنى التَّقْرِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَأخَذْتُهم) التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ بِتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما حَلَّ بِالأُمَمِ قَبْلَهم لِأنَّهم أمْثالُهم في الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَمّا حَلَّ بِنُظَرائِهِمْ تَقْرِيرِيًّا لَهم بِذَلِكَ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (عِقابِ) تَخْفِيفًا مَعَ دَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها.

40:6Страница 467

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦

Так сбылось Слово твоего Господа относительно того, что неверующие окажутся обитателями Огня.

”﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾“ .

الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [غافر: ٥])، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الحَقِّ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ فالمُشارُ إلَيْهِ المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، أُولاها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو يُفِيدُ أنَّ المُشَبَّهَ بَلَغَ الغايَةَ في وجْهِ الشَّبَهِ حَتّى لَوْ أرادَ أحَدٌ أنْ يُشَبِّهَهُ لَمْ يُشَبِّهْهُ إلّا بِنَفْسِهِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المُشارَ إلَيْهِ الأخْذَ المَأْخُوذَ مِن قَوْلِهِ (فَأخَذْتُهم)، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ بِهِ قَوْمَ نُوحٍ والأحْزابَ مِن بَعْدِهِمْ حَقَّتْ كَلِماتُ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعُلِمَ مِن تَشْبِيهِ تَحَقُّقِ كَلِماتِ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِذَلِكَ

صفحة ٨٨

الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ الأخْذَ كانَ تَحْقِيقًا لِكَلِماتِ اللَّهِ، أيْ تَصْدِيقًا لِما أخْبَرَهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ، فالمُرادُ بِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) جَمِيعُ الكافِرِينَ، فالكَلامُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَهو تَذْيِيلٌ لِأنَّ المُرادَ بِالأحْزابِ الأُمَمُ المَعْهُودَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ قِصَصُها فَيَكُونُ (الَّذِينَ كَفَرُوا) أعَمَّ. وبِذَلِكَ يَكُونُ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ”وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ جارِيًا عَلى أصْلِ التَّشْبِيهِ مِنَ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ونَظائِرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] أيْ مِثْلَ أخْذِ قَوْمِ نُوحٍ والأحْزابِ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِكَ، أيْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ الوَعِيدِ إذا لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ.

و(كَلِماتُ اللَّهِ) هي أقْوالُهُ الَّتِي أوْحى بِها إلى الرُّسُلِ بِوَعِيدِ المُكَذِّبِينَ، و(عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا) يَتَعَلَّقُ بِ (حَقَّتْ) .

وقَوْلُهُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (كَلِماتِ رَبِّكَ) بَدَلًا مُطابِقًا فَيَكُونُ ضَمِيرُ (أنَّهم) عائِدًا إلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا أصْحابَ النّارِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُعاقِبِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالِاسْتِئْصالِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ مِنهم ذُرِّيَّةً مُؤْمِنِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى طَرِيقَةِ كَثْرَةِ حَذْفِها قَبْلَ أنْ، والمَعْنى: لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ (أنَّهم) عائِدًا إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأحْزابِ مِن بَعْدِهِمْ ومِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةَ رَبِّكَ بِالإفْرادِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، والإفْرادُ هُنا مُساوٍ لِلْجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ بِقَرِينَةِ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِ (عَلى) تَعَلَّقَ بِفِعْلِ (حَقَّتْ) وهو ضَمِيرُ جَمْعٍ فَلا جَرَمَ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ جِنْسًا صادِقًا بِالمُتَعَدِّدِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ أزْمانِ كَلِماتِ الوَعِيدِ وتَعَدُّدِ الأُمَمِ المُتَوَعَّدَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English