Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Гафир 40:36–43
40:36Страница 471
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦
Фараон сказал: «О Хаман! Построй для меня башню. Быть может, я достигну путей,
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّيَ أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] .
هَذِهِ مَقالَةٌ أُخْرى لِفِرْعَوْنَ في مَجْلِسٍ آخَرَ غَيْرِ المَجْلِسِ الَّذِي حاجَّهُ فِيهِ مُوسى ولِذَلِكَ عَطَفَ قَوْلَهُ بِالواوِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما عَطَفَ مِنَ الأقْوالِ السّابِقَةِ آنِفًا، وكَما أشَرْنا إلَيْهِ في سُورَةِ القَصَصِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ هُنالِكَ مُسْتَوْفى عَلى نَظِيرِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَسَبِ ظاهِرِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ والصَّرْحِ هُنالِكَ.
وقَدْ لاحَ لِي هُنا مَحْمَلٌ آخَرُ أقْرَبُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ يَنْتَظِمُ مَعَ ما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ في الغايَةِ ويُخالِفُهُ في الدَّلالَةِ، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِبِناءِ صَرْحِ لا لِقَصْدِ الِارْتِقاءِ إلى السَّماواتِ بَلْ لِيَخْلُوَ بِنَفْسِهِ رِياضَةً لِيَسْتَمِدَّ الوَحْيَ مِنَ الرَّبِّ الَّذِي ادَّعى مُوسى أنَّهُ أوْحى إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] فَإنَّ الِارْتِياضَ في مَكانٍ مُنْعَزِلٍ عَنِ النّاسِ كانَ مِن شِعارِ الِاسْتِيحاءِ الكَهْنُوتِيِّ عِنْدَهم، وكانَ فِرْعَوْنُ يَحْسَبُ نَفْسَهُ أهْلًا لِذَلِكَ لِزَعْمِهِ أنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ وحامِي الكَهَنَةِ والهَياكِلِ. وإنَّما كانَ يَشْغَلُهُ تَدْبِيرُ أمْرِ المَمْلَكَةِ فَكانَ يَكِلُ شُئُونَ الدِّيانَةِ إلى الكَهَنَةِ في مَعابِدِهِمْ، فَأرادَ في هَذِهِ الأزْمَةِ الجَدَلِيَّةِ أنْ يَتَصَدّى لِذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِيَكُونَ قَوْلُهُ الفَصْلَ في نَفْيِ وُجُودِ إلَهٍ آخَرَ تَضْلِيلًا لِدَهْماءَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ أرادَ التَّوْطِئَةَ لِلْإخْبارِ بِنَفْيِ إلَهٍ آخَرَ غَيْرِ آلِهَتِهِمْ فَأرادَ أنْ يَتَوَلّى وسائِلَ النَّفْيِ بِنَفْسِهِ كَما
صفحة ١٤٦
كانَتْ لِلْيَهُودِ مَحارِيبٌ لِلْخَلْوَةِ لِلْعِبادَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ [مريم: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]“ ومِنِ اتِّخاذِ الرُّهْبانِ النَّصارى صَوامِعَ في أعالِي الجِبالِ لِلْخِلْوَةِ لِلتَّعَبُّدِ، ووُجُودُها عِنْدَ هَذِهِ الأُمَمِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مَوْجُودَةٌ عِنْدَ الأُمَمِ المُعاصِرَةِ لَهم والسّابِقَةِ عَلَيْهِمْ.
والأسْبابُ: جَمْعُ سَبَبٍ، والسَّبَبُ ما يُوصِّلُ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيُطْلَقُ السَّبَبُ عَلى الطَّرِيقِ، ويُطْلَقُ عَلى الحَبْلِ لِأنَّهم كانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى أعْلى النَّخِيلِ، والمُرادُ هُنا: طُرُقُ السَّماواتِ، كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ وإنْ يَرِقْ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
وانْتَصَبَ (أسْبابَ السَّماواتِ) عَلى البَدَلِ المُطابِقِ لِقَوْلِهِ (الأسْبابَ)، وجِيءَ بِهَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِلتَّشْوِيقِ إلى المُرادِ بِالأسْبابِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وشَأْنِ عَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ لِيُورِدَ عَلى نَفْسِ مُتَشَوِّقِةِ إلى مَعْرِفَتِهِ وهي نَفْسُ ”هامانَ“ .
والِاطِّلاعُ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُبالَغَةٌ في الطُّلُوعِ، والطُّلُوعُ: الظُّهُورُ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ ظُهُورًا مِنِ ارْتِفاعٍ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ أوْ عَدَمُهُ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ فَإنْ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) فَهو الظُّهُورُ مِنِ ارْتِفاعٍ، وإنْ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”إلى“ فَهو ظُهُورٌ مُطْلَقٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَأطَّلِعُ“ بِالرَّفْعِ تَفْرِيعًا عَلى (أبْلَغُ) كَأنَّهُ قِيلَ: أبْلَغُ ثُمَّ أطْلَعُ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابَ التَّرَجِّي لِمُعامَلَةِ التَّرَجِّي مُعامَلَةَ التَّمَنِّي وإنْ كانَ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْهُورٍ، والبَصْرِيُّونَ يُنْكِرُونَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى بَلَغْتُ اطَّلَعْتُ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ هاهُنا نُكْتَةٌ وهي اسْتِعارَةُ حَرْفِ الرَّجاءِ إلى مَعْنى التَّمَنِّي عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ إشارَةً إلى بُعْدِ ما تَرَجّاهُ، وجَعَلَ نَصْبَ الفِعْلِ بَعْدَهُ قَرِينَةً عَلى الِاسْتِعارَةِ.
وبَيْنَ (إلى) و(إلَهِ) الجِناسُ النّاقِصُ بِحَرْفٍ كَما ورَدَ مَرَّتَيْنِ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
يَمُدُّونَ مِن أيْدٍ عَواصٍ عَواصِمٍ ∗∗∗ تَصُولُ بِأسْيافٍ قَواضٍ قَواضِبٍ
صفحة ١٤٧
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] مُعْتَرِضَةٌ لِلِاحْتِراسِ مِن أنْ يَظُنَّ هامانُ وقَوْمُهُ أنَّ دَعْوَةَ مُوسى أوْهَنَتْ مِنهُ يَقِينَهُ بِدِينِهِ وآلِهَتِهِ وأنَّهُ يَرُومُ أنْ يَبْحَثَ بَحْثَ مُتَأمِّلٍ ناظِرٍ في أدِلَّةِ المَعْرِفَةِ فَحَقَّقَ لَهم أنَّهُ ما أرادَ بِذَلِكَ إلّا نَفِيَ ما ادَّعاهُ مُوسى بِدَلِيلِ الحِسِّ.
وجِيءَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ المُعَزَّزِ بِلامِ الِابْتِداءِ لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ اتِّهامَ وزِيرِهِ إيّاهُ بِتَزَلْزُلِ اعْتِقادِهِ في دِينِهِ. والمَعْنى: أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ كَذِبُ مُوسى.
والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى اليَقِينِ والقَطْعِ، ولِذَلِكَ سَمّى اللَّهُ عَزْمَهُ هَذا كَيْدًا في قَوْلِهِ ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] .
40:37Страница 471
أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧
путей небесных, и взгляну на Бога Мусы (Моисея). Воистину, я считаю его лжецом». Вот так Фараону представилось прекрасным зло его деяний, и он был сбит с пути. А козни Фараона оказались безуспешными.
﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [غافر: ٢٦]) لِبَيانِ حالِ اعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ حالَ أقْوالِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ قَوْلًا مُنْبَعِثًا عَنْ ضَلالِ اعْتِقادِ ومُغْرِيًا فَسادَ الأعْمالِ. ولِهَذا الِاعْتِبارِ اعْتِبارُ جَمِيعِ أحْوالِ فِرْعَوْنَ لَمْ تُفْصَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها إذْ لَمْ يُقْصَدْ بِها ابْتِداءُ قِصَّةٍ أُخْرى، وهَذا مِمّا سَمَّوْهُ بِالتَّوَسُّطِ بَيْنَ كَمالِيِّ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ في بابِ الفَصْلِ والوَصْلِ مِن عِلْمِ المَعانِي.
وافْتِتاحُها بِ (كَذَلِكَ) كافْتِتاحِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ أيْ عَمَلِ فِرْعَوْنَ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مُبالَغَةً في أنَّ تَزْيِينَ عَمَلِهِ لَهُ بَلَغَ مِنَ القُوَّةِ في نَوْعِهِ ما لا يُوجَدُ لَهُ شِبْهٌ يُشَبَّهُ بِهِ فَمَن أرادَ تَشْبِيهَهُ فَلْيُشَبِّهْهُ بِعَيْنِهِ.
وبُنِيَ فِعْلُ (زُيِّنَ) إلى المَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفَةُ مَفْعُولِ التَّزْيِينِ لا مَعْرِفَةُ فاعِلِهِ، أيْ حَصَلَ لَهُ تَزْيِينُ سُوءِ عَمَلِهِ في نَفْسِهِ فَحَسِبُ الباطِلَ حَقًّا والضَّلالَ اهْتِداءً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ وهو يَجُوزُ اعْتِبارُهُ قاصِرًا الَّذِي مُضارِعُهُ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ، ويَجُوزُ اعْتِبارُهُ مُتَعَدِّيًا الَّذِي مُضارِعُهُ يَصُدُّ بِضَمِّ الصّادِ، أيْ
صفحة ١٤٨
أعْرَضَ عَنِ السَّبِيلِ ومَنَعَ قَوْمَهَ اتِّباعَ السَّبِيلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ بِضَمِّ الصّادِ.
والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ .
وتَعْرِيفُ السَّبِيلِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَبِيلُ اللَّهِ، أوْ سَبِيلُ الخَيْرِ، أوْ سَبِيلُ الهُدى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَمالِ في النَّوْعِ، أيْ صَدٌّ عَنِ السَّبِيلِ الكامِلِ الصّالِحِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، والمُرادُ بِكَيْدِهِ ما أمَرَ بِهِ مِن بِناءِ الصَّرْحِ والغايَةِ مِنهُ، وسُمِّيَ كَيْدًا لِأنَّهُ عَمَلٌ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ أُرِيدُ بِهِ الإفْضاءُ إلى إيهامِ قَوْمِهِ كَذِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والتِّبابُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١]، وحَرَّفُ الظَّرْفِيَّةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ المُلابَسَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تِبابٍ شَدِيدٍ. والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مُقَدَّرَةٍ.
40:38–40Страница 471
وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨
Тот, кто уверовал, сказал: «О мой народ! Последуйте за мной, и я поведу вас правильным путем.
يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩
О мой народ! Мирская жизнь - не что иное, как предмет пользования, а Последняя жизнь является Обителью пребывания.
مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠
Тот, кто совершил зло, получит только соответствующее воздаяние. А те мужчины и женщины, которые поступали праведно, будучи верующими, войдут в Рай, в котором они будут получать удел без счета.
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
هَذا مَقالٌ في مَقامٍ آخَرَ قالَهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، فَهَذِهِ المَقالاتُ المَعْطُوفَةُ بِالواوِ مَقالاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ. .
فابْتَدَأ مَوْعِظَتَهُ بِنِدائِهِمْ لِيَلْفِتَ إلَيْهِ أذْهانَهم ويَسْتَصْغِيَ أسْماعَهم، وبِعُنْوانِ أنَّهم قَوْمُهُ لِتُصْغِيَ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم.
صفحة ١٤٩
ورَتَّبَ خُطْبَتَهُ عَلى أُسْلُوبِ تَقْدِيمِ الإجْمالِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِالتَّفْصِيلِ، فابْتَدَأ بِقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وسَبِيلُ الرَّشادِ مُجْمَلٌ وهو عَلى إجْمالِهِ مِمّا تَتُوقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، فَرَبَطَ حُصُولَهُ بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ مِمّا يُقْبِلُ بِهِمْ عَلى تَلَقِّي ما يُفَسِّرُ هَذا السَّبِيلُ، ويَسْتَرْعِي أسْماعَهم إلى ما يَقُولُهُ إذْ لَعَلَّهُ سَيَأْتِيهِمْ بِما تَرْغَبُهُ أنْفُسُهم إذْ قَدْ يَظُنُّونَ أنَّهُ نَقَّحَ رَأْيَهُ ونَخَلَ مَقالَهُ وأنَّهُ سَيَأْتِي بِما هو الحَقُّ المُلائِمُ لَهم. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] آنِفًا.
وأعادَ النِّداءَ تَأْكِيدًا لِإقْبالِهِمْ إذْ لاحَتْ بَوارِقُهُ فَأكْمَلَ مُقَدِّمَتَهُ بِتَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ يُذَكِّرُهم بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مَحْدُودَةٌ بِأجَلٍ غَيْرِ طَوِيلٍ، وأنَّ وراءَها حَياةٌ أبَدِيَّةٌ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ أشَدَّ دِفاعِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ مُنْبَعِثٌ عَنْ مَحَبَّةِ السِّيادَةِ والرَّفاهِيَةِ، وذَلِكَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا الزّائِلِ وأنَّ الخَيْرَ لَهم هو العَمَلُ لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ. وقَدْ بَنى هَذِهِ المُقَدِّمَةَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أبَدِيَّةً فِيها حَقِيقَةُ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، وفِيها الجَزاءُ عَلى الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِالنَّعِيمِ أوِ العَذابِ، إذْ كانَتْ دِيانَتُهم تُثْبِتُ حَياةَ أُخْرى بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا ولَكِنَّها حَرَّفَتْ مُعْظَمَ وسائِلِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، فَهَذِهِ حَقائِقٌ مَسَلَّمَةٌ عِنْدَهم عَلى إجْمالِها وهي مِن نَوْعِ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ في صِناعَةِ الجَدَلِ، وبِذَلِكَ تَمَّتْ مُقَدِّمَةُ خُطْبَتِهِ وتَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِبَيانِ مَقْصِدِهِ المُفَسَّرِ لِإجْمالِ مُقَدِّمَتِهِ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا مُؤَجَّلًا. والقَرارُ: الدَّوامُ في المَكانِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، أيْ لا صِفَةَ لِلدُّنْيا إلّا أنَّها نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِ قَوْمِهِ في تَهالُكِهِمْ عَلى مَنافِعِ الحَياةِ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُها مَنافِعَ خالِدَةً.
وجُمْلَتا ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ إلى آخِرِهِما بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ قَصَّرُ قَلْبٍ، نَظِيرُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾، وهو مُؤَكِّدٌ لِلْقَصْرِ في
صفحة ١٥٠
قَوْلِهِ ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ مِن تَأْكِيدِ إثْباتِ ضِدِّ الحُكْمِ لِضِدِّ المَحْكُومِ عَلَيْهِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ لا الدُّنْيا.
و(مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ شَرْطِيَّةٌ. ومَعْنى إلّا مِثْلَها المُماثِلَةُ في الوَصْفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ السَّيِّئَةِ وهو الجَزاءُ السَّيِّئُ، أيْ لا يَجْزِي عَنْ عَمَلِ السُّوءِ بِجَزاءِ الخَيْرِ، أيْ لا يَطْمَعُوا أنْ يَعْمَلُوا السَّيِّئاتِ وأنَّهم يُجازُونَ عَلَيْها جَزاءَ خَيْرٍ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وكانَ كَثِيرَ الوَعْظِ لِلنّاسِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِوَعْظِكَ تُقْنِطُ النّاسَ فَقالَ أأنًّا أقْدِرُ أنْ أُقْنِطَ النّاسَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] ولَكِنَّكم تُحِبُّونَ أنْ تُبَشَّرُوا بِالجَنَّةِ عَلى مُساوِي أعْمالِكم، وكَأنَّ المُؤْمِنَ خَصَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ لِأنَّهم كانُوا مُتَهاوِنِينَ بِالأعْمالِ وكانَ قُصارى ما يَهْتَمُّونَ بِهِ هو حُسْنُ الِاعْتِقادِ في الآلِهَةِ، ولِذَلِكَ تُوجَدُ عَلى جُدُرِ المَعابِدِ المِصْرِيَّةِ صُورَةُ الحِسابِ في هَيْئَةِ وضْعِ قَلْبِ المَيِّتِ في المِيزانِ لِيَكُونَ جَزاؤُهُ عَلى ما يُسْفِرُ عَنْهُ مِيزانُ قَلْبِهِ.
ولِذَلِكَ تَرى مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ يُهْمِلْ ذِكْرَ الإيمانِ بَعْدَ أنِ اهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ الأعْمالِ فَتَراهُ يَقُولُ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فالإيمانُ هو أُسُّ هَيْكَلِ النَّجاةِ، ولِذَلِكَ كانَ الكُفْرُ أُسَّ الشَّقاءِ الأبَدِيِّ فَإنَّ كُلَّ عَمَلٍ سَيِّءٍ فَإنَّ سُوءَهُ وفَسادَهُ جُزْئِيٌّ مُنْقَضٍ فَكانَ العِقابُ عَلَيْهِ غَيْرَ أبَدِيٍّ، وأمّا الكُفْرُ فَهو سَيِّئَةٌ دائِمَةٌ مَعَ صاحِبِها لِأنَّ مَقَرَّها قَلْبُهُ واعْتِقادُهُ وهو مُلازِمٌ لَهُ فَلِذَلِكَ كانَ عِقابُهُ أبَدِيًّا، لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي المُناسَبَةَ بَيْنَ الأسْبابِ وآثارِها فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ أنَّ جَزاءَ الكُفْرِ شَقاءٌ أبَدِيٌّ لِأنَّهُ مِثْلُ الكُفْرِ في كَوْنِهِ مُلازِمًا لِلْكافِرِ إنْ ماتَ كافِرًا.
وبِهَذا البَيانِ أبْطَلْنا قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ بِمُساواةِ مُرْتَكِبِ الكَبائِرِ لِلْكافِرِ في الخُلُودِ في العَذابِ، بِأنَّهُ قَوْلٌ يُفْضِي إلى مِزْيَةِ الإيمانِ وذَلِكَ تُنافِيهِ أدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ البالِغَةِ مَبْلَغَ القَطْعِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .
وتَرْتِيبُهُ دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ مَعْناهُ: مَن عَمِلَ صالَحا ولَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً
صفحة ١٥١
بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، فَإنَّ خَلْطَ المُؤْمِنِ عَمَلًا صالِحًا وسَيِّئًا فالمُقاصَّةُ، وبَيانُهُ في تَفاصِيلِ الشَّرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ كِنايَةٌ عَلى سَعَةِ الرِّزْقِ ووَفْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
و(مَن) في قَوْلِهِ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ إلَخْ شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ .
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ يَسْتَحِقُّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ، وهي عَمَلُ الصّالِحاتِ مَعَ الإيمانِ زِيادَةٌ عَلى اسْتِفادَةِ ذَلِكَ مِن تَعْلِيقِهِ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِإفادَةِ الحَصْرِ. والمَعْنى: أنَّكم إنْ مُتُّمْ عَلى الشِّرْكِ والعَمَلِ السَّيِّئِ لا تَدْخُلُونَها.
وقَوْلُهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِما في (مَن) مِنَ الإبْهامِ مِن جانِبِ احْتِمالِ التَّعْمِيمِ فَلَفَظُ ﴿ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ مُرادٌ بِهِ عُمُومَ النّاسِ بِذِكْرِ صِنْفَيْهِمْ تَنْصِيصًا عَلى إرادَةِ العُمُومِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ إفادَةَ مُساواةِ الأُنْثى لِلذَّكَرِ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ إذْ لا مُناسَبَةَ لَهُ في هَذا المَقامِ، وتَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ وخاصَّتِهِ أنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينِ مِنَ الجَزاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها وفَتْحِ الخاءِ، والمَعْنى واحِدٌ.
40:41–43Страница 472
۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١
О мой народ! Почему я зову вас к спасению, а вы зовете меня в Огонь?
تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢
Вы призываете меня не веровать в Аллаха и приобщать к Нему в сотоварищи то, о чем у меня нет знания. Я же призываю вас к Могущественному, Всепрощающему.
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣
Нет сомнения в том, что то, к чему вы меня призываете, не заслуживает молитв ни в этом мире, ни в Последней жизни, и что нам предстоит вернуться к Аллаху, и что излишествующие окажутся обитателями Огня.
﴿ويا قَوْمِ ما لِيَ أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ .
أعادَ نِداءَهم وعُطِفَتْ حِكايَتُهُ بِواوِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نِداءَهُ اشْتَمَلَ عَلى ما
صفحة ١٥٢
يَقْتَضِي في لُغَتِهِمْ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَخَطّى مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ وأنَّهُ سَيَطْرُقُ ما يُغايِرُ أوَّلَ كَلامِهِ مُغايِرَةَ ما تُشْبِهُ مُغايِرَةَ المُتَعاطِفَيْنَ في لُغَةِ العَرَبِ، وأنَّهُ سَيَرْتَقِي بِاسْتِدْراجِهِمْ في دَرَجِ الِاسْتِدْلالِ إلى المَقْصُودِ بَعْدَ المُقْدِماتِ، فانْتَقَلَ هُنا إلى أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا جَرى مِنهم نَحْوَهُ وهو أنَّهم أعْقَبُوا مَوْعِظَتَهُ إيّاهم بِدَعْوَتِهِ لِلْإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ وأنْ يَتَمَسَّكَ بِدِينِهِمْ وهَذا شَيْءٌ مَطْوِيٌّ في خِلالِ القِصَّةِ دَلَّتْ عَلَيْهِ حِكايَةُ إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ، وهو كَلامُ آيِسٍ مِنِ اسْتِجابَتِهِمْ لِقَوْلِهِ فِيهِ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤]، ومُتَوَقِّعٌ أذاهم لِقَوْلِهِ ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤]، ولِقَوْلِهِ تَعالى آخِرَ القِصَّةِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] . فَصَرَّحَ هُنا وبَيْنَ بِأنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما جاءَ بِهِ مُوسى وفي اتِّباعِهِ النَّجاةُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَهو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ حَقِيقَةً، ولَيْسَ إطْلاقُ النَّجاةِ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِمَجازٍ مُرْسَلٍ بَلْ يَدْعُوهم إلى حَقِيقَةِ النَّجاةِ بِوَسائِطَ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ﴾ اسْتِفْهامٌ تَعَجُّبِيُّ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِجُمْلَةِ الحالِ وهي ﴿وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ فَجُمْلَةُ ﴿وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ وأنْتُمْ تَدْعُونَنِي إلى النّارِ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ لِأنَّ أصْلَ اسْتِعْمالِ: ما لِي أفْعَلُ، وما لِي لا أفْعَلُ ونَحْوِهُ، أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا عَنْ فِعْلٍ أوْ حالٍ ثَبَتَ لِلْمَجْرُورِ بِاللّامِ وهي لامُ الِاخْتِصاصِ، ومَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ يُكْسِبُ مَدْخُولَها حالَةً خَفِيًّا سَبَبُها الَّذِي عُلِّقَ بِمَدْخُولِ اللّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] وقَوْلِكَ لِمَن يَسْتَوْقِفُكَ: ما لَكَ ؟ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعُدَ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وخَبَرِهِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً.
وتَرْكِيبُ: (ما لِي) ونَحْوِهُ، هو كَتَرْكِيبِ: (هَلْ لَكَ) ونَحْوِهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] وقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
ألا بَلِّغا عَنِّي بُجَيْرًا رِسالَةً فَهَلْ لَكَ فِيما قُلْتُ ويْحَكَ هَلْ لَكَ
فَإذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى انْتِفاءِ إرادَةِ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى التَّعَجُّبِ مِنَ الحالَةِ، أوْ إلى الإنْكارِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فالمَعْنى هُنا عَلى التَّعَجُّبِ يَعْنِي
صفحة ١٥٣
أنَّهُ يُعْجَبُ مِن دَعْوَتِهِمْ إيّاهُ لِدِينِهِمْ مَعَ ما رَأوْا مِن حِرْصِهِ عَلى نُصْحِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى النَّجاةِ وما أتاهم بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ وبُطْلانِ دَعْوَتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى النّارِ أمْرٌ مُجْمَلٌ مُسْتَغْرَبٌ فَبَيَّنَهُ بِبَيانِ أنَّهم يَدْعُونَهُ إلى التَّلَبُّسِ بِالأسْبابِ المُوجِبَةِ عَذابَ النّارِ. والمَعْنى: تَدْعُونَنِي لِلْكُفْرِ بِاللَّهِ وإشْراكِ ما لا أعْلَمُ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ.
ومَعْنى ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لَيْسَ لِي بِصِحَّتِهِ أوْ بِوُجُودِهِ عِلْمٌ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ يَعْلَمُ أنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً بِطَرِيقِ الكِنايَةِ بِنَفْيِ اللّازِمِ عَنْ نَفْيِ المَلْزُومِ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ فَكانَ بَيانًا لِمُجْمَلِ جُمْلَةِ ﴿أدْعُوكم إلى النَّجاةِ﴾، وإبْرازُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ ﴿وأنا أدْعُوكُمْ﴾ لِإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ.
وفِعْلُ الدَّعْوَةِ إذا رُبِطَ بِمُتَعَلِّقٍ غَيْرِ مَفْعُولِهِ يُعَدّى تارَةً بِاللّامِ وهو الأكْثَرُ في الكَلامِ، ويُعَدّى بِحَرْفِ ”إلى“ وهو الأكْثَرُ في القُرْآنِ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِباراتِ ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِهِ مَعْمُولُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ بِ (إلى) ومَرَّةً بِاللّامِ مَعَ (ما) في رَبْطِ فِعْلِ الدَّعْوَةِ بِمُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هو مِنَ المَعْنَوِيّاتِ مِن مُناسَبَةِ لامِ التَّعْلِيلِ مِثْلَ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ﴾، ورَبْطُهُ بِما هو ذاتٌ بِحَرْفِ (إلى) في قَوْلِهِ ﴿أدْعُوكم إلى النَّجاةِ﴾ فَإنَّ النَّجاةَ هي نَجاةٌ مِنَ النّارِ فَهي نَجاةٌ مِن أمْرٍ مَحْسُوسٍ، وقَوْلِهِ ﴿تَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا﴾ إلَخْ، لِأنَّ حَرْفَ (إلى) دالٌ عَلى الِانْتِهاءِ لِأنَّ الَّذِي يَدْعُو أحَدًا إلى شَيْءٍ إنَّما يَدْعُوهُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، فالدُّعاءُ إلى اللَّهِ الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَشُبِّهَ بِشَيْءٍ مَحْسُوسِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وشُبِّهَ اعْتِقادُهُ صِحَّتَهُ بِالوُصُولِ إلى الشَّيْءِ المَسْعِيِّ إلَيْهِ، وشُبِّهَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ بِالدَّلالَةِ عَلى الشَّيْءِ المَرْغُوبِ الوُصُولُ إلَيْهِ فَكانَتْ في حَرْفِ (إلى) اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً وتَخْيِيلِيَّةً وتَبَعِيَّةً، وفي العَزِيزِ الغَفّارِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وفي ﴿أدْعُوكُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ.
صفحة ١٥٤
وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى الصِّفَتَيْنِ العَزِيزِ الغَفّارِ لِإدْماجِ الِاسْتِدْلالِ عَلى اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ، بِوَصْفِهِ العَزِيزِ لِأنَّهُ لا تَنالُهُ النّاسُ بِخِلافِ أصْنامِهِمْ فَإنَّها ذَلِيلَةٌ تُوضَعُ عَلى الأرْضِ ويَلْتَصِقُ بِها القَتامُ وتُلَوِّثُها الطُّيُورُ بِذَرَقِها، ولِإدْماجِ تَرْغِيبِهِمْ في الإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ بِأنَّ المُوَحَّدَ بِالإلَهِيَّةِ يَغْفِرُ لَهم ما سَلَفَ مِن شِرْكِهِمْ حَتّى لا يَيْأسُوا مِن عَفْوِهِ بَعْدَ أنْ أساؤُوا إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ .
وكَلِمَةُ لا جَرَمَ بِفَتْحَتَيْنِ في الأفْصَحِ مِن لُغاتٍ ثَلاثٍ فِيها، كَلِمَةٌ يُرادُ بِها مَعْنى لا يَثْبُتُ أوْ لا بُدَّ، فَمَعْنى ثُبُوتِهِ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ هو باقٍ وكُلُّ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى (حَقَّ) وقَدْ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمَ، ولا أنْ ذا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمَ، ولا جَرَ بِدُونِ مِيمٍ تَرْخِيمًا لِلتَّخْفِيفِ.
والأظْهَرُ أنَّ جَرَمَ اسْمٌ لا فِعْلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلًا لَكانَ ماضِيًا بِحَسَبَ صِيغَتِهِ فَيَكُونُ دُخُولُ لا عَلَيْهِ مِن خَصائِصِ اسْتِعْمالِ الفِعْلِ في الدُّعاءِ.
والأكْثَرُ أنْ يَقَعَ بَعْدَها ”أنِ“ المَفْتُوحَةُ المُشَدَّدَةُ فَيُقَدَّرُ مَعَها حَرْفُ ”في“ مُلْتَزَمًا حَذْفُهُ غالِبًا. والتَّقْدِيرُ: لا شَكَّ في أنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ.
وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى لا جَرَمَ وأنَّ (جَرَمَ) فِعْلٌ أوْ اسْمٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ.
وماصَدَقَ (ما) الأصْنامُ، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلَيْها مُفْرَدًا في قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ مُراعاةً لِإفْرادِ لَفْظِ (ما) .
وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَتَيْ ﴿ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ لِأنَّهُ إذا تَحَقَّقَ أنْ لا دَعْوَةَ لِلْأصْنامِ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ، ولا في الآخِرَةِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّها لا تُنْجِي أتْباعَها في الدُّنْيا ولا يُفِيدُهم دُعاؤُها ولا نِداؤُها. وتَحَقَّقَ إذَنْ أنَّ المَرْجُوَّ لِلْإنْعامِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوهم هو إلَيْهِ. وهَذا دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ غَيْرُ قاطِعٍ لِلْمُنازِعِ في إلَهِيَّةِ رَبِّ هَذا المُؤْمِنِ ولَكِنَّهُ أرادَ إقْناعَهم
صفحة ١٥٥
واسْتَحْفَظَهم دَلِيلَهُ لِأنَّهم سَيَظْهَرُ لَهم قَرِيبًا أنَّ رَبَّ مُوسى لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ثِقَةً مِنهُ بِأنَّهم سَيَرَوْنَ انْتِصارَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ ويَرَوْنَ صَرْفَ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِ مُوسى بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي دَعا إلَيْهِ مُوسى هو المُتَصَرِّفُ في الدُّنْيا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في الآخِرَةِ.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ انْتِفاءُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ إلَيْهِ بِالعِبادَةِ أوْ الِالتِجاءِ نافِعًا لا نَفْيَ وُقُوعِ الدَّعْوَةِ لِأنَّ وُقُوعَها مَشاهِدٌ. فَهَذا مِن بابِ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وقَوْلُهم: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، أيْ بِشَيْءٍ نافِعٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ (دَعْوَةَ) مَصْدَرٌ مُتَحَمِّلٌ مَعْنى ضَمِيرِ فاعِلٍ، أيْ لَيْسَتْ دَعْوَةُ داعٍ، وأنَّ ضَمِيرَ (لَهُ) عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةُ، أيْ لا يَمْلِكُ دَعْوَةَ الدّاعِينَ، أيْ لا يَمْلِكُ إجابَتَهم.
وعُطِفَتْ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ جُمْلَةُ ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ عَطْفَ اللّازِمِ عَلى مَلْزُومِهِ لِأنَّهُ إذْ تَبَيَّنَ أنَّ رَبَّ مُوسى المُسَمّى ”اللَّهَ“ هو الَّذِي لَهُ الدَّعْوَةُ، تَبَيَّنَ أنَّ المَرَدَّ، أيْ المَصِيرَ إلى اللَّهِ في الدُّنْيا بِالِالتِجاءِ والِاسْتِنْصارِ وفي الآخِرَةِ بِالحُكْمِ والجَزاءِ.
ولَوْ عُطِفَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّفْرِيعِ لَكانَتْ حَقِيقَةٌ بِها، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى عَطْفِها بِالواوِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِها غَيْرَ باحِثٍ سامِعُها عَلى ما تَرْتَبِطُ بِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَفَرِّعَ عَلى شَيْءٍ يُعْتَبَرُ تابِعًا لَهُ، كَما قالَ الأُصُولِيُّونَ في أنَّ جَوابَ السّائِلِ غَيْرِ المُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ تابِعٌ لِعُمُومِ السُّؤالِ.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تَفَرُّعِ مَضْمُونِها عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ المَصِيرُ إلَيْهِ كانَ الحُكْمُ والجَزاءُ بَيْنَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ مِن مُثابٍ ومُعاقَبٍ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُعاقَبَ هم الكافِرُونَ بِاللَّهِ.
فالإسْرافُ هُنا: إفْراطُ الكُفْرِ، ويَشْمَلُ ما قِيلَ: إنَّهُ أُرِيدُ هُنا سَفْكُ الدَّمِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيَصْرِفَ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والوَجْهُ أنْ يَعُمَّ أصْحابَ الجَرائِمِ والآثامِ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ وهو تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ يُخاطِبُهم إذْ هم مُسْرِفُونَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهم مُسْرِفُونَ في إفْراطِ كُفْرِهِمْ
صفحة ١٥٦
بِالرَّبِّ الَّذِي دَعا إلَيْهِ مُوسى، ومُسْرِفُونَ فِيما يَسْتَتْبِعُهُ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي والجَرائِمِ فَضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿هم أصْحابُ النّارِ﴾ يُفِيدُ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِأنَّهُمُ المُتَناهُونَ في صُحْبَةِ النّارِ بِسَبَبِ الخُلُودِ بِخِلافِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِحَمْلِ كَلامِ المُؤْمِنِ عَلى مُوافَقَةِ الواقِعِ لِأنَّ المَظْنُونَ بِهِ أنَّهُ نَبِيءٌ أوْ مُلْهَمٌ وإلّا فَإنَّ المَقامَ مَقامُ تَمْيِيزِ حالِ المُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مَقامَ تَفْصِيلِ دَرَجاتِ الجَزاءِ في الآخِرَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии