Ибн АшурАш‑Шура · 42:10–12

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аш-Шура 42:10–12

42:10Страница 483

وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠

Решение всего, в чем вы расходитесь во мнениях, остается за Аллахом. Скажи: «Таков Аллах, мой Господь! Я уповаю только на Него и к Нему обращаюсь».

﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَكْمِلَةً لِلِاعْتِراضِ فَيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى النّاسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مُتَّصِلًا بَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذا الكَلامِ لِمُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، لِأنَّ ضَمائِرَ (رَبِّي، وتَوَكَّلْتُ، وأُنِيبُ) ضَمائِرُهُ، وتِلْكَ الضَّمائِرُ لا تَصْلُحُ أنْ تَعُودَ إلى اللَّهِ تَعالى. ولا حَظَّ في سِياقِ الوَحْيِ إلى أحَدٍ سِوى النَّبِيءِ ﷺ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ فِعْلِ أمْرٍ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ النَّبِيءُ ﷺ .

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ وإلى المُسْلِمِينَ. والواوُ عاطِفَةٌ فِعْلَ أمْرٍ بِالقَوْلِ، وحَذْفُ القَوْلِ شائِعٌ في القُرْآنِ بِدَلالَةِ القَرائِنِ لِأنَّ مادَّةَ الِاخْتِلافِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ وحالَةَ الفَرِيقَيْنِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ اخْتِلافٌ في أُمُورِ الِاعْتِقادِ الَّتِي أنْكَرَها الكافِرُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنَّفْعِ والإضْرارِ.

و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) أيْ أيُّ شَيْءٍ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، والمُرادُ: مِن أشْياءِ الدِّينِ وُشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.

وضَمِيرُ (فَحُكْمُهُ) عائِدٌ إلى (ما اخْتَلَفْتُمْ) عَلى مَعْنى: الحُكْمُ بَيْنَكم في شَأْنِهِ إلى اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَتَّضِحُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ حِينَ يَرَوْنَ الثَّوابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِقابَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ أنَّهم مُبْطِلُونَ فِيما كانُوا يَزْعُمُونَ.

صفحة ٤٢

و(إلى اللَّهِ) خَبَرٌ عَنْ حُكْمِهِ. و(إلى) لِلِانْتِهاءِ وهو انْتِهاءٌ مَجازِيٌّ تَمْثِيلِيٌّ، مَثَّلَ تَأْخِيرَ الحُكْمِ إلى حُلُولِ الوَقْتِ المُعَيَّنِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِسَيْرِ السّائِرِ إلى أحَدٍ يَنْزِلُ عِنْدَهُ.

ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِاخْتِلافِ عُلَماءِ الأُمَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ حُكْمُهُ مَنُوطٌ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ والأقْيِسَةِ صِحَّةً وفَسادًا فَإصْدارُ الحُكْمِ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ فِيها يَسِيرٌ إنْ شاءَ النّاسُ التَّداوُلَ والإنْصافَ. وبِذَلِكَ تَوَصَّلَ أهْلُ الحَقِّ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ، ومَراتِبُ الخَطَأِ في ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ لا يُناسِبُ سِياقَ الآياتِ سابِقَها وتالِيَها ولا أغْراضَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ. وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ نُفاةُ القِياسِ، وهو احْتِجاجٌ لا يَرْتَضِيهِ نَطّاسٌ.

* * *

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى الآيَةَ، فَتَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا لِأنَّ الإنْذارَ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْذَرًا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ تَكْمِلَةٌ لِلْكَلامِ المُوَجَّهِ مِنَ اللَّهِ ويَكُونَ في قَوْلِهِ رَبِّي التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى التَّكَلُّمِ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم، وتَكُونُ جُمْلَتا عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ مُعْتَرِضَتَيْنِ.

والإشارَةُ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ وهو المَفْهُومُ مِن فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ. وهَذا التَّمْيِيزُ لِإبْطالِ التِباسِ ماهِيَّةِ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ سَمَّوُا الأصْنامَ آلِهَةً وأرْبابًا.

وأُوثِرَ اسْمُ الإشارَةِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلْبَعِيدِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ بِالبُعْدِ الِاعْتِبارِيِّ اللّازِمِ لِلسُّمُوِّ وشَرَفِ القَدْرِ، أيْ ذَلِكُمُ اللَّهُ العَظِيمُ. ويُتَوَصَّلُ مِن ذَلِكَ إلى تَعْظِيمِ حُكْمِهِ، فالمَعْنى: اللَّهُ العَظِيمُ في حُكْمِهِ هو رَبِّي الَّذِي تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ فَهو كافِينِي مِنكم.

التَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الوَكْلِ، وهو التَّفْوِيضُ في العَمَلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى، ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ٤٣

والإنابَةُ: الرُّجُوعُ، والمُرادُ بِها هُنا الكِنايَةُ عَنْ تَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى الغَيْرِ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُجُودِ المَطْلُوبِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وتَقَدَّمَتِ الإنابَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.

وجِيءَ في فِعْلِ (تَوَكَّلْتُ) بِصِيغَةِ الماضِي وفي فِعْلِ (أُنِيبُ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ كانَ سابِقًا مِن قَبْلِ أنْ يَظْهَرَ لَهُ تَنَكُّرُ قَوْمِهِ لَهُ، فَقَدْ صادَفَ تَنَكُّرُهم مِنهُ عَبْدًا مُتَوَكِّلًا عَلى رَبِّهِ، وإذا كانَ تَوَكُّلُهُ قَدْ سَبَقَ تَنَكُّرَ قَوْمِهِ فاسْتِمْرارُهُ بَعْدَ أنْ كَشَّرُوا لَهُ عَنْ أنْيابِ العُدْوانِ مُحَقَّقٌ.

وأمّا فِعْلُ (أُنِيبُ) فَجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى تَجَدُّدِ الإنابَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ويُعْلَمُ تَحَقُّقُها في الماضِي بِمُقارَنَتِها لِجُمْلَةِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ لِأنَّ المُتَوَكِّلَ مُنِيبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن الِاحْتِباكِ. والتَّقْدِيرُ: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وأتَوَكَّلُ وإلَيْهِ أنَبْتُ وأُنِيبُ.

وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقَيْنِ في عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ ولا أُنِيبُ إلّا إلَيْهِ.

42:11Страница 484

فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١

Творец небес и земли! Он создал для вас супруг из вас самих, а также скот парами. Так Он размножает вас. Нет никого подобного Ему, и Он - Слышащий, Видящий.

﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾

خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا أعْقَبَ بِهِ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أبْرَزِ آثارِ صِفَةِ القُدْرَةِ المُنْفَرِدِ بِها.

والفاطِرُ: الخالِقُ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ فاطِرٍ.

* * *

﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾

جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (فاطِرِ) لِأنَّ مَضْمُونَها حالٌ مِن أحْوالِ

صفحة ٤٤

فَطْرِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ والأنْعامِ مِن أعْجَبِ أحْوالِ خَلْقِ الأرْضِ.

ويَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا ثالِثًا عَنْ ضَمِيرِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

والمَعْنى: قَدَّرَ في تَكْوِينِ نَوْعِ الإنْسانِ أزْواجًا لِأفْرادِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ مُقارِنًا لِأصْلِ تَكْوِينِ النَّوْعِ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ الماضِي.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: لَكم لِلنّاسِ كُلِّهِمْ. والخِطابُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وتَقْدِيمُ لَكم عَلى غَيْرِهِ مِن مَعْمُولاتِ جَعَلَ لِيُعْرَفَ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ أزْواجًا، ولِيَكُونَ التَّعْلِيلُ بِهِ مُلاحَظًا في المَعْطُوفِ بَقَوْلِهِ: ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا.

والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو الَّذِي يَنْضَمُّ إلى فَرْدٍ فَيَصِيرُ كِلاهُما زَوْجًا لِلْآخَرِ والمُرادُ هُنا: الذُّكُورُ والإناثُ مِنَ النّاسِ، أيْ جَعَلَ لِمَجْمُوعِكم أزْواجًا، فَلِلذُّكُورِ أزْواجٌ مِنَ الإناثِ، ولِلنِّساءِ أزْواجٌ مِنَ الرِّجالِ، وذَلِكَ لِأجْلِ الجَمِيعِ لِأنَّ بِذَلِكَ الجَعْلِ حَصَلَتْ لَذَّةُ التَّأنُّسِ ونِعْمَةُ النَّسْلِ.

ومَعْنى (مِن أنْفُسِكم) مِن نَوْعِكم، ومِن بَعْضِكم، كَقَوْلِهِ: فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وكَوْنُ الأزْواجِ مِن أنْفُسِهِمْ كَمالٌ في النِّعْمَةِ لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ مِن نَوْعٍ آخَرَ لَفاتَ نَعِيمُ الأُنْسِ، وأمّا زَعْمُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَزَوَّجُ جِنِّيَّةً أوْ غُولًا فَذَلِكَ مِنَ التَّكاذِيبِ وتَخَيُّلاتِ بَعْضِهِمْ، ورُبَّما عَرَضَ لِبَعْضِ النّاسِ خَبالٌ في العَقْلِ خاصٌّ بِذَلِكَ فَتَخَيَّلَ ذَلِكَ وتَحَدَّثَ بِهِ فَراجَ عَنْ كُلِّ أبْلَهَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ عَطْفٌ عَلى (أزْواجًا) الأوَّلِ فَهو كَمَفْعُولٍ لِـ (جَعَلَ) والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، أيْ جَعَلَ مِنها أزْواجًا بَعْضَها لِبَعْضٍ. وفائِدَةُ ذِكْرِ أزْواجِ الأنْعامِ دُونَ أزْواجِ الوَحْشِ: أنَّ في أنْواعِ الأنْعامِ فائِدَةً لِحَياةِ الإنْسانِ لِأنَّها تَعِيشُ مَعَهُ ولا تَنْفِرُ مِنهُ، ويَنْتَفِعُ بِألْبانِها، وأصْوافِها، ولُحُومِها، ونَسْلِها، وعَمَلِها مِن حَمْلٍ وحَرْثٍ، فَبِجَعْلِها أزْواجًا حَصَلَ مُعْظَمُ نَفْعِها لِلْإنْسانِ.

صفحة ٤٥

والذَّرْءُ: بَثُّ الخَلْقِ وتَكْثِيرُهُ، فَفِيهِ مَعْنى تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ إذْ لا مَنفَعَةَ لِلنّاسِ مِن أزْواجِ الأنْعامِ بِاعْتِبارِها أزْواجًا سِوى ما يَحْصُلُ مِن نَسْلِها.

وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (يَذْرَؤُكم) لِلْمُخاطَبِينَ بَقَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) . ومُرادُ شُمُولِهِ لِجَعْلِ أزْواجٍ مِنَ الأنْعامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أزْواجِ الأنْعامِ لَمْ يَكُنْ هَمَلًا بَلْ مُرادًا مِنهُ زِيادَةُ المِنَّةِ فَإنَّ ذَرْءَ نَسْلِ الإنْسانِ نِعْمَةٌ لِلنّاسِ وذَرْءَ نَسْلِ الأنْعامِ نِعْمَةٌ أُخْرى لِلنّاسِ، ولِذَلِكَ اكْتَفى بِذِكْرِ الأزْواجِ في جانِبِ الأنْعامِ عَنْ ذِكْرِ الذَّرْءِ إذْ لا مَنفَعَةَ لِلنّاسِ في تَزاوُجِ الأنْعامِ سِوى ما يَحْصُلُ مِن نَسْلِها.

وإذْ كانَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ جَماعَةِ العُقَلاءِ وكانَ ضَمِيرَ خِطابٍ في حِينِ أنَّ الأنْعامَ لَيْسَتْ عُقَلاءَ ولا مُخاطَبَةً، فَقَدْ جاءَ في ذَلِكَ الضَّمِيرِ تَغْلِيبُ العُقَلاءِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرٌ صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كَأنْ يُقالَ: يَذَراكِ بِكَسْرِ الكافِ عَلى تَأْوِيلِ إرادَةِ خِطابِ الجَماعَةِ.

وجاءَ فِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، فَقَدْ جاءَ فِيهِ تَغْلِيبانِ. وهو تَغْلِيبٌ دَقِيقٌ؛ إذِ اجْتَمَعَ في لَفْظٍ واحِدٍ نَوْعانِ مِنَ التَّغْلِيبِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ والسَّكّاكِيُّ في مَبْحَثِ التَّغْلِيبِ مِنَ المِفْتاحِ.

وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلى الجَعْلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) أيْ في الجَعْلِ المَذْكُورِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في (يَذْرَؤُكم) لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ، والتَّجَدُّدُ أنْسَبُ بِالِامْتِنانِ.

وحَرْفُ (في) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ تَشْبِيهًا لِلسَّبَبِ بِالظَّرْفِ في احْتِوائِهِ عَلى مُسَبَّباتِهِ كاحْتِواءِ المَنبَعِ عَلى مائِهِ والمَعْدِنِ عَلى تُرابِهِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ.

* * *

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهْوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾

خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ رابِعٌ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] . ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا قَدَّمَ ما هو نِعَمٌ عَظِيمَةٌ تَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ لا يُماثِلُهُ

صفحة ٤٦

شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في تَدْبِيرِهِ وإنْعامِهِ.

ومَعْنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، فَأُقْحِمَتْ كافُ التَّشْبِيهِ عَلى (مِثْلِ) وهي بِمَعْناهُ لِأنَّ مَعْنى المِثْلِ هو التَّشْبِيهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الكافَ مُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِمَعْنى المِثْلِ، وهو مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِاللَّفْظِ المُرادِفِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وحَسَّنَهُ أنَّ المُؤَكَّدَ اسْمٌ فَأشْبَهَ مَدْخُولَ كافِ التَّشْبِيهِ المُخالِفِ لِمَعْنى الكافِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ الثِّقَلُ الَّذِي في قَوْلِ خِطامٍ المُجاشِعِيِّ:

وصالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ

وإذْ قَدْ كانَ المَثَلُ واقِعًا في حَيِّزِ النَّفْيِ فالكافُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ فَكَأنَّهُ نَفى المِثْلَ عَنْهُ تَعالى بِجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ كَيْفَ يُبْطِلُونَ مُماثَلَةَ الأصْنامِ لِلَّهِ تَعالى.

وهَذا الوَجْهُ هو رَأْيُ ثَعْلَبٍ وابْنِ جِنِّيٍّ والزَّجّاجِ والرّاغِبِ وأبِي البَقاءِ وابْنِ عَطِيَّةَ.

وجَعَلَهُ في الكَشّافِ وجْهًا ثانِيًا، وقَدَّمَ قَبْلَهُ أنْ تَكُونَ الكافُ غَيْرَ مَزِيدَةٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لَيْسَ شَبِيهَ مِثْلِهِ شَيْءٌ. والمُرادُ: لَيْسَ شِبْهَ ذاتِهِ شَيْءٌ، فَأثْبَتَ لِذاتِهِ مِثْلًا ثُمَّ نَفى عَنْ ذَلِكَ المِثْلِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُماثِلِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، أيْ بِطَرِيقِ لازِمِ اللّازِمِ لِأنَّهُ إذا نَفى المِثْلَ عَنْ مِثْلِهِ فَقَدِ انْتَفى المِثْلُ عَنْهُ إذْ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَمّا اسْتَقامَ قَوْلُكَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَ مِثْلِهِ. وجَعَلَهُ مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ قَدْ أيْفَعَتْ لِداتُهُ، أيْ أيْفَعَ هو فَكُنِّيَ بِإيفاعِ لِداتِهِ عَنْ إيفاعِهِ.

وقَوْلِ رُقَيْقَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ في حَدِيثِ سُقْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ: ألا وفِيهِمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ لِداتُهُ، أيْ ويَكُونُ مَعَهُمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ .

وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنِ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ. وبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: هو كَقَوْلِكَ لَيْسَ لِأخِي زَيْدٍ أخٌ، تُرِيدُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ أخٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِزَيْدٍ أخٌ لَكانَ زَيْدٌ أخًا

صفحة ٤٧

لِأخِيهِ فَلَمّا نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِأخِيهِ أخٌ فَقَدْ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ أخٌ، ولا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى هَذا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والإبْهامِ وكِلاهُما مِمّا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ.

وقَدْ شَمِلَ نَفْيُ المُماثَلَةِ إبْطالَ ما نَسَبُوا لِلَّهِ البَناتِ وهو مُناسَبَةُ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا الآيَةَ.

وحَدِيثُ سُقْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ، أيْ خَبَرُ اسْتِسْقائِهِ لِقُرَيْشٍ أنَّ رُقَيْقَةَ بِنْتَ أبِي صَيْفِيٍّ قالَتْ: تَتابَعَتْ عَلى قُرَيْشٍ سُنُونَ أقْحَلَتِ الضَّرْعَ وأدَقَّتِ العَظْمَ، فَبَيْنا أنا نائِمَةٌ إذا هاتِفٌ يَهْتِفُ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ هَذا النَّبِيءَ المَبْعُوثَ مِنكم قَدْ أظَلَّتْكم أيّامُهُ ألا فانْظُرُوا رَجُلًا مِنكم وسِيطًا عِظامًا جِسامًا أبْيَضَ أوْطَفَ الأهْدابِ سَهْلَ الخَدَّيْنِ أشَمَّ العِرْنِينِ فَلْيُخْلِصْ هو ووَلَدُهُ، ألا وفِيهِمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ لِداتُهُ ولِيَهْبِطْ إلَيْهِ مِن كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ فَلْيَشُنُّوا مِنَ الماءِ ولْيَمَسُّوا مِنَ الطِّيبِ ثُمَّ لْيَرْتَقُوا أبا قُبَيْسٍ فَلْيَسْتَسْقِ الرَّجُلُ ولْيُؤَمِّنُوا فَعِثْتُمْ ما شِئْتُمْ) إلَخْ. قالُوا: وكانَ مَعَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وهو يَوْمَئِذٍ غُلامٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَفَتْ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِنَ المَوْجُوداتِ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى. والمِثْلُ يُحْمَلُ عِنْدَ إطْلاقِهِ عَلى أكْمَلِ أفْرادِهِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: (المِثْلانِ هُما: اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ) اهـ. فَلا يُسَمّى مِثْلًا حَقًّا إلّا المُماثِلُ في الحَقِيقَةِ والماهِيَّةِ وأجْزائِها ولَوازِمِها دُونَ العَوارِضِ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ مُماثِلًا لِلَّهِ تَعالى في صِفاتِ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى لا يُماثِلُها ذَواتُ المَخْلُوقاتِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقاتِ في مَحْسُوسِ ذَواتِها فَهو مُنْتَفٍ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى.

وبِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا في تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجَوارِحِ والحَواسِّ والأعْضاءِ عِنْدَ أهْلِ التَّأْوِيلِ، والَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ تَعالى ما ورَدَ في القُرْآنِ مِمّا نُسَمِّيهِ بِالمُتَشابِهِ فَإنَّما أثْبَتُوهُ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ لا خِلافَ في إعْمالِ قَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ لَهُ.

وإذْ قَدِ اتَّفَقْنا عَلى هَذا الأصْلِ لَمْ يَبْقَ خِلافٌ في تَأْوِيلِ النُّصُوصِ المُوهِمَةِ

صفحة ٤٨

التَّشْبِيهَ، إلّا أنَّ تَأْوِيلَ سَلَفِنا كانَ تَأْوِيلًا جُمْلِيًّا، وتَأْوِيلَ خَلَفِهِمْ كانَ تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا كَتَأْوِيلِهِمُ اليَدَ بِالقُدْرَةِ، والعَيْنَ بِالعِلْمِ، وبَسْطَ اليَدَيْنِ بِالجُودِ، والوَجْهَ بِالذّاتِ، والنُّزُولَ بِتَمْثِيلِ حالِ الإجابَةِ والقَبُولِ بِحالِ نُزُولِ المُرْتَفِعِ مِن مَكانِهِ المُمْتَنِعِ إلى حَيْثُ يَكُونُ سائِلُوهُ لِيُنِيلَهم ما سَألُوهُ. ولِهَذا قالُوا: طَرِيقَةُ السَّلَفِ أسْلَمُ وطَرِيقَةُ الخَلَفِ أعْلَمُ.

ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ صِفاتِ السُّلُوبِ أعْقَبَ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهي مِنَ الصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةِ وذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ السَّمِيعُ البَصِيرُ الدّالَّيْنِ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِالمَوْجُوداتِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ نَفْيَ مُماثَلَةِ الأشْياءِ لِلَّهِ تَعالى لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ الِاتِّصافِ بِما اتَّصَفَتْ بِهِ المَخْلُوقاتُ مِن أوْصافِ الكَمالِ المَعْنَوِيَّةِ كالحَياةِ والعِلْمِ ولَكِنْ صِفاتُ المَخْلُوقاتِ لا تُشْبِهُ صِفاتِهِ تَعالى في كَمالِها لِأنَّها في المَخْلُوقاتِ عارِضَةٌ، وهي واجِبَةٌ لِلَّهِ تَعالى في مُنْتَهى الكَمالِ، فَكَوْنُهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا مِن جُمْلَةِ الصِّفاتِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ ظِلالِ التَّأْوِيلِ بِالحَمْلِ عَلى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَلَمْ يَقْتَضِيا جارِحَتَيْنِ.

ولَقَدْ كانَ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ ذَلِكَ بِهِما شَبِيهًا بِتَعْقِيبِ المَسْألَةِ بِمِثالِها.

42:12Страница 484

لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٢

Ему принадлежат ключи небес и земли. Он увеличивает или ограничивает удел, кому пожелает. Он знает о всякой вещи.

﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

خَبَرٌ رابِعٌ أوْ خامِسٌ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِما تَقَدَّمَها، لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ هو الوَلِيُّ وما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: يَذْرَؤُكم فِيهِ مِنِ انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ، ثَبَتَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالرِّزْقِ.

والمَقالِيدُ: جَمْعُ إقْلِيدٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ جَمْعُ مِقْلادٍ، وهو المِفْتاحُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ.

صفحة ٤٩

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ هي مِلْكُهُ لا مِلْكُ غَيْرِهِ.

والمَقالِيدُ هُنا اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ لِخَيْراتِ السَّماواتِ والأرْضِ، شُبِّهَتِ الخَيْراتُ بِالكُنُوزِ، وأُثْبِتَ لَها ما هو مِن مُرادِفاتِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو المَفاتِيحُ، والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ المُتَصَرِّفُ بِما يَنْفَعُ النّاسَ مِنَ الخَيْراتِ. وأمّا ما يَتَراءى مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ النّاسِ في الخَيْراتِ الأرْضِيَّةِ بِالإعْطاءِ والحِرْمانِ والتَّقْتِيرِ والتَّبْذِيرِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ لِقِلَّةِ جَدْواهُ بِالنِّسْبَةِ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ. وبَسْطُ الرِّزْقِ: تَوْسِعَتُهُ، وقَدْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ قِلَّتِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

وجُمْلَةُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو كالعِلَّةِ لِقَوْلِهِ: لِمَن يَشاءُ، أيْ أنَّ مَشِيئَتَهُ جارِيَةٌ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِما يُناسِبُ أحْوالَ المَرْزُوقِينَ مِن بَسْطٍ أوْ قَدْرٍ.

وبَيانُ هَذا في قَوْلِهِ الآتِي ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English